إسلام ويب

القضاء والقدرللشيخ : أبو إسحاق الحويني

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الإيمان بالقضاء والقدر ركن من أركان الإيمان، فلا يتم إيمان العبد حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه، وقد ضلت القدرية في هذا الباب فأنكروا القدر، وقالوا: إن الأمر أنف، بمعنى: أن الله لا يعلم بالشيء إلا بعد وقوعه، أما أهل السنة فيقولون: إن الله على كل شيء قدير، وقد قدر الله كل شيء قبل خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وإن الله سبحانه وتعالى يعلم ما كان وما سيكون، لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء.

    1.   

    الفهم الصحيح للإيمان بالقضاء والقدر

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً..

    أما بعد:

    يقول الله تعالى: وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ [يوسف:21] لقد اشتملت هذه الآية على عدة صفات لله عز وجل: كصفة العلم، وصفة القدرة، فلا يكون غالباً على أمره إلا إذا كان عالماً بما يئول إليه الحال، ولا يكون غالباً على أمره إلا إذا كان قادراً على إمضاء ما يريد، وهذا هو سر القضاء والقدر: العلم والقدرة.

    لقد كان الصحابة رضوان الله عليهم في هذا الباب نسيجاً وحدهم، ليس لهم نظير؛ لاستقامة فهمهم، واستقامة عربيتهم، فما كانوا يسمعون القرآن سماع الأعاجم، ولا كانوا يسمعون كلام النبي صلى الله عليه وسلم سماع الأعاجم، ففي الصحيحين من حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: (كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم ندفن جنازةً في بقيع الغرقد، وكان بيده عود، فجعل ينكت في الأرض بذلك العود، ثم قال: ما من نفسٍ منفوسة إلا كتب مقعدها من الجنة ومقعدها من النار، فقال سراقة بن مالك : يا رسول الله! أهذا أمرٌ مضى وانقضى أم لأمرٍ مستأنف؟ قال: بل لأمرٍ مضى) وفي الرواية الأخرى: (قالوا: يا رسول الله! ففيم العمل؟)، طالما أن كل إنسان قد كتب مقعده من الجنة ومقعده من النار قبل أن يخلق الله السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وقدر الله مقادير الخلائق، وجرى القلم بما كان وما يكون إلى قيام الساعة قبل خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة.. إذاً ففيم العمل؟ قال: (اعملوا فكل ميسرٌ لما خلق له، فأما من كان من أهل السعادة، فسييسر لعمل أهل السعادة، وأما من كان من أهل الشقاوة فإنه ييسر لعمل أهل الشقاوة. ثم تلا قوله تبارك وتعالى: فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى [الليل:5-10] قال سراقة : فما أجدني أحرص على العمل مني الآن) هذا هو استقامة الفهم، قال: ما أجد حافزاً لي على الجد في العمل وطلب رضوان الله مثل الآن.

    بداية ظهور فرقة القدرية

    إن هذه القضية التي كانت من القطعيات عند الصحابة أصبحت مثار جدلٍ عظيم في القرون التي جاءت بعد ذلك، وهناك فرقة تنتسب إلى الإسلام اسمها: (القدرية)، أي: نفاة القدر، وقد ظهرت هذه الفرقة في البصرة في أواخر عهد الصحابة، كما في صحيح مسلم من حديث حميد بن عبد الرحمن الحميري ويحيى بن يعمر قالا: (خرجنا حاجين أو معتمرين، فقلنا: لو لقينا أحداً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم نسأله عما أحدث معبد الجهني من القول بالقدر، قال: فوفق لنا عبد الله بن عمر داخلاً المسجد، فاكتنفناه، فقلت له: يا أبا عبد الرحمن ! إنه ظهر قبلنا ناسٌ يقرءون القرآن ويتقفرون العلم)، وذكر من شأنهم، ومن عبادتهم وجدهم واجتهادهم، قال: (وأنهم يقولون: إنه لا قدر، وأن الأمر أنف)، أي: مستأنف، أو أن الله لا يعلم الفعل إلا بعد وقوعه، قال عبد الله بن عمر : (فإذا لقيت هؤلاء فأخبرهم أنني بريء منهم وهم برآء مني، والذي يحلف به عبد الله بن عمر ! لو أن لأحدهم ملء الأرض ذهباً ما قبل الله عز وجل منه حتى يؤمن بالقدر)، ثم ساق الحديث وفيه أركان الإيمان: الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره حلوه ومره.

