إسلام ويب

مع النبي وأزواجهللشيخ : أبو إسحاق الحويني

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد اختلفت مشارب الناس وآراؤهم في معاملتهم لنسائهم ما بين مشرق ومغرب، وإن الناظر في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وحياته وتعامله مع نسائه يرى سعة حلمه وكرم أخلاقه، ويدرك يقيناً أنه خير الناس جميعاً لأهله وأرحمهم بأزواجه. وهاك من قصصه مع أزواجه لطفاً ونبلاً ما يخلب الألباب ويطير بالقلوب في عوالم الرقة والعاطفة المشبوبة، ويحلق بها في سماء لم تطاولها سماءٌ عذوبةً وحلاوةً وجاذبيةً وحسن عشرة.

    1.   

    سؤال ابن عباس لعمر عن قصة التحريم والإيلاء

    إن الحمد لله تعالى نحمده، ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

    اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين، إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين، إنك حميد مجيد.

    قال الإمام البخاري رحمه الله في كتاب النكاح، في باب موعظة الرجل ابنته لحال زوجها:

    عن ابن عباس رضي الله عنه قال: (لم أزل -وبعض الألفاظ من طرقٍ أخرى من خارج صحيح البخاري- حريصاً على أن أسأل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن المرأتين اللتين قال الله تعالى فيهما : إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا [التحريم:4]، حتى حج وحججت معه، وعدل وعدلتُ معه، فقضى حاجته، فصببت عليه وضوءه، فقلت: يا أمير المؤمنين! من المرأتان اللتان قال الله فيهما إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا [التحريم:4]؟ فقال: واعجباً لك يا ابن عباس ! إنهما عائشة وحفصة ، ثم استقبل عمر الحديث يسوقه، قال: كنت أتناوب النزول إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنا وجار لي من الأنصار، فكان ينزل يوماً وأنزل يوماً، فكان إذا نزل أتاني بخبر الوحي وما كان من أمر النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا نزلت فعلت مثل ذلك، وكنا معشر قريشٍ قوماً نغلب نساءنا، فلما قدمنا على إخواننا من الأنصار إذا هم قوم تغلبهم نساؤهم.

    قال عمر رضي الله عنه: فطفق نساؤنا يأخذن من أدب نساء الأنصار، فصخبت على امرأتي ذات يوم فراجعتني، فأنكرت أن تراجعني، فقالت: أَوَفي هذا أنت يا ابن الخطاب؟! لم تنكر أن أراجعك؟ ووالله إن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ليراجعنه، وإن إحداهن لتهجره اليوم حتى الليل. قال عمر : فأفزعني ذلك، ونزلت إلى حفصة فقلت: أي بنيتي! أتغاضب إحداكن النبي صلى الله عليه وسلم وتهجره اليوم حتى الليل؟! قالت: نعم. فقلت لها: قد خبت وخسرت! وما يؤمنك أن يغضب الله لغضب رسوله فتهلكي؟! لا تسألي النبي صلى الله عليه وسلم ولا تستكثريه، وسليني ما بدا لك، ولا يغرنك أن كانت جارتك -يعني: عائشة - أوضأ منك وأحب إلى النبي صلى الله عليه وسلم.

    قال عمر : وكنا نتحدث أن غسان تُنعل الخيل لغزونا، فجاءني صاحبي يوم نوبته عشاءً، فطرق الباب طرقاً شديداً وقال: أثم هو؟ ففزعت فخرجت إليه، فقال: قد حدث اليوم أمر عظيم فقلت: أجاء غسان؟ قال: لا، بل أعظم من ذلك وأهول! طلق النبي صلى الله عليه وسلم نساءه! فقال عمر : قد كنت أظن هذا يوشك أن يكون. قال: فجمعت علي ثيابي ونزلت، فدخلت على حفصة فإذا هي تبكي، فقلت لها: ما يبكيك؟ ألم أكن حذرتك هذا؟! أطلقكن النبي صلى الله عليه وسلم؟! قالت: لا أدري! ها هو ذا معتزل في المشربة، فخرجت فجئت المنبر، فإذا حوله رهط يبكي بعضهم، قال: فجلست معهم: ثم ذهبت إلى باب المشربة، وكان على الباب رباح -وهو غلام للرسول عليه الصلاة والسلام- فقلت للغلام: استأذن لـعمر . فدخل الغلام ثم رجع، فقال: ذكرتك له فصمت. قال عمر : فرجعت فجلست مع الرهط الذين عند المنبر، ثم غلبني ما أجد، فقلت للغلام: استأذن لـعمر . فدخل ثم رجع. فقال: قد ذكرتك له فصمت. قال: فذهبت فجلست مع الرهط الذي عند المنبر، ثم غلبني ما أجد، قال: فقلت للغلام: استأذن لـعمر . قال: فدخل ثم رجع إلي. فقال: قد ذكرتك له فصمت. فلما وليت منصرفاً، إذا الغلام يدعوني، فقال: قد أذن لك النبي صلى الله عليه وسلم. فدخلت على النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا هو مضطجع على رمال حصير، ليس بينه وبينه فراش، قد أثر الرمال في جنبه، فأردت أن أستأنس، فقلت: يا رسول الله! لو رأيتنا معشر قريشٍ نغلب نساءنا، فلما قدمنا على إخواننا من الأنصار إذا هم قومٌ تغلبهم نساؤهم. قال: فتبسم النبي صلى الله عليه وسلم، فقلت: يا رسول الله! لو رأيتني أقول لـحفصة : لا يغرنك أن كانت جارتك أوضأ منك وأحب إلى النبي صلى الله عليه وسلم. قال: فتبسم النبي صلى الله عليه وسلم تبسمة أخرى، فجلست حين رأيته تبسم، فرفعت بصري في بيته عليه الصلاة والسلام، قال: فلم أر شيئاً يرد البصر -أي: يملأ العين- غير أهبة ثلاثة -أهبة: جمع إهاب، وهو الجلد- فقلت: يا رسول الله! ادع الله أن يوسع على أمتك، فإن فارساً والروم قد وسع عليهم وأعطوا الدنيا وهم لا يعبدون الله. قال: فجلس النبي صلى الله عليه وسلم، وكان متكئاً، وقال: أوفي هذا أنت يا ابن الخطاب ؟! إن أولئك قومٌ عجلت لهم طيباتهم في حياتهم الدنيا... إلى أن قال: فدخل النبي صلى الله عليه وسلم على عائشة فبدأ بها، تقول عائشة : فدخل عليّ من تسع وعشرين أعدها عداً، فلما دخل قلت: يا رسول الله! قد أقسمت أن لا تدخل علينا شهراً، وإنما أصبحت من تسعٍ وعشرين أعدها عداً. فقال عليه الصلاة والسلام: الشهر تسع وعشرون. قالت عائشة : فكان ذلك الشهر تسعاً وعشرين.

    1.   

    استحباب تلطف طالب العلم مع شيخه

    هذا الحديث اشتمل على جملة من الفوائد، أظهرها ما سنسوقه في هذا الدرس إن شاء الله تبارك وتعالى.

    قال ابن عباس رضي الله عنهما : ( ما زلت حريصاً على أن أسأل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه) وللبخاري أيضاً: قال ابن عباس : مكثت سنةً أريد أن أسأل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن المرأتين التي قال الله فيهما: إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا [التحريم:4]، فتمنعني هيبته، فقال ذلك لـعمر . فقال له عمر : يا ابن أخي! إذا علمت أن عندي علماً فسلني. قال ابن عباس : (حتى حج وحججت، وعدل وعدلت) أي: وهم في الطريق قضى عمر بن الخطاب حاجته، فتبعه ابن عباس بإداوة، ليتوضأ منها عمر، وسأله وهو يصب عليه الماء سأله هذا السؤال.

