إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. أبو إسحاق الحويني
  4. كلمة التوحيد قبل توحيد الكلمة

كلمة التوحيد قبل توحيد الكلمةللشيخ : أبو إسحاق الحويني

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الدعوة إلى كلمة التوحيد تكون قبل الدعوة إلى توحيد الكلمة؛ لأن توحيد الكلمة على غير أساس من الكتاب والسنة والتوحيد لا فائدة فيه ولا منفعة، بل ربما عاد بالضرر الكبير، خاصة مع كثرة البدع والأهواء وقلة العلماء الربانيين.

    1.   

    كلمة التوحيد

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    وبعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

    قرأت لأحد الكتاب مقالاً يزعم فيه أن الإنكار على الشرك يُتْرك إذا كان سيؤدي إلى تفريق الكلمة، ويقول: والدليل على ذلك: أن موسى عليه السلام لما عاتب هارون عليه السلام في تركه الإنكار أو مقاتلة الذين عبدوا العجل قال له: يَبْنَؤُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي [طه:94] فخشي هارون وهو نبي أن ينكر على الذين عبدوا العجل -وهذا داخل في صميم الشرك- حتى لا يقول له موسى: إنك لم ترقب قولي في بني إسرائيل.

    وكأن هذا الرجل يظن أنه ليس هناك أحد يحفظ القرآن أو يقرأ القرآن أو ليس هناك قرآن بين يدي الناس.

    الرد على من استدل بقصة هارون على ترك الكلام في التوحيد بحجة عدم التفريق

    وفي مقدمة هذه الآية ما يدل على أن هارون عليه السلام أنكر عليهم قال تعالى: وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِنْ قَبْلُ يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي [طه:90].

    ومما يدل على أنه أنكر ما قاله تبارك وتعالى في سورة الأعراف: قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي [الأعراف:150] فلماذا يقتلونه إذا كان ساكتاً لم يتكلم؟ إنما كادوا يقتلونه لأنه أنكر عليهم، فكادوا أن يقتلوه، إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي [الأعراف:150].

    ثم هل يليق بنبي أرسله الله تبارك وتعالى ليعلم الناس توحيده أن يراهم يعبدون عجلاً ثم يسكت حتى لا يتفرقوا؟!

    لا قيمة للاجتماع إذا لم يكن على الكتاب والسنة

    إذا لم يكن الاجتماع على الله ورسوله فلا كان، ما قيمته؟!

    والصحيح أن (كلمة التوحيد قبل توحيد الكلمة) ولا يكون الأمر إلا ذلك، أما مبدأ (كَتِّل ثم ثَقِّف) فهو مبدأ خاطئ، والصواب (ثَقِّف ثم كَتِّل).

    والذين يريدون أن يجمعوا العوام في صعيد واحد ويفرحون ويقولون: إن تعدادنا في هذا العام عشرة ملايين تقريباً، لا ينفعهم هذا، إذا كان تعدادكم عشرة ملايين فماذا فعلتم؟ لا شيء، بل استهانوا بكثير من الأوامر بدعوى أن غيرها أولى منها.

    ولو أننا أردنا أن نكتِّل أولاً ثم نُثَقِّف، فسنجمع الزنديق والملحد والكافر والشيوعي والرافضي وصاحب الهوى، وسنجمع الكل في صعيد واحد، ثم نبدأ نثقف، فإذا قلت شيئاً يخالف ما عند هذا الملحد، قال لي: لا. الأمر كذا وكذا وكذا، فأظل أجادل هذا الملحد، وقد لا أستطيع أن أجيب على شبهاته؛ لأنها قوية، فيفتن مَن يسمعون، أو على الأقل يصرف جهدي في تعليم هؤلاء لغير منفعة.

    وإذا كان صاحب هوىً وكلامك على غير هواه، فستظل تبين له أن المسألة كذا وكذا وتذكر له قال الله وقال رسوله وقال العالم الفلاني، وحتى يفهم يكون الجهد قد ضاع، بخلاف ما إذا ثقفت قبل أن تكتل، فإن تثقيفك لن يكون على منهج هؤلاء، ولن يبقى معك إلا من هو على منهجك، فإذا قلت الكلمة آتت ثمارها؛ لأنهم جميعاً على نفس منهجك، ولهذا لا يُفْرَح بالعوام، وإياك أن تفرح أن العوام في جانبك؛ لأنهم غداً ينقلبون عليك، وصدق الذي قال: إن العامي مشتق من العمى؛ لأنه بيد من يقوده غالباً أو دائماً.