    الالتفات إلى الأسباب وتركها

    هذا الشيء البدهي عند الصحابة صار مختلفاً فيه بعد ذلك.

    وقد أشار الله عز وجل في عجز هذه الآية إلى شيء في غاية الأهمية، قال تعالى: وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ [يوسف:21]، إشارة إلى استكانة العباد إلى الأسباب، والإنسان بمجرد أن يبدأ بالعمل ويأتي بالأسباب على كمالها، يعتقد أن العمل لا بد أن يكون.

    أكثر الناس لا يعلمون أن الله غالب على أمره؛ ولذلك يتقن الشيء ويظن أنه لا بد أن يحصل على مرامه، ولكن هيهات! قد يكون السبب قوياً وله صلاحية؛ ولكنه لا يصيب، كالمطر هل يكفي في إخراج البذر والنبات؟ لا يكفي، حتى تأتي الرياح، ولا تكفي الرياح حتى تنتفي الآفات عن الزرع.. إذاً لا بد من وقوع أسباب وانتفاء موانع.

    وانظر إلى الرجل والمرأة: امرأة لا عيب فيها، ورجل لا عيب فيه، ورغم ذلك لا ينجبان، فمن ظن أنه بمجرد إنزال الماء يحصل الولد فهو جاهل، فكم من رجل أنزل ولم ينجب! وتحمل المرأة ولا يتم حملها، فلا بد من انتفاء الموانع.

    إن الالتفات إلى الأسباب مسألة خطيرة جداً تقدح في التوحيد، كما قال بعض السلف: (الالتفات إلى الأسباب شرك، وترك الأسباب بالكلية قدحٌ في التشريع).

    وفي قصة مريم عليها السلام أبلغ العبرة، فإن الله عز وجل قد يرزق العبد بدون أن يبذل أي سبب، وقد لا يرزق العبد إلا بسبب ولو كان تافهاً، فتحصيل الثروة العظيمة لا يشترط لها الجد والاجتهاد؛ بل قد تأتي بأدنى سبب، فهاهي مريم عليها السلام صحيحة، والأسباب متوفرة لديها لكسب القوت، ومع ذلك: كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ [آل عمران:37]، بغير سبب! مع أنها مستطيعة، وليس بها مرض، فمن الممكن أن تكسب قوتها، ومع ذلك جاءها الرزق بلا سبب، فلما حملت وولدت وكانت في أشد حالات الضعف قال لها: وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا [مريم:25]، وفي قراءة أخرى (تسَّاقط)، ولفظ (تسَّاقط) يدل على كمية التمر الكبيرة التي نزلت عليها بهذه الهزة، وكان الأولى ألا تبذل السبب؛ لضعفها، فرزقها الله بدون سبب، وهي في كامل صحتها، فلما خارت قواها قال لها: هزي!

    خطورة القدرية وفرق الضلال

    التأصيل الذي أريد أن أذكره: قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة، قالوا: من هي يا رسول الله؟! قال: ما عليه اليوم أنا وأصحابي).

    أريد أن أشعرك -أيها المسلم- بالنعمة التي تعيش فيها؛ لتشعر بمدى تقصيرك، فهناك ثلاث وسبعون طريقاً، والذي يدخل الجنة طريق واحد فقط من الثلاث والسبعين، تُرى: الذين ضلوا من الثنتين والسبعين فرقة هل أنت أذكى منهم؟ أم هل أنت أشد عبادةً منهم؟ لا والله لقد كان فيهم الذكي الذي لو وزع عقله على أهل بلد لكانوا عقلاء، وكان فيهم الزاهد، وكان فيهم الورع والتقي، وحسبك ذلك الحديث: الذي ذكرناه آنفاً.. جماعة يقرءون القرآن، ويتقفرون العلم، وفي رواية أخرى: (يتقعرون)، أي: وصلوا إلى قعر العلم، ومع ذلك يقولون: لا قدر!! ما هذا الضلال المبين؟! وأين العلم الذي نزلوا إلى قعره؟ هل نفعهم؟ لم ينفعهم، وهل أتوا من غباء؟! لا. لم يؤتوا من غباء، ولا من جهل لا بالأصول ولا بالفروع؛ لكنهم حادوا عن سيرة السلف الأوائل، وعن الطريق الوحيد الذي يوصل إلى الله عز وجل.