    وفي هذا دليل على استحباب أن يتلطف طالب العلم بشيخه، وأن يتحرى مواضع خلو باله فيسأله، فإن كثرة سؤال الشيخ -لاسيما وهو متضجر- تزعجه، وقد كان هذا مذهباً لبعض الطلبة المجدين، كأمثال ابن حبان رحمه الله، فقد كان يصحب شيخه ابن خزيمة رحمه الله، ولا يتركه سفراً ولا حضراً، وكان يكثر عليه السؤال، فأكثر عليه ذات مرةٍ في سفرٍ، فقال له ابن خزيمة : (تنح عني يا بارد!) فكتبها ابن حبان . فقيل له: أتكتبها ولا فائدة فيها؟! قال: لا أدع لفظاً يخرج من فم الشيخ إلا كتبته.

    فالصواب في هذا: أن الإنسان يقبل على شيخه في وقت فراغه ونشاطه وخلو باله، وقد كان طلبة الحديث يزعجون مشايخهم كثيراً، وأشهر من أزعجوه في ذلك هو الإمام سليمان بن مهران الملقب بـالأعمش ، واستعمل معهم الشدة كثيراً، حتى ذكر الخطيب رحمه الله في كتاب (شرف أصحاب الحديث) أن الأعمش اشترى له كلباً، فكان إذا سمع وقع نعالهم خارج البيت أطلق عليهم الكلب، ولك أن تتخيل من يجري أمام الكلب من أمثال شعبة وأمثال هؤلاء الكبار كـعبد الله بن إدريس !

    فما أن يدخل الكلب الدار حتى يرجعوا مرةً أخرى، فيطلق عليهم الكلب، وهكذا كان يحول بينه وبينهم هذا الكلب، فجاءوا ذات مرةٍ وهم يتوجسون أن يخرج عليهم الكلب، وإذا هم يقتربون شيئاً فشيئاً ولم يخرج الكلب، فهجموا على الدار ودخلوا عليه، فلما رآهم بكى، فقالوا: ما يبكيك يا أبا محمد ؟ قال: قد مات الذي كان يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر..! (يعني: الكلب) .

    وكان الأعمش يكره أن يقعد بجانبه أحدٌ في أثناء الدرس، فجاء رجلٌ من الغرباء، فجلس بجانب الأعمش وهو لا يدري أن الأعمش يكره ذلك، فأحس به فتركه، فكلما قال: (حدثنا) بصق عليه (فلان) بصق عليه. والرجل ساكت حتى قضى الأعمش درسه!

    ويذكر الخطيب في هذا الكتاب أخباراً كثيرة أخرى عن الأعمش أنه كان يستعمل الشدة، وكان إذا غضب عليهم يقول: شرٌ أناسٍ على ظهر الأرض!

    فأنت -أيها الطالب النبيه- إذا أردت أن تستفيد، فاعلم أن الفوائد لن تتم إلا بصفاء الذهن، فعليك بالرفق؛ فإن القلوب إذا كلت عميت لأن هذا الإرهاق يحرمك خيراً كثيراً، ولا يحملك جدك ونشاطك ونهمك على أن تكثر من مماراة شيخك، فقد قال الزهري رحمه الله: (لقد خسر أبو سلمة بن عبد الرحمن علماً كثيراً؛ لكثرة ما كان يماري ابن عباس ).

    فـأبو سلمة كان كثير المماراة، فكلما تكلم ابن عباس بكلمة كان أبو سلمة يماريه ولا يسلم له ويناقشه ويعارضه، ويظهر معارضات وإلزامات، فمن كثرة ما كان يماري ابن عباس زهد ابن عباس في إفادته وفي مجالسته: (لقد خسر أبو سلمة بن عبد الرحمن علماً كثيراً لكثرة ما كان يماري ابن عباس ).

    بخلاف ابن جريج فقد لازم عطاء بن أبي رباح عشرين سنة، وقال: قد استخرجت ما عند عطاء من نصح، ولم يتضجر منه عطاء بن أبي رباح ، لماذا؟ لأنه كان يترقب خلواته، فإذا رآه صافي الذهن مقبلاً سأله.

    وكذلك فعل ابن عباس رضي الله عنه، فقد ظل سنةً يهاب أن يسأل عمر بن الخطاب حتى رأى أنه بمفرده معه (فانتهز الفرصة) فبادره بهذا السؤال، وقدم بين يدي السؤال هيبته إياه، فقال: (يا أمير المؤمنين! إني أريد أن أسألك منذُ سنةٍ فتمنعني هيبتك. فقال: يا ابن أخي! إذا كان عندي علمٌ فسلني. فقال له: من المرأتان اللتان قال الله فيهما: إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا [التحريم:4]؟ فقال له عمر : وا عجباً لك يا ابن عباس !)

    وإنما تعجب عمر بن الخطاب رضي الله عنه من ابن عباس لما كان لـابن عباس من الفضل في البحثٍ عن التفسير وعن التأويل، فعجب عمر أن يخفى عليه مثل هذا الموضع مع شهرته، لاسيما وقد كان عمر حسن الرأي في ابن عباس برغم صغر سنه، وقد روى البخاري رحمه الله في صحيحه، عن ابن عباس قال: (كان عمر يدخلني مع أشياخ بدرٍ، فغضب أحدهم -وهو عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه- وقال: لم يدخل هذا معنا ولنا أبناء مثله؟! -أي: في مثل سنه- قال: فسمعها عمر فأضمرها -أي: أسرها- حتى كان يومٌ، فسألهم سؤالاً في حضور ابن عباس . قال: ما تقولون في قول الله عز وجل: إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا [النصر:1-3]، ما تقول يا فلان؟ قال: هذا أمرٌ من الله عز وجل أنه إذا جاء نصر الله والفتح، فأمره أن يستغفر. -فسر الماء بعد الجهد بالماء- وأنت يا فلان ما تقول؟ قال: أقول فيها ما قال أخي، وأنت يا فلان! قال ابن عباس : فعلمت أنه يريد أن يريهم لماذا يدخلني، فقال: وأنت ما تقول يا ابن عباس؟ أتقول بقولهم؟ فقلت: لا يا أمير المؤمنين. قال: فما تقول؟ قلت: هذا نعي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإعلام بقرب أجله فأنه إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا [النصر:1-2] فما بقاؤك إذاً؟ فقد تمت الرسالة وكمل الدين وتمت النعمة، فهذا إشعارٌ بقرب أجله صلى الله عليه وسلم.

    فقال عمر : والله يا ابن أخي ما أعلم منها غير ما تقول.

    فقد بلغت منزلة ابن عباس أن عمر يدخله مع أشياخ بدر، وكان يضرب بأشياخ بدر المثل في رجاحة العقل وفي دقة النظر، حتى قال أبو حصين -وهو أحد التابعين- منكراً على الذين يتسرعون في الفتوى: إنكم لتفتون في المسألة؛ لو عرضت على عمر لعرضها على أشياخ بدر؛ أي: لا يجرؤ عمر -مع جلالته ورجاحة عقله- أن يفتي فيها حتى يشرك معه أشياخ بدر، وأنتم تتسرعون في الفتيا!

    الشاهد: أن عمر تعجب من ابن عباس لعدم معرفته بالمرأتين، مع أنه كان مهتماً بعلم التفسير، استجابةً لدعوة النبي صلى الله عليه وسلم: (اللهم فقهه في الدين، وعلمه التأويل) .

    وهناك احتمال آخر وهو أن ابن عباس كان يعلم القصة مجملة، فأراد أن يعلمها مفصلة من عمر .

    وهناك احتمال ثالث: وهو أن ابن عباس سمع القصة بنزول، فأحب أن يسمعها بعلو، أي: ربما يكون قد سمعها من رجل عن رجل، فأراد أن يعلو بهذه القصة، فطلب ذلك من عمر بن الخطاب رضي الله عنه.

    فقال عمر: (واعجباً لك يا ابن عباس ! إنهما عائشة وحفصة، ثم استقبل عمر الحديث يسوقه.

    1.   

    الجمع بين التجارة والعلم مذهب كثير من العلماء

    قال: (كنت أتناوب النزول أنا وجار لي من الأنصار، فكان ينزل يوماً وأنزل يوماً).

    وهذا يدلنا على أنهم لم يكونوا يتفرغون لطلب العلم، بل كان بعض العلماء المشاهير لا يتفرغون أيضاً لطلب العلم، بل كانوا يجمعون ما بين التجارة وما بين طلب العلم.