    وإذا نظرت إلى العوام في زمن موسى عليه السلام: وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ * لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ [الشعراء:39-40]، إذا غلبوا فنحن وراءهم، هؤلاء هم العوام، ولا تنتصر أمة على الإطلاق عوامُّها هؤلاء.

    النصر ليس بالكم وإنما بالكيف

    إذاً: (كلمة التوحيد قبل توحيد الكلمة) وكيف يقال: نجتمع جميعاً على كلمة الإسلام وهناك مَن يشرك بالله؟!

    والله تعالى يقول: إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ [الأنفال:65] فلا تظن أنه يمكنك أن تنتصر بما عندك من التكنولوجيا وما عندك من المعدات العسكرية وغيرها، فنحن نعلم يقيناً أن هذا سبب؛ لكنه لا يكون مفتاح النصر، فالصحابة الذين كانوا يقتسمون التمرات في يوم بدر، غلبوا الذين كانوا يأكلون عشرة من الجمال في اليوم الواحد.

    وهذا هو الفرق بين الأجيال المتأخرة وبين جيل الصحابة.

    الابتلاء يزيد العقائد ثباتاً

    كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يمر على الفئة الضعيفة المستضعفة وهي تعذب، إما في رمضاء مكة، وإما وجلودها تتوجع من عصي المشركين، وهو صلى الله عليه وسلم لا يملك لهم شيئاً، وكان الله تبارك وتعالى يريد أن يستخلص هؤلاء، فأنت لو استخرجت الذهب من باطن الأرض، وعرضته في الأسواق، فإنه لا يعطي شيئاً كبيراً، إنما يساوي الذهب قيمته إذا أدخلته النار، فتحترق كل شائبة خالطت الذهب، ولا يبقى إلا الذهب؛ لأنه لا يحترق، إنما يزيد لمعاناً في النار، بخلاف غيره، (والناس معادن خيارهم في الجاهلية، خيارهم في الإسلام، إذا فقهوا)فالمؤمن إذا دخل في فرن الابتلاء احترقت كل الشوائب من رياء وسمعة وشرك ونفاق ونحو ذلك، ولن يبقى إلا الإيمان مصقولاً.

    ولذلك ترون -في الدنيا كلها- أن من يضطهد لأجل عقيدة يعتقدها لا يزيد عليها إلا ثباتاً، وإن كانت عقيدة باطلة، وخذ مثالاً على هذا: أحد المدافعين عن حقوق العمال طالب حكومته بحقوق العمال، فأبوا أن يستجيبوا، فأضرب عن الطعام ومات جوعاً بعد واحد وعشرين يوماً، وتصور الألم عندما تكون جائعاً جداً، فإنك تموت في كل ثانية وفي كل دقيقة، ولو كانت القضية طلقة رصاصة يستريح بها، أو مات دفعة واحدة لكان هيناً؛ لكن هذا يموت كل ثانية، وهو ثابت على الباطل الذي هو عليه أو على عقيدته التي يعتقد أنها حق، وبعدما مات صنعوا له تماثيل وصار إلهاً؛ لأنه رجل مات على عقيدة، لأنه دافع عن حقوق العمال، فصار هؤلاء العمال يوقرونه حتى عبدوه!!

    الهندوس فيهم عقول وعجول!! لأنهم يعبدون العجل، بل يعبدون أنثى العجل.

    ولو كان أحدهم يمشي بسيارته فاعترضته بقرة في مكان عام، فلا بد أن يسجد، ولا يمكن أن يتعداها، فهذا ممنوع، بل يقف، وإذا قعدت البقرة في الطريق، فإنه ينتظرها حتى تقوم من تلقاء نفسها!! بينما نحن نجد كثيراً من المسلمين لا يوقرون الله ورسوله -وهم أهل الحق- كما يفعل أهل الباطل بباطلهم.