    وعلى كل طريق من هذه الطرق شيطان يدعو إليها، ويزين الحجج، ويلقي بالشبهات؛ ولذلك سئل الإمام أحمد رحمه الله: هل نجادل أهل البدع؟ قال لا. إلا أن تكون البدعة مشتهرة ولها خطر، وعلل الإمام ذلك بقوله: إن الشبهة خطافة، والقلوب ضعيفة، فمثلاً نجد القدرية يقولون: إن قدر الله عليَّ المعصية فلم يعذبني؟ ولو أرسلت عقلك خلف هذا السؤال لتحير عقلك؛ لأنك لن تجد جواباً، وفي آخر الحال ستتهم ربك بالظلم.. لماذا قدر عليَّ المعصية؟! كتب نهايتي قبل أن يخلقني بخمسين ألف سنة ثم يقال لي: أنت مختار! مختار في ماذا؟! لستُ بمختار؛ بل مجبر في الاختيار، فإن الاختيار شكلي محض، وفي حقيقة الأمر أنا مجبر!!

    لو أرسلت عقلك لأوصلك إلى هذه النتيجة.

    اختصاص الله تعالى بعلم مآل الأحوال

    إن الإيمان بالقضاء والقدر لا يكون إلا مجملاً؛ لأن حكمة الله لا تدركها العقول.

    فهذا موسى عليه السلام مع كونه نبياً مرسلاً من أولي العزم، وهو أكثر الأنبياء ذكراً في القرآن المجيد، عندما اتبع الخضر فقتل الغلام أنكر عليه: قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا [الكهف:74]، وفي القراءة الأخرى: زاكيةً ؛ لكن الله عز وجل الذي علم الخضر هذه الأمور التي حجبها عن موسى -وهو العليم الذي يعلم مآل الأحوال وما تصير إليه- قضى بأنه إن عاش هذا الغلام سيكون كافراً، وحينها سيرهق أبويه طغياناً وكفراً.

    من الذي يمكن أن يطلع على هذه النتيجة؟ من الذي يقول: إن فلاناً سيختم له بشقاء أو بسعادة؟

    كون الإنسان لا يملك علم معرفة المآل؛ لا يجوز له الاعتراض بظهور الحال، فإن العبرة بالمآل، كما قال صلى الله عليه وسلم: (إنما الأعمال بالخواتيم)، فلو صام الإنسان يوماً طويلاً، وقبل المغرب بوقت قليل شرب الماء، لبطل صوم يومه، وكذلك قبل أن يسلم من صلاته، لو أحدث لبطلت صلاته.

    إذاً: (إنما الأعمال بالخواتيم)، والخاتمة محجوبة، ومن مذهب أهل السنة والجماعة: أن لا نشهد لمعينٍ بجنة ولا نار، فلا نقول: فلان: من أهل النار، حتى لو كان مشركاً أو يهودياً أو نصرانياً، إلا أن تذكر النتيجة مقيدة، كأن يقال: فلان النصراني من أهل النار إن مات على ذلك، ذكر ذلك ابن كثير رحمه الله تعالى واستدل بقول الله عز وجل: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ [البقرة:161]، هذا هو الشرط؛ لاحتمال أن تتدارك رحمة الله عز وجل هذا النصراني فيسلم قبل أن يموت، إذاً: الذي ظهر كفره بجلاء لا تُعرف خاتمته، فإذا كان العبد يجهل الخاتمة فكيف له أن يحكم وعلمه ناقص؟!