    ومن أشهر هؤلاء الذين عقدت عليهم الخناصر في التجارة وفي العلم وفي الجهاد هو الإمام ذو الفضائل عبد الله بن المبارك.

    هذا الرجل لو قرأتم سيرته لأحببتموه غاية الحب! وكان تاجراً، وكان ينفق على أعظم ستةٍ من علماء عصره، بل من مشايخه، فكان ينفق على السفيانين والحمادين وابن علية والفضيل بن عياض ، أي: كان ينفق على سفيان بن عيينة وسفيان الثوري ، وحماد بن سلمة ، وحماد بن زيد ، والفضيل بن عياض وإسماعيل بن علية ، وكان يقول: (لولا هؤلاء ما اتجرت) وكان شديد السخاء، وكان يحج عاماً ويغزو عاماً، حتى أنه ذات مرة جاء إليه رجل متسول، فأعطاه عشرة دراهم، فقيل له: إن هذا الرجل لديه مالٌ كثير، وهو يأكل المشوي -همس إليه رجل بهذه المقالة- وهؤلاء يأخذون الأموال ويكنزونها، وهم أغنى منا، فلماذا تعطي هؤلاء؟ فليس بفقير طالما أنه يأكل المشوي واللحوم، فقال ابن المبارك : آلله؟! أي: أهذا حقاً يأكل المشوي؟! قيل: نعم. قال: إذاً هذا لا يكفيه عشرة دراهم، هذا لا يكفيه إلا مائة درهم.

    انظر إلى فقه هذا الإمام! لأن العبرة أن يخرج المال من يده، وليست العبرة أن يقع في موقعه أم لا، فهذه مسألة وهذه مسألة، ولكن عندما يطاوع المرء شحه، ويقول: هؤلاء الناس ليسوا محتاجين، وغير مستحقين، ومعهم أموال، ولو وجدت مستحقاً لأعطيته. هب أنك أعطيته وهو غير مستحق، فما يضرك؟!

    قال النبي صلى الله عليه وسلم -فيما رواه الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه-: (قال رجلٌ: لأتصدقن الليلة بصدقة، فخرج في الليل، فوجد امرأةً، فوضع الصدقة في يدها، فأصبح الناس يقولون: تصدق الليلة على زانية! فقال الرجل: الحمد لله! على زانية؟! لأتصدقن الليلة بصدقة. فخرج فوجد رجلاً، فأعطاه الصدقة، فأصبح الناس يقولون: تصدق الليلة على سارق! فقال الرجل: الحمد لله على سارق، لأتصدقن الليلة بصدقة، فخرج فوجد رجلاً فأعطاه الصدقة، فأصبح الناس يقولون: تُصدق الليلة على غني؟!) لماذا أعاد الصدقة ثلاث مرات؟ لأنه في كل مرةٍ يرى أنها لم تقع في موقعها الذي يريد، فهو يريد أن يوقعها في يد مستحقٍ لها، فوقعت في يد زانية، فلعلها تستعين بهذا المال على الزنا، ووقعت في يد سارق، فبدلاً من أن تقطع يده يعطي مالاً، ووقعت المرة الثالثة في يد رجلٍ غني غير محتاج.

    فجاءه ملك في صورة رجلٍ، فقال له: (أما صدقتك فقبلت) هذا هو المطلوب، المهم أنك تتصدق، وتصل إلى أي مكان لا يضرك إذا ابتغيت بها وجه الله عز وجل (فأما المرأة الزانية فلعلها تستعف، وأما السارق فلعله يتوب، وأما الغني فلعله يخرج الذي عنده ، فنحن نستدل بهذا الحديث على أن الصدقة على أهل المعاصي مع تتبعهم ورعايتهم أفضل من إعطاء الصدقة -أحياناً- لبعض الملتزمين، والرسول عليه الصلاة والسلام كان يعطي العطاء لرجالٍ ويدع من هم أحب إليه منهم) ويقول: (أكلهم إلى إيمانهم) والرجل الملتزم إذا لم تعطه، فلن يكفر ويفسق ويترك التزامه، بل سيصبر على الجوع والعطش، بخلاف الرجل الحديث العهد بالإسلام، فإنك إذا أعطيته التزم، وسهم المؤلفة قلوبهم أخذ منه كثير من الصحابة الذين تألف النبي صلى الله عليه وسلم قلوبهم بالمال، ثم حسن إسلامهم.

    فكان عبد الله بن المبارك رحمه الله يتعامل بهذه العقلية؛ لأنه إمام فقيه محدث، فكان يجمع بين التجارة والعلم، وانظر إلى دواوين الإسلام، فلا تكاد ترى باباً يخلو من ذكر عبد الله بن المبارك رحمه الله تعالى.

    وكذلك أبو حنيفة رحمه الله كان تاجراً، والإمام الشافعي رحمه الله، كانت له تجارة لطيفة وصغيرة.

    المقصود: أن طالب العلم ليس من شرطه أن يتفرغ، بل قد يجمع بين العلم وبين التجارة؛ لكن ذلك يحتاج إلى همةٌ عالية.

    ابن أبي داود -عبد الله بن أبي داود السجستاني - قال: رحلت إلى أبي سعيد الأشج فاشتريت ثلاثين مداً باقلاء فكان يأكل كل يوم أربع حبات أو خمس حبات. وليس كما نصنع نحن اليوم، نأخذ (الساندويتش) الفول، ونضع فيه نصف كيلو فول، ونأكله في لمح البصر! قال: فما نفدت الباقلا حتى كنت قد كتبت عن أبي سعيد الأشج ثلاثين ألف حديث.

    وكان معه الخبز اليابس الذي لو ضربت به في جلدك ربما جرحك، فكان يذهب إلى الفرات، ويبله فيه حتى يلين ويأكله، وكان مقدار أكله في اليوم الواحد عبارة عن أربع حبات فول مع رغيف واحد.

    وواصل هؤلاء الأئمة الكبار الجد والرحلة في طلب العلم، وقل أن تجد الآن رجلاً يجمع بين التجارة والعلم، أي: إما هذه وإما تلك، وإنما البكاء -كما يقول ابن الجوزي رحمه الله- على خساسة الهمم.

    فهذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه ينزل يوماً إلى تجارته فيصلحها، وإلى معاشه فينظر فيه، وينزل يوماً إلى الرسول عليه الصلاة والسلام، وهذه طريقة جيدة حتى لا يفوته شيء من حديث الرسول عليه الصلاة والسلام.

    قال: كنت أتناوب النزول أنا وجار لي من الأنصار، فكان ينزل يوماً وأنزل يوماً، فإذا نزل أتى بخبر الوحي وما قاله النبي عليه الصلاة والسلام، وإذا نزلت فعلت مثل ذلك.

    1.   

    معاملة النساء بين أهل القرى وأهل المدن

    قال: وكنا معشر قريشٍ قوماً نغلب نساءنا، فلما قدمنا على إخواننا من الأنصار، إذا هم قومٌ تغلبهم نساؤهم.

    وهذا هو الفرق بين أهل المدينة وأهل القرى، أهل القرى عندهم خشونة في معاملة النساء، فمهمتها الخدمة والخلفة فقط، أما المحاورات واللطف والمعاشرة بالمعروف، فليست عند هؤلاء، حتى أن عمر بن الخطاب في هذا الحديث من طريق آخر يقول: فصخبت علي امرأتي فراجعتني، فتناولت قضيباً فضربتها. فقالت: أو في هذا أنت يا ابن الخطاب؟! -هل تظن أننا لا زلنا بمكة؟!- لم تنكر أن أراجعك وهؤلاء أزواج النبي صلى الله عليه وسلم يهجرنه الليل حتى الصبح؟! كأنها تقول: لك فيه أسوة، ولي فيه أسوة، وأنا لم أهجرك بل راجعتك، أتنكر علي أن أراجعك.

