إسلام ويب

حسن الخلقللشيخ : سيد حسين العفاني

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد دعا الإسلام إلى التخلق بمكارم الأخلاق، والابتعاد عن الأخلاق السيئة، ولقد كان النبي عليه الصلاة والسلام القدوة العظمى للأمة في حسن الخلق، واقتدى به أصحابه الكرام وأتباعه وأتباعهم إلى يوم الدين. وقصص الصحابة والسلف الصالح في تمسكهم بمكارم الأخلاق والابتعاد عن سيئها شيء عظيم عجيب.

    1.   

    التزكية وحسن الخلق

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1].

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71] .

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

    وإن ما قل وكفى خير مما كثر وألهى، إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَآتٍ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ [الأنعام:134] .

    موضوعنا عن التزكية وحسن الخلق، ولله در من قال:

    يا من تنهش في أحشائي.

    يا من مني.

    يا من جزءاً من أجزائي.

    يا من تبدو للجهال كأنك دائي.

    إني أعلم أنك حتماً فيك شفائي.

    قل لي هل يأتيك ندائي؟

    إنك مني.

    أنت كأني لست أرائي.

    أنت كأني حين شقائي.

    حين جهلت طريق إلهي من عند الألف إلى الياء.

    حين تصورت الدنيا حسي وغذائي وكسائي.

    إنك مني.

    إنك مسلم تشهد أن إلهك واحد.

    إنك فيها من شركائي.

    لكنك دوماً تطعنني من خلفي وفي كعب حذائي.

    حين أراك تقوم بهذا يغرقني خجلي وحيائي.

    ووشاة القوم إذا بانوا تسري الطعنة في أحشائي.

    قل لي هل يأتيك ندائي؟

    أبغ العزة عند إلهك.

    ليس العز دمي وبكائي.

    وغداً من قواك يميتك، إن أنت أهملت ندائي.

    الكلام عن حسن الخلق في هذه الأيام كما يقول جمال الدين القاسمي علامة الشام: هذا وقت تسكب فيه العبرات، فهذا موضع تسكب فيه العبرات، والله عز وجل أقسم أحد عشر قسماً متتالية في سورة واحدة من كتابه، أن المطلوب صلاح النفوس بالتزكية، قال تعالى: وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا * وَالْقَمَرِ إِذَا تَلاهَا * وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا * وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا * وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا * وَالأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا * وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا [الشمس:1-9] .

    وتزكية النفوس: تحليتها بالفضائل وبالأخلاق الجميلة؛ بالعفو مع الكتمان.. وبالصفح.. وبالحلم.. وبالتغافل.. وبقبول ظاهر الناس وترك سرائرهم إلى الله عز وجل، فهذه أخلاق طيبة قامت عليها ربع الرسالة المحمدية، كما قال الله تبارك وتعالى: كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ [البقرة:151] .

    ولقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اللهم آت نفسي تقواها، زكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها)، فمطلب عظيم بعد التوحيد تحلية النفس بالأخلاق الحسنة، كما أمر الله تبارك وتعالى كليمه موسى أن يذهب إلى فرعون، يقول الله تبارك وتعالى له: فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى * وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى [النازعات:18-19]، ففي البداية يكون الوعظ الحسن.

    ثم يقول الله تبارك وتعالى: وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُوْلَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلى * جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى [طه:75-76] فجعل الله عز وجل الجنات العلى لمن تزكى.

    وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن تزكية النفس إحدى موجبات ذوق حلاوة الإيمان، قال صلى الله عليه وسلم: (لا يجد العبد طعم الإيمان إلا بثلاث: أن يشهد أن الله وحده لا شريك له، وأن يؤدي زكاة ماله طيبة بها نفسه، ولا يعطي الدرنة ولا الهرمة ولا المريضة ولكن من أوسط أموالكم، وأن يزكي نفسه، قيل: وما تزكية النفس يا رسول الله؟! قال: أن يعلم أن الله معه حيث كان).

    فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم تزكية النفس إحدى ثلاث لذوق طعم الإيمان، وأعلى درجات الإحسان: (أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك).

    وتزكية النفوس وسلامة القلوب أمر مسلم إلى الرسل وإلى الأنبياء لا يخضع إلى مجرد المجاهدة، ولا إلى مجرد الرياضة بدون علم نبوي وتزكية نبوية، فلا يستطيع الإنسان أن يعالج نفسه بدون وجود طبيب، أو يخضع جسده لمجرد التجارب بدون علم وبدون طب، وإلا فإن الشريعة قد ضمنت الطبيب الجاهل الذي ليس عنده علم، ومن يتلف عضواً فعليه دفع الدية لذلك العضو الذي أتلفه، فكيف بطب القلوب؟! فلا يسلم إلى الناس ولا إلى الصوفية ولا إلى أصحاب المواجيد، وإنما يسلم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما قال الله عز وجل: هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ [الجمعة:2].