    وقد قلت مقالة في هذا المسجد ولا أزال أقولها: إن من بيننا من يلبس دبلة الذهب وخاتم الذهب، والنبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (هذا حرام على ذكور أمتي) فيا أيها الذكر الفحل المسلم هلاَّ نزعته الآن في الحال اتباعاً لنهي النبي صلى الله عليه وسلم، وقلت: لا ينبغي لي أن أخالف نبيي ورسولي، إذا فعلت هذا الآن فلن يعيبك أحد، بل هي مكرمة فيك أن تمد يدك فتنزع هذا الخاتم أو هذه الدبلة ولا تلبسها، وقد جمعني مرة مجلس برجل فأخرج (سيجارة) فقلت له: هلا أطفأت هذه السيجارة! فقال: أليس مكروهاً؟ فنقول: ولو فرضنا أنه مكروه، فلم تفعله؟!

    فهو يخالف وهو يسمع النهي عن المخالفة ولا يرتدع ولو مؤقتاً، بل في أثناء سماعه للنهي يفعل المنهي عنه.

    فتعجب عندما تنظر إلى رجل يعبد بقرة وقد تجده عالم ذرة أو صاحب شهادة دكتوراه في الهندسة أو في مجال آخر، ويكون ضليعاً في العلم وله عقل كبير ورغم ذلك ينتكس بعبادة البقرة.

    العقل لا يستقل بمعرفة الله تعالى

    وبهذه المناسبة نصحح قولاً خاطئاً يجري على ألسنة الناس يقولون: ربنا نعرفه بالعقل فأقول: هذا كذب، لأن الله تبارك وتعالى لو عرف بالعقل استقلالاً لما كفر هؤلاء؛ لأن عقولهم أفضل من عقول كثير من عوام المسلمين المتقين الموحدين؛ لكن الهداية منة ومنحة من الله، ثم بعد ذلك يجيء دور العقل تبعاً، لتثبيت وجود الله تبارك وتعالى ومعرفته؛ لكن العقل لا يستقل بمعرفة الله وحده.

    وهذا قول علماء المسلمين، خلافاً للمعتزلة ومن جرى مجراهم من أشباه العلماء الآن، الذين يجعلون العقل قاضياً على النقل، فإن لم يقبل عقله الحديث رده، ونحن لا ننكر دور العقل؛ لكن العقل في المرتبة الثانية، فالنقل أولاً، ثم العقل، فإن جاءك نقل صحيح لم يقبله عقلك، فاتهم عقلك ولا تتهم النقل.

    إن عمر بن الخطاب رضي الله عنه وعقله يزن عقول أمم لما قَبَّل الحجر الأسود قال: (والله إني لأعلم أنك حجر لا تنفع ولا تضر، ولكن لولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك). فهو قام بتقبيل الحجر مع أن الإسلام قد جاء بهدم الأحجار التي اتخذت آلهة، ونحن لا نعظم حجراً، ولا نعبد حجراً، بل جاء الإسلام بتحطيم هذه العقيدة.

    وعمر رضي الله عنه يقول: (إني لأعلم أنك حجر لا تنفع ولا تضر) وهذا من تمام عقيدته، وهو لا يفهم معنىً لتقبيل الحجر، ولكن الذي جعله يفعل ذلك هو ما بينه بقوله: (لولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك).

    وهكذا النصوص التي لا تفهم لها معنى، فإذا لم تفهم النص فكِلْه إلى عالمه؛ ولا ترد النصوص.

    سبيل العلماء في التوفيق بين النصوص

    هناك رجل ألَّف كتاباً يطعن فيه في السنة النبوية بزعم أن الفقهاء يخالفون المحدثين فيها، فلما جاء حديث: (الوائدة والموءودة في النار) قال: هذا مستحيل أن يكون، بل هذا حديث به علة قادحة.

    وليس في الحديث علة؛ لأن العلماء يقولون في هذا الأصل: إذا لم تعلم شيئاً فكِلْهُ إلى عالمه، فهلا سأل إذا لم يعلم.! لكن لأنه ظن أنه لا يوجد في الأرض عبد يمكنه أن يرجع إليه لم يسأل.