    روى البخاري وغيره من حدث ابن عباس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الغلام الذي قتله الخضر طبع كافراً)، أي: خلقه الله كافراً، والخضر لو لم يعلمه الله عز وجل لما علم الحقيقة؛ بل لم يعلمها موسى الكليم، الذي هو من أولي العزم، فلذلك لا ينبغي للعبد أن يحكم على المآل بظهور الحال. إن الذين يتكلمون على الصحوة الإسلامية الآن وهم يرونها ضعيفة، فأحدهم يستهزئ ويقول: دعوهم يدعون على أمريكا ليل نهار، أمريكا لديها صواريخ عابرة للقارات، وعندها قنابل ذرية، وقنابل هيدروجينية، وعندها أربعون قمراً صناعياً تجسسياً فوق منطقة الشرق الأوسط، فكأنها تسمع دبيب النملة، وأوهمونا في حرب الخليج أن الطائرة الشبح تستطيع أن ترى ماركة الفنيلة! وهؤلاء هم القادة العسكريون الذين هم عسكر من رءوسهم إلى أخمص أقدامهم، هم الذين كرروا هذا الكلام.

    فهؤلاء ينظرون إلى الحال ولا ينظرون إلى المآل: وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ [آل عمران:123]، لم يكن عندهم السبب الكافي الذي ينتصرون به على قريش، ولكن نصرهم الله وهم أذلة، هذا هو المآل!

    أما هؤلاء فكما قال الله عز وجل: يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا [الروم:7]، هذا كل علمهم، يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا، يقولون: كل يوم يكتشف العلماء أشياء مذهلة، والذين ماتوا قبلهم كانوا جهلاء بها.

    إذاً: عِلم الناس جميعاً ظاهر فقط، وما أطلعهم الله عز وجل على علم الحياة الدنيا، فمملكة السماوات والأجرام سر حتى الآن، حتى الصعود إلى القمر، وأنا أقول هذا الكلام على عهدة الرجل الذي ألف كتاباً وقد كان أحد رواد الفضاء، وجنسيته كندي، وألف كتاباً يفضح فيه المخابرات الأمريكية، وعنوانه: (لم نصعد إلى القمر)، وهو منشور باللغة الإنجليزية منذ حوالي سبع سنوات، قال فيه: إن الصعود إلى القمر أكذوبة للمخابرات الأمريكية، وإن بيننا وبين القمر منطقة تصل درجة حرارتها إلى أربعة آلاف درجة مئوية، لا يصل شيء إليها إلا ذاب.. وقال: ولست أنسى -وهذا الكلام على لسانه ونقوله على عهدته- يوم دعوا الجمهور الأمريكي ليتفرج على كبسولة الفضاء وهي تصل إلى القمر، ثم أشرنا إلى الجماهير وقام التلفزيون والقنوات بالتصوير، وأغلقوا علينا باب الكبسولة، ولم يعلم الجماهير أننا نزلنا من الباب الآخر، ثم أرسل الصاروخ كبسولة الفضاء ولم يعلم الجماهير أن هذه الكبسولة نزلت في المحيط.. وهذا ليس بغريب، وليس بمستبعد، فقضية الأطباق الطائرة خرافة المخابرات الأمريكية، وأنت عندما تريد أن تعمل شيئاً في الدنيا فلا بد أن تهيء له بشيء يلفت نظر العالم كله.

    واليهود هم ملوك الدعاية، وقد وصلنا الآن إلى درجة أن أمريكا وإنجلترا قد ملكت مقاليد الدنيا، وأول ما يشعر العباد أنهم قد ملكوا الأرض حينئذ تقوم القيامة.. كل شيء في الدنيا ملعون إلا ذكر الله وما والاه، ما غاية سعي العباد إلا الرئاسة والمال، وأعظم رجل ترأس في الدنيا كلها وشعر بحظ النفس هو فرعون، فليس هناك أحد أعظم منه.. والله ما سمعنا برجلٍ عُبد وكان له هذا الجبروت إلا فرعون، وغاية ما يتمناه الغني أن يكون مثل قارون ، ولو جمع كل ما عند الناس الأغنياء المعدودين فلن يصل إلى ركن في خزائن قارون ، وقد علمنا قصة فرعون وقصة قارون لتكون عبرة لأولي الألباب.

