إسلام ويب

تأملات في سورة قللشيخ : أبو إسحاق الحويني

  •  التفريغ النصي الكامل
  • القبر أول منازل الآخرة، فإن كان يسيراً فما بعده أيسر منه، وإن كان عسيراً فما بعده أعسر منه، والمقصود بما بعده هنا: البعث والوقوف بين يدي الله، والحساب والجزاء، وقد جاءت هذه الملامح مفصلة في سورة (ق)، حيث صورت الأحداث والمشاهد كأنها ماثلة أمام الناظر، فبينت صفات أهل الجنة، والأسباب التي بها يدخلون الجنة، وكذلك بينت صفات أهل النار وما ساقهم إليها من أسباب.

    1.   

    معالم القرآن المكي

    إن الحمد لله تعالى نحمده ونستعين به ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1].

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71].

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

    روى الإمام مسلم في صحيحه عن أم هشام بنت حارثة أنها قالت: ما حفظت سورة (ق) إلا من النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه كان يقرؤها على المنبر.

    وهذه الحفاوة من النبي عليه الصلاة والسلام لهذه السورة لها مغزى، وسورة (ق) من القرآن المكي، والمعاني الرئيسية التي يدور عليها القرآن المكي هي: إثبات التوحيد لله عز وجل، وإثبات صفاته تبارك وتعالى، وذكر القيامة والبعث والجزاء والجنة والنار، وذكر أصناف الناس، ثم ذكر العلة في دخول الداخل النار وفي دخول الداخل الجنة، هذه هي أهم المعاني التي يدور عليها القرآن المكي.

    لذلك إذا قرأت القرآن فافتح أذنيك وقلبك؛ لأن الله عز وجل أمرنا بذلك في سورة (ق) أيضاً فقال: إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ [ق:37] فتأمل في قوله: (ألقى السمع).

    (ألـقى) فيها معنى الاستسلام، فلو قلت لك: ألق أذنك، أي: لا تخف، إنما سيلقى عليك حق، لأن هذه الأذن ينبغي أن تغربل ما يلقى إليها، فقد يلقى إليها الكذب، فينبغي أن يميز المرءُ، فلا يقال: ألق السمع، إلا والكلام حق، إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ [ق:37] فإذا أصغى المرء بقلبه، انتفع بالقرآن، كما ذكره البخاري في صحيحه عن جبير بن مطعم رضي الله عنه قال: (دخلت المدينة في فداء أسرى بدر -وكان كافراً إذ ذاك- فوافى المدينة والنبي صلى الله عليه وسلم يصلي المغرب بالناس، فسمع بعض آياتٍ من سورة الطور: أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍأَمْ هُمُ الْخَالِقُون * أَمْ خَلَقُوا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بَل لا يُوقِنُونَ * أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُون [الطور:35-37] قال: فكاد قلبي أن يطير) وهذا رجل كافر، دخل المدينة كافراً، فلما سمع هذه الآيات قال: (فكاد قلبي أن يطير) أن يطير من موضعه؛ لأن ما جاء في هذه الآيات من الأسئلة لا يستطيع منصف على الإطلاق أن يجد لها جواباً على نحو جواب المشركين، أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ [الطور:35] ؟ فلا بد لكل صنعةٍ من صانع.

    جماعة من الملاحدة أتوا أبا حنيفة رحمه الله يجادلونه في الله تبارك وتعالى: أهو حي؟ أهو موجود؟ فقال لهم: دعوني أتفكر فإني مشغول، قالوا: بم؟ قال: قيل لي: إن سفينةً تمشي في البحر بغير قائد، وتأتي فترسوا على الشاطئ بغير قائد، وتحمل نفسها بالبضائع، وتفرغ البضائع أيضاً بنفسها، فقالوا له: هذا مستحيل!! فقال لهم: (يا نوكى)! -الأنوك: هو الأحمق- إذا كان هذا في سفينة، وأنتم تنكرون أنها تحمل نفسها، وتفرغ نفسها، وتمشي على البحر بغير قائد وترسو بغير قائد، أهذا الكون على ما فيه من الترتيب منذ خلق، ليس له صانع؟!!

    فهذا المشرك لما يقال له: قول الله عز وجل: (أم خلقوا)؟ انظر إلى كلمة (أم) هذه، وخزة في هذا الضمير الوثني، تكررت لفظة (أم) هذه أربع عشرة مرة، كلها وراء بعضها، أربع عشرة مرة، تخز في هذا الضمير الوثني، الذي لو وقف وتدبر لحظة لأجاب، ولذلك يقول جبير بن مطعم : (كاد قلبي أن يطير) من وقع الآيات.

    ذكر القيامتين، الصغرى والكبرى

    فسورة (ق) من جملة القرآن المكي الذي يخاطب القلب، ذكر ربنا تبارك وتعالى فيه القيامتين: القيامة الصغرى، والقيامة الكبرى، وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ [ق:19] هذه هي القيامة الصغرى، وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ [ق:20] وهذه هي القيامة الكبرى، فذكر القيامتين معاً، لكنه تبارك وتعالى نبهنا على داءٍ عظيم، يقع فيه أكثر الناس: وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ [ق:19] ، يقال: هذا فلان حاد عن الطريق. أي: تركها وسلك بنيات الطريق، أي: ترك الطريق العمومي الواضح وسلك الطرق الفرعية، فيقال له: حاد، أو من ترك سبيل الحجة وكابر وجادل يقال: حاد، أي: انحرف، فربنا عز وجل ينبهنا إلى هذا الداء العظيم؛ وهو عدم ذكر الموت.

    هذا الموت الذي كنت منه تحيد، وكنت طول حياتك تهرب منه، ولا تريد أن تذكره، ولا تريد أن تعمل لما بعده، ولو قدر وذكرت الموت في بيتك فإن كل من فيه سيشورون عليك قائلين: اترك الكلام في هذا الموضوع، لماذا نترك الكلام فيه؟ كل المصائب -بلا مبالغة- سببها عدم ذكر الموت.

    حقيقة الزهد

    جاء من آثار نشر المذهب الإرجائي في الأمة، أن خطباء المساجد يتلقون توصيات شفوياً في الاجتماعات فيقال للخطيب: لا تكثر من ذكر الموت ولا النار حتى لا ترهق نفسية الناس، ولكن اذكر رحمة الله تبارك وتعالى، واذكر الجنة وما فيها من النعيم، فإن هذا الرجل إذا عرف الجنة كان من الصابرين موقناً أنه سوف يدخل الجنة، وأنه إذا لم يحرز الدنيا فسيحرز الآخرة، وهذا خطأ في وضع العلاج، ويأتي في مقابلهم الذين رفضوا أحاديث الزهد في الدنيا، وقالوا: كيف نقول للمسلمين وهم يعيشون على هامش الحياة: ازهدوا في الدنيا؟ وكيف يملك الكفار الدنيا ونحن نقول للمسلمين: ازهدوا في الدنيا؟ وكأننا نطلق الدنيا ويتزوجها الكافر، لابد أن تكون الدنيا بأيدينا، ويحضون الناس على الدنيا وعلى التجارة وعلى الزراعة وعلى استثمار الأموال، وهذا أيضاً يحتاج إلى تخصيص.

    إن النبي صلى الله عليه وسلم لما زهَّد الناس في الدنيا زهَّدهم في فضولها، ولم يزهدهم فيما يجب على المسلم أن يحصل، فمثلاً: لم يزهدهم في الإنفاق على الأولاد. حيث قال: (كفى بالمرء إثماً أن يحبس عمن يملك قوتاً) ، وفي اللفظ الآخر لـأبي داود : (كفى بالمرء إثماً أن يضيع من يقوت) .