    تأثير البيئة على الإنسان

    كل إنسان وليد بيئته، والبيئة تؤثر في الإنسان، ولا ينكر المرء أن البيئة تؤثر فيه، بل حتى المركوب يؤثر في صاحبه، ولست أعني بالمركوب الحذاء، بل ما يركبه الإنسان من الحيوانات فهو يؤثر في صاحبه، ودليلي في هذا من السنة، قول الرسول عليه الصلاة والسلام: (الكبر والبطر في أهل الخيل، والسكينة والوقار في أهل الغنم)، فالخيل من طبعها أن فيها نوعاً من الكبر، والإنسان حين يركب الخيل يشعر بالعظمة، وكانت هذه هي علامة العظماء آنذاك، كما في حديث أم زرع ، الحديث الجميل، قالت أم زرع وهي تصف زوجها السابق؛ لأن أبا زرع طلقها، إذ أنه -كما قالت- (لقى امرأةً معها ولدان لها كالفهدين، يلعبان من تحت خصرها برمانتين، فطلقني ونكحها، قالت: فنكحت بعده رجلاً سرياً): من سراة الناس وأشرافهم.

    (ركب شرياً) الشري: هو أجود أنواع الفرس.

    (وأخذ خطياً) الخط: مدينة كانت في البحرين، وكانت الرماح تجلب من الهند إليها، ثم توزع منها على جزيرة العرب، فنسبت السهام إلى الخط، وهي البلد التي توزع منها هذه الرماح.

    فالخط: هو الرمح، فزوجها هذا يركب فرساً ولكي يكمل مشهد الفخامة يضع الرمح تحت إبطه وهو راكب.

    فهذا الكبر الذي في الفرس ينتقل إلى صاحبه، وأنت تلاحظ هذا في أي إنسان يركب سيارةً فارهة، ونحن عندنا -مثلاً- أحدث نوع من أنواع السيارات هي (المرسيدس) ثمنها مليون وسبعمائة ألف جنيه، هذا ثمن سيارة وهي سيارة (مرسيدس) ضد الرصاص -أي: مصفحة- وأول من أدخلتها مصر راقصة! ولهذا كان اسم هذه السيارة- بكل أسف- (الفاجرة).

    وسيارات (المرسيدس) لها أسماء كثيرة مثل (الشنزيرة) و(التمساح) و(الشبح) و(الزنمكة)، و(البودرة).

    والبودرة هذه نسبة إلى تجار الهروين؛ لأنها سيارات باهضة الثمن، ولا يستطيع شراءها إلا تجار الهروين فقط، والشبح سموها باسم طائرة الشبح الأمريكية التي شاركت في حرب الخليج.

    فعندما يركب الإنسان سيارة فارهة فإنه يحس بالكبر.

    حدثني بعض أصحابنا ممن كان يركب هذه السيارات، ثم استبدلها عندما التزم، فكان يحكي لي لما سمع مني هذه المعلومة، قال: أنا أصدق الذي تقول؛ لأنني حين كنت أقود السيارة وارى سيارة أمامي، فإني أظل أضايق صاحبها بالأنوار، وأزعجه ببوق السيارة، وأنظر إليه باحتقار، وأكاد أضربه.. لماذا؟ لأنه تصور أنه انتقل إليه ثمن السيارة.

    ويقول: لما كنت أنزل عند صاحب الفواكه أنزل وأنا مغتر بنفسي، وأقف عند باب (العربية) بشكل ملفت.

    وقد أثبتت ذلك الدراسات، والذين يدرسون علم النفس يقولون بهذا، حتى وصل بهم الحال أن يقولوا: إن أكل اللحوم من حيوان معين يمكن أن يكسب الإنسان بعض صفاته.

    والبيئة تؤثر في صاحبها.

    فالإنسان الذي يعيش في البادية تجده جلداً، يقف في الشمس الساعات الطوال، ولا يدركه نصب ولا تعب ولا أي شيء من هذا.. وكذلك البيئة الصحراوية تؤثر في أخلاق من يعيش في الصحراء فيكون خلقه صحراوياً أيضاً، مثلما قالت أول امرأة في حديث أم زرع : قالت: (زوجي لحم جمل غث، على رأس جبل وعر، لا سهل فيرتقى، ولا سمين فينتقل).

    فهي تصف زوجها بأنه رجل جاف سيئ الخلق: (زوجي لحم جمل غث)؛ لأن لحوم الجمال أكثر الناس لا يأكلونها إلا نادراً -وهي من لحوم الجمال الجيدة- أما هذا فشبهته بلحم جمل غث، أي: رديء، هذا اللحم من الجمل الغث وضعوه على قمة جبال عالية، فمع رداءته انظر أين وضعوه، (لا سهل فيرتقى ولا سمين فينتقل) ويا ليت اللحم الذي عليه جيداً فنتحمل المشقة في سبيل جلبه، فهي تشير إلى أنه في سوء خلقه كالجبل الوعر.

    ففي القرى كان الرجال يعاملون النساء معاملةً قاسية، ليس للمرأة إلا أن تلد وتخدم الرجل، فلما جاءوا إلى المدينة بلد الحضر، -يقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه- طفق نساؤنا يأخذن من أدب نساء الأنصار.

    وهذا من أدب عمر ؛ فمع أنه معترض على هذا الخلق الجديد، إلا أنه لم يقل: (فطفق نساؤنا يأخذن من قلة أدب نساء الأنصار) وإنما قال: (يأخذن من أدب نساء الأنصار) وفي رواية: قال: (يأخذن من أرب نساء الأنصار) ، والأرب: هو العقل والطريقة.

    1.   

    إعانة الرجل لابنته على طاعة زوجها

    قال: فصخبت علي امرأتي ذات يوم فراجعتني، فتناولت قضيباً فضربتها. قالت: أو في هذا أنت يا ابن الخطاب ؟! إن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم يهجرنه الليل حتى الصبح، قال: فأفزعني ذلك.

    ولم يفزع على أم سلمة ، ولا على عائشة ، ولا جويرية ، وإنما فزع على ابنته، قال: أو تفعل حفصة ذلك؟! وهذا فيه دليل على ضعف الوالد تجاه ولده، وحبه لسلامته، قال: أو تفعل حفصة ذلك؟! خابت وخسرت.

    قال: ثم نزلت إلى حفصة ، فقلت لها: أي بنيتي! أتغاضب إحداكن النبي صلى الله عليه وسلم، وتهجره الليلة حتى الصبح؟! قالت: نعم.

    وفي هذا دليل على أن الهجر يكون ليلة، والنبي عليه الصلاة والسلام قال: (إذا باتت المرأة -والبيات لا يكون إلا ليلاً- هاجرةً فراش زوجها؛ لعنتها الملائكة حتى تصبح) .

    فلو قال شخص: لو أنه دعاها إلى الفراش نهاراً فهجرته، فهل تدخل في الحديث؟ نقول: نعم.

    إذاً لماذا ذكر الليل فقط؟ لأن الليل هو داعية الفعل، وليس النهار، فالتقييد بالبيات وذكر الإصباح في الحديث خرج مخرج الغالب فلا مفهوم له، أي: إذا باتت المرأة بالليل هاجرةً فراش زوجها لعنتها الملائكة حتى تصبح، فليس مفهومه أنه يجوز لها أن تهجره بالنهار، فإن القيد إذا خرج مخرج الغالب فلا مفهوم له عند العلماء.

    قال لها: خبت وخسرتِ! وما يؤمنك أن يغضب الله لغضب رسوله فتهلكي؟! لا تسألي النبي صلى الله عليه وسلم ولا تستكثريه وسليني ما بدا لك.

    وهذا هو الذي عناه الإمام البخاري في الترجمة، فـالبخاري ذكر الحديث تحت قوله: باب موعظة الرجل ابنته لحال زوجها.

    فكذلك ينبغي للآباء أن يسلكوا هذا الخلق القويم: أنه لا يقوي ابنته على زوجها، بل عليه أن يعينها على طاعة زوجها؛ لأن هذا من النبل ومن الوفاء.

    بعض الإخوة كثيراً ما يشكوا من ذلك يقول: هل يحق لي أن أقطع رحم زوجتي؟ أي: لا أسمح لها أن تزور أباها ولا أخاها ولا أمها ولا غيرهم. لماذا يا أخي؟! فقطع الرحم لا يجوز، يقول: كلما ذهبت رجعت ناشزة علي.