    سبب ضلال الضالين عن المعتقد الصحيح

    أيها المسلم! هل أنت جاد في طلب الطريق الوحيد الذي يوصلك إلى الله؟ هل أنت وجل وخائف أن تزل بك القدم فتعير أذنك لشخص من إحدى الفرق الثلاث والسبعين .. شخص له منطق عذب وبيان حسن؛ فتضل وتذهب معه، وأنت تعلم أن الذين ضلوا ما أتوا من غباء؟!

    فها هو أمير المؤمنين المأمون كان يوقر عمرو بن عبيد رأس المعتزلة، وكان عمرو بن عبيد رجلاً زاهداً، يضرب به المثل في الزهد والتقلل من الدنيا، فكان المأمون إذا رآه يقول:

    كلكم يمشي رويد كلكم طالب صيد

    إلا عمرو بن عبيد

    (كلكم يمشي رويد): أي: يمشي الهوينا وهو يتلفت، رجل يريد أن يصطاد؛ لكن الزاهد الذي لا ينوي إلا غايته لا يلتفت يمنة ولا يسرة، فهو: رجلٌ زاهد ولا يطلب صيداً من أحد، وهو مع ذلك رأس في الضلال، ذكر له حديث، فقال: من رواه؟ قالوا: جابر بن سمرة ، فقال: قبح الله جابراً ! وجابر بن سمرة صحابي.

    إن البوابة التي عبر منها أهل البدع هي عدم احترام أصحاب الرسول عليه الصلاة والسلام، وعدم الاكتراث بهم، والزعم أنهم رجال وهم رجال، حتى لا تتم الأسوة بهم، ومذهب أهل السنة والجماعة معروف، فالطريق الوحيد له ثلاثة أصول: (ما عليه اليوم أنا وأصحابي)، أي: الكتاب والسنة بفهم السلف الصالح، (ما عليه اليوم أنا) هو الكتاب والسنة، (وأصحابي): هذا هو الأصل الثالث.

    أما المبتدعة فإنهم لا يقيمون للصحابة وزناً، ولا يرفعون لهم رأساً، فالأمر إذاً جد خطير.

    جاء في حديث الخوارج الذي رواه البخاري ومسلم أن ذا الخويصرة جاء إلى الرسول عليه الصلاة والسلام فقال: (يا محمد! اعدل فإنك لم تعدل! فقال: ويحك! ومن أحق أهل الأرض أن يعدل إذا لم أعدل أنا؟ فلما تولى الرجل وأراد خالد أن يقتله، قال له: دعه، فإن له أصحاباً، يحقر أحدكم صلاته إلى صلاتهم، وصيامه إلى صيامهم، يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد)، فهم عباد زهاد يصلون ويصومون؛ لدرجة أن الصحابة الأبرار الأجلاء يحتقرون أعمالهم إذا نظروا إلى جدية هؤلاء في العبادة. إذاً: لا تغتر بسمت مبتدع حتى تعلم أنه على الكتاب والسنة بفهم السلف الصالح.

    ما ظهرت الثنتان والسبعين فرقة إلا بضلالهم عن الطريق الوحيد، والطريق الوحيد -أيها الإخوة- هو أول طريق سُنَّ للمسلمين: (تفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة)، (الفرقة الواحدة) هي أول فرقة ظهرت، أما باقي الفرق فلم تظهر إلا بعد الفرقة الأولى الناجية.

    بأيمانهم نوران ذكر وسنة فما بالهم في حالك الظلمات

    اثنتان وسبعون فرقة ضالة جاءت بعد ظهور الطريق الوحيد إلى الله عز وجل، إذاً فكيف بنا الآن، لا سيما بعد اندثار آثار النبوة، وموت العلماء الربانيين، وظهور علماء السوء بين المسلمين، فصار البحث عن الطريق في غاية المشقة، وإنما يسهل البحث إذا كثر الأدلاء عليه، فإذا كثر الأدلاء على الطريق هان عليك الأمر، أما إذا ذهب هؤلاء العالمون به، فما أتعس العامة بدون العلماء!

