إسلام ويب

علموا أولادكم حب الصحابةللشيخ : أبو إسحاق الحويني

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن الحديث عن أفضل أصحاب لأفضل نبي عرفته البشرية لأمر عظيم ومهم جداً؛ وما ذلك إلا لأن هؤلاء الأصحاب قد اختارهم الله عز وجل واصطفاهم لأن يكونوا أنصاراً لدينه، وأصحاباً لنبيه صلى الله عليه وسلم، وقد أثنى الله عز وجل عليهم في غير ما آية، وبشرهم بالجنة، وأثنى عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونهى عن سبهم وانتقاصهم. وإن الواجب علينا نحوهم أن نقوم بنشر محاسنهم، وتبصير الناس بالدور الذي قاموا به في سبيل نشر دين الله، وإيصاله إلينا، والتضحيات العظيمة التي بذلوها من أجل إعزاز هذا الدين. ومن الحقوق التي لهم علينا الدفاع عنهم، ودحض الشبهات التي يلقيها المبطلون للنيل منهم، فهم عدولنا وهم شهودنا، والطعن فيهم طعن في ديننا؛ لأنهم نقلة هذا الدين وحملته.

    1.   

    منزلة الصحابة وخطر الطعن فيهم

    الحمد لله تعالى نحمده، ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1] .

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا [الأحزاب:70]* يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:71].

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

    إن حديثنا عن جيل التمكين حديث طويل، ولا تتم النصيحة إلا إذا جلينا أمر العقبات التي تعترض هذا الجيل.

    من أعظم العقبات التي ابتدعها أول طائفة مبتدعة في الإسلام وهم الخوارج، هي عقبة تحطيم الرأس، أناس بلا رأس لا قيمة لهم، ورأس المسلمين هم الصحابة، وأول بدعة في الإسلام -وهي بدعة الخوارج- قامت على تشويه سمعة الصحابة وتضليلهم، بل وتكفيرهم، وعدم الاكتراث بهم، هذه هي أول بدعة في الإسلام.

    وهذه البدعة تطل برأسها منذ عدة سنوات، لكنها اشتدت ضراوة وخسة ونذالة في هذه الأيام.

    في هذه الأيام وعلى صفحات الجرائد يتهمون الصحابة مثل عمر وعثمان وبقية الصحابة بأنهم كانوا مهتمين بالجنس، وأن مجالسهم كانت عن النساء! ثم يذكر هؤلاء الأنذال أن عمر وغيره من الصحابة كانوا يتعمدون مخالفة الأوامر الشرعية، ويقولون: إن الله عز وجل حرم على الرجل أن يأتي امرأته في الحيض أو أن يأتي امرأته في دبرها، فيقول هؤلاء : إن عمر بعد هذا النهي فعل، ثم جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم يعتذر، وقال: حولت رحلي هذه الليلة.

    قلت لكم: إنها زادت خسة هؤلاء، الصحابة يتكلم عنهم بهذا الكلام الفاسد على صفحات الجرائد؟! والمجرم الآثم الذي كتب هذا بيده يعود إلى بيته آمناً مطمئناً، غير مبال بشيء، أرأيت إلى الأغمار كيف يمزقون نسيج الأحرار؟!

    يُتهم صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه لا هم لهم إلا النساء، أليس هذا من القذف الذي ينبغي أن يعاقب عليه فاعله؟!

    إذا حطمنا هذا الجيل فمن يبقى لنا؟1 نحن الآن نعيش على ذكرى هذا الجيل، وإذا استلهمنا الانتصارات واستلهمنا القوة فممن سنأخذها؟ سنأخذها من هذا الجيل، وليس هناك نقطة مضيئة في حياتنا إلا هذا الجيل.

    هذا جيل ليس له نظير أبداً من حين خلق الله عز وجل آدم إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

    نحن نقطع أنه لم يأت مثل هذا الجيل أبداً، ولم يرزق نبي أبداً بصحابة أوفياء أبرار أطهار مثل نبينا عليه الصلاة والسلام.

    فهم الذين خرجوا من ديارهم وأموالهم، وبذلوا الغالي والنفيس، وبذلوا المهج لله ورسوله، يكون من عاقبتهم أن يذكروا بهذا الإفساد؟!!

    نماذج من ثبات الصحابة على الدين

    إن النبي صلى الله عليه وسلم -كما رواه البخاري ومسلم من حديث أبي سعيد رضي الله عنه- بلغه أن خالد بن الوليد تشاجر مع عبد الرحمن بن عوف فسبه خالد ، فقال عليه الصلاة لـخالد : (لا تسبوا أصحابي! فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه) لو أنفقت مثل أحد ذهباً ما بلغت ملء كف أحد الصحابة ولا نصفه.. هذا الكلام موجه لمن؟ ليس لنا، هذا موجه لـخالد ، وخالد صحابي، ويقول النبي عليه الصلاة والسلام لـخالد الصحابي: (لا تسبوا أصحابي).

    خالد ما صفته؟ هو صحابي أيضاً، لكن الصحابة درجات، قال تعالى: لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ [الحديد:10] ، لأن عبد الرحمن بن عوف من طلائع المهاجرين الأوائل الذين باعوا أنفسهم لله عز وجل، ونصر دين الله في وقت عز فيه النصير؛ في حين كان خالد كافراً، وكان يحارب الله ورسوله، إذا كان النبي صلى الله عليه وسلم ينهى خالداً عن سب عبد الرحمن بن عوف ، فمن باب أولى الذين أتوا من بعدهم فلا يجوز لهم أن يسبوا الصحابة لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تسبوا أصحابي) .

    وهذا كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية : إن قوله عليه الصلاة والسلام: (لا تسبوا أصحابي! لا تسبوا أصحابي! فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه) فيه نهي عام للكل.

