إسلام ويب

الموتللشيخ : سعد البريك

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الموت حقيقة غفل عنها كثير من المسلمين، فتراهم في دنياهم غافلين، قد ألهتهم الدنيا بما فيها من متاع وزخرف، فأصبحوا يتسابقون إليها ليلاً ونهاراً حتى غفلوا عن آخرتهم والإعداد لها، وما علموا أن في الآخرة أموراً تشيب لها الولدان، وتضع كل ذات حمل حملها ... فالله الله في التوبة والرجوع إلى الله.

    1.   

    حقيقة الموت

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بلغ الرسالة وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، وعبد ربه مخلصاً حتى أتاه اليقين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    فيا عباد الله! اتقوا الله تعالى حق التقوى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً [النساء:1].

    معاشر المؤمنين! هناك ساعةٌ يحب ذكرها الأخيار، ويشتاق لما بعدها الأبرار، ويكره سماعها المترفون والفجار، هناك ساعة لا بد لكل عبد أن يلجها وأحداثها، وما قبلها وما بعدها، وربما كانت بدايةً إلى خلود أبدي، وربما كانت نهاية إلى شقاء سرمدي، تلكم ساعة لا يغفل عنها العقلاء، ويتذكرها أولوا الألباب، ويستعد لها أولو الحجى، وتلكم ساعة يغفل عنها الذين أذهبوا طيباتهم في حياتهم الدنيا، وأعطوا النفوس أمانيها، وأسلموها لأهوائها، وانقادوا لشهواتها.

    هذه الساعة يا عباد الله! جاء جبريل عليه السلام مذكراً إمام الذاكرين محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم، إذ يقول الحبيب المصطفى: (جاءني جبريل فقال: يا محمد! عش ما شئت فإنك ميت، وأحبب من شئت فإنك مفارقه، واعمل ما شئت فإنك مجزي به، واعلم أن شرف المؤمن قيامه بالليل، وعزه استغناؤه عن الناس).

    أيها الأحبة! لا أظن واحداً منكم قد خفيت عليه بعد هذه الساعة، فهي ساعة المنية، فهي ساعة الأجل، وهي ساعة الموت، يوم يبكي الأحباب، ويعجز الأصحاب، ويحار الأطباء، ويطرق العقلاء، ويدرك القوم أن الذي بين أيديهم ليس له نجدة، وليس لرقبته خلاص، ولا لأمره فكاك؛ إلا برحمة من الله ثم ما قدمه من عمل صالح.

    في تلك الساعة يستوي من يموت في قصر منيف، أو يموت في حجرةٍ ضيقة، ويستوي من يموت وقد خلَّف أموالاً طائلة، وربما سعد من مات ولم يخلف ريالاً ولا ديناراً، يستوي من يموت وحوله ولد وزوجة، ومن يموت وحوله حشم وخدم، إذ الكل عاجز أن يقدم لهذا الطريح شيئاً.

    كتب الموت على الخلق فكـم     فل من جيش وأفنى من دول

    أين نمرود وفرعون ومن     ملك الأرض وولى وعزل

    إنه الموت:

    هو الموت ما منه ملاذ ومهرب     متى حط ذا عن نعشه ذاك يركب

    نؤمل آمالاً ونرجو نتاجها     وعل الردى مما نرجيه أقرب

    ونبني القصور المشمخرات في السمـا     وفي علمنا أنا نموت وتخرب

    أيها الأحبة في الله! الموت على وضوح شأنه سرٌ من الأسرار تحير به الألباب، وأذهلت به العقول، واندهش له الأطباء.

    الموت كلمة ترتج لها القلوب، وتقشعر منها الجلود، ما ذكر في قوم فيهم بقية من إيمان إلا ملكتهم الخشية، وأخذتهم العبرة، وأحسوا بالتفريط، وشعروا بالتقصير، فندموا على ما مضى، وأنابوا إلى ربهم.

    ألا وإن نسيان الموت وتناسيه، وكراهة ذكره والتشاغل عن أمره بلاء عظيم، وشر مستطير، فما نسي الموت أحدٌ إلا طغى وبغى، وما غفل عن الموت امرؤ إلا غوى، وحري بكل مسلم أن يتذكره، إذ قال صلى الله عليه وسلم: (أكثروا من ذكر هاذم اللذات).

    الموت: أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ [النساء:78] أمر كتبه الله في هذه الدنيا، حتى نشتاق إلى دار لا موت فيها: اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً [الزمر:42].. وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ [الأنبياء:34].. إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ [الزمر:30].. وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ [ق:19].

    1.   

    الفرق بين المؤمن والكافر في الموت وما بعده

    أيها الأحبة! روى الإمام أحمد في مسنده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن العبد المؤمن إذا كان في انقطاعٍ من الدنيا، وإقبالٍ من الآخرة، نزل إليه ملائكة من السماء بيض الوجوه، كأن وجوههم الشمس ...) وهذا الحديث أود يا معاشر الأحبة! أن نسمع كلماته، وأن نتأمل عباراته، ونحن نتخيل أننا متمددون على الفرش، وأننا أهل هذا الحديث، وأننا ممن يخشى سوء ما فيه، ويرجو نعيماً ورد فيه، وأننا أول من يعنى به؛ لأن بعض المصلين يحضر بقالبه، وأما قلبه فلا يزال في بيته، وبعض المصلين يحضر بجسمه، وأما عقله وفكره فلا يزال في دكانه وبيته.

    والعبرة والتذكرة لمن سمع بأذنه، وأطرق برأسه، وتأمل بقلبه: فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ [الحج:46] فتخيل نفسك الآن وأنت على فراش الموت، ساعة لك الحق بل عليك بل يجب أن تتخيلها، لو قلنا إنك تسافر إلى بلدٍ بعيدة، لتخيلت وصولك، وتخيلت سكنك، وتخيلت مسيرك، وتلك رحلة لا بد منها، فلماذا تأبى أن تتخيلها؟ لماذا تزور ولا تريد أن تتخيل نفسك في حالها ومآلها؟

    أيها الأحبة! قال صلى الله عليه وسلم: (إن العبد المؤمن إذا كان في انقطاعٍ من الدنيا وإقبالٍ على الآخرة، نزل إليه ملائكة من السماء بيض الوجوه، كأن وجوههم الشمس، معهم كفن من أكفان الجنة، وحنوط من حنوط الجنة، حتى يجلسوا منه مد البصر، ويجيء ملك الموت، حتى يجلس عند رأسه، فيقول: أيتها النفس الطيبة! اخرجي إلى مغفرة ورضوان، فتخرج فتسيل كما تسيل القطرة من فيّ السقاء، فيأخذها فإذا أخذها ملك الموت لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يأخذوها، فيجعلوها في ذلك الكفن وفي ذلك الحنوط، ويخرج منه كأطيب نفحة مسكٍ وجدت على وجه الأرض، ويصعدون بها، فلا يمرون على ملأ من الملائكة إلا قالوا: ما هذه الروح الطيبة؟ فيقولان: فلان بن فلان، بأحسن أسمائه التي كان يسمى بها في الدنيا.

    حتى ينتهوا بها إلى السماء الدنيا، فيستفتحون له، فيفتح له، فيشيعه من كل سماء مقربوها إلى السماء التي تليها، حتى ينتهى بها إلى السماء السابعة، فيقول الله عز وجل: اكتبوا كتاب عبدي في عليين، وأعيدوه إلى الأرض في جسده، فيأتيه ملكان، فيجلسانه، فيقولان: من ربك؟ فيقول: ربي الله، فيقولان: ما دينك؟ فيقول: ديني الإسلام، فيقولان: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيقولان: ما يدريك؟ فيقول: قرأت كتاب الله وآمنت به وصدقته، فينادي مناد من السماء، أن صدق عبدي فافرشوه من الجنة، وافتحوا له باباً إلى الجنة.