    حتى أني حضرت بعض المشاكل.. والمرأة الحمقاء أم الزوجة تعين ابنتها على عصيان زوجها وطلب الطلاق منه، وما هي المصلحة في ذلك؟ وكان الأولى أن تأمرها بالمعروف وتقول لها: يا بنيتي! إن النبي عليه الصلاة والسلام أبصر أسماء بنت يزيد فقال لها: (أي هذه! أذات بعلٍ أنت؟ -أي: أمتزوجة أنت-؟ قالت: نعم يا رسول الله. قال: كيف أنت له؟ قالت: ما آلوه -أي: لا أقصر في طاعته- قال: فانظري أين أنت منه، فهو جنتك ونارك) .

    فـعمر بن الخطاب رضي الله عنه، قال: لا تسأليه ولا تغضبيه ولا تستكثريه -أي: لا تكثري من الطلبات- وسليني ما بدا لك، ولا يغرنك أن كانت جارتك أوضأ منك وأحب إلى النبي صلى الله عليه وسلم (يعني: عائشة)

    ومما يدل على عظيم حب النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة رضي الله عنه وأنها كانت أحب نسائه إليه ما رواه مسلم في صحيحه عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أنها قالت: (أرسل أزواج النبي صلى الله عليه وسلم فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستأذنت عليه وهو مضطجع معي في مرطي فأذن لها فقالت يا رسول الله إن أزواجك أرسلنني إليك يسألنك العدل في ابنة أبي قحافة وأنا ساكتة قالت فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم أي بنية ألست تحبين ما أحب ؟ فقالت بلى قال فأحبي هذه قالت فقامت فاطمة حين سمعت ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجعت إلى أزواج النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرتهن بالذي قالت وبالذي قال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلن لها ما نراك أغنيت عنا من شيء فارجعي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقولي له إن أزواجك ينشدنك العدل في ابنة أبي قحافة فقالت فاطمة والله لا أكلمه فيها أبدا قالت عائشة فأرسل أزواج النبي صلى الله عليه وسلم زينب بنت جحش زوج النبي صلى الله عليه وسلم وهي التي كانت تساميني منهن في المنزلة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم أر امرأة قط خيرا في الدين من زينب وأتقى لله وأصدق حديثا وأوصل للرحم وأعظم صدقة وأشد ابتذالا لنفسها في العمل الذي تصدق به وتقرب به إلى الله تعالى ما عدا سورة من حد كانت فيها تسرع منها الفيئة قالت فاستأذنت على رسول الله صلى الله عليه وسلم ورسول الله صلى الله عليه وسلم مع عائشة في مرطها على الحالة التي دخلت فاطمة عليها وهو بها فأذن لها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله إن أزواجك أرسلنني إليك يسألنك العدل في ابنة أبي قحافة قالت ثم وقعت بي فاستطالت علي وأنا أرقب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأرقب طرفه هل يأذن لي فيها قالت فلم تبرح زينب حتى عرفت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يكره أن أنتصر قالت فلما وقعت بها لم أنشبها حين أنحيت عليها قالت فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وتبسم إنها ابنة أبي بكر).

    هذا يذكرني بالحديث الذي رواه البخاري عن أسماء قالت: تزوجني الزبير بن العوام وما له في الأرض شيء غير ناضح، وقطعة أرض من المدينة، قالت: ذهبت ذات يوم آتي بالنوى، فلقيها النبي صلى الله عليه وسلم في بعض طرق المدينة ومعه بعض أصحابه، قالت: فلما رآني أناخ البعير، ودعاني للركوب خلفه، وهو زوج أختها، ثم هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، والظاهر من مجموع الأدلة أنه كان محرماً لنساء الأمة، قالت: أسماء: فذكرت الزبير وغيرته فاستحييت.

    وكان الزبير بن العوام رجلاً غيوراً، وكان قاسياً، وكان الزبير متزوجاً بامرأتين، وكان إذا أراد أن يضربهن يربط ظفائرهن، ببعض وكانت أسماء لا تحسن أن تدافع عن نفسها، فكانت فتذهب إلى أبيها أبي بكر الصديق تشتكي الزبير، فكان يقول: يا بنيتي! ارجعي، فإن الزبير رجلٌ صالح.

    والله إن هذا الجيل الفريد حق له أن يمكن وتصير له دولة في عشر سنوات، لماذا؟ لأنهم كانوا رجال صدقٍ.

    تقول أسماء: (فذكرت الزبير وغيرته) برغم أن راحتها أنها تركب خلف الرسول عليه الصلاة والسلام، لكن تذكرت الزبير وغيرته. وهذا من الحرص على شعور الزوج، فإذا كان الزوج يغضب من أمر معين، فلا ينبغي للمرأة الوفية المؤمنة أن تفعل ذلك الأمر، وأن تكدر خاطر زوجها وتعكر صفوه.

    قالت: فاستحييت؛ فعلم النبي صلى الله عليه وسلم ذلك فتركني، فلما رجعت تحكي للزبير بن العوام ما حدث، فقال لها: لمشيك أشد علي من ركوبك خلفه.

    1.   

    حب النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة

    فـعائشة رضي الله عنها تقول: فنظرت إلى النبي صلى الله عليه وسلم هل يكره أن أنتصر. قالت: فلما علمت أنه لا يكره أن أنتصر قمت لها فأفحمتها. فتبسم النبي صلى الله عليه وسلم، وقال: (إنها ابنة أبي بكر) كما نقول في المثل الشعبي: (ابن الوز عوام) أي: لها الحجة القوية مثل أبيها، وحق لها أن تكون مثل أبيها، وهذا يدلك على مدى حب الرسول عليه الصلاة والسلام لها، وأيضاً يدلك على كمال خلق النبي عليه الصلاة والسلام كيف أنه لم يغضب ولم يضرب هذه مرة وهذه مرة. وحين نتأمل في حال المتزوجين بامرأتين أو بثلاث أو بأربع وحال الرسول صلى الله عليه وسلم، تشعر أن هناك جانباً من جوانب العظمة في حياة النبي صلى الله عليه وسلم مع زوجاته التسع.

    يظهر من هذا الحديث كيف كان النبي عليه الصلاة والسلام يحب عائشة رضي الله عنها، ويفعل معها ما لم يفعله مع أي امرأة، فعند أحمد وغيره أن عائشة قالت: (كنا في غزاة مع النبي صلى الله عليه وسلم، فقال للناس: تقدموا. فتقدموا، قال: تعالي أسابقك) فهل هناك أحد يعمل مع امرأته ذلك؟ ويقول لها: تعالي أسابقك، أو حتى يلين معها الكلام؟!

    فكثير من الناس يأنف أنه يعمل ذلك مع زوجته، لكن أنت تخيل فخامة الرسول صلى الله عليه وسلم وشموخه وهو يجري بجانب عائشة رضي الله عنها، الفتاة الصغيرة التي كان سنها لا يتجاوز الثلاث عشرة سنة.

    قالت: (فسابقته فسبقته، قالت: فتركني حتى نسيت) -نسيت هذا السباق- وحملت اللحم -أي: صارت بدينة- وكنت معه في غزوة فقال لهم: (تقدموا ثم قال: تعالي أسابقك، قالت: فسابقته فسبقني، فجعل يضحك ويقول: هذه بتلك).

    فانظر إلى النبي صلى الله عليه وسلم كيف كان يترفق بنسائه! وكان يقول: (رفقاً بالقوارير) أي أن المرأة مثل القارورة ومثل الزجاجة، فتحتاج إلى رقة في المعاملة، ويقول عليه الصلاة والسلام: (إنهن عوان عندكم) أي: المرأة مأسورة، فأول ما تزوجت دخلت السجن مباشرة، لماذا؟ لأنها لا تستطيع أن تتزوج غيرك إلا إذا طلقتها.

    وأيضاً كان أزواج النبي صلى الله عليه وسلم يعلمن هذه المكانة لـعائشة ، فمرة حفصة -أو أظن صفية - أغضبت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاءت إلى عائشة وقالت: إني مستعدة أن أهبك ليلتي وترضيه عني.

    فكن يعلمن مكانة عائشة رضي الله عنها، فتقول عائشة : فبللت خماري بالماء ففاح عطره، فجلست بجانب النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: إليك عني يا عائشة ، ليس هذا بيومك. فقالت: ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، وظلت تترضاه حتى رضي.