    عندما أطالع هذه المحن يحز في نفسي أن جيل الصحابة لا يجد من ينتصر له، مع أنهم نقطة الشرف الوحيدة في حياتنا، فتوليهم واجب، ونصرتهم ومحبتهم واجبة، ومع أنه يحز في نفس كل حر، لكن من المحن تأتي المنح، إن الله تبارك وتعالى ذكر في آيتين من كتابه المجيد معنى هذه المقولة: (من المحن تأتي المنح)، وكلتا الآيتين جاءتا في سياق الجهاد والحرب، وهي قوله تعالى: وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ [البقرة:251]، وقوله تعالى: وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا [الحج:40]، هاتان الآيتان جاءتا في سياق الجهاد والدفع.

    ومعنى الآيتين: أنه إذا ظهر صاحب الباطل وأظهر باطله، فإن على أهل الحق أن يتصدوا لهذا المبطل وباطله ويدفعوه بالحق.

    ولولا طعن هؤلاء في الصحابة ما نشرنا فضائل الصحابة، ولا بالغنا في الدفاع عنهم، واستفرغنا كل جهد في تبرئة ساحتهم، فهذا فضل من الله تبارك وتعالى ليكون ذلك سبباً في الدفاع عنهم، وإذا أراد الله شيئاً هيأ أسبابه، فهذا من الأسباب.

    مقارنة بين جيل الصحابة وبين جيلنا في الثبات على الدين

    تلقيت نبأً مفزعاً مروعاً، هذا النبأ عن سجين مصري، وأنا لن أتكلم هل هو ظالم أم مظلوم، جان أم مجني عليه؛ فهذا لا يهمنا.

    هذا السجين أرسل رسالة إلى سعادة السفير الأمريكي، وذكر فيها أنه متخصص في فن نادر وفي علم نادر، وأن أمه مريضة تحتاج إلى كلية، وليس معه ثمن الكلية، فجاء إلى هذا البلد ليحصل على الثمن، قال: وبينما أنا في الطريق، اعتقلوني وأودعوني السجن بلا تحقيق.

    ثم قال هذا السجين المصري: سعادة السفير! أريد أن أتنصر لكي يخلصني يسوع الرب مما أنا فيه، ولكي أشرح للعالم الأكذوبة العظيمة التي هي الإسلام..!

    مدة سجنه إلى تاريخ كتابة الرسالة: خمسة وثلاثون يوماً فقط، لم يمض على سجنه إلا خمسة وثلاثون يوماً فقط، ويريد أن يتنصر، وهذا الرجل -كما يقول عن نفسه- متخصص في فن نادر، لكنه جاهل بجزئيات الإسلام، الأمية الدينية منتشرة في صفوف الدكاترة والأساتذة الكبار فضلاً عمن دونهم، خمسة وثلاثون يوماً فقط في السجن، ومن أجل أن يخرج منه يعرض عليهم الدخول في النصرانية مقابل الخروج.

    لو أن هذا الرجل لبث خمسة وثلاثين ثانية في سجِّين لم يتحمل، إنه يريد بتنصره أن يسجن نفسه سجناً مؤبداً، ويظن أنه بكفره وتنصره يستطيع أن يتحمل النار، هو بذلك يريد أن يفر من سجن في الدنيا، مع أنه يأكل فيه ويشرب وينام، هذا النمط له نظائر كثيرة.

    إذاً: من أولى بالذم؟ من أولى أن يتكلم عليه..؟ أهؤلاء الذين باعوا دينهم بعرض من الدنيا قليل؟ أم الصحابة الذين باعوا أنفسهم وأموالهم لله سبحانه وتعالى، وضحوا من أجل إعزاز دين الله عز وجل؟!

    فهذا كعب بن مالك من أشراف الصحابة، ولكن هناك من هو أشرف وأعظم منه: كـأبي بكر ، وعمر ، وعثمان ، وعلي ، وتمام العشرة، فهذا موقف كعب بن مالك من رسالة ملك غسان، لقد قام بإحراقها، وهذا يرضى بالكفر..!

    إن أخطر شيءٍ يهدد العبد المعصية، وعلى رأس المعاصي جميعاً الكفر، قال الله عز وجل: إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ [هود:114]، لكن هناك سيئة واحدة تذهب كل الحسنات وهي الشرك.

    دخل إبليس النار لأنه خالف أمراً واحداً، وخرج آدم من الجنة لأنه عصى وخالف أمراً واحداً، وتقطع يد السارق في ثلاثة دراهم، ويرجم الرجل المحصن إذا توارت حشفته في فرج امرأة لا تحل له، فما يؤمنك أن تدخل النار بذنب واحد؟! ما يؤمنك لاسيما إن كان على رأس هذه الذنوب الشرك..؟! هذا نمط ونموذج.

    وفي الجامعة مدرس يسب أبا هريرة ، ويكتب على صفحات المجلات تكذيباً لـأبي هريرة وطعناً عليه، وهذا الرجل، زال في منصبه، ويدرس الطلبة!

    تُكَذِّبُ الصحابة ونحن أحياء، وفينا عين تطرف! كل رجل يرجع إلى أهله وإلى أولاده، يغرس فيهم حب الصحابة، وأن الدفاع عن هذا الجيل فريضة؛ لأن حب الصحابه فريضة، واعلم أنك لست في مأمن، لست في مأمن.

    لقد قرأت في مذكرات الشيخ علي الطنطاوي أحد مشايخ سوريا: يقول في سنة ثمانية وأربعين حين دخلت إسرائيل القدس، ومررنا على التجار نجمع الأموال لشراء السلاح، قال: فذهبت إلى تاجر كبير، وعرضت عليه القضية، قلت له: نحتاج إلى مال فأبى، وقال: أنا مديون، أنا ما لي وما للسياسة، ما لي وما للسلاح.