    والعنصر الأخلاقي عنصر متين في شرع الله عز وجل، فقد أثنى الله على نبيه بقوله: وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ [القلم:4]، قال ابن عباس : وإنك على دين عظيم لا دين أحب إلي وأكرم عندي مما أنت عليه.

    وقد سئلت السيدة عائشة رضي الله عنها عن خلق الرسول صلى الله عليه وسلم، فقالت: (كان خلقه القرآن).

    وأصالة هذا الدين ثبتت في أخلاق رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا الثناء العلوي، وهذا التكريم العظيم من الكبير المتعال لشخص رسول الله صلى الله عليه وسلم، هذا عظمة العظمات أن يتلقى رسولنا صلى الله عليه وسلم هذا الثناء العلوي، وهذا التكريم العظيم، وهو يعلم من عظم ربه ما لا يحيط به أحد من البشر سواه، ويعلم قائل هذه الآيات، ومتى قيلت، في أعظم كتاب من كتب الله عز وجل، تتجاوب فيه أصداء الوجود، يبقى ما بقت الأيام، ثم لا يفخر رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت وطأة هذه الكلمات العظيمة، بل لا تزيد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا نوراً على نور، وتواضعاً ورحمة.

    قال سيد قطب : هذه عظمة العظمات في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    يعني: سيدنا رسول الله وهو بشر، وسيد البشر كان يثني على أحد من أصحابه فمن هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بشر لا يستطيع الصحابي إلا أن يفتخر على الصحابة بهذا الثناء.

    سيدنا سعد بن أبي وقاص وهو أحد العشرة المبشرين بالجنة، قال له سيدنا الرسول صلى الله عليه وسلم: (ارم سعد فداك أبي وأمي) فقال سيدنا سعد مفتخراً على الصحابة: لقد جمع لي رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أبويه.

    فبهذا الثناء كان يفتخر به على الصحابة، فإذا كان من مناقب سعد بن أبي وقاص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: (ارم سعد فداك أبي وأمي) فما ظنك برسول الله وهو يسمع هذا الكلام العطر ينزل به جبريل في سجل الله الخالد، وهو قوله تعالى: وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ [القلم:4].

    أحاديث تبين فضيلة حسن الخلق

    وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حاثاً على حسن الخلق مع العوام والخواص: (عليك بحسن الخلق، وبطول الصمت، فوالذي نفسي بيده ما تجملت الخلائق بمثلهما).

    وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أثقل شيء في الميزان: الخلق الحسن) .

    وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما أعطي الناس شيئاً خيراً من الخلق الحسن) .

    وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء -أي: لجدال- وإن كان محقاً، وأنا زعيم ببيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب وإن كان مازحاً، وأنا زعيم ببيت في أعلى الجنة لمن حسن خلقه).

    فترك المراء من حسن الخلق، وترك الكذب مازحاً من حسن الخلق، ثم ينص رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقول: (وأنا زعيم ببيت في أعلى الجنة لمن حسن خلقه).

    ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (البر حسن الخلق، والإثم ما حاك به الصدر وخشيت أن يطلع عليه الناس) وهذا حديث النواس بن سمعان .

    وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أحب عباد الله إلى الله أحسنهم خلقاً) .

    وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أفضل المؤمنين أحسنهم خلقاً) .

    وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً) .

    وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أقربكم مني مجالس يوم القيامة أحاسنكم أخلاقاً، الموطئون أكنافاً، الذين يألفون ويؤلفون، وأبعدكم مني مجالس يوم القيامة الثرثارون المتشدقون المتفيهقون، قيل: ما المتفيهقون؟ قال: المتكبرون) .

    وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الرجل ليدرك بحسن خلقه درجة الصائم القائم) .

    وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الرجل ليدرك بحسن خلقه درجة قائم الليل الظامئ بالهواجر) .

    وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن المؤمن المسدد ليدرك بحسن خلقه، وكرم ضريبته ما يبلغه درجة قائم الليل، وصائم النهار).

    وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله كريم يحب معالي الأخلاق، ويكره سفسافها) .

    وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن لله تعالى آنية في الأرض، وآنية الله قلوب عباده الصالحين، وأحبها إليه ألينها وأرقها).

    وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من كان سهلاً هيناً ليناً حرمه الله على النار).

    وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (المؤمنون هينون لينون كالجمل الأنف، إذا انقيد انقاد، وإذا استنيخ على صخرة أناخ) .

    وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (خيركم من يرجى خيره، ويؤمن شره، وشركم من لا يرجى خيره، ولا يؤمن شره) .

    فهذه أحاديث عطرة في حسن الخلق.