    إذاً: هذا هو الأصل الذي نؤصله لهذه القضية الخطيرة وهي: (كلها في النار إلا واحدة)، فالقرآن موجود، لكنهم يؤلونه ويحرفونه، فعندما أنكرت المعتزلة رؤية الله عز وجل يوم القيامة، هل أنكروا القرآن؟ لم ينكروه؛ بل احتجوا به على نفي رؤية الله عز وجل، مع أن السلف رحمهم الله، أجمعوا إجماعاً ظاهراً بدلالة النصوص على أن الله عز وجل يُرى في الآخرة قال الله تعالى: كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ [المطففين:15].

    قال الشافعي رحمه الله: هذه الآية حجةٌ لأهل السنة أن الله عز وجل، يُرى في الآخرة بدلالة حجب الكافرين؛ إذ لو كان المسلمون محجوبين أيضاً عن رؤية الله، لما كان في حجب الكافرين عن الرؤية معنى.

    فلم يقل: كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ [المطففين:15] إلا لأن آخرين لا يحجبون، ولو كان الكل محجوبين لما كان لهذه الآية معنى، وقال تعالى: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ [القيامة:22-23]، فهل أنكر المعتزلة هذه الآية؟ لم ينكروها، إنما قالوا: إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ [القيامة:23] (إلاً) هكذا بالتنوين، وجمعها آلاء، أي: إلاً ربها ناظرة، أي: هي تنظر إلى آلاء الله ونعمه.

    فما أنكروا القرآن، ولو أنكروه لكفروا، لكنهم حرفوه، وهذا هو الذي صنعته كل الطوائف الضالة.

    فالصحابة رضوان الله عليهم سمعوا الآية، وعلموا أنه لا بد من عمل، وعلموا أن العبد مختار، وعلم العبد لا يجاوز شراك نعله؛ لذلك لا يجوز عليه أن يحكم في المآل وهو لا يعلم ما ينتهي إليه الحال، مع ظهور الحال، فكيف إذا كان المآل في غاية الخفاء؟! كما قال الله عز وجل في قصة موسى وفرعون: فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا [القصص:8]، فلو كان فرعون يعلم أنه سيكون له عدواً وحزناً لما التقطه، ولا رعاه ولا رباه؛ لكنه التقطه وهو يظن أنه سيكون قرة عين له، فمن الذي يعلم هذا المآل؟

    إذاً: هذه الآية: وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ [يوسف:21]، إشارةٌ إلى نفاذ إرادته تبارك وتعالى، وأنه الغلاب، وأن العبد لا ينبغي له أن يغتر بظاهر الحال؛ فليس له إلا التسليم، فقوله تبارك وتعالى: وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ [يوسف:21]، إشارة إلى هذا القهر، وأنك لا بد أن تسلم؛ لأنك لا تعلم، وعدم العلم هنا ليس هو الجهل، بل قد يكون العلم النظري غير المصحوب باليقين: وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ [يوسف:21]، أي: لا يوقنون أن الله غالب على أمره، وأنه قادر على كل شيء.

    أحد الذين هربوا سنة (1964م) من السجن إلى دولة عربية أراد أن يرجع إلى بلاده، فخاف أن يقبضوا عليه في المطار، فذهب إلى صديق له دبلوماسي كبير، وقال له: أريد منك أن تكتب لي خطاب تزكية إلى رجل ليستقبلني في المطار. وكان الرجل ذكياً فطناً، وظاهر القصة تدل على أن الرجل عنده فهم، فقال له: أنا سأكتب لك إلى شخصية كبيرة، لكن لا تفتح هذا الخطاب إلا في المطار (مطار القاهرة) وأنا سوف أتصل، فأخذ صاحبنا الخطاب ولما نزل في مطار القاهرة وفتح الخطاب، وجد أنه قد كتب فيه: (قل: يا رب!) فقط.

    هذا هو ما عناه ذلك الدبلوماسي، قال حاكي القصة: فاقشعر بدني لما قرأت هذه العبارة؛ لأنه قال له: أنا سوف أتصل، وكان يعني بالاتصال: الدعاء والمناجاة، ونزل الرجل ومضى، وانتهى الأمر.