    بعد سنتين أو ثلاث، قال الشيخ الطنطاوي : فكنت أوزع على اللاجئين في الخيام، فوقعت عيني على رجل لما رآني توارى، فلمحت وجهه، فكأني رأيته قبل ذلك، فذهبت خلفه، فلما رأيته عرفته، إنه ذلك التاجر الذي أبى أن يدفع المال لشراء السلاح، فلما واجهته بكى وقال لي: يا ليتني أعطيتك كل مالي، لقد صار هذا التاجر لاجئاً، خسر تجارته وصار لاجئاً، ماذا فعل بها؟ ماذا عمل؟

    لا تتصوروا أنه إذا طعن في الصحابة وامتُهنوا، ومزقت أعراضهم؛ أنكم في مأمن، أليس هؤلاء هم الذين أثنى الله عليهم، ورضي الله عنهم ورضوا عنه؟ أليس هؤلاء الذين قال الله فيهم: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ [آل عمران:110]؟! وكل نداء في القرآن (يا أيها الذين آمنوا) هم المخاطبون به أولاً، لأن الخطاب وجه إليهم ابتداءً.

    نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن سب أصحابه

    إن النبي صلى الله عليه وسلم -كما رواه البخاري ومسلم من حديث أبي سعيد رضي الله عنه- بلغه أن خالد بن الوليد تشاجر مع عبد الرحمن بن عوف فسبه خالد ، فقال عليه الصلاة لـخالد : (لا تسبوا أصحابي! فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه) لو أنفقت مثل أحد ذهباً ما بلغت ملء كف أحد الصحابة ولا نصفه.. هذا الكلام موجه لمن؟ ليس لنا، هذا موجه لـخالد ، وخالد صحابي، ويقول النبي عليه الصلاة والسلام لـخالد الصحابي: (لا تسبوا أصحابي).

    خالد ما صفته؟ هو صحابي أيضاً، لكن الصحابة درجات، قال تعالى: لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ [الحديد:10] ، لأن عبد الرحمن بن عوف من طلائع المهاجرين الأوائل الذين باعوا أنفسهم لله عز وجل، ونصر دين الله في وقت عز فيه النصير؛ في حين كان خالد كافراً، وكان يحارب الله ورسوله، إذا كان النبي صلى الله عليه وسلم ينهى خالداً عن سب عبد الرحمن بن عوف ، فمن باب أولى الذين أتوا من بعدهم فلا يجوز لهم أن يسبوا الصحابة لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تسبوا أصحابي) .

    وهذا كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية : إن قوله عليه الصلاة والسلام: (لا تسبوا أصحابي! لا تسبوا أصحابي! فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه) فيه نهي عام للكل.

    1.   

    غرس حب الصحابة ونشر محاسنهم واجب شرعي

    عندما أطالع هذه المحن يحز في نفسي أن جيل الصحابة لا يجد من ينتصر له، مع أنهم نقطة الشرف الوحيدة في حياتنا، فتوليهم واجب، ونصرتهم ومحبتهم واجبة، ومع أنه يحز في نفس كل حر، لكن من المحن تأتي المنح، إن الله تبارك وتعالى ذكر في آيتين من كتابه المجيد معنى هذه المقولة: (من المحن تأتي المنح)، وكلتا الآيتين جاءتا في سياق الجهاد والحرب، وهي قوله تعالى: وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ [البقرة:251]، وقوله تعالى: وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا [الحج:40]، هاتان الآيتان جاءتا في سياق الجهاد والدفع.

    ومعنى الآيتين: أنه إذا ظهر صاحب الباطل وأظهر باطله، فإن على أهل الحق أن يتصدوا لهذا المبطل وباطله ويدفعوه بالحق.

    ولولا طعن هؤلاء في الصحابة ما نشرنا فضائل الصحابة، ولا بالغنا في الدفاع عنهم، واستفرغنا كل جهد في تبرئة ساحتهم، فهذا فضل من الله تبارك وتعالى ليكون ذلك سبباً في الدفاع عنهم، وإذا أراد الله شيئاً هيأ أسبابه، فهذا من الأسباب.

    يجب أن نقرأ فضائل الصحابة من كتب السنة، ونعلم أولادنا حب الصحابة، فحبهم واجب وفريضة أكيدة.

    الذين يطعنون في الصحابة وما يرمون إليه

    والله الذي لا إله غيره! أحلف بالله -وأنا بار راشد إن شاء الله- أن هؤلاء الذين يطعنون على الصحابة لو وجدوا سبيلاً إلى الطعن على النبي صلى الله عليه وسلم لم يترددوا.

    لقد طعنوا على الله عز وجل، وسبوه على صفحات الجرائد.

    لما تكلموا عن النعجة (دوللي)، وكيف تم استخراج النعجة من الخلية الحية، قالوا بالنص -وناقل الكفر ليس بكافر ونعوذ بالله من الكفر-: هذا حدث أعظم من ميلاد المسيح!! أي أن العباد استطاعوا أن يفعلوا ما لم يفعله الله، فالله عز وجل خلق المسيح بغير أب، هذه نعجة بلا أب ولا أم، وإنما هي من خلية.. هذا كفر أم لا؟! وهو موجود، ثم شنوا حملة على رجال الدين قبل أن يتكلموا.. فقالوا: وبعد عدة أيام سنسمع المتحجرين الذين يقولون: هذا حرام، ويحرمون الإبداع!!

    انظر كيف يُسب الله سبحانه وتعالى على صفحات الجرائد..! فلو وجد هؤلاء الذين يطعنون في الصحابة سبيلاً إلى الطعن على النبي عليه الصلاة والسلام صراحة ما ترددوا، ولقد غمزوه على صفحات الجرائد أيضاً، فقد كتبوا على صفحات الجرائد صفحة كاملة بعنوان: (هل النبي صلى الله عليه وسلم مات بالزائدة الدودية؟!) أهذا كلام يكتب عن النبي عليه الصلاة والسلام؟!! ونحن نعتذِر إلى الله حتى لا تلحق بنا المصائب ونُهلك جميعاً، معذرةً إلى الله عز وجل.. فهاهو طوفان من الكفر موجود على صفحات الجرائد..

    يا جماعة! علموا أولادكم الولاء لله ولرسوله وللصحابة..

    أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.

    1.   

    تولي الصحابة والتأسي بهم واجب شرعي

    الحمد لله رب العالمين، له الحمد الحسن والثناء الجميل، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ [الأحزاب:4]، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.