    ثم إذا سألت غيرك فلم تجد جواباً، فاحمل اللفظ على بعض ما تقتضيه الأصول، وإلا فقل: الله أعلم.

    وهنا (الوائدة والموءودة في النار) الوائدة: لأنها ظلمت، فما بال الموءودة؟ أي التي قتلت ظلماً لماذا تدخل النار؟

    من جملة ما يوفق العلماء به أن يقولوا: أن الألف واللام للعهد، وليست للاستغراق، فيقولون: إن الحديث خرج مخرج الخصوص، فهي وائدة بعينها وموءودة بعينها.

    فالألف واللام وإن كانت تفيد الاستغراق لكنها أيضاً تفيد العهد الذي يشبه الخصوص، كما أن الاستغراق يشبه العموم في قوله تبارك وتعالى: وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ [الحج:27] مع قوله تبارك وتعالى: قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً [الأعراف:158] فلفظ (الناس) في هذه الآية يفيد عموم الناس جميعاً، من يهود ونصارى ومجوس وزنادقة وشيوعيين، قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً [الأعراف:158] فالألف واللام هنا خرجت مخرج العموم بنفسها وبمقتضى سياق الآية، في حين أن قوله تبارك وتعالى: وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ [الحج:27] يراد به خصوص المسلمين، فيخرج منه اليهود والنصارى وغيرهم، فقوله تعالى: وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ [الحج:27] لا يشمل النصارى واليهود؛ لأنه لا يحج البيت مشرك.

    فالألف واللام في الحديث حملت على العهد، أي على الخصوص، في حين أنها حملت في الآية الأولى على الاستغراق، فشملت جنس الناس جميعاً.

    فمن جملة ما يوفق العلماء به بين الأحاديث أو الآيات التي ظاهرها التعارض: أنهم يحملون الألف واللام على الخصوص، فيقال: إن الحديث ورد بوائدة مخصوصة وموءودة مخصوصة، كأن تكون الموءودة قد طبعت كافرة، كما في الحديث الذي رواه الشيخان أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الغلام الذي قتله الخضر طُبِع كافراً) أي: خلقه الله كافراً، فيمكن أن تكون الموءودة طبعت كافرة، فهي في النار لهذا الاعتبار، والوائد في النار لظلمه.

    فلماذا لا نسلك سبيل العلماء في التوفيق بين النصوص التي ظاهرها التعارض؟ لكن الواحد يعتد بعقله، وكل شيء لا يقبله عقله -كأنه ليس للناس عقول- يقول: هذا باطل وفيه علة، لذلك فالعقل مكانه في المرتبة الثانية بعد النقل، ووظيفة العقل إعمال الفكر في النقل، ولهذا المجنون لا يجتهد، بل المجنون قد سقطت عنه العبادة والتكليف، والمخالفون يقولون: إننا بتقديم النقل نزري بالعقل..! ونحن -أهل السنة- ما وضعناه إلا في موضعه الصحيح، وما ضل المعتزلة عن منهج أهل السنة إلا لأنهم جعلوا العقل قاضياً على النقل، فكل شيء وافق عقولهم، فهو صحيح، وما خالف عقولهم فهو باطل مردود.

    فالمقصود بالكلام أن كلمة التوحيد تكون أولاً، وأي اجتماع لا يكون على التوحيد لا قيمة له.

    مخالفة المبتدعة لأصول أهل السنة

    وقبل أن تفكر في توحيد الكلمة بين المسلمين وحِّد عقيدتهم، إذ كيف تجتمع مع رجل يقول: إن الله في كل مكان، وينكر أن يكون الله على العرش؟! وكيف تجتمع مع رجل يقول: إن الله لا يسمع، ولا يبصر، ولا يتكلم، ولا يرى؟! ويوجد في بعض الفرق المنتسبة إلى الإسلام من يقول هذا، حتى قال القائل من أهل السنة: (إن المجسمة يعبدون صنماً والمعطلة يعبدون عدماً).