    مرجع مكارم الأخلاق

    والإمام ابن القيم أرجع مكارم الأخلاق كلها إلى أربعة: الصبر، والشجاعة، والعفة، والعدل.

    فالصبر: أن الإنسان يصبر على أذى الغير، ويكظم غيظه، ولا يظلم غيره، ولا يتعجل.

    والعفة تدعوه إلى الحياء، وهو رأس كل خير.

    والشجاعة تدعوه إلى مكارم الأخلاق.

    والعدل يكون وسطاً بين حدي الأمر.

    فالشجاعة وسط بين الجبن والتهور، فهي وسط في الأمور.

    والإمام الهروي قال: مرجع مكارم الأخلاق كلها إلى العلم، فإن الرجل إذا لم يكن عالماً بمكارم الأخلاق: بحسنها من سيئها، وضع السيف في موضع الندى، فالعلم يبين مكارم الأخلاق من سيئها.

    وإذا كان الرجل شريفاً فإنه يسامح ويتغاضى عن حقوقه، ويصبر على أذى الناس.

    والخلق الحسن يمكن اكتسابه كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (اللهم آت نفسي تقواها)، وقال: (اللهم اهدني لأحسن الأخلاق فإنه لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلا أنت).

    وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إنما الحلم بالتحلم، وإنما العلم بالتعلم).

    مشاهد حسن الخلق مع المخلوقين

    حسن الخلق يكون مع الخلق ومع الحق، أما حسن الخلق مع الخلق: فلك فيهم أحد عشر مشهداً مما يصيبك من أذى الخلق:

    أنت القتيل بكل من أحببته فاختر لنفسك في الهوى من تصطفي

    الأول: إذا اعتدى عليه رجل، أو سبه، أو ظلمه، أو شتمه يشهد مشهد القدر، يعني: ينظر إلى ظلم غيره له كما ينظر إلى وقوع المطر ووقوع البرد ووقوع ألم الجراح عليه، فيقول: هذا من قضاء الله عز وجل علي وعليه، ومن قدر الله في وفيه، فينظر إلى القدر في حق نفسه لا في حق ربه.

    والدليل على ذلك: أن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلم الناس بربه، قالت السيدة عائشة رضي الله عنها: (ما ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً بيده: خادماً ولا أمة ولا دابة إلا أن يجاهد في سبيل الله).

    وقالت السيدة عائشة : (ما انتقم رسول الله صلى الله عليه وسلم لنفسه قط إلا في حق من حقوق الله عز وجل، فلا يقوم لغضبه شيء حتى ينتقم لربه) ، أما في حق نفسه فيسامح.

    وكما قال سيدنا أنس رضي الله عنه: (والله ما لمست ديباجاً ألين من كف رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما شممت عطراً أطيب من طيب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولقد خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر سنوات فما قال لي لشيء فعلته: لم فعلته؟ ولا قال لي لشيء لم أفعله: لم لم تفعله؟ وكان إذا عاتبني بعض أهله قال: دعوه، فلو قضي شيء لكان).

    إذاً: تفنى عن حق نفسك، وتنظر إلى مشهد القدر في حق غيرك.

    المشهد الثاني: مشهد الصبر، وأنت تعلم جزاء وثواب الصابرين، وقد قال فيه صلى الله عليه وسلم: (ليس الشديد بالصرعة، وإنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب).

    وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من كضم غيظاً وهو قادر على أن ينفذه أتى الله به على رءوس الخلائق حتى يخيره من الحور العين، فيزوجه منها ما يشاء).

    وحديث آخر قال فيه الرسول صلى الله عليه وسلم: (من كضم غيظاً وهو قادر على أن ينفذه ملأ الله قلبه رضاً يوم القيامة) .

    وسيدنا سلمان الفارس أتى إليه رجل فشتمه فقال: يا هذا! إن ثقلت موازيني فأنا خير مما تقول، وإن خفت موازيني فأنا شر مما تقول.

    وشتم رجل الربيع بن خثيم تلميذ سيدنا عبد الله بن مسعود ، الذي قال فيه سيدنا عبد الله بن مسعود : أما والله لو رآك محمد صلى الله عليه وسلم يا ربيع لفرح بك.

    وكان إذا رآه يقول: وبشر المخبتين، جلس خمس عشرة سنة في بيت سيدنا عبد الله بن مسعود والجارية التي على الباب لا تعرف أنه صحيح البصر، وكانت تقول: يا سيدي! صاحبك الأعمى الربيع بن خثيم أتى، فكانت تظن أنه أعمى من كثرة غض بصره إلى الأرض.

    والربيع بن خثيم أتى إليه رجل فشتمه فقال له: يا هذا! إن دون الجنة عقبة إن جزتها فأنا خير مما تقول، وإن لم أجتزها فأنا شر مما تقول.