    فهذا الرجل يعلم أن الله عز وجل على كل شيء قدير، لكن ليس عنده يقين، وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ [الأعراف:187] أي: لا يوقنون، فعدم العلم هنا مشتمل أيضاً على عدم اليقين.

    أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم.

    1.   

    الالتفات إلى الأسباب قدح في التوحيد وتركها قدح في الشرع

    الحمد لله رب العالمين، له الحمد الحسن والثناء الجميل، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يقول الحق وهو يهدي السبيل، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.

    قال بعض السلف: (الالتفات إلى الأسباب قدحٌ في التوحيد، ورفض الأسباب بالكلية قدحٌ في الشرع).

    أما بالنسبة للأول: فقد ألغى الله عز وجل الواسطة بينه وبين عباده، إذاً: الالتفات إلى الأسباب قدحٌ في التوحيد، فلأجل تجريد التوحيد ألغى الله الواسطة، فقال عز وجل: وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ [البقرة:186]، وجرت العادة في كل آيات القرآن الكريم المشتملة على السؤال أن يثبت لفظ: (قل)؛ لأن الواسطة بين الله وبين الناس هو الرسول عليه الصلاة والسلام؛ لأن العباد لا يعرفون ما يحبه الله ويرضاه إلا عن طريق الرسول.

    العقول لا تستقل بمعرفة ما يحبه الله ويرضاه

    إن العقول لا تستقل بمعرفة ما يحب الله ويرضى، ولذلك كان الشرع هو الحاكم على العقل، فمثلاً هل الربا بالنسبة للعقول منكر؟ ليس بمنكر؛ بل فيه مصلحة، فالرجل ينمي أمواله، لكن الشبهة التي دخل منها المفتي بتحليل الربا، هي أن: كلا الطرفين مستفيد.

    مثلاً: مر رجل بضائقة مالية، ففرجت عنه وأخرجته من ضائقته، فهو إذاً مستفيد. وفي نفس الوقت صاحب رأس المال لا يعطل ماله، فعندما يخرج ماله بفائدة يكون قد استفاد، فالمقرض والمستقرض مستفيدان، هذا هو العقل!! وهذا هو الحال! لكنَّ المآل إلى الخراب، فهذا (بنك الاعتماد والتجارة)، وهو بنك شيوخ الخليج، وشيوخ البترول، الدنيا كلها كانت تتصور أن أي بنك في العالم يمكن أن يفلس إلا (بنك الاعتماد والتجارة)؛ لأنه مسنود، فشيوخ الخليج يضعون أموالهم فيه، ومع ذلك فأول بنك أفلس هو بنك الاعتماد والتجارة! والذين يمسكون بعجلة المال هم اليهود، أكلة الربا، وأكلة أموال العباد ولحومهم.

    فلو استقلت العقول ونظرت لقالت: ليس في الربا بأس! بل لقالت: ليس في الزنا بأس! سيقولون: الرجل الفقير الذي لا يستطيع أن يتزوج ويريد أن يقضي حاجته، فلماذا تعكرون عليه؟ ولماذا تحرمونه؟! والشيعة عندهم مذهب زواج المتعة، الذي أراد أحد الهالكين على مدار واحد وثلاثين مقالاً أن يحله عندنا، وتهكم بمذاهب الفقهاء الأربعة، وتهكم بشيوخ الأزهر الذين ردوا عليه، وقد جاء في الموسوعة الفقهية، وهي موسوعة الفقه الإسلامي التي أخرجتها وزارة الأوقاف في (الستينيات): زواج المتعة أنك تشترط مدة في أصل العقد، كأن تقول: أنا سأتزوج هذه المرأة يومين، أو شهرين، أو سنتين، أو عشر سنين، أو عشرين سنة.. فهذا لا يجوز.