    أيها الإخوة الكرام: هذا شأن المحب: إذا وجد من يفتري على حبيبه، وكان عاجزاً عن القصاص، فلا أقل من أن يجود بالدمع، هذا أقل برهان على الحب في حال العجز.

    نحن نبرأ إلى الله عز وجل من الطعن في أوليائه الذين زكاهم ورفع منارهم، وأمرنا النبي صلى الله عليه وسلم أن نتأسى بهم وأن نتولاهم.

    والله الذي لا إله غيره! أن أبا بكر وتمام العشرة أحب إلي من أبي ومن أمي ومن ولدي، وهكذا يجب أن يكون هؤلاء بالنسبة لنا جميعاً، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم وهو خارج من مكة: (والله إنك لأحب أرض الله إلى الله، وأحب أرض الله إلي، والله لولا أني أخرجت منك ما خرجت).؛ فمكة هي أحب أرض الله إلينا وإن لم نكن من أهلها، لأنها أحب الأرض إلى الله، وما كان حبيباً إلى الله عز وجل ينبغي أن يكون حبيباً إليك أيضاً، إذا كنت تحب الله عز وجل وتعظمه، فقاعدة الولاء والبراء تقول: حبيب حبيبي حبيبي، وعدو حبيبي عدوي، قال تعالى: لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ ... [المجادلة:22] ، هذه قاعدة الولاء والبراء، علموا أولادكم حب الصحابة.

    1.   

    من مستلزمات حب النبي صلى الله عليه وسلم حب الصحابة

    روى الإمام الترمذي في سننه -وحسنه- أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (الله الله في أصحابي! -أي: اتقوا الله في أصحابي- لاتتخذوهم غرضاً) والغرض: هو مرمى السهام، أي لا تجعلوهم مرمى لسهامكم وطعونكم، فانظر إلى هؤلاء وإلى مخالفتهم للنبي عليه الصلاة والسلام! وكيف أنهم جعلوا الصحابة غرضاً وهو يقول لهم: اتقوا الله -أو نشدتكم الله عز وجل- في أصحابي (لا تتخذوهم غرضاً من أحبهم فبحبي أحبهم) هذا هو الشاهد.. (من أحبهم فبحبي أحبهم) أي: لا يحبهم إلا إذا كان محباً لي، وصدق الإمام مالك رحمة الله عليه لما قال: إن الذين يشتمون الصحابة إنما أرادوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، أرادوا أن يقولوا: هو رجل سوء، ولو كان رجلاً صالحاً لقُيّضَ له أصحاب صالحون!

    1.   

    مقارنة بين موقف اليهود والنصارى وبين موقف الروافض تجاه أصحاب أنبيائهم

    إن النصارى واليهود أفضل من الروافض بخصلة، اليهودي والنصراني أفضل من الرافضي بخصلة، الروافض الشيعة -غلاة الشيعة والذين هم شيعة إيران- يستفتحون نهارهم بسب أبي بكر وعمر وابنتيهما ، والخميني له دعاء في سب أبي بكر وعمر في الصلاة..! فماذا يقول الذين باركوا ثورته، والذين نشروا فضائله ولا فضل له، وتجدهم يقولون: التقريب بين الشيعة والسنة؟!

    هؤلاء الروافض كما قال الشعبي عامر بن شراحيل رحمه الله: (اليهود والنصارى -وهذا كلام الشعبي - أفضل من الروافض بخصلة، قيل لليهود: من أفضل الناس؟ قالوا: أصحاب موسى. وقيل للنصارى: من أفضل الناس؟ قالوا: أصحاب عيسى. وقيل للروافض: من شر الناس؟ قالوا: أصحاب محمد)!.

    رجل في مدينة قم -الشخصية الثانية أو الثالثة في الثورة الإيرانية- كتب تعليقاً على كتاب ابن الجزري الذي هو بعنوان: أسمى المطالب في مناقب علي بن أبي طالب، كتب في حواشي الكتاب أن الصحابة جميعاً ماتوا على النفاق ما عدا ستة، وأول المنافقين حسب زعمه -أبو بكر وعمر ، ثم جاء بالحديث الذي في البخاري ومسلم حديث مقتل عمر ، وأن الناس دخلوا عليه يهنئونه بالشهادة، ويبشرونه برضا النبي عليه الصلاة والسلام، ورضا أصحابه، وأدائه للأمانة، فقال عمر من جملة ما قال: ليتني خرجت منها كفافاً لا لي ولا علي، والله لو كان عندي طلاع الأرض ذهباً لافتديت به من عذاب الله يوم ألقاه. عمر يقول هذا الكلام مع عدله وقوته وحزمه في الدين، فهذا الكلام يجلله الورع، وإن المرء يستصغر نفسه حين يقرأه إذا علم سيرة عمر فيقوم هذا المخذول الخاسر الضال ويعلق على هذا الكلام ويقول: هذا كلام رجل يائس من النجاة، يعلم أنه من حطب النار..! انظر إلى قول هذا الضال العاصي لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم..!

    إن الروافض شر من وطئ الحصا من كل طائفة ومن إنسان

    مدحوا النبي وخونوا أصحابـه جدلان عند الله منتقضان

    (فمن أحبهم فبحبي أحبهم)، انشروا محاسن الصحابة في بيوتكم، وعلموا أولادكم أسماءهم، وتحدثوا عن بطولاتهم وتضحياتهم، ليس لكم مثلٌ إلا هؤلاء، وهم أحد ركائز الإيمان المنجي من الضلال، فالمنهج الحق في قوله صلى الله عليه وسلم: (تفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة، قالوا: من هي يا رسول الله؟ قال: ما أنا عليه اليوم وأصحابي) .

    لذلك كانت ركائز منهج أهل السنة والجماعة: الكتاب والسنة بفهم السلف الصالح، وهذا القيد الأخير هو الذي يميز منهج أهل السنة عن كل المناهج المبتدعة، كلهم يقولون: الكتاب والسنة ويقفون، ولذلك ضلوا لما أخذوا الكتاب والسنة بأفهامهم، إنما هذا القيد الثالث هو الذي يميز منهج أهل السنة والجماعة عن مناهج المبتدعة، وهو الأخذ بفهم السلف الصالح.

    1.   

    خطر القدح في رموز الإسلام

    قد ذكرت في مرة سابقة أن هناك حرباً سافرة فاجرة تبغي تحطيم الرءوس والرموز والعناوين، وأقول: سافرة؛ لأنها ظهرت بلا حياء على صفحات الجرائد والمجلات، وتنال من أعز جيل شهدته الدنيا وهم الصحابة، إنهم لم يصلوا إلى الصحابة دفعة واحدة، إنما غمزوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما رأوا أن الجماهير غافلة ولم تتحرك، وغبية لم تفهم؛ تطاولوا على الصحابة.

    فهذا يكتب كما ذكرت قبل قليل تحت عنوان: (هل النبي صلى الله عليه وسلم مات بالزائدة الدودية؟!) لا زال هذا العنوان كلما تذكرته كأن أحداً يذبحني، مات بالزائدة الدودية؟! ينالون منه صلى الله عليه وسلم ويغمزونه.

    وفاجرة أخرى تنال منه صراحة، وتقول لمعشوقها: وأنا بين أحضانك كأنني زرت قبر النبي عليه الصلاة السلام..! تقول هذا القول ولا تحاكم، ولا يحاكم أحد، ولا يُسأل أحد..!

    لقد أصبح النيل من الصحابة مسألة هينة، ثم إن هؤلاء ينالون من العلماء، فهذا كتاب منشور اسمه (علماء الإسلام والجنس) هكذا..! لا حرمة لأحد عندهم؛ فقد تجرءوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته، فمن عداهم من باب أولى، ويأتي الساقط مؤلف الكتاب برواية مكذوبة وراويها فاجر كذاب هو أبو الفرج الأصفهاني في كتاب: الأغاني، هذا رجل فاجر كذاب شعوبي يكره العرب، والذي يكره العرب يكره الإسلام؛ لأنهم حملته؛ وهم الذين بلغوه إلى الدنيا، ولقد أجمع كل من ترجم له أنه كان قذراً في شكله لا يغتسل، وكان بذيء اللسان، هتك عرض المحصنات المؤمنات الغافلات في هذا الكتاب، وأجرى على ألسنتهن من الكفر والعهر ما تتنزه عنه أحط امرأة على وجه الأرض.

    وهاهو ينقل أن عائشة بنت طلحة بن عبيد الله - طلحة بن عبيد الله أحد العشرة المبشرين بالجنة- يجري على لسانها من الكلام الساقط البذيء ما لا تستطيع أي زوجة أن تقوله لزوجها في السر.. ما المقصود من هذا الكلام؟!

    ويذكر أبيات العشق الكاذبة على لسان سعيد بن المسيب، والشافعي، ومالك، وأن هؤلاء العلماء كانوا يتغزلون بالنساء! ويأتي هذا الكاتب بكل هذا الخبث ويجمعنه في كتاب بعنوان: (علماء الإسلام والجنس)..!!

    يعني: أن هؤلاء لا حرمة لأحد عندهم، إذا جاز أن يتكلم عن العلماء بهذه الصورة فلا حرمة لأحد، أين علماؤنا يردون عنا هذا الخبث، ويرحمون الجماهير، ويبينون الكذب؟!

    إن جمعية الرفق بالحيوان لها كلمة، وتستطيع أن تمضي كلامها ورأيها، فأين هيئة كبار العلماء؟! صرنا كالأيتام على موائد اللئام، ونحن في وضعنا هذا حقيقون فعلاً بالأبيات التي قالها أحد شعراء بلعنبر، وافتتح بها أبو تمام ديوان: الحماسة، وهذا الشاعر كان له إبل فسُرقت وسطا عليها لص، فاستنهض قومه ليردوا عليه الإبل، لكن قومه ضعاف، فتوجع الرجل وقال: لو كنت من قبيلة مازن لردوا علي إبلي، وقال:

    لَوْ كُنْتُ مِنْ مَازِنٍ لَمْ تَسْتَبحْ إِبِلِي بَنُو اللَّقِيطَةِ مِنْ ذُهْلِ بْنِ شَيْبَانا

    إذًا لَقامَ بِنَصْرِي مَعْشَرٌ خُشُـنٌ عِنْدَ الْحَفِيظَةِ إِنْ ذُو لُوثَةٍ لانـا

    قَوْمٌ إذا الشَّرُّ أبْدَى نَاجِذَيْهِ لَهُمْ طَارُوا إلَيْهِ زرافاتٍ وَوُحْدَانـا

    لاَ يَسْأَلُونَ أخَاهُمْ حِينَ يَنْدُبُهُمْ فِي النَّائِبَاتِ عَلى ما قالَ بُرْهانَا

    لَكِنَّ قَوْمِي وَإنْ كانُوا ذَوِي عَدَدٍ لَيْسُوا مِنَ الشَّرِّ فِي شَيءٍ وَإنْ هانَا

    يَجْزُونَ مِنْ ظلَمْ أهْلِ الظُّلْمِ مَغْفِرَةً وَمنْ إسَاءَة أهْلِ السُّوءِ إِحْسَانَا

    كأَنَّ رَبَكَ لَمْ يَخْلُقْ لِخَشْيَتِهِ سِوَاهُمُ مِنْ جَمِيعِ النَّاسِ إِنْسَانا

    ورع في غير محله، لو أنني كنت من هذه القبيلة القوية لانتقموا لي ولردوا علي إبلي!

    صرنا كالأيتام على موائد اللئام، وكل يوم نطالع هذا الطفح.

    1.   

    مكانة العلماء في الإسلام

    إن العلماء هم خط الدفاع الأول عن هذه الأمة، لو أصيب هذا الجهاز المناعي للأمة المسلمة لفتك بها أقل مرض، إن مريض (الإيدز) لو أصيب (بالأنفلونزا) يموت بسبب ضعف أو موت الجهاز المناعي، فإذا نحن قبضنا أيدينا وسكتنا والسهام توجه إلى هذا الجهاز المناعي، ونقف موقف المتفرج؛ فإن هذه الأمة ستضيع.