    المعطلة الذين لا يثبتون لله صفة؛ لأن إثبات الصفة عندهم يستلزم منه وجود الجارحة، فلما قال هؤلاء هذه المقالة، تطرف آخرون ضدهم، فأثبتوا الجارحة لله، والجارحة: هي العضو؛ فإذا كان يتكلم فلا بد من لسان وشفتين وأسنان ولهاة وفك وحنك، وإذا كان يرى فلا بد من عين وحدقة.... إلخ، وإذا كان يسمع فلا بد من صماخ أذن ونحوه.

    فالذي يسمع عند المجسمة له أذن مجسمة، وفي المقابل المعطلة الذين يقولون: لو أننا قلنا: (يسمع) لزم أن نقول بالتجسيم، فينفون عنه السمع، فهؤلاء يعبدون صنماً، وأولئك يعبدون عدماً، وأهل السنة هم الطريق الوسط، يثبتون الصفة لله تبارك وتعالى، ثم يقولون: كما يليق بجلاله.

    فأنت كيف تضع يديك في يد رجل، كلما جاءت آية من آيات الصفات، أوَّلها أو عطَّلها، وكلما جاء حديث من أحاديث العقائد أنكره ورده وقال: حديث آحاد؟!

    فالمبتدعة أصلوا أصولاً لأنفسهم؛ ليجادلوا أهل السنة بها، فالواحد منهم يقول وفقاً للأصل: أنا لا أنازعك فيما تقوله الآن؛ لكن أنازعك في الأصل الذي أصلته، فأنا لا أقبل عقيدة جاء إثباتها بخبر آحاد، فنقول: من سلفك في هذا الأصل؟ بل نقولها بكل تواضع: نتحدى من يأتي بحديث أو واقعة صحيحة، تذكر أن صحابياً روى حديثاً في العقيدة والصفات والأسماء لصحابي آخر فرده عليه بخلاف الأحكام الشرعية، فالصحابة اختلفوا كثيراً جداً في الأحكام الشرعية، ولم يختلفوا قط في أحاديث التوحيد والأسماء والصفات، فمثلاً: عندما روى أبو سعيد الخدري الحديث الذي رواه البخاري صحيحه وهو حديث الشفاعة، وفيه قال: (فيكشف الله عن ساقه)، وقد جاءت في القرآن الكريم م

    نكرة، ولم تنسب إلى الله عز وجل، في قوله تعالى: يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ [القلم:42]، ولكن نسبت في حديث النبي إلى الله عز وجل، وكلامه مبين للقرآن الكريم، كما رواه أبو سعيد الخدري ، فقال: (فيكشف الله عن ساقه) والضمير يعود على لفظ الجلالة، فهل هناك صحابي اعترض على أبي سعيد وقال: كيف تقول هذا الكلام؟! ومن الذي روى معك هذا الكلام؟!

    بينما إذا أردت أن تقف على عشرات بل مئات الأحاديث التي تضمنت أحكاماً فرعية، واعترض بعض الصحابة على بعض فيها، فدونك أحاديث السنن والصحاح، فهذه السيدة عائشة رضي الله عنها لها اعتراضات وانتقادات كثيرة على كثير من الصحابة والزركشي له كتاب (الإجابة على ما استدركته عائشة على الصحابة) أتى باستدراك عائشة على كل صحابي ممن استدركت عليهم؛ حتى أنها استدركت على أبي بكر وعمر وعثمان وعلي ، وهؤلاء السادة.

    فمثلاً: عندما روى عمر بن الخطاب حديث عن النبي عليه الصلاة والسلام (إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه) قالت عائشة رضي الله عنها كما في صحيح البخاري: (إنكم لا تحدثوني عن كاذبين -وهما عمر وابنه- ولا مكذَّبين، ولكن السمع يخطئ) إن النبي صلى الله عليه وسلم قال ذلك في يهودية قال: (إنهم ليبكون عليها وإنها لتعذب) إن الله يزيد الكافر عذاباً ببكاء أهله عليه.

    وقد رد أحد العلماء بهذا الحديث الأخير عليها رضي الله عنها، إذا لا يعذب الله حتى الكافر على ذنب لم يرتكبه، والكافر والمؤمن في هذه المسألة سواء، فلا يعذب أحد بذنب الآخر.