    استرعاك الله عز وجل رعية: زوجة وأولاداً وأباً وأماً، فيجب عليك أن تنفق عليهم، فإذا قصر الرجل في النفقة على أهله وعلى أولاده فإنه يؤاخذ عند الله يوم القيامة، فعليه أن يجتهد، حتى لو كان العائد قليلاً، وهذا المفهوم لا يتطابق مع ما جاء في نهي النبي عليه الصلاة والسلام عن التكالب على فضول الدنيا، وأكثر الناس لا يسعون في الواجبات، بل يسعون في الفضول، فيريد أن يحصل أموالاً أكثر، والنبي عليه الصلاة والسلام كان يدعو ويقول: (اللهم اجعل رزق آل محمد قوتاً) يعني: إذا وجدوا الغداء لا يكون عندهم العشاء، وإذا كان عندهم العشاء لا يكون عندهم الإفطار، هذا هو القوت.

    وإنما كان يقول ذلك حتى يعتمد بقلبه على الله، فالذي ليس عنده العشاء يقول: يا رب! ، لكن كثيراً من الناس الذين معهم أموال لا يقولون: يا رب؛ استغناء عن دعائه تعالى، (فالشيك) في جيبه، والفلوس في (البنك)، متى احتاج المال ذهب إلى (البنك) ليصرفه، بخلاف الفقير، الذي يذكر الله عز وجل عن حاجة، فهذا هو الذي نهى النبي عليه الصلاة والسلام عنه؛ أن تكون الدنيا في قلبك، وقال عليه الصلاة والسلام: (والله ما الفقر أخشى عليكم، إنما أخشى أن تبسط الدنيا فتنافسوها، فتهلككم كما أهلكت من سبقكم) .

    وأنت تجد الفقراء متحابين ليس بينهم خصومات؛ لا في الأموال، ولا في أعراض الدنيا، ففيهم راحة القلب، فكلما استراح القلب فقه عن الله عز وجل كلامه، فالذي يعين المرء على التخلص من الدنيا ذكر الموت، قال علي بن أبي طالب : ( ما كان الموت في ضيق إلا وسعه، ولا في واسع إلا ضيقه ).

    وحشة القبر

    لو أن الله عز وجل امتحنك ببلاء: مرض أو فقر، أو أي مصيبة من المصائب، وذكرت وحدتك عند دفنك، وأنك غريب، ولا أحد يشعر بك، ولا يتوجع لك، أعني: أن أهلك لا يعلمون أنك تتألم فيتصدقون عنك، ليتهم يعلمون أنك في كرب فيدعون لك؛ لكن شُغل الأولاد بالدنيا، فقليل من الأبناء الذين يترحمون على آبائهم، لاسيما إذا طال بهم العهد فجاوز ثلاثين سنة أو أربعين سنة أو خمسين سنة، فإنهم لا يلبثون أن ينسوهم، فليت أن مصاب الميت يصل إلى الأحياء حتى يترحموا عليه ويدعوا له.

    ذات مرة في سنة واحد وثمانين حين كنا في السجن، كان معنا سجين من أسوان، والمسافة ما بين أسوان وما بين القاهرة ثماني عشرة ساعة بالقطار، وكان كل خمسة عشر يوماً في وقت الزيارة يأتي أهلنا إلينا بالطعام والشراب،فنطمئن عليهم ونراهم، ونأكل ونشرب معهم، أما هذا فطول مدة سجنه لم يأته أحد، فقلنا: إن هذا الرجل يعيش في كرب، أليس له أحد يسأل عنه؟ فتشعر حينها بغربة الرجل، ففي كل زيارة تنظر إليه فتراه مكتئباً، ويظل يومه ذاك في هذا الاكتئاب؛ لأنه لا أحد يتوجع لمصابه، ولا أحد يسأل عنه، ولا أحد يهتم به، فخطر لي هذا المعنى في قوله تعالى: قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ [الزمر:15] ، كحال من يؤتى به يوم القيامة فيدخل الجنة، بينما يقاد ابنه إلى النار ولا يستطيع أن يفعل له شيئاً.

    في مذابح البوسنة التي ارتكبها أهل الصليب ضد المسلمين، كانوا يأخذون الولد أمام أبيه، والولد يصرخ: يا أبي! أنقذني، يريدون أن يذبحوه، ولا يستطيع الوالد أن يفعل شيئاً، قلبه يتمزق وهو يرى الولد يستغيث به ولا يستطيع أن يفعل شيئاً، بينما في الآخرة فلن يذبح الولد وإنما سيساق إلى النار، ولا يستطيع الوالد أن يفعل لابنه شيئاً، إذا خرج من رحمة أرحم الراحمين فمن يرحمه؟!!

    قال صلى الله عليه وسلم: (إن الله خلق الرحمة مائة جزءاً، فأنزل على الأرض جزءً واحداً -من لدن آدم عليه السلام إلى أن تقوم الساعة، كل الخلائق من إنس وجن، وحشرات وطيور، كل المخلوقات تتراحم بجزء واحد- حتى إن الدابة -أي: العجماء التي لا تعقل- لترفع حافرها عن وليدها خشية أن تصيبه كل ذلك بجزء واحد من الرحمة، وادخر تسعةً وتسعين جزءاً لعباده الصالحين في القيامة) فإذا حرم المرء من تسعة وتسعين رحمة فيا له من شقي! يا له من شقي، هذا الذي لم تشمله رحمة الله تبارك وتعالى!.

    الزهد في الدنيا: القصد به زهد القلب، لو كانت الدنيا في يديك وزهد فيها قلبك لتركتها في لحظة، وإذا سلبت منك فلن تبكي عليها، وإنما ستفعل كما كان الصحابة رضي الله عنهم يفعلون.

    طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه أحد العشرة المبشرين بالجنة، نام في فراشه يوماً مسهد الطرف، لا يستطيع أن ينام، جفاه النوم، وامرأته إلى جانبه، فقالت: ( ما لك؟ هل رابك منا شيء فنعتبك -تعني: هل ظهر منا ما يغضبك فنعتذر لك-؟ فقال لها: ِنعمَ حليلة المرء المسلم أنت -يعني: أنت نعم الزوجة، لا أشتكي منك- ولكن جاءني مال، ولا أدري ماذا أفعل به -لا يقول هذا إلا رجل خرجت الدنيا من قلبه إلى يده- فقالت: ادع أرحامك ففرقه فيهم. قال: نعم الرأي. فدعا أرحامه ففرَّق فيهم ثلاثمائة ألف درهم ) (ثلث مليون) درهم، ولم تؤثر على الرجل أبداً، لماذا؟ لأنها ليست في قلبه، بل هي في يده، فالذي أعطاه ثلاثمائة ألف درهم سيخلف عليه أضعافاً مضاعفة، وعنده اعتقاد بهذا، وعنده قناعة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ثلاثٌ أقسم عليهن: ما نقص مالٌ من صدقة ..) ، فالإنسان حين يعطي أرحامه يدخل في قوله صلى الله عليه وسلم: (من سره أن يبسط له في رزقه، وينسأ له في أثره؛ فليصل رحمه) .

    فهان عليه ثلاثمائة ألف درهم، هذا هو الزهد الذي عناه النبي عليه الصلاة والسلام وربى أصحابه عليه.