    جاء في مسند الإمام أحمد أن بعض التابعين سمع من عائشة رضي الله عنها: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقبلها وهو صائم) فاستغرب الأمر، فذهب إلى أم سلمة يسألها، فقال لها: أكان النبي صلى الله عليه وسلم يقبلك وهو صائم؟ قالت: لا. قال لها: فإن عائشة تقول: (إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقبلها وهو صائم). فقالت أم سلمة : لعله كان لا يتمالكها حباً، أما إياي فلا.

    فهذه حقيقة معروفة من كل من يعرف مكانة عائشة رضي الله عنها، ومنهم عمر الذي يقول لابنته: لا تغضبي النبي صلى الله عليه وسلم وتقلدي عائشة، فلست مثل عائشة ، فهو يحتملها ويمكن أن يغفر لها، وليس لك من المكانة ومن الجمال ما لـعائشة رضي الله عنها.

    1.   

    محبة الصحابة للنبي صلى الله عليه وسلم وتعظيمهم له

    قال عمر : (وكنا نتحدث أن غسان تنعل الخيل لغزونا).

    وكان ملك من ملوك غسان يهدد المسلمين، فكان المسلمون على أهبة استعدادهم لمقاتلة هذا الرجل إذا فكر أن يغزو المدينة.

    ففي ذات يوم كانت النوبة للأنصار، فجاء إلى دار عمر بن الخطاب وطرق الباب طرقاً شديداً على غير العادة، فخرج له بعض من في البيت قال: أثم هو؟ -أي: هل عمر موجود؟ ففزع عمر وخرج يجرجر إزاره؛ لأنه ربما كان نائماً. فقال: أجاء غسان؟ قال: لا، بل ما هو أهول من ذلك وأعظم: طلق النبي صلى الله عليه وسلم نساءه.

    فـعمر قال: قد كنت أعلم أن ذلك يوشك أن يكون؛ لماذا؟ لأن النشوز هذه نهايته، وكل شيء له نهاية، كما قال الله عز وجل: لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ [الأنعام:67] وعندما يستقر فسوف تعلمون.

    فجمع عمر رضي الله عنه ثيابه ونزل إلى حفصة فوجدها تبكي، قال لها: ما يبكيك؟! أولم أكن حذرتك؟! أطلقكن النبي صلى الله عليه وسلم؟ قالت: لا أدري.

    فذهب عمر بن الخطاب إلى المسجد، فلما دخل المسجد وجد رهطاً عند المنبر يبكي بعضهم.

    فانظر إلى الصحابة رضي الله عنهم: لو أن واحداً منهم طلقت ابنته فلن يذرف عليها دمعة، لأنه من العيب أن يبكي الرجل على طلاق ابنته عند العرب، فلقد كانوا يدفنوهن وهن أحياء؛ لأنهم كانوا يعتبروهن عاراً عليهم، فهل سيغضب أو سيبكي لأن ابنته طلقت..؟! ولكنهم بكوا لأن النبي صلى الله عليه وسلم طلق نساءه وتكدر خاطره.

    وهذا الحب الكبير للنبي عليه الصلاة والسلام هو الفارق ما بين ذلك الجيل الفريد وبين كل الأجيال التي أتت بعد ذلك.

    قال عمر: فذهبت إلى المشربة، وكان النبي عليه الصلاة والسلام جالساً فيها -والمشربة: الغرفة- وقد أمر رباحاً -الغلام- أن يحفظ الباب.

    وفي هذا دليل على جواز أن يتخذ الحاكم حاجباً عند الحاجة، أي: للحراسة، وهؤلاء جائز استخدامهم، وقد ثبت في الصحيحين من حديث أبي موسى رضي الله عنه قال: قلت: (لأكونن مع النبي صلى الله عليه وسلم سائر يومي. وخرج فإذا النبي صلى الله عليه وسلم دخل بستاناً لبعض الأنصار، وقال له: احفظ الباب. فجاء أبو بكر ، فقال أبو موسى : على رسلك، ودخل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أبو بكر بالباب؟ قال: ائذن له وبشره بالجنة. وكان النبي صلى الله عليه وسلم جالساً على بئر وقد كشف عن ساقيه ودلى رجليه في البئر، فجاء أبو بكر فجلس عن يمينه وكشف عن ساقيه ودلى رجليه في البئر، قال أبو موسى: فقلت: إن يرد الله بفلان خيراً يأت به -يريد أخاه وكان قد سبقه في الوضوء وسيأتي وراءه.

    قال: فجاء عمر ، قلت: على رسلك، فقلت لرسول الله: عمر بالباب؟ فقال: ائذن له وبشره بالجنة، فدخل، فجلس بجانب أبي بكر ودلى رجليه في البئر، قال: ثم جاء عثمان، فقلت: على رسلك، فقلت لرسول الله: عثمان بالباب. فقال: ائذن له وبشره بالجنة على بلوى تصيبه، فبشره بالجنة على بلوى تصيبه، فقال عثمان: الله المستعان! ودخل عثمان فوجد أن ناحية البئر امتلأت، فجلس في مقابلهم، قال سعيد بن المسيب رحمه الله: فأولتها قبورهم.

    لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما مات دفن بجانبه أبو بكر ، ثم عمر ، ودفن عثمان في البقيع) .

    فهذا فيه دلالة على جواز استخدام الحاجب أيضاً.

    ولكن إذا لم تكن هناك ضرورة إلى ذلك، فالأولى عدم اتخاذ الحاجب، كما في الحديث الذي رواه البخاري وغيره أيضاً: (أن النبي عليه الصلاة والسلام مر على امرأة تبكي عند قبر جديد، فقال: يا أمة الله! اتقي الله واصبري. فقالت: إليك عني، فإنك لم تصب بمصيبتي. قالت: ثم علمت أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فارتاعت لذلك، فأتت بيته فلم تجد حاجباً ولا بواباً، فأخبرته بما كان من شأنها، فقال لها: إنما الصبر عند الصدمة الأولى).

    1.   

    استحباب الاستئذان

    فاتخذ النبي صلى الله عليه وسلم رباحاً حاجباً على الباب، فجاء عمر فاستأذن ، وقال له:استأذن لـعمر . وفي هذا دليل على استحباب أن يسمي المرء نفسه إذا استأذن، وفي هذا حديث جابر بن عبد الله الأنصاري في صحيح مسلم، قال: (استأذنت على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: من؟ قلت: أنا. فسمعته من خلف الباب يقول: أنا.. أنا! كأنه كرهها).

    يقول ابن الجوزي : إنما كرهها النبي صلى الله عليه وسلم لأن فيها نوعاً من الكبر، كأنما يقول: أنا الذي لا أحتاج إلى ذكر اسمي ولا تعريف نسبي، وكلمة (أنا) هي التي أهلكت إبليس لما قال: أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ [الأعراف:12].

    فلعل قائلاً أن يقول: في قصة صاحب الجنة المتكبر في سورة الكهف لما تحاور مع صاحبه استخدم المؤمن كلمة (أنا) أيضاً، قال تعالى: فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا [الكهف:34]، فرد عليه المؤمن وقال: إِنْ تُرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا * فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا [الكهف:39-40]، فلماذا استخدم المؤمن كلمة (أنا)؟

    نقول: الفرق بين استخدام المؤمن لـ(أنا) واستخدام المتكبر لـ(أنا): أن (أنا) عند الرجل المتكبر هي محور الارتكاز، بحيث أنك لو فرغت كلامه من (أنا) لا تجد لكلامه معنى، فكلامه يدور حول تمجيد نفسه، بخلاف المؤمن فقد يقول: (أنا) عرضاً؛ ولكنه لا يدور عليها ولا يعتبرها كاعتبار المتكبر لها.