    قالوا: أنتم تعسرون على الشباب، والشاب الآن لا يملك إلا هذه الساعة، فاتركه يتزوج يومين.. لا يملك إلا ثوباً واحداً اتركه يتزوج ثلاثة أيام.. عنده عشرة أو خمسة عشر جنيهاً، اتركه يتزوج ساعتين.. هذا هو زواج المتعة، أليست ظاهرة تيسير على الشباب المحروم؟! الذي حرقنا دمه وجففنا كبده بقولنا له: صم! يأتينا شاب فيقول: أنا شديد الشبق، ولا أستطيع الزواج، فنأمره بالصوم. وهذه وصية الرسول عليه الصلاة والسلام: (من استطاع منكم الباءة فليتزوج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم)، مع أن هؤلاء الشباب لهم مخرج على مذهب الشيعة، وهو أن يتزوج يومين أو ثلاثة أو أربعة.

    فانظروا إلى استقلال العقول! فلو استقلت فلن تعرف ما يحبه الله ويرضاه؛ لأن الله عز وجل قد يأمر بالأمر الذي يصعب على العقل إدراك حكمته، فمثلاً: سعي هاجر عندما سعت بين الصفا والمروة، لقد كانت تبحث عن الماء، فقد يقول قائل: لماذا نسعى نحن بين الصفا والمروة، نحن نسعى على الرخام؟ وهناك تكييف مركزي في المسجد الحرام، إذاً المسألة مسألة شكلية محضة، فليس هناك إرهاق ولا تعب حتى نشعر فيها بتعب أم إسماعيل.

    فلماذا نفعلها حتى الآن؟ لماذا نطوف بالكعبة؟ لماذا نقبل الحجر الأسود؟ ولماذا نحلق؟

    هذا كله ليس له جواب على مقتضى العقل، فقد يأمرك الله عز وجل بالفعل ابتلاءً بلا علة.

    لا واسطة بين الله وبين خلقه

    لقد ألغى الله عز وجل الواسطة: وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ [البقرة:186]، لاحتمال أن يكون الواسطة لئيماً، فمثلاً ولله المثل الأعلى: لو كان هناك رجل وزير أو محافظ أو مدير، وأنت تريد الدخول إليه، فلن تستطيع الوصول إليه إلا عن طريق السكرتير أو مدير المكتب، فلو كان هذا الرجل الواسطة لئيماً أو مرتشياً وقال لك: لن أوصلك إلى الوزير إلا إذا دفعت كذا وكذا، أو عملت لي كذا وكذا، وأنت في حاجة ماسة لمقابلة الوزير، وتريد أن تقابله بأي ثمن، فسوف تدفع ما أراده منك ذلك الواسطة؛ بل سوف تتذلل له وتقبل يده.. إلخ، فلو كان هناك واسطة بين الله وبين خلقه؛ لذهب ما لله للواسطة؛ من التضرع والابتهال، والترجي الذي أترجاه من أجل أن يوصلني، فالرغبة والرهبة لا تكون إلا لله.

    فلئلا يُصرف هذا الأمر للواسطة ألغاها الله عز وجل؛ لتجريد التوحيد والحفاظ على جنابه.

    إذاً: الالتفات إلى الأسباب قدح في التوحيد؛ ولذلك ألغيت الواسطة حتى لا يلتفت إليها. وترك الأسباب بالكلية قدح في الشرع؛ لأن الله عز وجل قال: ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ [النحل:32]، والباء هنا باء السببية، وليست هي الباء التي في قوله صلى الله عليه وسلم: (لن يدخل أحد الجنة بعمله)، فإن الباء في (بعمله) غير الباء في: بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ، فالباء في قوله عز وجل: ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ [النحل:32] باء السببية، أي: ادخلوا الجنة بسبب ما كنتم تعملون، والباء في قوله صلى الله عليه وسلم: (لن يدخل أحد الجنة بعمله)، هي باء العوض والمقابلة، أي: لن يدخل أحد الجنة لأنه عمل عمل أهل الجنة، وكان عمله كفؤاً وعوضاً لدخول الجنة، استحق دخول الجنة بالعمل.

    إذاً: الباب باء العوض في الحديث، وليس لأحد أن يؤدي شكر نعم الله عز وجل عليه أبداً لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما قال هذا الحديث، قالوا: (ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمته).

    أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم.