إسلام ويب

الأخذ بالأسبابللشيخ : أبو إسحاق الحويني

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن الناظر إلى حياة المسلمين يجد وللأسف الشديد أنهم في انحطاط وذل وفقر مستمر، وكل هذا يرجع إلى عدة أسباب منها: أن الناس اعتمدوا على الأسباب وتوكلوا عليها، ونسوا الله المسبب سبحانه وتعالى فلم ينسبوا له أي فعل لا مقالاً ولا حالاً، وفي مقابل هؤلاء عمدت طائفة كبيرة من الأمة إلى ترك بذل الأسباب الجالبة لنصرة هذا الدين، والأسباب الجالبة للرزق والحياة وتواكلوا على ربهم دون أي فعل من قبلهم، وطائفة ثالثة أعرضت عن مقتضى الأخذ بالأسباب التي تجلب الراحة والسعادة في الدنيا والآخرة.. وإلى الله المشتكى.

    1.   

    ترك الالتفات إلى الأسباب

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102] .

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1] .. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71].

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

    ثبت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: (إن أمتي أمة مرحومة) وهذا قول حق، ولأن هذه الأمة مرحومة فقد بقيت تعيش إلى اليوم؛ لأن من خصائص الإسلام التي فطن إليها أعداؤنا أكثر منا أن هذا الدين يستحيل أن يموت؛ إنما يمرض ويضعف جداً لكن لا يموت.

    الدلائل على أن هذه الأمة مرحومة كثيرة؛ من هذه الدلائل: كثرة الناطقين بالحكمة فيها والعاملين بها، ذاكم هم أسلافنا رضوان الله عليهم الذين يتأسف بعض الناس من مجرد سماع وصفهم، إذا قلت له: (قال السلف) امتعض وظنك تدعو إلى جماعة، والواقع غير ذلك، سلفك هم رأس مالك، بغيرهم تساوي الصفر، إذا سمعتهم يتكلمون ولم تعلم من المتكلم قلت: هذا نبي يتكلم، كلام حكمة!

    والأقوال التي أقف عندها اليوم هي لبعض هؤلاء السلف العظماء، وقد تكلم بهذا القول أكثر من عالم قالوا: (إن التفات القلب إلى الأسباب قدح في التوحيد، ومحو الأسباب بالكلية نقص في العقل، والإعراض عن مقتضى الأسباب قدح في الشرع).

    فهذا من عيون الكلام؛ لأنه جمع الدين كله أعلاه وأدناه.

    وهذا كلام حق مأخوذ من مشكاة النبوة، فإن التفات القلب إلى الأسباب يضيع عبودية العبد؛ لذلك كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم واسطة بين العبد وربه في كل شيء إلا في الدعاء، والالتجاء إلى الله والتضرع بين يديه.

    وكل أسئلة القرآن الكريم ثبتت الواسطة فيها: يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ.. [البقرة:219] .. وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ.. [البقرة:222] .. يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ.. [البقرة:217] .. يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلْ.. [البقرة:215].

    )قل) هذه هي الواسطة، أي: قل يا محمد كذا وكذا، إلا في الدعاء: وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ [البقرة:186] ولم تثبت الواسطة هنا، لم يقل: فقل إني قريب، كما هي العادة في السؤال، لماذا؟ لأنه لو كان هناك واسطة بين العبد وربه لاستعبدت الواسطة هذا العبد، أرأيت إن كان هناك أمير عدل لا يظلم، لكن له نائب لئيم خبيث، كلما رفعت شكايتك إلى الأمير حجبها النائب فلم تصل إلى الأمير، فماذا عساك أن تصنع؟

    لابد أن تتزلف إلى هذا الخبيث حتى يوصل شكايتك، فإذا تذللت لهذا الخبيث واستعبدك ذهب الأمر كله، فلو أن هناك واسطة بين العبد وربه تبارك وتعالى لذل العبد إلى الواسطة حتى يشفع له عند مولاه، وليس هذا هو مقتضى العبودية، فمقتضاها: تمام الذل مع كمال الحب، فهذان جناحان لا يمكن أن يكون العبد عبداً إلا بهما: كمال الحب مع تمام الذل، فهذه هي العبودية.

    فإذا أرقت ماء وجهك لهذه الواسطة ماذا بقي لربك إذاً؟ لذلك ألغيت الواسطة، فهي سبب من الأسباب التي يتوصل الإنسان بها إلى مراده، فإذا التفت قلبك إلى هذا السبب كان قدحاً في توحيدك، لذلك تجد أن هذه الوسائط فيما يتعلق باتصال العبد بربه ملغاة كلها، بل إن أي شيء يشوبه اشتراك بين العبد وربه فهو ملغى أيضاً.

    إبراهيم عليه السلام والتفاته إلى مسبب الأسباب

    وما أنصف ما دعا به إبراهيم عليه السلام قومه وهو يعرِّف صفة إلهه العظيم -الذي يعبده لأول مرة- لهؤلاء، وكانت مفاصلة بينه وبينهم، قال عليه السلام: فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ [الشعراء:77] فكأنه سئل: وما رب العالمين؟ قال: الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ * وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ * وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ [الشعراء:78-81].

    كلام الأنبياء موزون، ليست هناك لفظة زائدة؛ لأنهم معلمون: الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ [الشعراء:78] تأمل سياق الآيات؛ لتعلم أن أي نوع اشتراك بين العبد وربه كان يلغى بالبيان: الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ * وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ [الشعراء:78-80].

    يقول علماء اللغة: إن ضمير الرفع المنفصل الذي لا محل له من الأعراب يأتي لتأكيد الكلام، (هو) ضمير رفع منفصل جاء لتأكيد الكلام، كرر في الثلاث الآيات الأولى، ولم يذكر في الرابعة؛ لأن في الآيات الثلاث الأولى شوب اشتراك بين العبد وربه، الهداية: لفظة يشترك فيها العبد مع الرب تبارك وتعالى، لكن الهداية من العبد بيان وإرشاد، ومن الله هداية على الحقيقة، لذلك أثبتها للنبي صلى الله عليه وسلم مرة ونفاها مرة، فقال عز من قائل: وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [الشورى:52]، وقال له: إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ [القصص:56].

    الهداية الأولى التي أثبتها له هداية بيان ودلالة، والهداية التي نفاها عنه هداية أثر، فالأثر لا يكون إلا من الله، السبب والفعل منك والتأثير من الله، لذلك ليس بالضرورة أن يؤتي السبب الأثر؛ فالعبد قد يأخذ الدواء ويموت مع أنه أخذه ليشفى من مرضه لكنه مات به، فلو كان لابد أن يشفى كل إنسان بهذا الدواء لشُفي الكل.

    الطعام أنت تأكله لتزيل علة الجوع، ومع ذلك أحياناً تأكل ولا تشبع، فلو كان الطعام لابد بالضرورة أن يدفع الجوع لشبع الإنسان بعد الأكل، وأحياناً تشرب فما تزداد بعد الشرب إلا رغبة في الشرب حتى تكاد بطنك أن تنفجر وأنت ما زلت ظامئاً، فلو كان امتلاء المعدة بالماء يدفع الظمأ لدُفع الظمأ بذلك.

    الهداية من العبد بيان، ومن الرب تبارك وتعالى تأثير، فلما كان ذلك موضع اشتراك بين العبد وربه -كأن يقول العبد: كنت ضالاً فهداني فلان- فقال إبراهيم عليه السلام: لا. الهداية الحقة إلى التوحيد لا تكون إلا من الله، ولذلك أثبتها بهذا الضمير، قال: الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ [الشعراء:78] لا غيره، هذا معنى الكلام.

    وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ [الشعراء:79] من الجائز أن تقول: كنت سأموت من الجوع لولا فلان أطعمني وسقاني، فكأنه قال له: إن فلاناً ما زاد على أن أعطاك سبب دفع الجوع فقط، أما الشبع والري فهما من الله، ومما يؤكد هذا الكلام ما ثبت في الصحيحين : (أن رجلاً كافراً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال: اسقني يا محمد! فحلب له سبع شياه والرجل يشرب، ثم شبع، فأسلم الرجل، فجاء في اليوم الثاني فقال: اسقني يا رسول الله! فدعا بشاة فحلبت له فشرب وأبقى فضلة وحمد الله، فقال عليه الصلاة والسلام: المؤمن يأكل في معي واحد، والكافر يأكل في سبعة أمعاء) أي أن الكافر قد يأكل أكل سبعة ولا يشبع، وأقول: (قد يأكل) وحرف التحقيق إذا دخل على الفعل المضارع أفاد الشك حتى لا يأتيني رجل يقول: هناك من الكافرين من يأكل عشر ما يأكل المؤمنون، فيعترض على الحديث بهذه القضية!! لا. ومن علمائنا من حملها على أنها واقعة عين مخصوصة بهذا الرجل.

    لكن المقصود أن دفع الجوع وإثبات الري من الله تبارك وتعالى، فلما حدث التباس في مسألة الأكل والشرب أكدها إبراهيم عليه السلام بهذا الضمير، أي: هو الذي يطعمك لا غيره، سواء بالسبب أو بالأثر، فإن ما في الأرض ملكه، ولو شاء لأمسك الأمطار فهلك كل من على الأرض، ففي حقيقة الأمر كل ما ملكت يداك هو ملكه وأنت ملكه، فالسبب والأثر ملكه.

    قوله: وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ [الشعراء:80] من الجائز أن يقول العبد: كنت على شفا الموت لولا الطبيب الفلاني الماهر الذي شفاني، فكأنه قال له: لا؛ لأن الطبيب هذا يموت بنفس العلة التي يداوي منها، وما ألطف ما نبه النبي صلى الله عليه وسلم على هذا الأمر عندما قال: (لا عدوى ولا طيرة فقال رجل: يا رسول الله! فما بال الجمل الأجرب يعدي السليم؟ -هل هذا نفي لوجود العدوى إذا كان ذلك كذلك؟ فكيف والحس والواقع يقول: إن الجمل الأجرب يعدي السليم- فقال له: فمن أعدى الأول؟) أول جمل جربان على وجه الأرض من أعداه؟

    يريد أن يقول: إن العدوى لا تنتقل بذاتها، إن الله هو الذي ينقلها بدليل: (من أعدى الأول؟) فليس بالضرورة إذا كان هناك مرض معدٍ إذا لامست صاحبه تصاب بنفس المرض، لا يقول هذا أبداً ذو علم لا في الطب ولا في الشرع، لكن اقترابه من مصدر العدوى مظنة العدوى وليس بالضرورة أن يحمل العدوى.

    فلا عدوى هنا تنتقل بذاتها، إنما ينقلها الله تبارك وتعالى، فهذا سبب لكن الأثر من الله تبارك وتعالى، فهو الذي ينقله وهو الذي يحجبه إذا أراد.

    قوله: وَإِذَا مَرِضْتُ [الشعراء:80] تأمل اللطف في الكلام، لم يقل: وإذا أمرضني، بل نسب المرض إلى نفسه تأدباً من أن ينسب الشر إلى الله، كما قال الخضر : فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا [الكهف:82] ولما ذكر السفينة قال: فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا [الكهف:79] فنسب إثبات العيب لنفسه وإرادة الخير إلى الله تبارك وتعالى تأدباً.

    وجوب الفصل بين الأسباب المشتركة بين العبد وربه سبحانه وتعالى

    إذا كان هناك قضايا مشتركة بين العبد وبين الله تبارك وتعالى يجب أن تفصل حتى لا يقدح في توحيد العبد، قال ابن عباس : (من قال: لولا الكلب لسرق اللص الدار فقد أشرك) لأن الكلب سبب، لكن من الذي منع اللص؟ قال تبارك وتعالى: مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [هود:56] فالذي أخذ بناصية هذا اللص هو الله وليس الكلب، فإذا قال العبد: (لولا الكلب لسرق اللص الدار فقد أشرك) هي نفس القضايا التي نبه عليها الخليل عليه السلام، من قال: (لولا فلان لدخلت النار، ولولا فلان أطعمني لمت من الجوع، ولولا فلان شفاني لمت من المرض) كل هذا فيه شرك.

    إذاً القلب إذا التفت إلى الأسباب كان ذلك إعراض عن رب الأسباب، وأنت ترى هذا في ضعاف الإيمان، فمثلاً: شخص مرضاً خطيراً، فذهبوا به إلى الطبيب، وتجد الكل واقف على باب الغرفة ينتظر أن يرى الطبيب ماذا سيقول؟ وتجده يسأل: هناك أمل يا دكتور؟ لو قال: ليس هناك أمل، لخر ساكتاً! قوله: (ليس هناك أمل) هذه الكلمة ليست لأحد على وجه الأرض، ولذلك تجد أصحاب العقائد الراسخة يتحركون بها، أحياناً يمرض لك إنسان مرضاً خطيراً، فتجد كل الأطباء يجمعون أنه لا أمل، ويقولون لك: يا بُني! وفر مالك، لا فائدة! ومع ذلك تخرج من عندهم لتبيع آخر ما تملك وتنفقه على هذا المريض، لماذا؟ لأنه راسخ في ذهنك أن الكلمة الأخيرة ليست لأحد غير الله، تقول: الله على كل شيء قدير، ولو كنت تعلم من قرارة نفسك أن الطب هو صاحب الكلمة الأخيرة لكففت عن الإنفاق، لكنك ما أنفقت مالك إلا لتجري وراء أمل راسخ عندك وهو: (إن الله على كل شيء قدير)، هذه عقيدة راسخة، لكن أحياناً يتصرف المرء بضدها جهلاً أو ضعف إيمان.

    التفات القلب إلى الأسباب قدح في التوحيد

    لما مرض أبو بكر الصديق سيد الموحدين بعد النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الأمة الذي ملئ إلى مشاشه إيماناً وحكمة رضي الله عنه، دخلوا عليه وهو مريض فقالوا له: ألا نأتي لك بطبيب؟ قال: الطبيب أمرضني -كلام واضح جداً- قالوا: ألا ننظر لك في دواء؟ قال: إن الطبيب قال: إني أفعل ما أشاء، ليس هذا من أبي بكر الصديق دفعاً للعلاج وإلا فهو قد عُولج، لكن أراد أن ينبه إلى المعنى الذي نبه إليه إبراهيم الخليل عليه السلام، وهو أن التفات القلب إلى الأسباب قدح في التوحيد، وطالما أن العبد متعلق بالله تبارك وتعالى لا يرجو غيره إذاً هو في عافية وستر، كل شيء يكون عليه يحمد الله تبارك وتعالى له وبه، فما من محنة تكون على غيره إلا كانت في حقه منحة، ولذلك الله تبارك وتعالى لما أراد أن يعطي الجائزة للمتقين -والتقوى أصلها اعتماد القلب على الله، كما قال عليه الصلاة والسلام: (التقوى هاهنا وأشار بيده إلى قلبه)- قال تعالى: وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا [الطلاق:2]، هكذا بالجزم: يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا [الطلاق:2].

    ننظر في (يتقِ ويجعل) أفعال مضارعة تفيد التجدد والاستمرار، أي: كلما أحدثت تجديداً في تقواك كان في مقابله فرج، وإن اختلف الناس في تعريف الفرج، فبعض الناس يرى الفرج النعمة المطلقة، لكن ليس كذلك، بل أحياناً يكون الفرج في النقمة التي لا يراها العباد إلا نقمة بحتة، فمثلاً: انسحاب القائد في الوقت المناسب من أعظم أبواب النصر، مع أن الانسحاب عند بعضهم يعد من الهزيمة؛ لأن الانتصار عندهم أنك تكسب أرضاً.

    وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا [الطلاق:2] انظر إلى الكلمة التي بعد هذه مباشرة: وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ [الطلاق:3] انظر إلى الكلام الجميل: وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ [الطلاق:3] فتكون فرحته طاغية؛ لأنه لم يحتسب.

    أنت موظف كبير تأخذ ألف (جنيه) في الشهر، معروف كل شهر أنك تذهب إلى الخزينة لتقبض الألف، فهل أحسست بالفرح؟ لا؛ لأنك متوقع أنك كل شهر ستأخذ الألف (جنيه)، لكن جاءك خمسون (جنيهاً) علاوة أو أي شيء وأنت لا تحتسبها، فإن فرحتها في قلبك أعظم من الألف (جنيه)، لماذا؟

    لأنك لم تحتسب، وكل شيء لا تحتسبه تكون الصدمة به قوية، إما فرح وإما ترح.

    أنت تتوقع أن يضربك جارك على وجهك، لكن لا تتوقع أن يضربك ابنك على وجهك؛ لذلك لطمة ولدك لك تكون أعظم ألف مرة من ضرب كل الناس لك؛ لأنك ما توقعت، فالصدمة التي أخذتها بمجرد الضرب أعظم من الضرب نفسه.

    لذلك لو وضعت عصابة -مثلاً- على عيني إنسان وأخذت تعذبه، فإنه لا يدري من أين يأتيه الضرب، من الأمام.. أو من الخلف.. أو من الجنب، أو من فوق.. أو من تحت.. لا يدري، فالرعب الذي يصيبه بعدم درايته أعظم من العذاب نفسه، لماذا؟

    لأنه لا يحتسب ذلك العذاب، لذلك قال الله تبارك وتعالى: وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ [الطلاق:3] حتى يتمم له فرحته بالتقوى، ليس رزقاً عادياً وراتباً، إنما من حيث لا يحتسب ولا يتوقع، مكافأة من الله لهذا العبد التقي.

    إذاً: يجب أن لا يلتفت ملك البدن إلى الأعراض -وملك البدن: هو القلب- ومن أعظم دلالات العجز أنك أيها الإنسان لا تملك قلبك، تملك أن ترفع يدك، تملك أن تمشي برجلك، لكن لا تملك أن تحب، ولا تملك أن تبغض، ولا أن تؤمن ولا أن تكفر، منتهى العجز، قلبك الذي يضخ وقوام حياتك به أنت لا تملكه؛ لذلك كان من دعاء النبي عليه الصلاة والسلام: (يا مثبت القلوب ثبت قلبي على دينك) لأنه لا يملكه، وكان يقول عليه الصلاة والسلام: (إن القلوب بين إصبعين من أصابع الله عز وجل يقلبها كيف شاء)، وكان أكثر يمينه يقول: (لا ومقلب القلوب).

    وفي الحديث الصحيح عندما تجيء الفتن كأمواج البحار قال عليه الصلاة والسلام: (يمسي الرجل مؤمناً ويصبح كافراً، ويصبح مؤمناً ويمسي كافراً) فلو كان قلبك بيدك ما كفرت طرفة عين، لكن ليس بيدك، إعلاناً بعجزك التام، إن أعظم ما في بدنك لا تملكه، هذا سر الإخلاص فيك؛ لذلك حتى تضمن ألا يدخل هذا الشرك إلى قلبك لا تلتفت إلى الأسباب من حيث هي أسباب، ولكن التفت إلى رب الأسباب.

    1.   

    محو الأسباب بالكلية نقص في العقل

    التفات القلب إلى الأسباب قدح في التوحيد، ومحو الأسباب بالكلية نقص في العقل.

    هناك فرقة وكل يوم نرى منها العجب؛ وهي فرقة الفرماوية، والتي رأينا شيخها الفاني الهالك الضال عن نحو خمسة وتسعين سنة، هذا الرجل الكافر بالأسباب، يعتقد أنه إذا ذهب المريض إلى الطبيب فهو كافر!! يا أيها الأحمق! لم تأكل إذا جعت؟ لم تلبس؟ ومن الذي حاك لك ثيابك؟ أنزلت من السماء كثياب بني إسرائيل معلقة على الشجر؟! ألم يحكها حائك؟ والذي يحيك الثياب هو واحد منهم، لكن أجلوا تكفيره حتى توجد الولاية في قلبه، هذا الضال المضل كان وجماعته كل سنة يحرقون صحيح البخاري ، لماذا؟

    قالوا: لأن البخاري شيوعي! أليس من الاتحاد السوفيتي ؟! أليس من بخارى ؟! والله ما ندري الآن ماذا يقولون بعدما انهار الاتحاد السوفيتي؟! وانظر إلى هذا الجاهل وهو يقول: كل الأحاديث المنسوبة لـعائشة وحفصة وأمهات المؤمنين كذب، لماذا؟ قال: لأن صوت المرأة عورة!!

    هل المرأة ولدت لتكون خرساء؟ لماذا خلق الله فيها الكلام؟ من قال: إن صوت المرأة عورة؟ صوت المرأة ليس بعورة، ولا أظن أنه يختلف في هذا أحد له مساس بالشرع، لكن الخضوع بالقول هو العورة، والخضوع بالقول شيء زائد عن مجرد الصوت، كامرأة يكون صوتها عادياً فتحاول أن ترققه، هذا القدر الزائد على الصوت هو الممنوع، لكن الصوت العادي ليس بعورة، والأحاديث والأقوال متواترة أن الصحابة والتابعين كانوا يدخلون على أمهات المؤمنين ويسألونهن من وراء حجاب.

    ثم إن ربنا سبحانه وتعالى لما قال: وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ [الأحزاب:53] فإذا كانت خلف الحجاب، وأنا لا أراها، وهي لا تتكلم، كيف أفهمها؟ فلابد أن يكون هناك صوت حتى أفهم المرأة التي لا أراها.

    ذات مرة جاء أمر بتصوير كل المساجين، والفرماوية يرون أن التصوير حرام -وهو كذلك لا نختلف معهم في هذا، التصوير كله حرام إلا ما دعت إليه الضرورة، ونحن لا نملك من أمرنا شيئاً- لكن صدر الأمر إليهم وكانوا بضعة وثلاثين رجلاً فقالوا: ممنوع التصوير، وقد يقتلون دون شيخهم حتى لا يُصور، عندهم فداء لهذا الشيخ لا تتخيله، فاجتمعوا كلهم في زنزانة واحدة، والرجل عمره فوق التسعين، وعنده ضيق في الجهاز التنفسي يتنفس بصعوبة، فاجتمعوا جميعاً وصنعوا حاجزاً بشرياً خلف الباب، فأتوا وقالوا لهم: افتحوا الباب، قالوا: أبداً! لا يمكن أن نتصور، حرام! فرموا عليهم قنابل مسيلة للدموع.. وهم أبداً! لا يمكن أن يفتحوا، فلما امتلأت الغرفة بالدخان! وكاد الشيخ أن يختنق! قاموا ورفعوه إلى الشباك حتى وضع أنفه في الخارج ليتنفس.

    فباءت كثير من المحاولات بالفشل، ثم قاموا معهم بآخر محاولة وهي الحصار الاقتصادي، فمنعوا عنهم الطعام، وتركوا شخصاً يقف على الباب حتى لا يتعاطف أي إنسان معهم، ولكن أصحاب الزنزانة التي في الدور العلوي فكروا! وقالوا: كيف نتركهم يموتون؟! هذا لا يعقل! فأخذوا حبلاً وربطوا فيه خبزاً وحلاوة وأنزلوه من الشباك من الخارج.

    وانظر هنا إلى هذا الضال المضل! جعل يكبر: الله أكبر، ليلة عيسى، خبز وحلاوة! فاغتروا بهذا الشيخ حين وجدوه يضع يده في الهواء ويأتي بخبز، ثم يضع يده ثانية ويأتي بحلاوة، إذاً الرجل كلامه جد، فازدادت عقيدتهم في هذا الرجل، وهو كافر بالأسباب قليل العقل، لكن كما قال الشاعر:

    لكل ساقطة في الأرض لاقطة وكل نافقة يوماً لها سوق

    استفادت إدارة السجن من هذا الدرس فمزقوا الجماعات عندما نقلوهم إلى سجن آخر، فلا توجد جماعة بكاملها في زنزانة، إنما متفرقون، من كل جماعة خمسة حتى يحصل نوع من التفكك، فقدر أن يكون معنا اثنان من الفرماوية، وهم يقدسون لونين: اللون الأبيض، واللون الأخضر، اللون الأبيض لا يلبسه إلا ولي واصل، واللون الأخضر هو المهزلة الذي يعمل لأجل أن يأكل الذي يلبس القميص الأبيض، فصاحب اللون الأخضر رفعوا عنه كلمة الكفر مؤقتاً حتى توجد الولاية في قلبه ثم يصعد للدرجة التي تعلوها.

    فكان معنا رجل ممن يلبسون الثياب الخضراء، يناقش طوال النهار والليل أن الأخذ بالأسباب كفر، فكان إذا قام جماعة التكفير يلعبون رياضة الصبح يقوم فيلعب معهم، أليس هذا من الأخذ بالأسباب؟! وكان إذا لعب رياضة فإن العرق يتصبب منه مباشرة، فيأتي وقت الراحة وزملاؤه يمرون ليسلموا عليه، فيغطي نفسه ببطانية، لماذا؟

    لأنه لو رأوه وقد عرق يسألونه: ما بالك؟ فإذا علموا أنه يلعب كفروه مباشرة، فكان يغطي نفسه ببطانية ويبرز عينيه فقط، فيقولون: مالك؟ فيقول: عندي برد! برد في عز الحر؟! واستحلفني أن لا أقول لهم شيئاً.

    شيء ضد العقل! لو قال رجل: إني أريد الولد بغير زواج، لاتهمه الكل بالجنون، ولو قال: إني أريد أن أشبع ولا أضع في فمي لقمة، يُتهم بالخبل، فمحو الأسباب بالكلية نقص في العقل لا شك، والإعراض عن الأسباب قدح في الشرع.

    نسأل الله تبارك وتعالى أن يجعلنا من أهل الوسطية، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

    أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.

    1.   

    الإعراض عن الأخذ بمقتضى الأسباب قدح في الشرع

    الحمد لله رب العالمين، له الحمد الحسن والثناء الجميل، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يقول الحق وهو يهدي السبيل، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.

    الإعراض عن الأخذ بمقتضى الأسباب قدح في الشرع؛ لأن كل شيء ندبك الشرع إليه لا يكون إلا بسبب منك، وكل شيء ندبك الشرع إليه وأمرك به وجوباً أو استحباباً لابد من إحداث سبب له، فإذا تسنى لك أن تعرض عن السبب فقد أعرضت عن كل الأوامر والنواهي، ولذلك أباح الله الميتة مع أنها محرمة، لماذا؟

    حتى لا تموت، لذلك قال سفيان الثوري أخذاً بمفهوم الآية: فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [المائدة:3] والقاعدة الفقهية معروفة: (الضرورات تبيح المحذورات) قال سفيان الثوري أخذاً من هذا: من جاع فلم يأكل حتى مات دخل النار؛ لأن الله تبارك وتعالى ما أباح له الذي حرمه إلا ليحفظ حياته، وليس لها معنى إلا ذلك، فكونه يتلف حياة نفسه ويعرض عن الذي أعطاه الله إياه فهو معرض عن رخصة الله تبارك وتعالى له، معرض عن أمره، يموت وهو كافر.

    سيد المتوكلين يأخذ يمقتضى الأسباب في الهجرة

    التوكل ليس معناه خلع الأسباب، التوكل معناه: التجاء القلب إلى الله مع الأخذ بالأسباب، هذا هو حقيقة التوكل، ولا التفات لما يحكى عن بعض الناس -وإن كان صحيحاً- كمثل حمزة الصوفي يقول: نزلت في بئر أستقي، فجاء اثنان فردما علي البئر -لا يعلمان أن فيه أحد- لا يعرفان أن فيه إنسان، قال: فجاء رجلان فطماها عليَّ، قال: فسكت حملاً لنفسي على التوكل، قال: ثم جاء أسد فأخرجني.

    لو سلمنا أن هذا الكلام صحيح، فقد يكون هذا حدث اتفاقاً رحمة من الله بعبده الجاهل، وإلا فسيد المتوكلين لما أراد أن يخرج من مكة إلى المدينة لماذا اختفى في الغار؟ لماذا لم يمش أمام الكفار؟ لماذا لما رأى سراقة بن مالك دعا عليه فساخت أقدام فرسه في الأرض حتى بلغت الركبتين، قال: يا رسول الله! ادع الله أن يخرجني ولك أن أرد عنك، فدعا له فقال له: (أخفِ عنا)، لماذا قال له: أَخفِ عنا؟ أخذاً بالأسباب؛ لأن الإعراض عن الأسباب هدم لصرح الأمر والنهي.

    مريم العذراء يأمرها ربها بفعل السبب

    ومن ألطف ما يذكر في ذلك قوله تبارك وتعالى لمريم عليها السلام: وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا [مريم:25] لو جاء أربعون رجلاً أشداء أقوياء وقلنا لهم: هزوا النخلة لينزل الثمر، ما نزلت تمرة، فما هي القوة عند امرأة نفساء، لتهز النخلة؟ امرأة نفساء وأضعف ما تكون المرأة بعد الولادة، خارت قواها كلها، لذلك ابن عمر لما كان يطوف بالبيت ورأى رجلاً يحمل أمه العجوز على كتفيه يطوف بها وهو يقول:

    أنا لها بعيرها المذلل إن أذعرت ركابها لم أذعر

    يعني: أنا جمل.. أنا مطية لها، ويطوف في وسط الخلق، ثم التفت إلى ابن عمر وقال: (يـابن عمر ! تراني وفيتها؟ قال له: لا ولا بزفرة) الزفرة هي: (الآهات) التي تقولها المرأة في الولادة، التأوه، كل الذي فعلته لا يساوي زفرة منها وهي تلدك.

    فكيف قال الله لمريم وهي بتلك الحال: وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ [مريم:25]؟ إشارة إلى الأخذ بالسبب، ولذلك أجاد ذلك الشاعر -لله دره- حين صور هذا المشهد فقال:

    توكل على الرحمن في الأمر كله ولا ترغب بالعدل يوماً عن الطلب

    ألم تر أن الله قال لمريم وهزي إليك الجذع يساقط الرطب

    فلو شاء أن تجنيه من غير هـزه جنته ولكن لكل رزق سبب

    لو شاء أنزل عليها الرطب، لكن هو الذي جعل النخلة في يدها كفرع شجر، وهذا من ألطف ما يقال في الأخذ بالأسباب. الإعراض عن الأسباب هدم للدين كله، قدح في الشرع الذي هو الأمر والنهي؛ لذلك كان المؤمن الذي يرجو ربه تبارك وتعالى يبدأ بطلب السبب ولا يلتفت قلبه إليه، لذلك وصف الواصف أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم -وهو يميزهم عن الذين أتوا من بعدهم في تعاملهم مع الدنيا- فقال: كانت الدنيا في أيديهم ولم تكن في قلوبهم.

    مطلوب منك أن تكون غنياً لكن لا تكن عبداً للمال، المال يكون في يدك، وقلبك فيه الافتقار إلى الله تبارك وتعالى، وليس الطغيان بذلك المال.

    العبد في الطاعة قدري وفي المعصية جبري

    قال بعض العلماء: (العبد في الطاعة قدري وفي المعصية جبري).

    يشير هذا العالم بهذا القول الموجز المختصر إلى أن العبد متبع لهواه، ففي الطاعة: قدري، يقول لك: أنا ربي قدر لي كذا، وعند المعصية: جبري، يقول: ربي كتب عليَّ كذا، أي أنه متبع لهواه، حيث كان هواه في معصية قال: قضاء وقدر؛ طالما فيها مصلحته وشهوته، وكلما زاد في العصيان يريد أن يفلت من العذاب يقول: كتب الله عليَّ ذلك، وأنا ماذا أفعل؟!

    قال قائلهم:

    جرى قلم القضاء بما يكون فسيان التحرك والسكون

    جنون منك أن تسعى لرزق ويرزق في غشاوته الجنين

    يقول: الجنين الذي ليس له كسب ولا سبب أليس يرزق؟

    فأنت لماذا تسعى؟ كما أن الرزق جاء إلى هذا الجنين فسوف يأتيك، فهذا الرجل ليس عنده شيء من العقل؛ لأن هذا الجنين أخذ الطعام بسبب أكل الأم، ولو لم تأكل لمات الجنين، فهذا سبب، لكن قد يكون السبب من كسبك مباشرة وقد يكون بغير كسبك، لكن هو ظن أن السبب لا يكون إلا مباشراً؛ لذلك قال هذه الأبيات، وقال قائلهم الآخر:

    ألقاه في اليم مكتوفاً وقال له إياك إياك أن تبتل بالماء

    كيف لا يبتل بالماء وأنت ألقيته مكتوفاً؟

    يريد أن يقول: إن القدر كتفه، ثم بعد ذلك تضعه في نار جهنم، إذاً كيف يعمل؟ كتب الله عليه المعصية ثم يعذبه بها؟!

    هذا هو اعتراض الجبرية الذين يقولون: إن الإنسان مجبور على كل شيء، فلا قيمة للأخذ بالأسباب، لكن انظر إلى جيل الصحابة، فقد سألوا نفس السؤال لكن بصورة مختلفة تماماً، ففي الصحيحين من حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: (كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في جنازة بـبقيع الغرقد ، فلما دفنا الرجل -دفنا الميت- جعل ينكت بمخصرته في الأرض -معه عود ينبش به في التراب- ثم قال: ما من نفس منفوسة إلا كتب مقعدها من الجنة ومقعدها من النار -انتهى جف القلم- فقال رجل: يا رسول الله! جف القلم بشيء كان أو يكون؟ قال: بشيء كان -بأمر فرغ منه- فقال: يا رسول الله! أفلا ندع العمل ونتكل على كتابنا، فأما من كان من أهل السعادة فسيصير إلى السعادة، وأما من كان من أهل الشقاوة فسيصير إلى الشقاوة؟ قال له: لا. اعملوا فكلٌ ميسر لما خلق له) اسكتوا عن هذا واستأنفوا العمل، قال علي بن أبي طالب : (فما كان أجد منا بعد سماعنا هذا الكلام( يعني: هذا الكلام جعله يجد أكثر، مع أنه لا يدري أهو إلى الجنة أم إلى النار صائر، لكن أي إنسان عنده عقل، وتدبر آيات الكتاب المنزل، وفهم كلام النبي عليه الصلاة والسلام يفهم أن هذا الكلام ليس معناه ترك العمل والاتكال، ثم تلا النبي صلى الله عليه وسلم قوله تبارك وتعالى: وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى * وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى * وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى * إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى * فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى [الليل:1-7].

    إذاً: أثبت للعبد عملاً قبل التيسير: وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى [الليل:8-10] أثبت له عملاً قبل التعسير.

    إذاً لابد للعبد أن يعلم أن الخاتمة مربوطة بالأولى التي هي السبب منه، هؤلاء الصحابة لم يقل أحد منهم: إن كان قدَّر عليَّ المعصية فلم يدخلني النار؟ لأن هذا الكلام البسيط الشديد معناه أن الله ظالم! ليس لها معنى غير هذا، إذا كنت تعتقد أنه حكم عدل -عدله مطلق- فلم تسأل هذا السؤال؟ لا تقل له: (لم) لأنه يفعل ما يريد، (لم) هذه تقال لمن يمكن أن تلومه على فعله، وهل لك اختيار مع الله؟! الله يفعل ما يريد، فلا يجوز أن تقول له: لم.

    بل العبد يجب أن يتقرب إلى الله زلفى؛ حتى إن ابتلاه يكون ذلك مدعاة القرب، كما قال الله تبارك وتعالى لموسى عليه السلام: وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَا مُوسَى [طه:83] لماذا تركتهم وجئت على عجل؟ قال: وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى [طه:84] إنما عجلت لترضى، فدل على أن العجلة في الإياب إليه سبيل من سبل الرضا عن العبد، وقد قال الله تبارك وتعالى عن المؤمنين: رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا [آل عمران:193] الفاء هذه فاء التعقيب السريع، يعني: أول ما سمع أحدث إيماناً عقب القول مباشرة، إذاً: قربك إلى الله مهم جداً.

    الذي يقول: إن كان كتب عليَّ المعصية لماذا يعذبني؟ يتهم ربه بالظلم؛ لأنه يجب عليه أن يقول أيضاً: وإن كان كتب عليَّ الطاعة فلم يدخلني الجنة؟ لا يقول هذا أبداً، لأن هذا في مصلحته، فهو في الطاعة قدري، وهذا هو نفس قول المشركين الأوائل: وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ [سبأ:35] وقارون : إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي [القصص:78] لولا أنني أستحق لما أعطاني الله، أعطاني لأنني أهلٌ لذلك، فقال الله تبارك وتعالى لهم: وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ [سبأ:37] (إلا) هنا بمعنى لكن، أي: لكن من آمن فهو الذي له الزلفى.

    إذاً الذي يقول: لولا أنني أستحق دخول الجنة لما أدخلني الله الجنة، هذا قدري؛ لأنه في باب المعصية جبري.

    فنفهم من هذا أن العبد لابد أن يحدث سبباً حتى يكون له الأثر، وإذا لم يحدث السبب بطل الأثر، ولذلك قال الله تبارك وتعالى للنبي عليه الصلاة والسلام في وقعة بدر : وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى [الأنفال:17] ليس لمجرد أنك ألقيت بالسهم أنه أصاب، لا. لأنه عليه الصلاة والسلام لما أمسك بقبضة من الرمل ورماها في وجوه الكفرة وقال: (شاهت الوجوه) ثم قال: (انهزموا ورب الكعبة) وفي الرواية قال الصحابي: (ما بقيت عين لهم إلا دخلها هذا التراب) أي قبضة هذه؟ قبضة تصل إلى كل هؤلاء! الله هو الذي أوصلها، كما أن المفسرين يذكرون في قوله تبارك وتعالى لإبراهيم عليه السلام: وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ [الحج:27] أن إبراهيم عليه السلام قال: (رب كيف يبلغ صوتي الناس كلهم؟ قال: عليك النداء وعلينا البلاغ).

    لابد أن تتكلم، ووصوله ليست مهمتك، توصيل الصوت من الله تبارك وتعالى.

    يعني: أن العبد لابد أن يأخذ بالسبب؛ فإذا لم يأخذ بالسبب لا يتحقق الأثر.

    تسوية الصفوف في الصلاة من الأخذ بالأسباب

    نلاحظ في المساجد أنهم يضعون خطاً على الأرض، لماذا؟ لتسوية الصف، هذا الخط هل كان قبل ذلك موجوداً؟ لا. هل كانوا يصلون معوجين؟ لا. ما الذي تجدد؟ الذي تجدد أن الأئمة لم يقوموا بما أُوجب عليهم، يقول الإمام: استووا، وهو مولٍ لهم ظهره، نحن لا نعرف رجلاً في الأرض كان ينظر من الأمام والخلف إلا الرسول عليه الصلاة والسلام فقط، هو الوحيد في أولاد آدم الذي كان ينظر وراءه كما ينظر من أمامه، كما في الحديث الصحيح في الصحيحين أنه صلى الله عليه وسلم كان يقول: (استقيموا، فوالذي نفسي بيده إني لأراكم من خلفي كما أراكم من أمامي) ومع ذلك كان عليه الصلاة والسلام لا يصلي إلا إذا اطمأن أن الصفوف سويت، نحن مقصرون في هذا، وهذا التقصير مشترك، ولا يعفى منه الأئمة.

    الإمام لا ينبغي له أن يصلي حتى يتأكد أن الصف استوى، لذلك كان من عاقبة عدم الأخذ بالسبب الظاهري في تسوية الصف أن القلوب التفتت عن بعضها، وهذا قاله النبي عليه الصلاة والسلام كما في الصحيح من حديث النعمان بن بشير رضي الله عنهما قال: (لتسوون بين صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم)، فإذا لم يستو الصف فمعنى ذلك أن القلوب تنفر، وكل شر في الأرض بسبب نفرة القلوب.

    تسوية الصفوف سبب في ائتلاف القلوب، إذاً لابد أن نسعى إلى تحقيق السبب حتى نجني الثمرة، فالخط الذي على الأرض بدعة لا يجوز فعله؛ لأنه جعل الأئمة يتكلون على الخط، ويقول لك: كل الناس أمامها خط تقف عليه، وماذا عملك أنت؟ ما جعلناك إماماً إلا لترص هؤلاء وتكون وخدهم إلى الله، كما في سنن الدارقطني أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (تخيروا أئمتكم فإنهم وخدكم إلى ربكم) لأن هذا الإمام أنت تجعله بينك وبين ربك، يعني: إذا ذهبنا إلى ولي العهد هل نأخذ أي شخص ونقدمه أم ننتقي شخصاً عاقلاً رزيناً؟!

    كما حدث أن بعض الوفود ذهبوا إلى عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه يهنئونه بالخلافة فأدخلوا شاباً صغيراً فاستعظم عمر ذلك وقال: (يا بني! أما وجدوا أكبر منك؟) يعني: كبِّر كبِّر! الكبير مهما كان له قيمة، قال: أما وجدوا أكبر منك؟ فقال الغلام: يا أمير المؤمنين! لو كانت المسألة بالسن لكان غيرك أولى منك، قال: أفلحت) مباشرة!

    فالذي تضعه على رأس الوفد لابد أن يكون زينة للوفد كله، لو وضعت أخرق على رأس دولتك شاهت دولتك كلها، انظر اليوم إلى العراق مثلاً، هل يستطيع أي عراقي أن يدخل أي بلد؟ لا، لماذا؟ هل العراقيون كفرة؟

    العراقيون فيهم أخيار، وفيهم أناس أفاضل، كما أن في المصريين فجار.. وفي السعوديين فجار.. وفي كل مكان فجار، لكن لماذا العراقي لا يستطيع دخول أي بلد؟ لأن هناك رجلاً أخرق على الرأس، فالشخص ينظر إلى أي عراقي على أساس أنه مجرم؛ لأن الرأس هكذا.

    فكونك تضع إماماً يصلي بالناس لا يعرف أي شيء عن أحكام الصلاة.. لا يصلح، والعجيب جداً أنه لو غاب الإمام ينظر المؤتمون بعضهم إلى بعض، وكل واحد يقول للآخر: تفضل! فيقول الآخر: لا والله تفضل أنت! فيقول: أبداً! لا يمكن! تفضل أنت! أي كلام هذا؟! أهي وليمة؟!

    لا يتقدم إلا أولو النهى الذين يعرفون أحكام الصلاة.

    أذكر مرة -وهذه من العجائب- الجماعة هؤلاء -أصحاب تفضل أو تفضل أنت- أدخلوا شخصاً منهم فوقف يشير بيده؛ لأنه يرى الأئمة قبل أن يدخلوا في الصلاة يقولون استووا تراصوا، ويشيرون بأيديهم يميناً وشمالاً، وقد نسي ماذا يقول؟! فاستمر يشير بيده يميناً وشمالاً ولم تأت معه الكلمة، ثم قال: جاهزين يا رجَّالة!! كأن هذا الرجل رئيس وفد!

    سبحان الله! كيف تضع مثل هذا يقف بين يدي الله عز وجل ويأخذك إلى الله؟! لا. هذا لا يكون، لذلك الإمام يجب أن يكون فقيهاً ويقوم بما عليه، الإمام له فضل كبير؛ ولذلك نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن التدافع للإمامة؛ لأن فضلها كبير، لا يرتقيها إلا أهلها؛ فهل تأخذ الفضل بدون أن تبذل أي مجهود؟! لذلك إذا كنت إماماً فقم بواجبك، رصَّ الصف بشكل صحيح، ورص الصف لا يكون بمقدم القدم، تجد الإمام أحياناً يقول: ارتفع أنت قليلاً وتأخر أنت قليلاً! لماذا؟ مثلاً: شخص رجله طويلة وآخر رجله قصيرة كيف تساوي بين هؤلاء ؟ لا تستطيع أن تساوي بين هؤلاء إلا بالعقب، لماذا؟

    لأن ظهور الناس متساوية، بخلاف البطن، فمن الناس من تكون بطنه كبيرة، وآخر بطنه ملتصقة بظهره، فماذا ستقول للذي بطنه كبيرة وهو خارج عن الصف: ادخل! لا يصلح هذا الكلام؛ لأنه سيخرج من الخلف، إنما لو سويته بالعقب وهو مؤخر الرجل ستكون آخر الرجل كلها مع بعضها، وهكذا تضمن استواء الصف كله مع بعضه.

    الخط على الأرض هل كان ممكناً أيام الرسول عليه الصلاة والسلام أم كان مستحيلاً؟ كان ممكناً، وهناك قاعدة فرقنا بها بين البدع والمصالح المرسلة وهي: (أن الأمر إذا كان له مقتضى في عهد النبي عليه الصلاة والسلام ولم يفعله لا يجوز لك فعله).

    لأنه لو كان هذا الشيء فعلاً لابد من وجوده لبادر النبي عليه الصلاة والسلام إليه وفعله، أما إذا لم يفعله فلا يجوز لك فعله.

    فرسم الخط لتسوية الصف على الأرض كان في قدرة النبي عليه الصلاة والسلام أن يفعله ولا يكلفه شيئاً، ومع ذلك لم يفعله، إذاً: لا يجوز لك أن تفعله على الأرض، وهو أيضاً من أسباب إهمال الأئمة لما يجب عليهم من تسوية الصفوف.

    إذاً ترك الأخذ بالسبب ضيع عليك الثمرة، ولذلك قال تبارك وتعالى: إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ [محمد:7] افعل ما أمرك به يفي لك ما وعدك: إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ [محمد:7] تنصره بإقامة حدوده في الأرض وعدم الاجتراء عليها، وإقامة أمره، إذا كنت عبداً فكن عبداً حقاً، فإذا نصرت الله بفعل الأوامر والنواهي نصرك بأن يمكن لك في الأرض.

    فهذه الثمرة إذا أهملت السبب منعها الله عنك.

    جباية الزكاة وترك الضرائب والمكوس من الأخذ بالأسباب

    الضرائب هل هي حلال الآن في الوضع الحالي، أسأل الله مخلصاً أن يوصلها من يسمعها إلى أولياء الأمور،؟

    الجواب: لا. هي حرام في الوضع الحالي، وأرجو أن نضع تحت كلمة (الوضع الحالي) خطوطاً كثيرة خطاً، لماذا؟ لأن التفصيل سيبينها بعد ذلك، وطالما أننا نتكلم باسم الإسلام إذاً لابد علينا أن نأتي بآية أو حديث.

    نحن نعلم أن دم المرء وماله وعرضه كله معصوم، لا يحل شيء منه إلا بشيء يفيد الحل، فما الذي يحل من مال العبد وجوباً رغم أنفه؟

    الزكاة.

    هناك رجل أخرج زكاة ماله، هل لأحد أن يجبره على دفع شيء غير الزكاة؟

    الجواب: لا. الشرع يقول: لا يحل جبر المرء على دفع شيء إلا الزكاة.

    شخص يدفع زكاته، هل تجبره على صدقة؟ لا. هل تجبره على ضريبة؟ لا.

    سيقولون لك: معنى ذلك أنك ستغلق مكتب الضرائب، وهناك رواتب كثيرة جداً، ومصالح سوف تتعطل، فهذا من الضرر الذي قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا ضرر ولا ضرار) وجاءت الشريعة بدفع المضار وجلب المنافع، وهكذا دواليك.

    فنقول له: هل جبيت الزكاة أولاً، ثم وجدت أن أموال الزكاة لا تفي؟

    الجواب: لا.

    إنه لم يكلف خاطره بجباية الزكاة من أحد؛ لذلك لا يجوز أن توضع الضريبة مكان الزكاة أبداً، لأن الزكاة أصبحت غير واجبة، والإنسان فيها مخير، والضرائب إذا لم يدفعها يدخل السجن، أي كلام هذا؟!

    الذي نعرفه من الآيات والأحاديث أن الشخص إذا لم يدفع الزكاة فإنه يقتل ولا يسجن، أبو بكر الصديق رضي الله عنه لما حارب المرتدين من أجل ماذا حاربهم؟ هل كفروا بجميع شرائع الدين؟ لا. بل كانوا يقولون: لا إله إلا الله محمد رسول الله، وكانوا يصلون، وقالوا: سنحج، لكن فهموا أن الزكاة كانت تؤدى إلى النبي صلى الله عليه وسلم في حياته، فلما مات ارتفعت، وتأولوا -تأويلاً باطلاً- قوله تبارك وتعالى: خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً [التوبة:103] أي: خذ يا محمد، فهذه خاصة بالنبي صلى الله عليه وسلم، وطالما مات فلن ندفع الزكاة.

    قال الله عز وجل للنبي صلى الله عليه وسلم: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص:1] وتوفي النبي صلى الله عليه وسلم، فهل نقولها أم لا؟! قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي [الأنعام:162] كل هذه الأوامر موجهة للرسول عليه الصلاة والسلام فقط أم موجهة له حتى يبلغها أمته؟ فـأبو بكر الصديق قال: (والله لو منعوني عناقاً - وفي رواية أخرى: عقال بعير- كانوا يؤدونه لرسول الله لقاتلتهم على منعه) وقامت الحروب المعروفة بسبب الزكاة.

    فليس لعبد خيار أن يقول: أدفع الزكاة أم لا؟ ليس له في هذا خيار! إما أن يدفع الزكاة وإما أن يموت مباشرة، هذا هو الذي عليه جميع العلماء، خلافاً لـأبي حنيفة. فلو أنهم يجمعون أموال الزكاة كلها أكاد أجزم أنهم لن يحتاجوا شيئاً، لماذا؟

    لأن كل شخص يعلم أن الضرائب تقدر جزافاً ليس لها قانون، فلو دخل مسئول الضرائب عيادة طبيب وقدر أنه جاء وفد زيارة من بلد، فعدهم كمرضى وبدأ يحسب على كل شخص ويضرب الحسابات، وكلما زاد كلما يأخذ عمولة، وبالتالي يجتهد في فرض أقصى ضريبة يستطيعها.

    كذلك: أنا أعرف أنني مظلوم، والشريعة تقول لي: ادفع عن نفسك الظلم ما استطعت، إذاً ماذا أفعل؟

    ليس لي حيلة إلا أن أبحث عن شخص وأدفع له مالاً مقابل أن يسقط عني الضريبة، أو يحرق لي الملف -لا يوجد مانع- أو أن أرفع طعناً وإثبت أنه ليس عندي أي مال، وأنني سأموت من الجوع، ثم أذهب هناك وبطريقة معينة أتملص، لكن الزكاة هل يستطيع أحد أن يفعل ذلك؟

    لا. لأنها بين العبد وربه، فهناك قلب يحرك الإنسان فيدفع الزكاة مباشرة، ولذلك في مسألة الزكاة بعض الناس يأتي فيسأل ويقول: أنا أدفع الزكاة بزيادة، هل هذا جائز؟

    أقول له: هذا جائز ولك الفضل، لكنه لا يقول: أنا أدفع الضرائب وزيادة، لماذا؟

    لأنه في الزكاة يقول لك: أنا أريد أن أرضي ربي، فإذا كان عندك باب مفتوح من السماء، وهناك قلب يحرك العبد، وأنت ضامن أنه لن يغش، فلو غش صار إنساناً فاسقاً، لكن أنت ضامن أن عنده ضمير يحركه، والزكاة أموالها كثيرة جداً، أضف إلى ذلك أن فيها بركة، النبي عليه الصلاة والسلام لما أرسل معاذ بن جبل إلى اليمن قال له بعد ذكر الصلاة: (فإن هم أجابوك إلى ذلك فأخبرهم أن الله قد افترض على أغنيائهم صدقة ترد على فقرائهم -ثم قال لـمعاذ - وإياك وكرائم أموالهم) انتبه أن تأخذ أحسن شيء في أموالهم! بل الذي يدفعوه خذه، لا تقل له: لا، أنت أعطيتني من السيء، هذا شيء لا يعينك.

    الله عز وجل أدب المؤمنين قبل ذلك فقال: وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ [البقرة:267] انظر إلى تربية النفس! يقول للمؤمنين: إذا كنت تريد دفع الزكاة أو الصدقة فلا تدفع أسوأ شيء: وَلا تَيَمَّمُوا أي: لا تتوجهوا إلى الخبيث من أموالكم فتأخذوه فتدفعوه للفقراء، وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ أي: ضع نفسك مكان الفقير، لو أعطاك شخص فولاً مسوساً هل تأخذه؟ تأخذه وأنت مغمض العينين ليس لك رغبة في أخذه؛ لأنك لو أخذته ماذا ستعمل به؟! وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ [البقرة:267] لو كنتم مكان هؤلاء الفقراء لأخذتموه على إغماض.

    فأدب المؤمنين أولاً ألا يتيمموا الخبيث لكن يخرجوا من كل المال جيده ورديئه، لذلك قال لـمعاذ : (وإياك وكرائم أموالهم) لا تأخذ حاجة نفيسة من عندهم غصباً، انظروا إلى الكلام يا إخواننا! كلام منظوم، كأنه در يتلألأ، ثم قال له: (واتق ودعوة المظلوم)، لو أن الجابي أخذ كرائم أموالهم رغماً عنهم فقد ظلمهم، ولو أن أي دولة في الدنيا كان بوسعها أن تعين شرطياً على كل رجل ما استطاعت أن تخرج الضريبة مائة في المائة.

    المسألة مسألة مراقبة، فالشرطي وإن قعد إلى جانبي لن يعرف شيئاً، أذكر قصة حدثت في الخمسينات عندما كان يحصل تحقيق مع المساجين، ويدخل مسجون جديد في غرف التحقيق -التي هي جهنم الأرض، نسأل الله العافية- فالجماعة القاعدون من الإخوان -وما أقصد جماعة الإخوان المسلمين فقط- يريدون أن يعلموا هذا السجن الجديد، لأنه لا يعرف شيئاً، يريدون أن يقولوا له: لا تقل كذا.. وقل كذا.. لكن هناك حراس واقفون، فكيف يعملون؟ يقولون له التعليمات بالتجويد: (إذا جآءك المُحقِّقُ فَقَالَ كذا وكذا) فكان يظن الحرس أن هذا من القرآن، لأنهم لا يعلمون شيئاً منه فيفهم الجديد المقصود فلو أن أي إنسان عنده أي قراءة -ولو متباعدة- لكتاب الله عز وجل لعرف أن هذا ليس بقرآن.

    فإذا كان الله تبارك وتعالى كفاك مؤنة هذا الصنف، فلماذا تسد على نفسك الباب؟

    اجب الزكاة أولاً، فإن وجدت أن الزكاة لم تف قل للناس حينئذٍ: المصارف الفلانية ليس عندها مال، نحتاج إلى مليار أو مليارين، فعلى كل فرد مبلغ محدد من المال.. نرجو المبادرة، وسنفرض هذا الأمر إلى حين سداد العجز ويرتفع هذا القانون.

    فهذا كلام مشروع؛ لأن المصلحة إذا لم تتحقق إلا بذلك لا يكون إلا ذلك، و(مالا يتم الواجب إلا به فهو واجب)، و(الوسائل لها أحكام المقاصد).

    أنا أذكر أنني كنت أعمل في بعض المحلات يوماً ما، ويوم (1/5) علاوة العمال، فقالوا: لا يوجد مال كافٍ للعلاوة، فصدر قرار -والقرار هذا خاضع للبلديات- غرامات أشغال طريق على كل المحلات، لماذا؟ أهو ينام في الشارع حتى يدفع غرامات أشغال الطريق؟ لماذا يدفع ثلاثمائة جنيه أشغال طريق؟ أنا بيني وبين الطريق عشرة أمتار!

    ليس لك إلا خيار من اثنين: إما الدفع وإما الحبس، يعني: شخص يمشي في الطريق فوجد لصاً فقال له: أخرج المال وإلا قتلتك، ماذا يعمل؟

    يفتدي نفسه بماله، وهكذا جمعت العلاوة، فأنا لا بأس أن أدفع ولكن أريد أن أقتنع، يجب أن أعلم لماذا دفعت؟!

    هذا الكلام كله يترتب عليه أشياء في النفس حتى يصل الإنسان إلى قناعة أنه يُسرق، وينتج من هذا الفعل مسألة انعدام الولاء لأي شيء، لا يوجد ولاء أبداً، كلٌ يقول: أنا فقط.

    عندما تأتي بعد كل هذه الأعمال وتقول: يا جماعة! انزعوا الحقد! كيف أنزعه وأنا أراه أمامي ليل نهار؟ لكن لو جئت إلى شخص وقتلته أمام إخوانه كلهم؛ لأنه لم يدفع الزكاة، لقالوا: يستحق ذلك؛ لأن ربنا أمره بدفع الزكاة فلم يدفع، ولله المثل الأعلى، ويقال: ضرب الحكومة ليس عيباً يعني: لو ضرب شخص من قبل رجال الحكومة فهذا لا يعد عيباً، لكن لو ضرب من جاره فهذا عيب، أي: أن الإنسان إذا عوقب من جهة عليا ليس له فيها خيار يتسلى بهذا الكلام، وإلا فالضرب عيب، لماذا ضرب الحكومة ليس عيباً؟ لأنه لا يستطيع أن يفعل شيئاً.

    فكذلك العبد ولله المثل الأعلى، إذا جاءت له مصيبة من السماء يقول: ليس بيدي شيء، نحن مؤمنون بالقضاء والقدر، وقد يكون هو غير راضٍ من الداخل، لكن لابد أن يسلي نفسه طالما أنه ليس بإمكانه أن يفعل شيئاً.

    إذاً: الضريبة هذه كان بإمكان الرسول عليه الصلاة والسلام أن يفرضها على الصحابة أم لا؟

    كان بإمكانه أن يفرضها على الصحابة، لكن لماذا لم يفرضها؟

    ما احتاج إليها مع وجود الزكاة.

    فنحن نقول: يجب على أولياء الأمور جباية الزكاة، من لم يدفع فليتقرب هذا الولي إلى الله بدم هذا الإنسان العاق لربه تبارك وتعالى، إذا لم يكف هذا المال لسد الحاجة، هنا يجب عليه فرض ضرائب من أجل أن يفك هذه الورطة، ولكن بعد ذلك ترجع المسألة كما كانت، وهكذا دواليك.

    إذاً: الأسباب يا إخواننا لابد أن تكون مشروعة، تقصيرنا فيها علامة على وجود الذل، والأمثلة التي ضربناها تقصير في الأسباب، الزكاة سبب للغنى، فعندما قصرنا في السبب ذهب عنا الغنى ودام الفقر واستمر.

    كما أن تسوية الصف سبب لاجتماع القلوب، وتقصيرنا في تسوية الصف أدى إلى اختلاف القلوب، فإذا أردت أن توجد القلوب ساوي الصف، تريد الغنى أن يرجع ادفع الزكاة، وإذا أردت أن تشبع فكل، وإذا أردت أن تتعافى عالج نفسك.. وهكذا.

    إذاً: لابد من إحداث سبب من العبد حتى يجني الثمرة؛ لذلك كان كلام هذا العالم السلفي الجليل كلاماً جامعاً للدين كله، ولو أحببنا أن نتكلم في هذه المسألة سيطول بنا المقام؛ لأننا قلنا أن هذا جامع للدين كله: (التفات القلب إلى الأسباب قدح في التوحيد، ومحو الأسباب بالكلية نقص في العقل، والإعراض عن الأسباب قدح في الشرع).

    وإن شاء الله في الأيام القادمة نأتي بكلام من كلام السلف الغالي ونعرضه مثل هذا العرض؛ حتى يتشبث الخالفون بأسلافهم؛ لأنه إذا لم يكن لك سلف تقتدي بهم مشيت في الأرض بغير هدىً.

    بلاد الغرب إذا بحثت عن عظيم من عظمائهم وجدته سكيراً، عربيداً، حشاشاً، زانياً، عنده شذوذ جنسي، والواحد من هؤلاء لا يساوي شِرَاك نعل واحد من أسلافنا، لكن نحن لسوء حظنا لا نعرف قدر أسلافنا، فنحن نحاول تلميع أسلافنا لهذا الجيل؛ لأنه إذا ارتبط بهم تأسى بهم، وإذا حدثت الأسوة تمّ الفعل كما ينبغي.

    نسأل الله تبارك وتعالى أن ينفعنا وإياكم بما سمعنا وقلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

    والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    2987489001

    عدد مرات الحفظ

    716520123