    فهيا بنا نطبق هذا الكلام على الآيتين: الرجل الذي طغى قال: فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا [الكهف:34]، احذف (أنا) من الكلام واقرأ: (قال له صاحبه وهو يحاوره أكثر منك مالاً) فإنك ترى الكلام غير مستقيم، لكن إن حذفت (أنا) من كلام المؤمن فسيبقى مستقيماً، إِنْ تُرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا [الكهف:39] احذف (أنا): (إن ترن أقل منك مالاً وولداً)، ألا ترى أن الكلام مستقيم؟! وإنما ذكر (أنا) في مقابل (أنا) فقط، وكما حدث لقارون لما وعظه قومه فطغى عليهم وبغى: قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي [القصص:78] إنما هذا الذي جمعته بعبقريتي وذكائي وجدي وحساباتي الدقيقة، فهذا أيضاً يدور حول نفسه.

    فلذلك الرسول عليه الصلاة والسلام كره أن يقول الرجل المجهول الذي لا يعرفه صاحب الدار: (أنا)، والسنة أن تعرف نفسك.

    ولذلك قال عمر : (جئت فقلت: استأذن لـعمر -فسمى نفسه- قال: فدخل ثم رجع، وقال: ذكرتك له، فصمت ).

    وفي هذا دليل على أنه ليس كل سكوتٍ علامة الرضا.

    ولم يفهم عمر بن الخطاب أن السكوت علامة رضا، بدليل أنه لم يدخل.

    1.   

    سياق الكلام يكشف معناه

    إذاً ما هي حكاية أن السكوت علامة الرضا؟ هل هذا الكلام صحيح؟

    نقول: نعم، صحيح، ولكن في نكاح البكر، فالنبي عليه الصلاة والسلام قال: (تستأمر البكر، فقالوا: يا رسول الله! إن البكر تستحيي. قال: إذنها سكوتها) فسكوت البكر علامة على رضاها، فلأبيها أن يمضي العقد لمجرد سكوتها.

    ربما يقول قائل: فكيف نفرق إذاً بين السكوت الذي هو علامة الرضا والسكوت الذي هو علامة السخط؟

    نقول: بالسياق، وعلماء الأصول يقولون: (السياق من المقيدات).

    فالسياق: هو الذي يرشدك إلى المعنى، فمثلاً التبسم: هناك رجل يتبسم تبسم رضاً، ورجل يتبسم تبسم المغضب، أما تبسم المغضب، فكما في حديث كعب بن مالك في الصحيحين، قال: (فلما قفل النبي صلى الله عليه وسلم راجعاً حضرني همي -ثم ساق كلاماً- قال: فجئته، فلما رآني تبسَّم تبسُّم المغضب، وقال لي: ما خلفك؟) إذاً هذا تبسم المغضب.

    في قصة سليمان عليه السلام لما سمع النملة وهي تقول: يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ [النمل:18] فالله عز وجل ماذا قال؟ قال: فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا [النمل:19]، فلماذا قال: (ضاحكاً) هنا؟ ليدلك على أن هذا التبسم علامة رضا، وليس لأنه ملك وأن النملة تتكلم وتقول: (لا يحطمنكم)؛ فكأنها قالت له: اتق الله، لم يغضب من كلام النملة بل تبسم (ضاحكاً) هذه أعلمتنا أن التبسم علامة رضا، وأن سليمان رضي ولم يغضب من قول النملة.

    كذلك الترخيم، والترخيم: أن تحذف بعض حروف الكلمة على سبيل التدليل، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يحب يدلل عائشة فكان يقول لها: يا عائش . وليس: يا عائشة ، وكان يقول لـأسامة بن زيد : يا أسيم . والترخيم هذا فيه دلالة على مزيد الحب.

    وأذكر قصة أن النبي صلى الله عليه وسلم استعمل هذا مع عائشة رضي الله عنها؛ حتى أريك أن السياق هو الذي بين لنا أن هذا الترخيم خرج مخرج الحب.

    فروى مسلم في صحيحه عن عائشة رضي الله عنها قالت: (ألا أحدثكم عني وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ إنه لما كانت ليلتي التي هي لي جاء ففتح الباب رويداً رويداً، وحمل نعله ومشى رويداً رويداً، ووضع جنبه على الفراش رويداً رويداً - (رويداً رويداً) بهدوءٍ شديد- وما هو إلا أن وضع جنبه على الفراش -وهي تحت اللحاف مستيقظة، وترى كل شيء، والنبي صلى الله عليه وسلم يتصور أنها نائمة- ثم قام رويداً رويداً، وأخذ نعله رويداً رويداً، ومشى رويداً رويداً، وفتح الباب رويداً رويداً، وانطلق -فحين خرج الرسول عليه الصلاة والسلام خرجت هي من تحت اللحاف مباشرةً- قالت: فتقنعت إزاري، وانطلقت وراءه، وظللت أمشي وراءه، والنبي عليه الصلاة والسلام ذاهب إلى البقيع، ورفع يديه ثلاثاً يرفعها ويخفضها، ويرفعها ويخفضها، قالت: ثم انحرف راجعاً فانحرفتُ، فأسرع فأسرعت، فهرول فهرولت، فأحسر -أي: مشى بهدوء- فأحسرت وسبقته) فهو يرى الذي أمامه ولكن لا يعلم من هو، أول ما دخلت إلى الحجرة دخلت تحت اللحاف وتغطت به كأن شيئاً لم يكن، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم حين دخل وجد أن اللحاف ينخفض ويرتفع بحركة مستمرة، وهو قد تركها نائمة، فما هذا الذي جد؟ فقال: (مالك يا عائش ؟ هذا هو الشاهد: مالك يا عائش : حشياً رابية -أي: هل ألم بك مرض خطير فجأة-؟).

    فالسياق فيه لطف وشفقة، إذاً الترخيم هنا علامة حب، بدليل السياق، قال: (ما لك يا عائش ؟ حشياً رابية؟ قالت: لا شيء. قال لها: لتخبرني أو ليخبرني اللطيف الخبير. فقالت: يا رسول الله! مهما يكتم الناس يعلمه الله -في رواية أخرى أنه قال: نعم- فقصت عليه الخبر، قال لها: أنتِ السواد الذي كان أمامي؟ قالت: نعم. قالت: فضربني في صدري فلهذني -وفي رواية أخرى: فلهدني، بالدال المهملة- في صدري لهدة أوجعتني -أي: ضربها بمجامع يده في صدرها- وقال لها: أظننت أن يحيف الله عليك ورسوله؟!).

    فهي ظنت أنه ذاهب إلى أم سلمة ، أو إلى جويرية ، أو إلى زينب ، وهي لم تفكر في المسألة إلا بعقلية المرأة؛ وهذا الظن له شاهد من صحيح مسلم، فلعل بعض الناس يقول: وما أدراك أن عائشة ظنت ذلك؟

    فأقول: هذا الظن فيه نص في صحيح مسلم عن عائشة أيضاً، قالت: (كان النبي صلى الله عليه وسلم نائماً بجانبي، قالت: فتحسسته فلم أجده، فظننت أنه ذهب لبعض نسائه، فنزلتُ -لأنها كانت نائمة على السرير، ولم يكن في البيوت مصابيح- فوقعت يدي على قدميه وهما منصوبتان وهو ساجد، يقول: أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، أعوذ بك منك لا أحصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيت على نفسك. فقالت عائشة : فقلت: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، إنك لفي شأنٍ وأنا في شأنٍ آخر).

    وروى مسلم أيضاً في صحيحه عن عائشة قالت: (خرج النبي صلى الله عليه وسلم من عندي فغرت، فرجع فرآني غيرة، قال: مالك؟ أغرت؟ قالت: وما لمثلي لا يغار على مثلك) لفظ آخر قال لها: (أجاءك شيطانك؟ فقالت لرسول الله: أوليس لك شيطان؟) فـعائشة كانت ذكية في تغيير دفة الحوار، فالمرأة الذكية تتعلم، ولا تقعد زوجها على كرسي الاعتراف وتقول له: أين ذهبت وماذا عملت؟ لا، والرجل يحاول أن يلملم الموضوع، وهي تقول له: لا تلملم الموضوع، لابد أن أعرف بالتفصيل الممل ما الذي حصل. نقول لها: تعلمي من عائشة .

    قالت له: (أوليس لك شيطان؟ قال: بلى، ولكن الله أعانني عليه فأسلم).