    ولا ينتقد على هذا الكلام بقول الله تبارك وتعالى: وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالاً مَعَ أَثْقَالِهِمْ [العنكبوت:13] فيقال: إنهم حملوا أثقال غيرهم؛ لأن هذا في الذين ضلوا وأضلوا، فهو عندما أضل غيره أذنب، فهو ذنبه في الحقيقة حينما ضل وذنبه حينما أضل، ولكن لا يزيد الله الكافر عذاباً بذنب لم يجنه ولم يكن له فيه يد، وهو والمؤمن سواء؛ فلا يعذب أحد بغير ذنب فعله.

    وهكذا أيضاً انتقاد أبي هريرة رضي الله عنه على ابن عباس في حديث الوضوء مما مست النار، وإنكار الصحابة على عثمان رضي الله عنه في إتمامه الصلاة بمنى، وإنكار أبي سعيد الخدري على أبي موسى الأشعري في جملة السلام، وهكذا.

    فكثير من الأحاديث في الأحكام الشرعية اعترض بعضُهم على بعض فيها وردوها؛ لكن لم يفعلوا ذلك في حديث توحيد أو حديث عقيدة على الإطلاق، فدل على أن حديث الآحاد كان يُتَلَقى بالقبول، لا سيما أحاديث العقيدة، فإنها كانت تُتَلَقَّى بالقبول عند الصحابة، ولا أدل على ذلك -ولا يجادل في ذلك إلا مكابر لا يذعن للحق- من حديث الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم أرسل معاذ بن جبل وحده إلى اليمن فقال له: (إنك تأتي قوماً أهل الكتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله)، وهذا عقيدة؛ فلو أن أهل اليمن لم يسمعوا لـمعاذ، لكانوا كفرة، ولو كان خبر الواحد في العقيدة لا تقوم به حجة، لما جاز تكفير هؤلاء، وقد اتفق جمهور المسلمين على أن الإمام المسلم لو أرسل نذيراً إلى بلاد الكفر، يدعوهم إلى التوحيد، فردوا دعوته، فإنهم كفارٌ، ويجب عليه قتالهم بناءً على إرسال فرد واحد، ولو كانت عقيدة التوحيد لا تقوم بحديث الواحد، لما جاز أن يكفر هؤلاء، ولا أن تنتهك أموالهم وأعراضهم.

    والأدلة على ذلك تطول بنا، والمقصود أن هؤلاء المبتدعة عندما رأوا قوة أدلة أهل الحق وعلموا أن أصولهم الفاسدة لا تقوى على الوقوف أمام أصول أهل الحق، لجأوا للنصوص التي تحتمل ظواهرها عدة معانٍ، فاختاروا المعنى الذي يؤكد أصلهم، وأتوا عليه بخيلهم ورَجِلهم، وصاروا ينافحون عنه بقضهم وقضيضهم.

    1.   

    حاجة الأمة إلى العلماء الربانيين

    كثير من أتباع الحق لم يكتفِ بنور الحق الذي هو يمشي مع كتيبته، وعرض له الشك في قلبه، ومع قلة العلماء الربانيين يكثر اختطاف أهل البدعة والضلال لبعض من يمشي مع كتيبة أهل الحق.

    العلماء الربانيون قلة قليلة جداً، والمسلمون كثيرون، فنحن الآن مثلاً في بلدنا لو أردنا أن نعد العلماء الربانيين، الذين هم على طريقة السلف، وأقصد بالعالم الرباني العامل بعلمه، ممن هم معروفين للناس؛ لأننا لا ننكر وجود بعض العلماء الذين لا يُعْرَفون؛ لكن على الظاهر الآن: كم من العلماء في الفقه وفي الحديث وفي الأصول وفي التفسير؟ ترجع بخفي حنين؛ لأنك لا تستطيع أن تكمل العلماء الربانيين في شتى الفروع على أصابع اليد الواحدة، أو على أصابع اليدين.

    ولو نظرنا إلى عدد المسلمين المتشوفين إلى معرفة دينهم لوجدنا أنهم ملايين، فلو فرضنا أنه يوجد ألف عالم رباني، لكانوا عدداً قليلاً بالنسبة لهذه الملايين، حتى يلبُّوا حاجتهم إلى المعرفة.