    كل أحاديث الزهد الموجودة في كتب السنن وكتب الصحاح، المقصود بها زهد القلب في الدنيا، فإذن لا تعارض، لكن إذا وجدنا الناس تكالبوا على الدنيا فمن العبث ومن الخطر ومن الخطأ أن نجر إليهم الزاد ونقول لهم: انطلقوا في الدنيا.. نحن نحتاج إلى الكادر المسلم.. هذا الرجل الذي تشجعه على الدنيا لا يخرج زكاة ماله، فكيف تقول: نريد التاجر المسلم، وهو لا يخرج ماله؟! هذا الإنسان ما أسلم بعد الإسلام المنجي.

    كذلك الكلام عن الموت يرقق القلب، وكتب الرقائق وكتب الزهد كلها إنما تجر إلى هذا، وما زهد الزاهدون في الدنيا إلا لقصر عمرها وعظيم خطرها، قال صلى الله عليه وسلم: (ضرب الله عز وجل طعام ابن آدم مثلاً للدنيا، وإن قزحه وملحه فانظر إلام يصير!) كيف يأكل الطعام الشهي، ثم انظر كيف يخرج هذا الطعام؟ كذلك الدنيا إذا كست أوكست، وإذا حلت أوحلت، وإذا أينعت نعت، إذا أدبرت عن المرء سلبته محاسن نفسه، وإذا أقبلت عليه خلعت عليه محاسن غيره.

    ويظهر هذا في حال كثير من الطغاة، نظرت في كتاب -أيام أن كان بيننا وبين العراق وفاق- وكان الكتاب يوزع مجاناً في معرض الكتاب الدولي بالقاهرة، وكان عبارة عن صور للرئيس العراقي، وظهر في إحداها وهو يمسك يمسك المصحف ومكتوب تحتها: الرئيس المؤمن، وصورة له وهو يضع يده على الفرس مكتوب تحتها: فارس العرب.. وهكذا، فالكتاب كله صور، فهل هو فارس؟ هل هو مؤمن؟ هل هو بطل؟ هل هو مغوار؟ قد يكون فيه بعض ما في هذا الكتاب من الأوصاف، لكن ليس كلها، فلما أقبلت الدنيا عليه خلعوا عليه محاسن غيره، كل ما عرف من فضائل الناس جعلوها فيه وهي ليست كذلك، فلما خلعت منه الرئاسة وأصبح فأراً وصار مثل بقية خلق الله، ينظر إلى نفسه فلا يجد الصفات التي كانت تسبغ عليه، أقبلت عليه الدنيا فكانت فيه كل الصفات، فلما أدبرت عنه الدنيا فقد كل تلك الصفات، حتى الصفات الأصلية التي كانت فيه فقدها فلم يعد يوصف بها.

    هكذا الدنيا: إذا أقبلت على إنسان خلعت عليه محاسن غيره، وإذا أدبرت عنه سلبته محاسن نفسه، فعندما يعلم المرء أن هذه الحياة في القبر طويلة، مقارنة بالحياة التي سيقف أمام الله بها، والتي لا تتجاوز ثلاثين سنة، كما أن الذي يحكم عليه بالمؤبد -وهو ما يعادل خمسة وعشرين سنة- في السجن يفرج عنه بعد مضي هذه المدة، بينما من يسجن في هذا السجن الانفرادي -الذي هو القبر- لا يخرج منه إلا مع النفخ في الصور، ولا يعود إلى ملاعب صباه مرةً أخرى، ولا يلتقي بأولاده مرةً أخرى، ولا يعرف عن أحدٍ شيئاً قط، فإذا فصل الله عز وجل بين الناس فإنه لا يتعرَّف على أولاده إلا في الجنة إذا دخل الجنة، فهي رحلة طويلة جداً، هذه الرحلة الطويلة قبلها إعداد لمدة ثلاثين سنة فقط.

    فلو قدرنا أن الإنسان يعيش ستين سنة، فإنه لا يؤاخذ عن الستين عاماً كلها، إنما يؤاخذ عن نصفها؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (رفع القلم عن النائم حتى يستيقظ) والإنسان في العادة هو ينام ست أو سبع ساعات في اليوم في ستين سنة، فيكون بذلك قد نام عشرين سنة، فهذه عشرون عاماً لا يؤاخذ فيها لأنه نائم، ثم لا يؤاخذ حتى يبلغ (وعن الصغير حتى يحتلم) فهذه عشر سنوات على الأقل تضاف إلى العشرين عاماً، فيبلغ مجموعها ثلاثين سنة، إذن ما بقي من الستين عاماً إلا نصفها -أي: ثلاثون عاماً- وهي التي يحاسب عليها المرء أمام الله عز وجل.

    الغفلة عن ذكر الموت

    فانظر إلى هذه السنوات المعدودة، وقارنها بما بعدها من سفر طويل، يبدأ بخروج الروح؛ وهذه القيامة الصغرى التي ذكرها ربنا تبارك وتعالى: وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ [ق:19] ، الموت حق لا يمتري فيه أحد، ولكن كما قال علي بن أبي طالب قال: (الموت يقينٌ لا شك فيه، وشكٌ لا يقين فيه، قالوا: كيف يا أبا الحسن ؟ قال: يقينٌ لا شك فيه؛ فكل الناس تعرف أنها ستموت، ولكنهم يعملون عمل الذي لا يموت)، فواقعهم يقول: إن الموت لا يأتي، مع أنه آتٍ لا ريب فيه، فجملة عملهم يقول: إن الإنسان يشك في موته شكاً لا يقين فيه، مع أن الموت في حقيقة أمره يقينٌ لا شك فيه، فقال تبارك وتعالى: ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ [ق:19] كل المشاكل التي يجنيها المرء بعد ذلك سببها عدم ذكر الموت؛ ولذلك بدأ تبارك وتعالى بذكر أهل النار: وَقَالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ [ق:23] أي: بما أنك جعلتني رقيباً عليه وعلى تصرفاته، فقد جئتك بكل ما يعمل، فهذا معنى عتيد.

    فلما جيء بهذا العبد الذي كان يحيد عن الموت، ولا يظن يوماً أنه سيموت، قال: أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيد [ق:24] فأورد هنا ست صفات لمن يدخل النار كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ * مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُرِيبٍ *الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ [ق:24-26] وهذه الست الصفات للإنسان الذي يهرب من الموت، وهذا متمثل في الكافرين، الذين يستمتعون بزهرة الحياة الدنيا، فبدأت الأوصاف بالكفر وختمت بالشرك، فكان مبدؤها الكفر وكان خاتمتها الشرك فأطبق عليه.

    وذكر أيضاً صفات أربع لأهل الجنة: وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ * هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ * مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ [ق:31-33].

    فعدم ذكر الموت هو سبب كل المشاكل، وقد ترتب على هذا الإهمال إهمال آخر: قال صلى الله عليه وسلم: (ما حق امرئٍ مسلم يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبةٌ عنده) ، فكم شخص منا كتب وصيته؟

    إن كثيراً منا لم يكتب الوصية، ولم يخطر بباله أن يكتب هذه الوصية، ما هذا الأمان الذي نعيش؟!

    الموت يأتي بغتةً والقبر صندوق العمل

    المرء يؤمل استمرار الحياة، مع أنه كم من رجلٍ خرج من بيته ولم يعد إليه، وقد كان يؤمل العودة، حوادث كثيرة نقرؤها في الجرائد، فهذه امرأة أوصلت الإفطار للأولاد ،فذهبت لتعبر الشارع.. وإذا بها تدهسها سيارة فتقتلها، والطعام ما زال ساخناً، والأولاد ينتظرون الأم لتأكل معهم.