    فقال: (أظننت أن يحيف الله عليك ورسوله، هو جبريل أتاني فناداني فأخفى منك، فأجبته فأخفيته منك، ولم يكن ليدخل عليك وقد وضعت ثيابك، وكرهت أن أوقظك فتستوحشي) وأنت تعلم أن المرأة جبانة، ولاسيما إذا كانت صغيرة.

    فالنبي عليه الصلاة والسلام سيتركها وحيدة، ولم يكن في البيوت مصابيح آنذاك، وليس لها ولدٌ تتسلى به، فكره أن يوقظها فتستوحش.

    قال: (فقال لي: إن ربك يأمرك أن تأتي أهل البقيع فتستغفر لهم. فقالت: وكيف أقول إذا مررت عليهم يا رسول الله؟ -انظر إلى ذكائها وتأمل كيف غيرت دفة الكلام!- قال: قولي: السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، يرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين، أنتم لنا سلف ونحن لكم تبع...) الحديث.

    فالمقصود أن السياق هو الذي يبين لك إذا كان الترخيم المقصود منه التدليل والرحمة والحب، أو المقصود منه السخط أو الشدة كما في الحديث الذي رواه مسلم من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يؤتى برجلٍ يوم القيامة فيقول الله عز وجل له: أي فل - فل: اختصار وترخيم: يا فلان- ألم أذرك ترأس وتربع، وأزوجك من النساء، وأكسبك من الخيل والإبل؟! فأين شكرك؟! قال: أي رب! نسيت. قال: اليوم أنساك).

    فانظر إلى كلمة (أي فل) فهذا ترخيم، ولكن السياق دلنا على أنه ليس المقصود به الترخيم السابق، مثل: يا عائش ، ويا أسيم ، ونحو ذلك.

    فـعمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: (فدخل ثم خرج، قال: ذكرتك له فصمت. ففهم عمر بن الخطاب أن السكوت ليس علامة رضا فذهب وجلس عند المنبر، قال: فغلبني ما أجد، فقلت للغلام: استأذن لـعمر ، فدخل ثم خرج قال: ذكرت له فصمت، فذهب وجلس عند المنبر، قال: ثم غلبني ما أجد، فقلت للغلام: استأذن لـعمر ، فدخل ثم خرج، قال: ذكرتك له فصمت، فانصرف عمر ، فلما وصل إلى باب المسجد إذا بالغلام يناديه: قد أذن لك. فدخل عمر بن الخطاب رضي الله عنه، قال: (فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم مضطجعاً على رمال حصيرٍ قد أثر الحصير في جنبه).

    1.   

    الصحابة وحرصهم على إرضاء النبي صلى الله عليه وسلم

    قال: (فأردت أن أستأنس) وهذا من فطنة عمر ومن ذكائه، فالرسول عليه الصلاة والسلام غضبان، فلابد أن يحدث عمر جواً من البهجة ومن الود حتى يستطيع أن يتكلم.

    يقول: (فقلت: يا رسول الله! لو رأيتنا معشر قريشٍ قومٌ نغلب نساءنا، فقدمنا على إخواننا من الأنصار فإذا هم قوم تغلبهم نساؤهم. فتبسم الرسول عليه الصلاة والسلام).

    يقول: يا رسول الله! أنت أخذت بسيرة الأنصار فهجرنك ونشزن عليك، فلو أخذت بسيرة القرشيين ما وصل الحال إلى ما وصل إليه.

    وسكوت النبي عليه الصلاة والسلام على ذلك فيه دلالة على أنه رضي سلوك الأنصار في معاملة النساء، ففي سنن أبي داود: (أن النبي صلى الله عليه وسلم جاءه نساء يشتكينه أن أزواجهن يضربونهن، فمنع من ضرب النساء، فجاء عمر فقال: يا رسول الله! ذئرن النساء على أزواجهن).

    فالرسول عليه الصلاة والسلام أذن لهم في الضرب، قال: فما بقي بيتٌ إلا فيه ضرب. فطاف على النبي صلى الله عليه وسلم سبعون امرأة كلهن يشتكين أزواجهن، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (لقد طاف على آل محمدٍ سبعون امرأة كلهن يشتكين أزواجهن، وليس أولئك خياركم) أي: ليس الذين يضربون هم خياركم.. لماذا؟ لأن النبي عليه الصلاة والسلام خيرهم ولم يضرب نساءه ولا ينبغي ضربهن إلا أن ينتهكن حرمات الله عز وجل.

    قال عمر: (فتبسم النبي صلى الله عليه وسلم؛ وعمر يريد أن يخلق جواً من الأُنس، حتى يلطف عن الرسول عليه الصلاة والسلام ما به، وقد كان بعض الصحابة يمزحون في حضرة النبي صلى الله عليه وسلم، حتى أنه كان هناك صحابي يلقب حماراً ، وكان يضحك النبي عليه الصلاة والسلام، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يحبه، فلما جيء به وقد شرب الخمر، جلد فلعنه أحد الصحابة، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تعن الشيطان على أخيك) وقال في الرواية الأخرى: (إنه يحب الله ورسوله) فيمكن أن يجتمع حب الله ورسوله في قلب العبد مع بعض المعاصي التي يتلبس بها.

    وأيضاً صحابي جليل لا يعرفه كثير من المسلمين، اسمه زاهر ، روى الترمذي حديثه في الشمائل، وكان زاهر دميم الوجه، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يحبه، وكان زاهر لطيفاً، فأبصره عليه الصلاة والسلام ذات يوم في السوق، وكان زاهر من البادية يأتي إلى السوق أحياناً ليبيع ويشتري، فلما رآه النبي صلى الله عليه وسلم، جاء من ورائه وأغمى على عينيه، فجعل زاهر يقول: مَن.. مَن؟!! ويحرك يده، فلما وضع يده على يد النبي صلى الله عليه وسلم عرفه، وكانت يد النبي صلى الله عليه وسلم كما قال أنس : (ما مسست ديباجاً ولا حريراً ألين من كف رسول الله صلى الله عليه وسلم) فلما عرف أنه النبي صلى الله عليه وسلم جعل يلصق ظهره ببطن الرسول عليه الصلاة والسلام، فقال النبي صلى الله عليه وسلم بأعلى صوته في السوق: (من يشتري هذا العبد؟ فقال زاهر : إذاً يا رسول الله تجدني كاسداً -أي: بضاعة خاسرة- قال له: لا، ولكنك عند الله لست بكاسد -وفي الرواية الأخرى- قال: لا، ولكنك عند الله غال).

    فإحداث جو من الأنس كان يعمله بعض الصحابة، فـعمر بن الخطاب لما رأى النبي متكدراً أراد أن يحدث هذا الجو، فلما تبسم النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يا رسول الله! لو رأيتني وأنا أقول لـحفصة : لا يغرنك أن كانت جارتك أوضأ منك وأحب إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: فتبسم النبي صلى الله عليه وسلم تبسمة أخرى، فجلست).

    وجعل عمر بن الخطاب يدير عينيه في الغرفة، فلم ير فيها شيئاً يرد البصر غير أهبة ثلاثة.

    ولو أن أحدكم دخل بيت بعض الأمراء أو بعض الأثرياء ونظر إلى الحيطان وإلى النمارق والسجاد، لرأى قمة الأبهة والفخامة، فـعمر بن الخطاب ينظر إلى بيت النبي صلى الله عليه وسلم ماذا فيه، فلم ير شيئاً يملأ العين غير ثلاثة جلود -جلود مدبوغة- هذا هو الموجود في بيت الرسول عليه الصلاة والسلام.

    فقال: (يا رسول الله! ادع الله أن يوسع على أمتك، فقد وسع على فارس والروم وهم لا يعبدون الله. قال عمر : وكان متكئاً فجلس) (جلس) أي: اعتدل.

    وهنا طرفة حدثت بين الكسائي وبين هارون الرشيد ، وكان الكسائي يهذب هارون الرشيد ويعلمه، فدخل الكسائي على هارون فقال له الرشيد: اجلس. فقال له: بل (اقعد) يا أمير المؤمنين؛ -أي: لا تقل: اجلس، ولكن قل: اقعد، قال: وما الفرق؟ قال: القعود من القيام، والجلوس من الاتكاء.

    أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.

    وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، والحمد لله رب العالمين.