    فالذين يتشوفون إلى معرفة دينهم ملايين، والعلماء الربانيون لا يكادون يوجدون، مع كثرة أبواق أهل البدع والضلال، كأمثال هذا الكاتب الذي يقول: إنه لا يجوز أن يتفرق المسلمون حتى لو اختلفوا في عقيدة التوحيد.. وهل بعد ضياع عقيدة التوحيد شيء؟! وهل ضعنا نحن الآن في الأرض شذر مذر، إلا بتضييع عقيدة التوحيد؟!

    البحث عن العالم الرباني

    لذلك كان من الضروري أن تبحث أنت عن العالم الرباني، فتتعلق به؛ لأنه طوق نجاة بالنسبة لك في بحر الشبهات والكفر، وأنت إذا مرضت تقول: دلوني على طبيب. فإذا قيل: الطبيب في الشارع المجاور. تسأل: معه دكتوراه؟ لأن هؤلاء الناس -أصحاب الدكتوراه- متقنون وفحوصهم دقيقة.

    وتكون مستعداً لأن تضحي بمبلغ كبير في مقابل أن يفحصك فحصاً جيداً ويحدد العلة بدقة ولا تبالي بالمال.

    فأنت إذا كنت في داء بدنك -وأنت لست بمخلد وستموت مهما عشت صحيحاً طيلة عمرك- تبحث عن أفضل الأطباء وأعلمهم.

    فمن باب أولى أن تبحث عن أفضل العلماء لدينك؛ لكن المرء يذهب ليبحث عن أحسن طبيب، ولا يبحث عن العلماء.

    ظن العوام أن كل صاحب لحية عالم

    بعض الناس إذا قابله شخص عليه سمت أهل العلم يقول له: يا مولانا يا شيخ، عندنا سؤال كذا وكذا وكذا.

    وهم يعتبرون أن كل صاحب لحية عالم.

    وهذا أيضاً من جملة الأخطاء التي هي عند العوام، وهو مما يحجبهم عن إعفاء اللحية، فحين تسأل الواحد منهم: لماذا لا تعفي لحيتك؟ يقول: أنا طالب في الهندسة، واللحية تريد عالماً، وتريد شخصاً عنده معلومات!

    ولا تدري من الذي اشترط هذا في اللحية!

    ولو أننا رأينا طالباً فاسقاً له لحية، فهل يجوز شرعاً أن نقول له: احلق لحيتك؟

    لا يجوز؛ لأن اللحية هدي ظاهر يميزك، كأنها بطاقة علنية؛ تقول أنك مسلم، وأنت لك من الحقوق كمسلم ما ليس لغيرك، فإذا لم أعرف هل أنت مسلم أم لا فسأتوقف في إعطائك حقك، فأكون قد ظلمتك.

    وأنا أريد أن أعرف من أول نظرة أنك مسلم، فتأتي اللحية وغيرها من الهدي الظاهر، فتبين أنك مسلم، بدون أن أقول لك: أرني البطاقة.

    فيخطئ العوام ويقولوا: إن كل صاحب لحية عالِم.

    والصحيح أنه ليس كل صاحب لحية عالِماً، وليس كل معمم عالماً، كما أنه ليس كل حليق جاهلاً، وليس كل من معه يد كاتباً.

    فلا بد أن تتحرى عن العالِم الرباني حتى تتعلق به؛ لأنه هو طوق النجاة في بحر الشبهات، أو في بحر الظلمات، ولذلك وُقِّق ذاك الرجل الذي قتل تسعةً وتسعين نفساً كل التوفيق حين سأل عن العالم، وكان قد أخطأ، عندما قال: دلوني على أعبد أهل الأرض، فدلوه على الراهب فأفتاه خطأ، فقتله، ثم قال: دلوني على أعلم أهل الأرض -وفَهم السؤال نصف العلم- ولم يقل: دلوني على عابد، وإنما قال: على أعلم أهل الأرض؛ لأن هذا هو الواجب؛ فإذا أردت أن تسأل عن شيء من دينك، فعليك أن تسأل شخصاً متقناً فيه، لا سيما إذا كان عاملاً بعلمه.

    أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.