    لكن المحنة مؤجلة عند الجماهير الغافلة، لا تحس بحجم المحنة إلا إذا فقدت العالم، إذا فقدته أحست بالمحنة، لكنهم لا يشعرون به وهو بينهم، ولا يدفعون عنه وهو سر حياتهم!

    فهذا ابن حزم أحد العلماء المشهورين، وكان من أذكياء العالم، واستطاع أن ينشر مذهبه وحده في الأندلس، وكان عامة أهل الأندلس مالكية، وابن حزم ظاهري المذهب، فاستطاع -وهو بمفرده- أن يجعل الأندلس ظاهرية، فقامت عليه الحرب، وشُرد وأحرقت كتبه، فكان له أبيات يتوجع فيها، أن الناس لا تقدره حق قدره، وأنه لو ترك الأندلس وخرج إلى المشرق، لتوجع الناس وأحسوا بفقده، فقال في أبيات طويلة:

    أنا الشمس في جو العلوم منيرة ولكن عيبي أن مطلعي الغرب

    ولو أنني من جانب الشرق طالع لجد على ما ضاع من ذكري النحب

    ولي نحو أكناف العراق صبابة ولا غرو أن يستوحش الكلف الصب

    فإن ينزل الرحمن رحلي بينهم فحينئذ يبدو التأسف والكرب

    هنالك يدروا أن للبعد قصة وأن كساد العلم آفته القرب

    يقول: لو أنني تحولت إلى المشرق حينئذ لتأسفوا وأحسوا بفقدي، ويقول: وما فساد العلم وكساده وآفته إلا بسبب قربه منهم.

    1.   

    الرد على تكفير الخوارج للصحابة (مسألة التحكيم)

    إن أول من ابتدع حرب تحطيم الرموز في هذه الأمة هم الخوارج، فهم الذين كفروا الصحابة وضللوهم، وقالوا: إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ [الأنعام:57] ، فقال علي بن أبي طالب : كلمة حق يراد بها باطل.

    إن أولى الناس بإقامة حكم الله عز وجل هم الذين شاهدوا نزول القرآن، وهم الذين قاتلوا على تنزيله وتأويله، وهم الذين فارقوا الأهل والأولاد والأموال في سبيله، هؤلاء هم أولى الناس بالحفاظ على القرآن وفهم القرآن، أما قولهم: إن الحكم إلا لله، فهذه دعوى كاذبة ظاهرها حق وباطنها الضلال المبين.

    لا حياة للناس بلا رأس، كالجسد لا يحيا بلا رأس، ولله در شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله! حيث قال: ستون سنة بإمام جائر أفضل من سنة بلا إمام، أي: لو أن إماماً ظالما جائراً فاجراً حكم الناس ستين سنة، كان أفضل من أن يظل الناس سنة واحدة بلا إمام؛ لأن هذا الرجل وإن كان فيه فساد، لكنه في النهاية رأس واحد، وسيمضي طغيانه وبغيه على الناس، وستستكين الجماهير الغفيرة له، ويخشون بأسه وسطوته وسلطانه، فلا يظلم بعضهم بعضاً لئلا يدخلوا تحت قانونه، إذا بقي الناس بلا رأس كل واحد رأساً.

    إلى هذا الحد يكون الرأس ضرورة، وإذا غاب هذا الرأس غاب الجسد، وكما في الصحيحين من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله لا يقبض العلم ينتزعه انتزاعاً من صدور الرجال، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يُبقِ عالماً -وفي الرواية الأخرى: حتى إذا لم يبقَ عالمٌ- اتخذ الناس رءوساً جهالاً فأفتوا بغير علم؛ فضلوا وأضلوا) .

    1.   

    مكانة الرسول صلى الله عليه وسلم ومكانة أصحابه

    رأس المسلمين هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان الاختلاف في عصره قليلاً جداً، وكان هذا الاختلاف ينتهي بمجرد العرض على النبي عليه الصلاة والسلام.

    لذلك قال أبو موسى الأشعري رضي الله عنه -كما رواه الإمام مسلم وأحمد في مسنده: صلينا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم المغرب، فقلنا: لو جلسنا حتى نصلي معه العشاء! فخرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: ما أجلسكم؟ قلنا: يا رسول الله! صلينا معك المغرب، فقلنا: لو صلينا معك العشاء! قال: أصبتم -أو قال: أحسنتم- ثم نظر إلى السماء -وكان كثيراً ما يرفع رأسه إلى السماء- ثم قال: (النجوم أمنة للسماء، فإذا ذهبت النجوم أتى السماء ما توعد، وأنا أمنة لأصحابي، فإذا ذهبت أتى أصحابي ما يوعدون، وأصحابي أمنة لأمتي، فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما يوعدون).

    هذه حقيقة الرءوس، يقول عليه الصلاة والسلام : (أنا أمنة لأصحابي) فكل خلاف إليه يرد، والكل يسلِّم إذا جاء الخبر من النبي عليه الصلاة والسلام، وكانوا لا يخالفونه في دقيق ولا جليل، وكانوا يخافون مخالفته في أدنى شيء، فهم معظمون لأمره، مجتنبون لنهيه؛ لأنه لا أعز منه عندهم، ونحن يجب علينا أن نوالي ونعادي على حبه واتباعه.

    1.   

    نماذج من تعظيم الصحابة لأمر النبي صلى الله عليه وسلم

    مر عبد الله بن المغفل رضي الله عنه بقريب له يخذف بالحصى، فنهاه وقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الخذف وقال: (إنها لا تصيد صيداً ولا تنكأ عدواً، ولكنها تكسر السن وتفقأ العين) حين ترمي حصاة أنت لا تكيد بها عدواً ولا تصيد صيداً، لكن إذا وقعت في عين رجل فقأتها، وإذا وقعت على سن رجل كسرتها، قال: فعاد فقال: (أحدثك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عنه ثم تخذف لا أكملك أبداً).

    بيوتنا مليئة بالمخالفات، أركان الإسلام في بعض بيوتنا غير موجودة، الولد لا يصلي، ومع ذلك الوالد لا يمكن أن يأكل حتى ينادي الولد ليأكل معه، مع أنه لا يصلي، ولا يسأله: لمَ لم تصل؟ فتراه يؤاكله ويشاربه كأن لم يكن هناك شيء.

    الصحابة لا نظير لهم في الاتباع، كما قال الشاطبي رحمه الله: كانوا إذا تلقوا الأوامر سارعوا إلى تنفيذها، ولا يسأل أحدهم: أهذا واجب أم مستحب؟ إنما إذا سمع الأمر بادر إلى الامتثال؛ لأنهم فقهوا القرآن، قال الله تعالى: فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [النساء:65] ، فنفى ربنا تبارك وتعالى الإيمان عن الذي يبلغه كلام النبي عليه الصلاة والسلام ولا يحكِّمه، فهذا ليس بمؤمن، نفى الله عنه الإيمان.

    ونزلت هذه الآية في واقعة حدثت بين اثنين من المحبين للنبي عليه الصلاة والسلام، بين الزبير بن العوام ورجل من الأنصار، وكان لهما أرض، وكانت أرض الزبير أعلى من أرض الأنصاري، فأراد الزبير أن يسقي أرضه، فقال له الأنصاري: لا، حتى أسقي أرضي. قال له: أرضك في الأسفل، وأرضي في الأعلى، وأنا أولى بأن أسقي قبلك. فأبى، فاختصما إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال للزبير بن العوام : (اسق يا زبير ، ثم أرسل الماء إلى جارك) هذا هو مقتضى العدل: أن يسقي الرجل التي أرضه في العالي؛ حتى يضمن وصول الماء إليها، (اسق يا زبير ، ثم أرسل الماء إلى جارك، فقال الأنصاري للنبي صلى الله عليه وسلم: أن كان ابن عمتك! -أنت حكمت له لأنه ابن عمتك- فتلون وجه النبي عليه الصلاة والسلام ثم قال: اسق يا زبير ثم احبس الماء -لا ترسله إليه- قال الزبير : فأحسب أن هذه الآية نزلت فينا: فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [النساء:65]).

    فقول النبي عليه الصلاة والسلام: (أنا أمنة لأصحابي) فإنه في حال وجوده عليه الصلاة والسلام لم تظهر البدع ولم يظهر الكفر بعد الإسلام، فبمجرد أن مات أتى أصحابه ما يوعدون، وارتدت العرب، ودخل الصحابة بهذا الدين البكر في قتال عنيف، وقتل خلق من الصحابة في القتال مع مسيلمة الكذاب، ثم استتب الأمر، وما زال الصحابة يموتون والفتن تطل برأسها حتى قتل عمر رضي الله عنه، وانكسر الباب الذي لم يغلق حتى قيام الساعة، وقتل عثمان، وقتل علي بن أبي طالب ، ثلاثة من الراشدين يقتلون! وادلهمت الخطوب والفتن، وأطلت الفتن برءوسها، وظهرت بدعة القدر في آخر عهد الصحابة، وما زالت البدع تأتي كالسيل المنهمر، فأتى الأمة ما يوعدون، أتى الأمة ما يوعدون بموت الصحابة رضي الله عنهم، وكان البلاء -على الرغم من عظمه- خفيفاً، تعرفون لماذا؟ لكثرة العلماء الذين ردوا على هؤلاء المبتدعة، وكان لهم في نفوس العوام جلالة وكان لهم قدر، فإذا تكلم العالم الرباني استمعت له العوام، وأعطت قلبها له، لكن اشتدت علينا المحن حين جاءت جيوش المبتدعة ولم يكن عندنا فرسان يقاومون هؤلاء؛ فعظمت علينا المحنة من الجهتين: كثرة البدع، وقلة العلماء الرادين عليها.

    لذلك موت العالم ثلمة في جدار الإسلام، ووجود العالم ضرورة، لو أن طاعوناً فشا في بلد لا يوجد فيه طبيب لأحس الناس بفقد الطبيب، فنحن نهيب بالجماهير أن تجعل الإسلام قضية، ألا يجعلوا الإسلام وظيفة، شيء ورثوه عن آبائهم، ينبغي أن يكون الإسلام قضية يطرح في البيوت، وأن يناقش بين الرجل وامرأته وأولاده مثلما يناقش رغيف الخبز، فإن دين الله أعز.

    الحرب على الإسلام ورموزه في الجرائد على أشدها، وقلت لكم: إنهم طعنوا على الله عز وجل في الشهر الماضي لما قالوا: إن آلة الاستنساخ أعظم من ميلاد المسيح، أي أن ما فعله البشر أعظم مما فعله الله عز وجل! وصار خلق الله عند هؤلاء الزنادقة المارقة أمراً عادياً جداً.

    فنقول لهم: قد أخذتم خلية صنعها الله عز وجل، فهل تقدرون على خلق الخلية؟! سلمنا أنكم فعلتم ذلك.. فمن أين أخذتم الخلية الحية؟!

    ذاك هو الله الذي أنعمه منهمرة

    ذو نعمة باهـرة وقدرة مقتدرة

    أيها الإخوة الكرام: معرفة حياة الصحابة صارت ضرورة، ومن نعمة الله تبارك وتعالى أن جاء بجهاد الدفع، قال تعالى: وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأَرْضُ [البقرة:251]، وإذا أراد الله شيئاً هيأ أسبابه.

    قيل لـعائشة رضي الله عنها: ألا تنظرين إلى الذين يسبون أبا بكر وعمر؟ قالت: وما يعجبكم من ذلك؟! قطع الله عنهم العمل فأحب أن لا يقطع عنهم الأجر، وما يعجبكم من ذلك؟!