    وأتى رجل إلى سيدنا عمر بن عبد العزيز وهو خليفة فشتمه فأنصفه وصبر سيدنا عمر بن عبد العزيز، ثم قال له: أردت اليوم أن يستفزني الشيطان بعز السلطان فأنال منك اليوم ما تناله مني غداً، هذا والله لن يكون.

    وقد قال الله عز وجل: إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ [الزمر:10]، وثواب الصبر كالماء المنهمر كما قال ميمون بن مهران : لا حد له.

    المشهد الثالث: مشهد العفو والحلم والصفح، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (ما ازداد عبد بعفو إلا عزاً).

    ليس أحد يعفو إلا ويزيده الله رفعة في الدنيا والآخرة، والأمثلة على ذلك ما يلي: السيدة أم المؤمنين صفية بنت حيي بن أخطب أتت مولاة لها إلى سيدنا عمر وقالت له: إن صفية تفضل السبت على الجمعة، وتصل قوماً من اليهود، فسيدنا عمر أرسل إلى السيدة صفية يسألها فقالت: والله ما أحب السبت بعد أن أبدلني الله خيراً منه الجمعة، أما صلتي لليهود: فإن لي فيهم رحماً، ثم أتت إلى مولاتها فقالت: يا بنيتي! ما حملك على أن تقولي ما قلت؟ اذهبي فأنت حرة لوجه الله.

    وسيدنا عبد الله بن عون كان له جمل يحمل عليه ويحج عليه وكان به معجباً، فأتى مولى من مواليه فلطم الجمل فأسال عينه، فقال الناس: إن كان ثأر من عبد الله بن عون فسيكون اليوم، فلما أتى إليه قال: يا بني! ألا غير الوجه يرحمك الله؟ اذهب فأنت حر لوجه الله.

    وسيدنا الأحنف بن قيس يضرب به المثل في الحلم، سيد أهل المشرق كما قال فيه سيدنا عمر بن الخطاب ، أتى إليه رجل فقال: علمني الحلم، قال: أن تصبر على الذل يا بني!

    وأتى إليه رجل فشتمه، ثم شتمه مرة ثانية وهو ساكت، ثم شتمه للمرة الثالثة وهو ساكت، فبكى الرجل الذي كان يشتم وقال: والله ما يمنعك من الرد علي إلا هواني عليك، يعني: أنت تستخف بي.

    وأتى إليه رجل فشتمه في الطريق، حتى أوصله إلى خيام أهله فقال: يا هذا! إن كان عندك شيء فأت به، فقد أتيت إلى مضارب قومي ولا آمن عليك سفهاء الحي أن يؤذوك.

    وقالوا للأحنف بن قيس : ممن تعلمت الحلم؟ قال: من قيس بن عاصم المنقري الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم: (هذا سيد أهل الوبر).

    وقد بلغ من حلمه بينما هو جالس مع رضيع له يداعبه إذ أتت مولاة له بلحم مشوي على حديد محمى فوقع على الولد فقتله، فارتاعت الجارية فقال: لا روع عليك، أنت حرة لوجه الله.

    وبينما هو في حبوته - يعني: جامع يديه إلى ركبتيه- إذ أتوا بابن أخ له قد قادوه مكتوف الأيدي وقد قتل ابنه، قالوا: فوالله ما حل حبوته ولا تغير وجهه، وإنما قال: أذعرتم الفتى، ثم قال: يا ابن أخي! أنقصت عددك، وأثمت بربك، وأسأت إلى قومك، وقتلت نفسك بيدك، ثم قال: حلوه، ثم قال: اذهبوا إلى أم ولدي فادفعوا الدية لها فإنها غريبة.

    يقول مثل ما قال سيدنا يوسف: قَالَ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ [يوسف:92].

    وهذا نبي الله يوسف عليه السلام حتى مجرد تذكيرهم بالإساءة وما عملوه فيه لما جمع الله بينه وبين إخوته وبين أبيه، قال يوسف: وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ [يوسف:100] ولم يقل: إذ أخرجني من الجب؛ لأن إخوته كانوا جالسين، فلم يذكرهم بغدراتهم به.

    المشهد الرابع: مشهد الرضا، كما يقول الشاعر:

    من أجلك جعلت خدي أرضا للشامت والحسود حتى ترضى

    وهو أن ترضى بقضاء الله عز وجل عليك، فالرضا بعذابه فيك عذب.

    سيدنا عمر بن عبد العزيز علم من سمه من مواليه في اليوم الذي سمه، ثم قال رضي الله عنه: والله لو أعلم أن شفائي في مد أصبعي ما مددتها، أحبه إلى الله أحبه إلي.

    عذابه فيك عذب وبعده فيك قرب

    وأنت عندي كروحي بل أنت منها أحب

    حسبي من الحب أني لما تحب أحب

    المشهد الخامس: مشهد الإحسان، وهو أعلى درجة من مشهد الرضا،وهو أن الرجل إذا أساء إليك تحسن إليه، فكما قال العلماء: اقتضاء الثواب الهبة، فالرجل إذا وهبك شيئاً فأنت تجازيه وتحسن إليه، إذاً: من ظلمك تحسن إليه.

    وهناك أمثلة: فسيدنا أبو بكر الصديق كان ينفق على مسطح بن أثاثة، فلما قال في عائشة ما قال وتكلم في عرضها وهي زوج رسول الله، حلف أبو بكر الصديق ألا ينفق عليه، فلما نزلت قوله تعالى: وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ [النور:22] عاد أبو بكر إلى النفقة على مسطح .

    وإبراهيم بن أدهم كان في المقابر فمر عليه جندي وقال له: يا رجل! أين العمران؟ فأشار إلى المقابر، فعلاه بالسوط فشق رأسه، ثم أراد أن يدخله المدينة من أجل أن يراه الناس، لأنه يقول له: أين العمران؟ فيشير إلى المقابر، فتلقاه أهل المدينة بالبشاشة والاحترام؛ لأنهم يعلمون مكانة إبراهيم بن أدهم وجعلوا يقبلون رأسه، فلما نظر الجندي إلى الناس وهم يقبلونه أراد أن يقبل يده ورجله، فقال: لا يا بني، والله ما علوتني بالسوط حتى دعوت الله لك بالجنة؛ لأني أعلم أن ثواب صبري الجنة، فما أردت أن يكون نصيبي منك الجنة ونصيبك مني الأذى.

    وقال الفضيل بن عياض : من أفضل من قابلتهم رجل كان في الحج، وبين هو في الطواف إذ سرق ماله فظل يبكي إلى قبيل الغروب، فقلت له: أمن أجل المال تبكي؟ قال: لا والله، وإنما تذكرت هذا الذي سرقني وضعف حجته بين يدي الله عز وجل، فبكيت رحمة له.

    والربيع بن خثيم اشترى فرساً بثلاثين ألف درهم وأراد أن يغزو عليها، وعندما انصرف الغلام قام الربيع ليصلي، فأتى السارق فسرق فرس الربيع، فلما أتى الغلام قال: يا ربيع ! أين الفرس؟ قال: سرقت، قال: سرقت وأنت تنظر إليها؟ قال: ما كان شغل يشغلني عن الصلاة، ثم رفع يده إلى السماء، وقال: اللهم إنه سرقني ولم أكن لأسرقه، اللهم إن كان غنياً فاهده وإن كان فقيراً فاغنه.

    فهذه الأخلاق موجودة في عوام المسلمين، وفي أعضاء الحركات الإسلامية غير موجودة، وأقسم بالله على هذا إلا النادر، وبهم يرفع البلاء عن أهل الأرض.

    فمشهد الإحسان: أن تحسن إلى من أساء إليك وهو في موقف ذلة، وجاء يعتذر إليك، فالجزاء من جنس العمل، وستكون يوم القيامة في موقف ذلة وتحتاج إلى ربك ليحسن إليك، والجزاء من جنس العمل، ومن لا يرحم لا يرحم.

    المشهد السادس: مشهد سلامة القلب وبرد القلب، وهو أن تنام وليس في قلبك غل لأحد من المسلمين، فتنام سليم الصدر للمسلمين، فلا تشغل قلبك بالوساوس والضغائن والأحقاد وتلقي الكلمات، وإنما تشغله بالأهم عما هو مهم.

    وقد قال سيدنا موسى عندما قال: يا رب من هم الذين تظلهم في ظلك يوم لا ظل إلا ظلك؟ قال: هم الطاهرة قلوبهم، البريئة أيديهم.

    والنبي صلى الله عليه وسلم قال: (خيركم ذو القلب المخموم، قالوا: وما القلب المخموم يا رسول الله؟ قال: الذي لا غل فيه، ولا حقد، ولا حسد).

    وبينما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم جالساً مع أصحابه قال: (يطلع عليكم رجل من أهل الجنة) وما كان في هذا الرجل من فضيلة تفضله إلا أنه يبيت وليس في صدره غل لأحد من المسلمين.

    قال الفقهاء: إن الماء إذا بلغ القلتين لم يحمل الخبث، ومذهب علماء الجرح والتعديل أن من زادت حسناته على سيئاته صارت سيئاته كالقطرة بجوار اليم، فتكتم سيئاته.

    يعني: عندما أكون في طريق طوله ثلاثون كيلو متراً مملوء على الجانبين بالزهور وفيه صفيحة الزبالة فإنها تضيع في وسط الثلاثين كيلو زهور.

    فكلك لأخيك إلا ما حرمه الله ورسوله، ولا تكتمل الصحبة حتى تقول لأخيك: يا أنا.