    قال: فيأتيه من روحها وطيبها، ويفسح له في قبره مد بصره، قال: ويأتيه رجلٌ حسن الوجه، حسن الثياب، طيب الريح، فيقول: أبشر بالذي يسرك، هذا يومك الذي كنت توعد، فيقول: من أنت فوجهك الوجه الحسن، يجيء بالخير؟ فيقول: أنا عملك الصالح، فيقول: رب أقم الساعة، رب أقم الساعة، حتى أرجع إلى أهلي ومالي.

    وإن العبد الكافر إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال على الآخرة، نزل إليه ملائكة سود الوجوه، معهم المسوح، يجلسون منه مد البصر، ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه، فيقول: أيتها النفس الخبيثة! اخرجي إلى سخط من الله وغضب، فتفرق روحه في جسده، فينتزعها كما ينتزع السفود من الصوف المبلول، فيأخذها، فإذا أخذها، لم يدعوها في يده طرفة عين، حتى يجعلوها في تلك المسوح، وتخرج منها كأنتن جيفة وجدت على الأرض.

    فيصعدون بها، فلا يمرون بها على ملأ من الملائكة، إلا قالوا: ما هذه الروح الخبيثة؟ فيقولون: فلان بن فلان، بأقبح أسمائه التي كان يسمى بها في الدنيا، حتى ينتهى بها إلى السماء الدنيا، فيستفتح لها، فلا يفتح له، ثم قرأ صلى الله عليه وسلم: لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ [الأعراف:40] فيقول الله عز وجل: اكتبوا كتابه في سجين، في الأرض السفلى، ثم تطرح روحه طرحاً، ثم قرأ قول الله: وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ [الحج:31].

    فتعاد روحه في جسده، ويأتيه ملكان فيجلسانه، فيقولان له: من ربك.. من ربك؟ فيقول: هاه .. هاه! لا أدري، فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هاه .. هاه! لا أدري، فينادي منادٍ من السماء، أن كذب، فأفرشوه من النار، وافتحوا له باباً إلى النار، فيأتيه من حرها وسمومها، ويضيق عليه قبره، حتى تختلف فيه أضلاعه، ويأتيه رجلٌ قبيح الوجه، قبيح الثياب، منتن الريح، فيقول: أبشر بالذي يسوؤك، هذا يومك الذي كنت توعد، فيقول: من أنت، فوجهك الوجه القبيح، الذي يجيء بالشر؟ فيقول: أنا عملك الخبيث، فيقول: رب لا تقم الساعة) رواه الإمام أحمد.

    أيها الأحبة في الله! هذا مصيرٌ سنواجهه، وكلٌ سينال من الكرامة أو من الهوان بقدر صلاحه أو فسقه، بقدر إنابته أو مخالفته، بقدر خضوعه لله أو تكبره عن أوامر الله عز وجل.

    فلماذا الغفلة؟

    ولماذا التمادي وقد مر من الأعمار ما مر، وعشنا في هذه الدنيا ما يتذكر فيه من تذكر، وجاءنا النذير؟

    بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه من كل ذنب إنه هو الغفور الرحيم.

    1.   

    حال السلف مع الموت

    الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشأنه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    فيا عباد الله! اتقوا الله تعالى حق التقوى، وتمسكوا بشريعة الإسلام، وعضوا بالنواجذ على العروة الوثقى، واعلموا أن أصدق الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة في الدين ضلالة، وكل ضلالة في النار، وعليكم بجماعة المسلمين، فإن يد الله مع الجماعة، ومن شذ شذ في النار عياذاً بالله من ذلك.