    فما هذا الأمان الذي يجعل المرء لا يكتب وصيته؟! ما فرط في الوصية إلا لأنه لا يذكر الموت (ما حق امرئ مسلم يبيت ليلةً -فقط- إلا ووصيته مكتوبةٌ عنده) .

    فأول ما يتوجب عليك -أيها المسلم- عند رجوعك إلى أهلك أن تكتب الوصية، فاكتبها وقل: هذه وصيتي، ومرهم بتقوى الله عز وجل، وأن لا يغتروا بالدنيا، وأن يعملوا الصالحات، وأن يتبعوا النبي عليه الصلاة والسلام فيما أمر، وإذا كان الموصي عليه ديون أو له مال في الخارج فليكتبها، فمن علامة ذكر الموت: ألا يفرط في الوصية.

    قال تبارك وتعالى أيضاً: كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ * وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ * وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ * وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ [القيامة:26-29]، هذا أيضاً من آثار الحيد عن ذكر الموت.

    وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ [القيامة:29] إذا مات المرء لا تلتف ساقه على الحقيقة، إنما هذا إشارة إلى تعسير السير إلى الله عز وجل، تخيل أن رجلاً يمشي في الشارع فالتفت ساقاه، ماذا سيحدث له؟ سيسقط على الأرض.

    فمعنى: وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ [القيامة:29] أنه عاجز عن السير إلى الله كالذي التفت ساقاه فلا يستطيع أن يسير، ولذلك قال عز وجل: فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى * وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى [القيامة:31-32] ، وفي هذا بيان للسبب الذي جعله متعسر السير، كما قال عليه الصلاة والسلام عن الجنازة حين تحمل على أعناق الرجال.. إذا كان المحمول فاجراً يقول ويصرخ بصوت يسمعه كل مخلوق ما عدا الإنس والجن: (ويلها! أين تذهبون بها؟!) بعدما عاين وراءه، يقول: (ويلها! أين تذهبون بها؟!) وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ هذا من آثار قلة ذكر الموت.

    إذاً فالوصية الأولى في هذه السورة المباركة: هي كثرة ذكر الموت، قال صلى الله عليه وسلم: (أكثروا من ذكر هاذم اللذات) فتخيل أي لذة أنت فيها لو ذكرت الموت لتعكرت عليك، فلو تخيلت حين تكون وسط أولادك ووسط الناس الذين يهنئوك بالعيد، وفاجأك الموت من بين هؤلاء، وبقيت رهين عملك، ولا أحد يزورك، ولا أحد يدعو لك، ولا أحد يتصدق عنك، لو تدبرت هذا المعنى لعكر عليك هذه اللذة. (أكثروا من ذكر هاذم اللذات) فذكر الموت أكبر علاج لما عليه الناس الآن من البحث عن فضول الدنيا.

    أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم.

    1.   

    فتنة الدجال هي أخطر فتنة تتعرض لها أمة محمد

    الحمد لله رب العالمين، له الحمد الحسن والثناء الجميل، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يقول الحق وهو يهدي السبيل، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.

    ( ما كان الموت في ضيقٍ إلا وسعه، ولا في واسعٍ إلا ضيقه ).

    الأحاديث الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في فتنة القبر كثيرة:

    منها: حديث أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أوحي إليّ أنكم تفتنون في قبوركم كفتنة الدجال أو قريب من فتنة الدجال) فلما سمع الصحابة بذلك أجهشوا بالبكاء، حتى إن أسماء لم تسمع الحديث.

    فتنة الدجال قال صلى الله عليه وسلم عنها: (ليست هناك فتنةٌ من لدن آدم إلى أن تقوم الساعة أعظم من فتنة الدجال) .

    ففتنةُ الدجال سر خطورتها أنها تكون في زمن قلة العلم وقلة العلماء، والدجال كما قال عليه الصلاة والسلام: (يأتي بالرجل يمزقه، ويقطعه قطعاً قطعاً صغيرة، ثم يقول له: قم، فيقوم متهللاً ضاحكاً) فتخيل أن أمامك واحد قطع إنساناً قطعاً، ثم قال له: قم، فاستوى بشراً، أي فتنة أعظم من هذه؟!!

    وإذا مر على أرضٍ خربة فيها ذهب يقول للكنوز التي في الأرض: اتبعيني، فتخرج الكنوز من الأرض تتبعه كيعاسيب النحل، وعنده جنةٌ ونار، فهذه فتنةٌ عظيمة! وأعظم ما فيها غياب العلماء، كل يوم يمر على الناس والعلم يتناقص، وسر تناقص العلم موت العلماء، فعالمٌ ملأ الأرض علماً لما دفناهُ دفناه بعلمه، فمن الذي يخلفه على نفس كفاءته، وعلى نفس إحاطته بالعلوم، وفي ورعه وزهده؟!! قليل،وهكذا دواليك إلى أن تقوم الساعة، حتى إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إنه يسرى على القرآن في ليلة، فلا يبقى على الأرض منه آية) ينزع القرآن من صدور الناس، كما قال عليه الصلاة والسلام في الأمانة: (ينام الرجل في فراشه فتنزع الأمانة من صدره) .

    فأعظم فتنةٍ تشهدها البشرية إطلاقاً فتنةُ الدجال، والنبي صلى الله عليه وسلم أكثر من ذكر فتنة الدجال، حتى إنه ذات مرة كان يخطب فجعل يرفع فيه ويخفض قال الصحابة: (حتى ظنناه في طائفة النخل) أي: أكثر من الكلام عليه، ظننا أنه جالس بين النخل، وكان يقول لهم: (إن خرج الدجال وأنا فيكم، فأنا حجيجه -أنا الذي سأناقشه، وأقيم الحجة عليه- وإلا فكل امرئٍ حجيج نفسه) .

    ثم وصفه النبي صلى الله عليه وسلم لهم فقال: (إنه أعور العين اليمنى وربكم ليس بأعور) لأنه سيقول: أنا ربكم، وسيتبعه أناسٌ كثيرون؛ بسبب قلة العلم، وقلة العلماء الذين ينبهون الناس أن هذا كافر، وأن هذا ليس بإله.

    مشابهة فتنة القبر لفتنة الدجال في خطرها على العبد

    فالنبي عليه الصلاة والسلام يقول: (أوحي إليَّ أنكم تفتنون في قبوركم كفتنة الدجال أو قريباً من فتنة الدجال) فلما كان الصحابة عندهم علم بفتنة الدجال وخطورتها، وعرفوا أن فتنة القبر كذلك أجهشوا بالبكاء.

    آخر فتنة يتعرض المرء لها هي فتنةُ القبر؛ لأن الملكين يشككانه في جوابه حين يسألانه: (من ربك؟ ما دينك؟ ما تقول في الرجل المبعوث فيكم؟ فيجيب: ربي الله، فينهرانه بشدة ويعيدان عليه السؤال: من ربك؟) وأصواتهما كالرعد القاصف، وعيونهما كالبرق الخاطف، فيصرخان فيه: من ربك؟ فيظن أنه قد أخطأ، وإلا لماذا يراجعانه، فيزل هذه المرة ويجيب بإجابة غير الأولى،لذلك بكى الصحابة، فأنزل الله عز وجل قوله: يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ [إبراهيم:27] عن الحجة وعن الجواب الصحيح، وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ [إبراهيم:27] ، لا يستطيع رجلٌ أن يثبت على هذا الجواب إلا إذا كان في الدنيا حين يقول: لا إله إلا الله محمدٌ رسول الله، فإنه يعتقدها في الدنيا ويعمل بها، وتكون منهج حياة له، فقبل أن يقدم على عمل ما يسأل أهل العلم: أهذا أحله الله لي؟ أهذا أجازه الله لي؟ أهذا شرعه النبي صلى الله عليه وسلم لي؟ حياته كلها على مقتضى لا إله إلا الله، فمثل هذا يثبته الله عز وجل: يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا [إبراهيم:27] مع الفتن الموجودة، ومع الضغط المرهق الذي يعانيه، إلا أنه لم يتخل عن الكلمة ولم يتخل عن الالتزام، فبعض الناس إذا شيك بشوكة أول شيء يفرط فيه التزامه، بينما لا يتردد في إتلاف نفسه من أجل الدفاع عن مكاسبه الدنيوية.

    فالإنسان يبذل في الدنيا جهداً كبيراً في تحصيل المال؛ فيتغرب في البلاد، ويشتغل عند الناس في أعمال وضيعة لا يرضى أن يعملها في بلده، مع أن الغربة اسمها يدل عليها، ومع ذلك يتحمل بعده عن أولاده وعن أهله وعن أبيه وعن أمه في سبيل المال، فلماذا يتنازل عن دينه لمجرد أنه اعتقل لمدة يومين أو تعرض لنوع من الأذى؟! فينبغي على المرء أن يكون عالماً بـ(لا إله إلا الله) في الدنيا، ملتزماً بها؛ ليثبته الله عز وجل في الآخرة: يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا [إبراهيم:27] فيثبت على هذا في الدنيا، ويصبر على اللأواء، وقد يخرج من بلده ويترك ماله وراءه كما فعل الصحابة، وما ندموا أبداً على هذا، بل إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يرخص للصحابة الذين هاجروا أن يقيموا في مكة أكثر من ثلاثة أيام.. لماذا؟

    لأنهم لما خرجوا من مكة خرجوا منها لله وهجرة في سبيله، فلا يجوز لهم أن يرجعوا في هذا العقد مرةً أخرى، فإذا جاء أحدهم إلى مكة لحج أو عمرة لا يمكث بعد انقضاء النسك أكثر من ثلاثة أيام؛ حتى لا يتعكر احتسابه وبذله، قد يؤدي بك التمسك بـ(لا إله إلا الله) إلى أن تضحي بعنقك، فإذا ثبتَّ على هذا المر في الدنيا ثبتك الله عز وجل في الآخرة، والجزاء من جنس العمل. وللحديث بقية إن شاء الله.

    اللهم اغفر لنا ذنوبنا، وإسرافنا في أمرنا، وثبت أقدامنا، وانصرنا على القوم الكافرين.

    اللهم اجعل الحياة زيادةً لنا في كل خير، واجعل الموت راحةً لنا من كل شر.

    اللهم قنا الفتن ما ظهر منها وما بطن.

    اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تسلط علينا بذنوبنا من لا يخافك ولا يرحمنا.

    رب آت نفوسنا تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها.

    اللهم اغفر لنا هزلنا وجدنا، وخطأنا وعمدنا، وكل ذلك عندنا.

    1.   

    أسباب دخول النار

    إن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

    اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميدٌ مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميدٌ مجيد.

    كفران النعمة ورد البراهين من أسباب دخول النار

    ذكر ربنا تبارك وتعالى في هذه السورة الفاجر والمؤمن، وذكر جزاء كل واحدٍ منهما، وعللّ ربنا تبارك وتعالى هذا الجزاء.

    وقد بين الله تعالى سبب دخول العبد النار، وأنه بسبب إتيانه لست جرائم؛ فأول جريمة: أنه كفَّار، والعلماء قالوا: (الكفَّار) هنا المقصود به من يكفر النعمة، وهذا من أوسع الأبواب التي تؤدي إلى الكفر بالله، فإبليس اللعين لما عصى رب العالمين تبارك وتعالى، حين أمره بالسجود لآدم فأبى، وطالب الإمهال، فوعده الله عز وجل بذلك، فقال: ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ [الأعراف:17] لا يشكر أبداً.

    وأنا أقول: إن أكثر الناس مبتلى بهذا الأمر، فمن الناس من ابتلي بزوجةٍ لا ترضى، فهي لا تعرف كيف يأتي الرجل لها بالمال، ولا يهمها ذلك، ولو بذل في سبيل ذلك فوق طاقته فإن هذه المرأة تترك للرجل مرارة في الحلق لا يشعر بها إلا المبتلى، وهذا من كُفر النعمة، وقد يؤدي هذا الفعل إلى الكفر بالله تبارك وتعالى؛ لأن من الوفاء الشكر، وكثير من الناس -وأنا أعرف بعضهم- لا يشكرون الله عز وجل على عطائه، ولذلك لا يأبه بالنعمة ولا يعظمها، فمثلاً حين يكسب التاجر عشرة بالمائة زيادة على رأس المال، فيحلف بالله العظيم أنه خسران، لأنه كان مقدراً في نفسه أن يكسب عشرين بالمائة، فلما كسب عشرة بالمائة اعتبر نفسه أنه قد خسر عشرة بالمائة، ويحلف بالله العظيم أنه خسران، مثل هذا لا يرعى لله نعمة، كثير الشكوى والاعتراض على الله تبارك وتعالى، وهذه الصفة يتبعها صفات أخرى، أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ [ق:24] فهذا الكفر يورث العناد للرسل، وتجد أكثر هذه الطبقة -طبقة المعاندين- من أهل الدنيا الذين أعطاهم الله تبارك وتعالى المال، فمن المعلوم أن أعداء الرسل هم المفرطون، وأعداء الدعاة هم المفرطون أيضاً، يظن الواحد منهم أنه يفعل ما يريد، وبعد ذلك يطهر ماله بعمرة أو بحج أو يعمل موائد الرحمن في رمضان، ففي القاهرة يعملون موائد الرحمن.

    واحدة من أشهر الراقصات كانت تقيم موائد رمضانية في بيتها، فتأتي باللحوم والأكل من أفخر المطاعم، وتنصب موائد الرحمن، ثم تذهب لتؤدي (عمرة رمضان)، وبعد ذلك ترجع إلى العمل.. وهكذا، وتراها تقول لك: نحن لا نرقص في رمضان احتراماً للشهر الكريم..! ولكن أين احترام رب العالمين مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا [نوح:13].

    ومن الممثلين من يقول لك: أنا رجل ملتزم، ولا أمثل في رمضان، وهذا إقرار منه على نفسه أن الذي يعمله في غير رمضان غير جائز، وأنه لا يحل له.

    فهؤلاء يظنون أنه بمجرد أن يفعل ذلك فإنه يعود طاهراً من الذنوب، وإذا به يعود للمعصية مرة أخرى، ونحن لا نتألا على رب العالمين، ولا نقول: إن الله لن يغفر لها، ولا نقول: إن الله يقبل سعيها؛ لأنه لا يحل لأحد أبداً أن يتجرأ على إطلاق هذه الأحكام حتى لو كان المقصود فاجراً، فالخواتيم لا نعرفها، لكن نقول: إن من وقع في المعصية ولم يقلع عنها فلا يظن أنه إذا تصدق أو فعل شيئاً من البر أنه قريب من ربه، كان الصحابة المتقون الأخيار رضي الله عنهم، كلما ازداد إيمان أحدهم كلما اشتدت خشيته لله تبارك وتعالى، وأنت كلما أحببت خفت، فالمحب قد يذل لكنه لا يغتر، فهؤلاء أعداء الرسل وأعداء الدعاة إلى الله عز وجل؛ لأنهم يتصورون أن الدعاة أو الرسل أتوا ليأخذوا الدنيا منهم؛ فلذلك يعادونهم.

    ونحن نقول لكل داعية إلى الله: إذا دعوت رجلاً غنياً فكن حذراً في دعوتك، فالإنسان الغني له طريقته في الدعوة، بخلاف الإنسان الفقير، والحكمة أن تنزل الكلمة في موضعها، فحين تذهب إلى إنسان غني مترف، محاط بكل متع الدنيا، وتقول له: اخرج من مالك واتركه، ولأن هذا لا يغني عنك من الله شيئاً، فهذا لا يستطيع أن يتبعك، نعم بعض الناس قد يتبعك، لكن أغلب الناس لا يستطيعون ذلك، يستوحشون هذه الوصية، كما قال قوم قارون له: وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا [القصص:77] أي: نحن ما جئنا لنأخذ مالك، ولا لنقول لك: لا تتمتع، فإن كنت تريد أن تأكل السمك، أو تريد أن تأكل اللحم أو تذهب إلى استراليا وترجع، نحن لا نحرج عليك، لكن نقول: احمد الله الذي سخر لك هذا، ولولا الله ما كنت لتستطيع أن تربح مثل هذا، لا بذكائك ولا بعبقريتك، لولا أن الله سخر لك هذا، فالله تبارك وتعالى يقول: أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ [النحل:79] مثلاً حرب الخليج كان هناك طائرات عملاقة، وهي حاملات الدبابات، وهذه الطائرات تطير بأكثر من مائة دبابة، فسبحان ممسك هذا (الأسطول) في جو السماوات.

    فإذا كنت في الطائرة فتذكر أن تكبر ربك سبحانه وتعالى وتحمده، وحين تهبط أن تحمد الله أنك هبطت، وتذكر حين تدخل مطعماً أن تسمي الله تبارك وتعالى؛ لأنه هو الذي رزقك بمثل هذا.. وهكذا دواليك.

    اسكن في أفخم القصور واعمر جنباته بذكر الله تبارك وتعالى، إذا كنت قادراً على ذلك؛ وأقل الناس هو الذي يقدر على هذا، وانتبه إلى قول قوم قارون لما نصحوه وهم يعلمون محبته للمال، لم يقولوا له: اخرج من مالك وتصدق بمالك كله، فالمرء لا يقوى على ذلك، لكن قالوا له: وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ [القصص:77] واعمل لنفسك، وفي نفس الوقت: وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ [القصص:77] أي: لم يكن معك مال ولم تكن لك نباهة ولا ذكر، وربنا سبحانه وتعالى قال: إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى [القصص:76] أي: كان واحداً من قوم موسى لا نباهة له ولا ذكر له ولا شأن له، فلما آتاه الله عز وجل المال بغى عليهم، هكذا تكون بداية الكفر والبطر على النعم، وكثير من الناس هكذا، إن الإنسان الغني الذي ورث الغنى لا يستوي مع الذي طرأ عليه الغنى، فالذي يرث الغنى كابراً عن كابر لما ولد وجد أباه ثرياً أخذ نفس الصفة من أبيه، بخلاف الذي طرأ عليه الغنى، فإنه يلقن ابنه: يا بني كن ذئباً حتى لا تأكلك الذئاب؛ لأن الحياة عنده عبارة عن معركة، تراه يعمل عمل الذئب، فيغمض عيناً ويفتح الأخرى، فهو يقضان هاجع كما يقول الشاعر، فهو يعلم ابنه ليكون مثله، فالأب في العادة يكون مثالاً يحتذيه الابن، حتى لو كانت مماثلة الابن لأبيه في خلق ذميم، كما يروى في بعض الكتب قصة ذلك الرجل البخيل الذي أتى بعظمة فأراد أن يختبر بنيه أيهم يحسن استغلالها، وأعطاها في النهاية لمن أحسن وصفه لكيفية الاستفادة منها، وأثنى عليه.

    فنقول: إن من تعلق بالدنيا مهما ذكرته أو قلت له: التمس في ما آتاك الله الدار الآخرة فلن ينفع، لكن ينبغي عليك أن تسلك معه السبل الصحيحة، أولاً: أن تذكره بقول تعالى: وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا [القصص:77] .

    وثانياً: أن ترقق قلبه بأن تذكره بحاله، وأن الله أحسن إليه، فمن هذا الباب عليه أن يعامل الناس بنفس الوفاء، أحسن الله إليه فيحسن إلى الناس، وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأَرْضِ [القصص:77] فإن لم ينفع ذلك انتقل إلى التهديد، فتأمل درجات الدعوة: أولاً تقول له: أد حق الله وتمتع، وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ [القصص:77] ثم بعد ذلك تهدده : وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأَرْضِ [القصص:77] فإن الإنسان قد يرعوي إذا هدد.

    ونضرب هنا مثلاً الحديث الذي رواه الشيخان من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (كان في بني إسرائيل ثلاثة: أبرص، وأقرع، وأعمى، فأراد الله عز وجل أن يبتليهم، فأرسل إليهم ملكاً في صورة رجل، فذهب إلى الأقرع، فقال: ماذا تشتهي؟ قال: أشتهي شعراً حسناً، وأن يذهب عني ذلك الذي قذرني الناس من أجله، قال له: أي المال تحب أن تُرزق؟ قال: البقر. فأعطاه بقرة حاملة، قال: بارك الله لك فيها. ثم ذهب إلى الأبرص فقال له مثل الأول. فقال: أن يعطيني الله جلداً حسناً وأن يذهب عني ذلك الذي قذرني الناس من أجله، قال: أي المال تحب؟ قال: الغنم. فأعطاه غنمةً وليدها، وقال: بارك الله لك فيها، ثم ذهب إلى الأعمى، وقال: ما تشتهي؟ قال: أن يرد الله علي بصري وأن يذهب عني ذلك الذي قذرني الناس من أجله، وقال فأي المال تحب؟ قال: الإبل، فأعطاه ناقة حامل، فلما دعا لهم الملك دعا لهم فبارك الله عز وجل للأول في الأغنام والثاني في الأبقار والثالث في الإبل، حتى صار لكل واحد منهم وادياً من الإبل ومن البقر ومن الغنم، ثم بعد حول جاء الملك للأبرص في صورة رجل أبرص وقال له: عابر سبيل انقطعت بي السبل، ولا حيلة لي إلا بالله ثم بك، فهل تعطيني غنمة أتبلغ بها في سفري؟ فقال له: الحقوق كثيرة) أي: أنا رجل مديون، ولو أعطيتك وأعطيت هذا وهذا فسينتهي ما معي (فقال له الملك: كأني أعرفك ألم تكن أبرص فأعطاك الله جلداً حسناً ولوناً حسناً؟ ألم تكن فقيراً فأغناك الله؟ قال: إني ورثت هذا المال كابراً عن كابر، أباً عن جد، ولم أذق الفقر أبداً في حياتي) فانظر إلى كفران النعمة كيف يؤدي إلى الكذب! فكل العناد مبني على الكذب، والعناد: أن تدفع بصدرك في نحر الحجة، هذا هو العناد، وحين تقرأ سير المكذبين في القرآن ترى كيف كذبوا قومهم، فإن العناد هذا كله مبني على قاعدة الكذب، وأول يجحد المرء الوفاء يكذب. (قال له: إني ورثت هذا المال كابراً عن كابر، قال: إن كنت كاذباً صيرك الله كما كنت، فرجع كما كان) فالله عز وجل لا يتعاظمه أحد، وإن ذلك على الله يسير، فاحذر إذا آتاك الله عز وجل المال من هذا الجحود، أو أن يردك الله عز وجل إلى سالف ما كنت، ليس ابتلاء ولا رفعاً للدرجات، ولا تكفيراً للسيئات، بل عذاباً وعقوبة. (ثم جاء إلى الرجل الأقرع في صورة رجل أقرع أيضاً، فقال له كما قال للأول: عابر سبيل انقطعت بي السبل، ولا حيلة لي إلا بالله ثم بك، فهل تعطيني بقرةً أتبلغ بها في سفري؟ قال له أيضاً كما قال للأول، قال له: كأني أعرفك، ألم تكن أقرع فأعطاك الله شعراً حسناً، ألم تكن فقيراً فأعطاك الله المال، قال: إني ورثت هذا المال كابراً عن كابر، فقال: إن كنت كاذباً فصيرك الله كما كنت، فرجع كما كان) .

    فبقي الأعمى، ومن ابتلاهم الله عز وجل بفقدان البصر، تراهم أزكى أرباب العاهات قلوباً، تجد الخير فيهم أكثر من غيرهم، عندهم من لين القلب ما لا تراه عند سائر المبتلين، فلذلك لما جاءه الرجل في صورة رجل أعمى، قام فاستتر؛ لأن العمى أشد من البرص ومن سقوط الشعر، فالرجل تذكر محنته حين كان كفيفاً، (فقال له: عابر سبيل انقطعت بي السبل -أنا رجل أعمى ونزلت في صحراء، لا أعرف أين أذهب، ولا حيلة لي إلا بالله ثم بك- فهل تعطيني ناقة أتبلغ بها في سفري؟ قال له: يا هذا، لقد كنت أعمى فرد الله علي بصري، ولقد كنت فقيراً فأعطاني الله كل ما ترى، فخذ ما شئت ودع ما شئت، فوالله لا أربؤك اليوم شيئاً -أي: لا أمنعك اليوم شيئاً- فقال له: أمسك عليك مالك، فإن الله رضي عنك وسخط على صاحبيك) لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ [إبراهيم:7].

    يحكى أن أعرابياً كان قاعداً فلدغته حية، فجعل يصرخ ويقول: يا رب! لك الحمد. فقال له أحد الناس: قال الله تعالى: لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ [إبراهيم:7] قال له: لا شكراً، لا شكراً، لا شكراً، وهذا من سوء الفهم، فليس المعنى (لأزيدنكم من لدغ الحية) إنما من الأجر.

    فالله سبحانه وتعالى يعذب العبد العاق للنعمة، فإذا دعوت إنساناً غنياً فتدرج معه، وذلك بأن تقول له: إن هذا المال ينبغي عليك أن تبني به مجدك في الآخرة، وتقول له: ولا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا [القصص:77] تمتع بالحياة وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ [القصص:77].

    إذاً فالكفَّار هو الذي كفر النعمة وجحدها، فإن هذا يورثه العناد فيدفع بصدره في نحر الحدود، هذا عندنا كفَّار عنيد.

    السبب الثاني من أسباب دخول النار

    مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ [ق:25] ومناع صيغة مبالغة مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُرِيبٍ [ق:25] معتد: لحدود الله تبارك وتعالى، مريب: مشكك، فإنه يشكك في كل شيء، ما يأتيه من آية ولا حديث إلا وهو يشكك فيها، فكل هذه بوابات تؤدي إلى الكفر والعياذ بالله الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ [ق:26] .

    1.   

    أسباب دخول الجنة

    الرجوع والتوبة إلى الله من أسباب دخول الجنة

    ذكر ربنا سبحانه وتعالى أسباب دخول النار.

    فما هي أدلة دخول الجنة؟

    قال تبارك وتعالى: وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ * هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ [ق:31-32] فأول صفة: (أواب)، كثير من الناس يرجعون إلى الله في أول رمضان، ورمضان شهر فاضل، وكثير من العصاة يبدأ رحلة التوبة في رمضان، فنحن نقول لكل رجل رجع إلى الله عز وجل في رمضان: ينبغي عليه أنه يجدد هذه التوبة ويقويها، وعليه أن يتذكر مرارة العصيان والبعد عن الله تبارك وتعالى.

    والأواب: الرجَّاع. إذا أذنب سرعان ما يحدث توبة، انظر في الحديث القدسي، قال الله تبارك وتعالى: (أذنب عبدي ذنباً فقال: رب إني أذنبت ذنباً فاغفر لي، فقال الله عز وجل: علم عبدي أن له رباً يغفر الذنب ويأخذ به، غفرت لعبدي، ثم أذنب ذنباً فقال: رب إني أذنبت ذنباً فاغفر لي، فقال الله عز وجل: علم عبدي أن له رباً يغفر الذنب ويأخذ به، غفرت لعبدي، ثم أذنب ذنباً فقال: رب إني أذنبت ذنباً فاغفر لي، فقال الله عز وجل: علم عبدي أن له رباً يغفر الذنب ويأخذ به، غفرتُ لعبدي، فليفعل عبدي ما شاء) .

    نفهم من هذا الحديث أن أول درجات الأوبة الاعتراف بالذنب؛ لأن عدم الاعتراف بالذنب فيه اتهام لله، فإذا جاء رجل فقال: يا رب إني ما ظلمت ولا تعديت حدودك، ولكن كتبت عليّ سيئات، فإن هذا اتهام لرب العالمين بالظلم؛ لأنه إذا لم يعترف فقد اتهم الطرف الآخر، فلذلك لا يقبل من العبد توبة إلا إذا اعترف، لابد أن يعترف الأول أنه مذنب وأنه مخطئ، بعد هذا الاعتراف يقبل الله عز وجل منه توبته؛ ولذلك لما قال النبي صلى الله عليه وسلم لـعائشة في حديث الإفك: (يا عائشة ! إن كنت أذنبت ذنباً فاستغفري الله، فإن العبد إذا اعتراف بذنبه وتاب؛ تاب الله عليه) ولذلك حين أذنب العبد بذنب قال: (رب إني أذنبت) فهذا إذاً، ولذا قال: (علم عبدي أن له رباً يغفر الذنب ويأخذ به) .

    إن عدم الاعتراف فيه مكابرة، كما في الحديث الصحيح: (يجيء العبد يوم القيامة فيقرره الله بذنوبه) فيقول العبد لربه: لم يحصل مثل هذا ولا هذا، (فقال العبد: رب ألم تجرني من الظلم؟ قال: بلى، قال: فإني لا أجيز عليَّ إلا شاهداً مني) لأنه يعلم أنه أقفل على نفسه الغرفة وعمل المعصية، فهو يظن أنه لن يكون هناك من يشهد عليه فيقول: (ألم تجرني من الظلم؟ قال: بلى. قال: لا أجيز علي إلا شاهداً من نفسي، حينئذٍ يختم الله عز وجل على فيه وتنطق جوارحه) تنطق جوارحه بما كان يفعل، فيقول لهن: (سحقاً لكن، فعنكن كنت أناضل) بخلاف العبد الآخر، كما في حديث النجوى: (المؤمن عبد يقربه الله عز وجل من كنفه ويقرره بذنوبه بينه وبينه، يقول له: فعلت كذا وكذا يوم كذا وكذا، فيقول: أتذكر ذنب كذا؟ فلا يزال يقرره بذنوبه حتى يتساقط وجهه حياءً من الله، فيقول الله له: سترتها عليك في الدنيا فأنا أغفرها لك اليوم).

    فالأواب: أي الرجَّاع، والإنسان الأواب له بشارة، وهي أنه يعد مهاجراً إلى الله، وحقيقة الهجرة كما قال صلى الله عليه وسلم حين سئل: عن المهاجر من هو؟ قال: (المهاجر من هجر ما نهى الله عنه) فأنت كل يومٍ مهاجر إلى الله، كلما تركت ذنباً وأحدثت طاعة فقد خرجت من الذنب إلى الطاعة، إذاً فهذه هي الهجرة، (المهاجر من هجر ما نهى الله عنه) وأنا أطلب من إخواننا الجلوس أن كل واحد منهم أو ما يفعله حين يدخل البيت أن يخرج (التلفزيون) من البيت، هذه وصية غالية ونفيسة، يخرج هذا الملعون من البيت.

    هل يرضى أحدنا أن يترك رجلاً أجنبياً مع امرأته في غرفة النوم؟! هل يقبل أحد بهذه العملية؟! والله العظيم إن (التلفزيون) ألعن من رجل الخنا والفجور، ولا سيما بعد انتشار القنوات الفضائية، وبعد أن أصبح الإرسال الجنسي يغزو (التلفزيونات) عندنا، والأولاد -بعد الساعة الثانية والنصف من الليل- يعودون ليبحثوا في القنوات كلها من أجل أن يأتوا بالقنوات التي تبث عن طريق البحرين أو من إسرائيل أو غيرها من القنوات الكفرية، هل تظن أن امرأتك مريم بنت عمران؟ لا تفكر أبداً! تنظر رجلاً مع امرأة في (الفيلم) فيخطر ببالها مثل ما يخطر ببالك، فأنت حين تترك رجلاً أجنبياً مع المرأة في البيت فإن هذه جريمة كبيرة، فكذلك التلفزيون.

    شهر رمضان من أكثر الشهور التي يلهو الناس فيها، وهناك بدعة صريحة عندنا في القاهرة والمدن الكبرى، خيمة رمضان، ومن المفروض أن تقام ليلاً، لكنها بدلاً من أن تكون خيمة صارت خيمة خيبة، يقول لك: خيمة رمضان، وفيها أحدث المطربين وفيها (النرجيلة) وفيها (المخدرات) و(الحشيش) وكمل ما تشتهيه نفسك. فيأخذ أحدهم امرأته ويذهب إلى تلك الخيمة، فيعصون الله عز وجل في رمضان الذي هو شهر العبادة والتقرب إلى الله.

    فتراهم في (التلفزيون) يعملون أحد عشر شهراً من أجل الاستعداد لبرامج رمضان من مسلسلات وأفلام، فهذا الجهاز ملعون، فأنت لو أخرجت هذا الجهاز من بيتك فقد حققت هذه الهجرة، (المهاجر من هجر ما نهى الله عنه) فهذا الكلام ينطبق على الأواب، والأواب: أي الرجاع، الذي يحدث توبةً دائمة، فما من توبة يحدثها إلا وهو مهاجر وهو أواب.

    حفظ حدود الله من أسباب دخول الجنة

    إذاً فأول صفات أهل الجنة الذين وصفهم الله عز وجل بالمتقين: هي (أواب). وثاني صفة هي: (حفيظ) بمعنى حافظ لحدود الله عز وجل لا يتجاوزها، فهو أواب حفيظ، ومن حفظ العبد لحدود الله تبارك وتعالى أنه إذا ذُكّرَ بالله ذكر واتعظ، فإذا قيل له: اتق الله في أموالك -أي: خف ربك تبارك وتعالى-. فإنه يستجيب في الحال. فإذا وقف عند أمر الله فهو حفيظ، إذا كره الرجل المرأة عليه ألا يذرها كالمعلقة، إنما يطلقها؛ فإنه إذا علَّقها فقد تجاوز حدود الله ولم يحفظها، الرجل إذا كان وحده وليس عليه رقيب إلا الله ينبغي عليه أن لا يتجاوز حدود الله؛ لأنه حفيظ أمين ، ولذلك ذكر الله عز وجل بعدها: الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالغَيْبِ [فاطر:18] وهذه أميز صفة يتميز بها المسلمون عن بني إسرائيل، عن الأمم السابقة أنهم يخشون ربهم بالغيب، لم ير ربه تبارك وتعالى ولكن يخشاه ويخافه.

    الشرطة العسكرية في الجيش منذ زمن تعلم أفرادها شيئاً وهو: إذا دخلت الغرفة ولقيت (بدلة) الضابط معلقة فعليه إلقاء التحية. فإذا رأيت بدلته فكأنه موجود، فهم يعلمونهم هذا الأمر، ومن لا يلتزم يعاقب، ويقال له: إن مغيبك مشهدك. نحن نقول: إن وجود رب العالمين في قلب كل مسلم إن كان عامراً بذكر الله تبارك وتعالى، فإذا خلوت فلا تقل خلوت ولكن قل علي رقيب.

    فإذا وقفت عند حدود الله عز وجل، خاصة وأنت لوحدك، فأنت بذلك تكون حفيظاً، ولا يكون المرء حفيظاً إلا إذا خشي الله بالغيب، وبنو إسرائيل إنما عذبهم الله العذاب الأليم؛ لأنهم رأوا الآيات البينات وجحدوا بها، وجعل الله عز وجل المثوبة لهذه الأمة؛ لأنها آمنت بالله ولم تره، وآمنت بالنبي صلى الله عليه وسلم ولم تره، وقد ذكرت هذه الصفة في أول صفات المؤمنين في أول سورة البقرة.

    1.   

    فوائد أخرى من سورة (ق)

    إذا رجعنا إلى سورة (ق) سنجد فيها إثباتاً للأسماء والصفات، كقوله تعالى: مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ [ق:29] أي: أنا إذا وعدت الثواب على الطاعة فإنه وعد لا تفريط فيه.

    لكن إذا هدد بشيءٍ قد يتجاوز فيه تبارك وتعالى، وهذا من تمام كرمه كما قال عليه الصلاة والسلام: (إذا وعد الله عبداً على عمل فهو منجز له ما وعد، وإذا أوعد -أي: هدد - فهو بالخيار: إن شاء عذبه، وإن شاء غفر له) ومعناه: قد يسقط عنه العقوبة، لكنه إذا وعد وعداً أنجزه، وفي السورة أيضاً إثبات للنبوات، وإثبات لخلق السماوات والأرض، وإثبات لسنته تبارك وتعالى الكونية في إهلاك الأمم الباغية الظالمة، وإثبات للخيانة وضعف الأرواح والأبدان، إلى آخر هذه المعاني، فهذه السورة حين تتدبرها تجد أنها جمعت الدين كله، ولذلك كان النبي عليه الصلاة والسلام يقرأها في كل جمعة.

    فنسأل الله عز وجل أن يرزقنا فهم كتابه، وأن يجعل حبه أحب إلينا من الماء البارد على العطش.

    أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3016721678

    عدد مرات الحفظ

    723844983