    كان الحجاج بن يوسف الثقفي يبحث على إبراهيم النخعي من أجل أن يقتله، فلما طرقت جنود الحجاج بيت إبراهيم التيمي قالوا: أين إبراهيم ؟ وهو يعلم أن الحجاج يبحث عن إبراهيم النخعي ، قال: أنا إبراهيم؛ فقادوا إبراهيم التيمي وعذبوه حتى قتل وما رضي إبراهيم التيمي أن يقول: إنك تبحث عن إبراهيم النخعي من أجل ينجي الثاني، فرأى الحجاج منادياً يقول له: مات اليوم رجل من أهل الجنة، فلما أصبح قال: هذا من وسوسة الشيطان ثم ألقاه على المزابل.

    فهذا رجل يفدي أخاً له من الدعاة ولو كان الثمن تعرضه للموت، أين هذه الأخلاق؟ أين بساتين السلف العطرة وأخلاقهم العطرة؟

    المشهد السابع: مشهد الأمن، فالانتقام دائماً يؤدي إلى عداوة، ولا تأمنوا عدوكم فإن معظم النار من مستصغر الشرر.

    المشهد الثامن: مشهد الجهاد وهو أعلى من المشهد السابق، فالرجل الذي ينصب نفسه مجاهداً لله عز وجل، آمراً بالمعروف ناهياً عن المنكر، فالله عز وجل: اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ [التوبة:111]لإ فإذا صح عقد بيع نفسك لله عز وجل فلا تسأل عن نفسك.

    إن كنت واقفاً على ثغر من ثغور الإسلام فقد تم الشراء، إذاً: فنفسك هذه ليست لك؛ لأنك بعتها لله عز وجل، فلا تسأل عن حظ النفس، فلو صح البيع لا تلتفت إلى حظ النفس أبداً، وهذا مشهد من ينزل نفسه منزلة المجاهد.

    المشهد التاسع: مشهد النعمة: وهو أن تنزل نفسك منزلة المظلوم يترقب الصفح، لا منزلة الظالم الذي يترقب مقت الله وأخذه، وفي الأمر عادة أن تشهد أن بلية أهون من بلية أخرى، وأن هذه البلية في بدنك وليست في دينك، كما حبس أحد السلاطين الظلمة رجلاً فكتب إليه أخ له في الله: احمد الله عز وجل، واشكر الله عز وجل، فزاد عليه في الأنكال والسلاسل، فكتب إليه: احمد الله عز وجل، فقيده مع ذمي، وكان هذا الذمي مبطوناً، أي: كان عنده إسهال، فكان يذهب إلى دورة المياه في الليل كثيراً جداً، فعندما يذهب يشد الآخر بالسلاسل فيقوم معه، فكتب إليه أخوه في الله يقول له: اشكر الله عز وجل، قال: على ماذا؟ أنا كل ما أكتب لك تقول لي: اشكر الله، وعندما تزداد مصائبي تقول لي: اشكر الله، على ماذا؟! فكتب إليه: أن جعل القيد في يدك لا في رجلك، وأن جعل الزنار في وسطه لا في وسطك.

    وكان أحد الصالحين يقول: والله! عندما أخرج من بيتي إلى المسجد لا آمن حتى أدخل المسجد مخافة أن أرتد عن ديني، أي: مخافة أن أفتن.

    فمشهد النعمة: هو أن تحمد الله عز وجل على نعمة أخف من نعمة، وضرر أخف من ضرر، وتشكره أن جعلك مظلوماً ولم يجعلك ظالماً.

    المشهد العاشر: مشهد الأسوة، قال الإمام الشافعي : لا يمكن الرجل حتى يبتلى.

    وقال ابن القيم : فالطريق طويل تعب فيه آدم، وناح فيه نوح، وألقي في النار إبراهيم، وضجع للذبح إسماعيل، وشق بالمنشار زكريا، وذبح السيد الحصور يحيى، وعاش مع الوحوش عيسى، وقاسى الضر أيوب، وزاد على المقدار في البكاء داود، واتهم بالسحر والشعوذة والجنون رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكسرت رباعيته، وشج رأسه، ومثل بجثة عمه، وربط الحجر على بطنه من شدة الجوع، ولله خزائن السماوات والأرض.

    قال الإمام ابن القيم: سم أبو بكر، وطعن عمر، وذبح عثمان، وطعن علي ثم الحسن بن علي، فالخلفاء الراشدون الخمسة لا يوجد واحد منهم مات موتة طبيعية.

    وداست الخيل بسنابكها الحسين بن علي ، وسم عمر بن عبد العزيز، وذبح سعيد بن جبير وما في الأرض رجل إلا وهو محتاج إلى علمه، ولولا مصائب الدنيا لوردنا الآخرة مفاليس، فاتق الله تبارك وتعالى.

    المشهد الحادي عشر: مشهد التوحيد، إن من فرغ قلبه لله عز وجل، وقرت عينه بالله عز وجل، وأنس بالله عز وجل، واشتاق إلى الله عز وجل، وصار الله عز وجل له ولياً، وشغل نفسه بالله عز وجل وبمراد الله عز وجل منه، لا بمراده من الله عز وجل، شغل وفني عن أذى المخلوقين.

    الحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    أما بعد:

    فالتربية بالقدوة خير وسائل التربية، وهنالك أمثلة من حال عباد ومن علماء سلفنا الصالح من أجل أن نعرف أخلاقنا من أخلاقهم.

    قال الكتاني: صاحبت أخاً في الله عز وجل فثقل علي، فجعلت أتصدق نيابة عنه، لعل الله عز وجل يزيل ما في صدري من ناحيته، فلما لم يزل خلوت به في موضع فوضعت خدي على الأرض وقلت: بالله لتطأن بقدمك على خدي، فلما فعل زال ما كنت أحسه تجاهه.

    ورجل من عباد السلف مشى من الحجاز إلى الشام، حتى يسأل عن صحة هذه القصة، فقيل له: هي صحيحة.

    والإمام ابن منده وكان عالماً من كبار علماء الحنابلة لما قالوا له: قال شعبة : (من تعلمت منه حرفاً فأنا له عبد) قال: لا والله، بل من أخذ مني حرفاً فأنا له عبد، وليس من علمني حرفاً فأنا له عبد، فالرجل الذي يصبر علي ليأخذ مني ولو حديثاً واحداً فربما أكون أنا مراء به فيدعو الله لي، فمن علمته حرفاً فأنا له عبد؛ لأنه ربما دعا الله لي، واستجاب الله تبارك وتعالى.

    وسيدنا الحسن البصري كان إذا أراد أن يقابل الناس فتح بابه، فدخل أعرابي البيت؛ لأنه وجد الباب مفتوحاً، فوجد تحت سرير الحسن البصري طعاماً فجعل يأكل، فلما أتى الحسن بكى فقال: ما يبكيك؟ قال: ذكرني هذا بأخلاق قوم خيار قد ذهبوا.

    والإمام أبو إسحاق الشيرازي كان معه طالب علم يتعلم عليه، وهذا الطالب كان غريباً ويحس بالغربة فقال له أبو إسحاق الشيرازي: أنت لست غريباً بل أنت من بلادنا، قال: كيف وأنت من فيروز أباد؟ قال: ألسنا كنا معاً في سفينة نوح؟ أليس أبي وأبوك كانوا في سفينة نوح؟ إذاً: نحن من بلد واحد.

    ورجل آخر كان غنياً فقال لرجل فقير: أنت قريب لي، قال له: لماذا؟ قال: أبي وأبوك سيدنا آدم، فأعطاه قرشاً وقال له: اذهب به إلى بقية أفراد العائلة.

    وسيدنا معاوية بن أبي سفيان دق عليه رجل الباب فقال: أنا قريب لك، قال: من عند من؟ قال: من عند آدم، قال: نسب مقطوعة، والله! لأكونن أول من يصلها ثم أعطاه.

    وأبو عثمان الجريري شيخ الإسلام كان ماشياً في الطريق فألقت امرأة عليه رماداً فالتفت وقال: إن من استحق النار فصولح بالرماد لا يجوز له أن يغفل.

    أي: الرجل الذي استحق النار فرمي بالرماد لا يستاء.

    والإمام أويس القرني الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم: (سيد التابعين أويس القرني مروه فليستغفر لكم)، وقال: (لو أقسم على الله لأبره) أفضل شخص بعد الصحابة، كان الصبيان يقولون عنه: مجنون، فكانوا يرشقونه بالحجارة، فيقول: يا إخواني! إن كان ولا بد فبالصغار، أي: بدل أن تكون حجارة كبيرة تكون حجارة صغيرة؛ حتى لا تدموا قدمي فتمنعوني من الصلاة.

    وسيدنا عتبة بن زيد بن عوف الأنصاري صاحب الرسول صلى الله عليه وسلم لما حث رسول الله على الجهاد والصدقة وكان من فقراء المسلمين قام يصلي في الليل، ودعا في صلاته وقال: اللهم إن رسولك قد حث على الصدقة وليس عندي ما أتصدق به، اللهم إني أتصدق بعرضي على كل من ظلمني من المسلمين، فقام الرسول صلى الله عليه وسلم فقال: (من المتصدق بعرضه الليلة؟ فقام سيدنا عتبة بن زيد ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: والذي نفسي بيده قد قبلت صدقتك في الزكاة المتقبلة) .

    وقال العلماء: الحر من يرعى وداد لحظة، ومحمد بن واسع كانت له شاة مكثت عنده في بيته أياماً ثم أراد أن يبيعها، فقال للمشتري: أحسن صحبتها فإنها مكثت عندنا أياماً، وأصبح لها علينا حق، فالحر من يرعى وداد لحظة.

    وسيدنا الحسن البصري كان يقول لإخوانه: كان الرجل في الجاهلية يقول: والله لا يؤذى كلب جاري، وهذا في الجاهلية فكيف بالإسلام؟!

    والإمام أحمد بن حنبل قال: جعلت الناس كلهم في حل إلا المبتدع، ثم قال الإمام أحمد : ما الخير أن يدخل أحد من المسلمين بسببك النار وتعوقه عن الجنة.

    وشيخ الإسلام ابن تيمية قالوا عنه: إنه كان فتى الفتيان، قال أحد أصحابه: يا ليتني لإخواني كـابن تيمية لأعدائه، مات أكبر عدو له فأتى ابن القيم يهنئه بذلك فنهره وقال: دلني على بيته، ثم استغفر واسترجع وقال لأهله: أنا مكانه وأي طلب تطلبونه أعطيه لكم، ثم جعل يعدد من مناقب الرجل، قال ابن القيم : والله ما رأيته يدعو على أحد من أعدائه قط، بل كان يدعو لهم.

    وبرغم هذا كان شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: ما أسلمت إسلاماً جيداً إلى الآن، وأنا كل يوم أجدد إسلامي.

    وتزوج رجل امرأة فوجدها مصابة بالجدري فقال لها في ليلة البناء: عميت عيناي، فمكث عندها عشرين عاماً، فقال له جاره: لم لم تقل لها: إنك تبصر؟ قال: أخشى أن يؤذيها أني أعرف مرضها، فجعلت نفسي أعمى من أجل ألا أؤذيها، فتعامى الرجل وجلس مع امرأته عشرين سنة يريها أنه أعمى لا ينظر إلى مرضها.

    قال العلماء: حسن الخلق ألا تشهد لك سطوة، وألا ترى لك حقاً، وأن ترى أن كل ما يأتي منك يوجب عذراً، وكل ما يأتي من الحق يوجب شكراً، فلا بد من الوفاء مع الله أبداً.

    وحاتم الأصم أتت إليه امرأة تسأله في مسألة فخرج منها صوت، فقال: ارفعي صوتك، ليريها أنه لم يسمع الصوت، فقالت: الحمد لله وهذا لقب بـالأصم وما كان أصم بل تصامم، ووضع نفسه أنه لم يسمع، وهذه هي فتوة الفتيان.

    و الخليل بن أحمد كان يمشي مع محمد بن مناذر ، والخليل بن أحمد الفراهيدي شيخ علماء العربية، قال ابن مناذر : فانقطع شسع نعلي، فخلع الخليل بن أحمد نعله، فقلت: لم؟ قال: أواسيك في الحفاء. قال: إذا اصطحب الرجلان فليس لأحدهما أن يتقدم عن الآخر بركوبه. أين هذه الأخلاق؟!

    أحد الصالحين يقول لأخ له في الله: لو أعلم أنك أكبر مني بيوم واحد ما تقدمتك في طريق.

    ورجل آخر يقول لأحد تلامذة الجنيد : تقدم أنت، قال: لم؟ قال: لأنك رأيت الجنيد وما رأيته أنا.

    ولذلك قال أهل العلم: إن حسن الخلق أن تقرب من يقصيك، وأن تكرم من يؤذيك، وأن تعتذر إلى من يجني عليك؛ لأن من أصاب مصيبة في الأرض فبذنبك، فجناية الرجل عليك بسبب ذنبك أنت أولاً، فتعتذر إلى من يجني عليك.

    اللهم بك نستنصر فانصرنا، وعليك نتوكل فلا تكلنا، وإياك نسأل فلا تحرمنا، ولجنابك ننتسب فلا تبعدنا، وببابك نقف فلا تطردنا.

    اللهم اغفر لنا ما قدمنا وما أخرنا، وما أسررنا وما أعلنا، وما أسرفنا وما أنت أعلم به منا، اللهم لا تشرف بنا عدونا، ولا تؤذ بنا إخواننا.

    اللهم نق قلوبنا وقلوب إخواننا من الغل والحقد والحسد على أحد من المسلمين.

    اللهم سلم قلوبنا للدعاة أجمعين، اللهم سلم قلوبنا لكل من يدعو إلى دينك، ولكل من تحبه أنت ورسولك.

    رب اجعلنا لك ذكارين.. لك شكارين.. إليك أواهين مخبتين منيبين، تقبل توبتنا، واغسل حوبتنا، واسلل سخيمة صدورنا، بك نستنصر فانصرنا، وعليك نتوكل فلا تكلنا.

    اللهم إنا نسألك لذة العيش بعد الموت، وحسن النظر إلى وجهك الكريم، والشوق إلى لقائك.

    اللهم أنت أصلحت الصالحين فاصلحنا وإخواننا.

    أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.