    معاشر المؤمنين! لقد كان حال السلف مع أنهم أحسنوا الإعداد، واستعدوا أطيب الاستعداد، كانوا يخافون من الموت، فإذا ذكروا به تذكروا، وإذا زجروا به انزجروا، وإذا وعظوا به اتعظوا، وأما نحن في هذا الزمان، فكم والله رأينا بأعيننا أقواماً غافلين في المقابر يتضاحكون، وإذا مرت الجنائز أمام أبصارهم لا ينتبهون ولا يتدبرون، وإذا ذكر الموت في مجالسهم أعرضوا عن هذا، ولا يحبون من يذكرهم هذه النهاية، لا يحبون من يخبرهم بالحقيقة، لا يحبون من يذكرهم بالأجل، ولكن يعجبهم الذي يخادعهم، ويزور عليهم، ويضحك بعقولهم، ويستخف بأفئدتهم، يحبون الذي يسخر بهم، فيمنيهم فيما يتركون، ويبعدهم عما ينتظرهم ويدركون.

    لما تولى عمر بن عبد العزيز وخطب خطبة الخلافة، ذهب يتبوأ مقيلاً، أي: يبحث عن ضل ليقيل فيه القيلولة، فأتاه ابنه عبد الملك، فقال: يا أمير المؤمنين! من لك أن تعيش إلى الظهر؟ فقال عمر: ادن مني أي بني! فدنى منه فالتزمه، وقبل ما بين عينيه، فقال: الحمد الله الذي أخرج من صلبي من يعينني على ديني، فخرج ولم يقل، وأمر منادياً له أن ينادي: ألا من كانت له مظلمة فليرفعها.

    وقال بعض الناس: دخلنا على عطاء السلمي، نعوده في مرضه الذي مات فيه، فقلنا له: كيف حالك؟ فقال عطاء: الموت في عنقي، والقبر في يدي، والقيامة موقفي، وجسر جهنم طريقي، ولا أدري ما يفعل بي، ثم بكى بكاءً شديداً حتى أغشي عليه، فلما أفاق، قال: اللهم ارحمني وارحم وحشتي في القبر، ومصرعي عند الموت، وارحم مقامي بين يديك يا أرحم الرحمين.

    ودخل المزني عند الإمام الشافعي في مرضه الذي مات فيه، فقال له: كيف أصبحت يا أبا عبد الله؟! فقال: أصبحت عن الدنيا راحلاً، وللإخوان مفارقاً، ولسوء عملي ملاقياً، ولكأس المنية شارباً، وعلى ربي سبحانه وتعالى وارداً، ولا أدري أروحي صائرة إلى الجنة فأهنيها، أو إلى النار فأعزيها؟

    وقال بعض الحكماء: ما زالت المنون ترمي عن أقواس حتى طاحت الجسوم والأنفس، وتبدلت النعم بكثرة الألبس، واستوى في القبور الأذناب والأرؤس، وصار الرئيس كأنه قط لم يرأس، فمن عامل الدنيا خسر، ومن حمل في صف طلبها كسر، وإن خلاص محبها منها عسر، وكل عاشقيها قد قيد وأسر: (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً [الأحزاب:23].

    1.   

    نداء للعودة إلى الله قبل نزول الموت

    فيا أيها المسلم! يا تائهاً بوادي الهوى! انزل ساعة بوادي الفكر يخبرك بأن اللذة قصيرة، والعقاب طويل.

    وا عجباً لمن يشتري شهوة ساعة بالغم والنكد! كانت المعصية ساعة لا كانت، فكم ذلت بعدها النفس، وكم تصاعد لأجلها النفَّس، وكم جرى لتذكارها دمع، أعاذنا الله وإياكم من الغفلة وسوء المنقلب.

    فيا أيها الأحبة! إلى كل غافل: عد قبل أن تتذكر عند الموت.

    وإلى كل ظالم: رد الحقوق إلى أهلها قبل أن تقول: رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ [المنافقون:10] لترد حقوقاً إلى أهلها.

    وإلى كل بخيل شحيح أمسك المال عن أوامر الله ومصارفه، نقول له: أنفق قبل أن تقول: رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ [المنافقون:10].

    وإلى كل متمادٍ في غوائه، وإلى كل سكران في غيه وغفلته، نقول: عد قبل أن تفيق في معسكر الأموات، نقول: عد قبل أن يكشف عنك بصر حديد: فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ [ق:22] وإلى كل مغرور بجلسائه وخلانه نقول: تيقظ قبل أن يتبرأ بعضكم من بعض فتقول: رَبَّنَا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْأِنْسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الْأَسْفَلِينَ [فصلت:29].

    إلى كل من طغى وبغى وغفل وتمادى، إن الموت هو النهاية، وإن الموت هو الغاية، كم تحت هذه الأرض من الأثرياء، ما دفن معهم من ثرواتهم شيء، بل تقاسم ورثتهم أموالهم، وكم تحت هذه الأرض من عالم، ومن صالح، ومن عابد، ومن مجاهد، ومن منفق، ومن حاكم عادل، كم تحت هذه الأرض من أناس مضوا في طاعة الله، فما استطاع أحدٌ أن يقتسم من أعمالهم الصالحة حسنة واحدة.

    إن الورثة بعدك يتقاسمون أموالك، لكنهم لا يتقاسمون أعمالك، هل سمعتم أن ورثة جاءوا ليقتسموا صيام آبائهم، أو حج أمهاتهم، أو صدقات زوجاتهم وأزواجهم، لا. إنما جاءوا ليتقاسموا أموالهم من بعدهم، أما العمل الصالح فهو لك وحدك، لا شريك لك في هذا العمل، أنت تملكه، والله عز وجل هو الذي يتقبله، حينما تكون نيتك صالحة خالصة، أردت بها وجه الله عز وجل.

    فيا أيها الأحباب! عوداً عوداً إلى الله، ورجوعاً رجوعاً إلى التوبة، وإنابة إنابة، فإن اللذات التي يتسابق فيها الغافلون لذات زائلة، ويبقى وزرها، وإن التعب والمجاهدة التي يكابدها الصالحون تعباً منسيا، ويبقى أجورها.

    اعتزل ذكر الأغاني والغزل          وقل الفصل وجانب من هزل

    ودع الذكر لأيام الصبا     فلأيام الصبا نجم أفل

    إن أهنا عيشة قضيتها     ذهبت لذاتها والإثم حل

    وافتكر في منتهى حسن الذي     أنت تهواه تجد أمراً جلل

    اللهم ارزقنا الاستدراك قبل الفوات، والاستعداد قبل الممات، اللهم ثبتنا على طاعتك إلى أن نلقاك، اللهم لا تمتنا على غفلة، اللهم لا تأخذنا على غرة، اللهم اجعل خير أعمالنا خواتمها، وخير أيامنا يوم نلقاك، اللهم إنا نسألك عيشة هنيئة، وميتة سوية، ومرداً مرضياً، ومنقلباً مرضياً غير مخز ولا فاضح، برحمتك يا رب العالمين، اللهم أبرم لأمتنا أمر رشد يعز فيها أهل طاعتك، ويذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر، اللهم ثبتنا بقولك الثابت في الحياة الدنيا والآخرة.

    اللهم ارحم موتانا وموتى المسلمين، اللهم جازهم بالحسنات إحساناً، وبالسيئات عفواً وغفراناً، وارحمنا اللهم برحمتك إذا صرنا إلى ما صاروا إليه، اللهم لا تشمت بنا عدواً، ولا تفرح علينا حاسداً، اللهم اجمع شملنا، اللهم اجمع كلمتنا، اللهم وحد صفنا، برحمتك يا رب العالمين.

    اللهم صلِّ على محمد وصحبه وأزواجه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.