    المواقف الجسام التي مرت على هؤلاء الصحابة تدلك على مدى عقلهم وحلمهم وعلمهم بالله تبارك وتعالى، هل في هذه الأمة رجل يزن سعد بن معاذ؟! وسعد ليس بأفضل الصحابة، إنما هو من أفضلهم، رجل يوم مات اهتز له عرش الرحمن، فما قدر هذا الرجل؟! عبد لله عز وجل يهتز العرش له يوم يموت!! السماوات والأرض بالنسبة للعرش كحلقة في فلاة! الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:5] يهتز هذا العرش لموت عبد..! سبحان من لا يعلم مقدار خلقه إلا هو! إن هذه الأمة مليئة بالعظماء.

    قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم، إلا بقايا من أهل الكتاب) المسلمون نجوا من هذا المقت، أما الصحابة فتفردوا بالرضوان، وكان لهم من المناقب ما لم يكن لصحابة نبي أبداً، فيأتي هؤلاء الأنذال ويتكلمون عليهم ويلمزونهم.

    1.   

    مكانة الأمة أيام الصحابة ومكانتها الآن

    الصحابة فتحوا الدنيا وصارت لهم دولة في عشر سنوات، وأنتم قد صار لكم قرن من الزمان لم تستطيعوا إرجاع قلامة ظفر من الخلافة الضائعة، المسلمون الآن مستضعفون، ولا قيمة لهم في ميزان الدنيا، بينما الرجل الأمريكي إذا جرح سهواً في أي زاوية في العالم تهتز له الدنيا.

    في بعض البلاد العربية حدثت واقعة وأنا هناك: رجل يمني معه جنسية أمريكية، وهذا الرجل اليمني خالف إشارة المرور، وكان هناك دورية شرطة فتتبعوه وقبضوا عليه، فقالوا له: من أين أنت؟

    فكلمهم بالعربي: أنا من اليمن من حضرموت.

    فقالوا: هات الرخصة، وبدءوا يعاملونه بوقاحة وشدة، عندما عاملوه بوقاحة قام وتكلم معهم بالإنجليزية مباشرةً، وأخذ منهم الجواز الأول، وأعطاهم الجواز الأمريكي، واستمر يخاطبهم بالإنجليزية، وطلبوا منه أن يتكلم بالعربية كما كان، لكنه رفض.

    قام استدعى السفير الأمريكي بتلفونه السيار، وجاء السفير، واعتذر ضابط الدورية، مع أن هذا الرجل اليمني ينبغي أن يعاقب، وهم يعرفون أنه عربي يمني، لكن عندما أخرج الجنسية الأمريكية صار صاحب منعة وقوة.

    والمسلمون بالمئات يموتون في كل بلاد العالم، حتى إن أحط فرقة وهم عبدة البقر، قاموا وانتزعوا من المسلمين في الهند المسجد وحولوه إلى معبد، ولا صريخ ولا مغيث؛ لأنهم لا يزنون شيئاً على وجه الأرض في ميزان الدنيا، لذلك الرجل المسلم صاحب المهارات والقدرات العالية تراه يذهب إلى بلادهم، ويتمنى أن يصادقه أمريكي أو إنجليزي أو فرنسي أو ياباني، ويفتخر ويقول: أنا صديقي فلان، برغم أنه قد يكون أعلم من هؤلاء، لكنه رأى أنه ينتمي إلى أمة ضعيفة مما جعله لا يفتخر بها، والسبب الرئيس الدافع له على ذلك هو ضعف الإيمان بالله عز وجل.

    لكن انظر إلى التاريخ البعيد إلى أيام المعتصم تلك الواقعة المشهورة وهي: أن رجلاً نصرانياً لطم امرأة مسلمة فقالت: وامعتصماه!! ورجل لا يربطه بالمرأة نسب، وإنما الرابط بينهما الدين، تأخذه النخوة التي استمدها من دينه ومن العز الذي كان المسلمون يعيشون فيه، فيقول: لأبلغن المعتصم ، ويرحل إليه ليل نهار، حتى دخل على المعتصم وكوب الماء في يد المعتصم فقال: ما حاجتك؟ فحكى له ما حدث لتلك المرأة المسلمة من ذلك العلج النصراني، فوضع المعتصم كوب الماء على المنضدة ولم يشربه، وقال للساعي: احتفظ بهذا الماء حتى آتيك، كأنه ذاهب إلى مكان قريب.

    وجرد الجيش العرمرم، وغزا تلك البلدة وفتحها، وأوسعهم قتلاً وتشريداً من أجل امرأة مسلمة لطمها علج نصراني، والرجل الذي ذهب إلى المعتصم ، رجل مجهول لا نعرف اسمه ولا نسبه، وكذلك لا نعرف المرأة التي قالت: وامعتصماه! لكنهما كانا ينتسبان إلى أمة قوية، إلى أمة عزيزة؛ لذلك عز جانبها؛ فعز أفرادها.

    إذاً ما هذا العقوق لجيل الصحابة؟! وكيف لا يكون للجماهير ردة فعل بأن تشجب وتستنكر تلك المطاعن؟! ففي سنة (1977م) عندما ارتفع سعر الخبز من نصف قرش إلى قرش، والكيلو السكر من ستة عشر قرشاً إلى أربعين قرشاً اشتعلت القاهرة، وقاموا بتحريق المرافق العامة التي ينتفعون بها، حرقوها وفعلوا كل شيء من أجل رغيف خبز، بينما يطعن في صحابة رسول الله ولا نحرك ساكناً!!

    نحن نقول لكم: ينبغي أن يكون هناك ردة فعل عاجلة، اكتبوا واستنكروا.. هذا أقل ما للصحابة في أعناقنا، فهذا الدين لم يصل إلينا إلا على دمائهم وأشلائهم، فقد ضحوا بكل غال ونفيس حتى وصل إلينا هذا الدين.

    1.   

    دفع الأبناء لتعلم العلم الشرعي

    ينبغي أن يكون في كل بيت ولد ينذره أبوه لتعلم العلم الشرعي؛ فلو أن كل بيت أخرج لنا رجلاً واحداً لتغير حالنا إلى الأفضل، ولصارت لنا مكانة وهيبة.

    ربوا أولادكم لدحر أهل الباطل كما ربى الله تبارك وتعالى موسى لفرعون، وكان الله عز وجل قادراً على أن يأخذ فرعون، لكن ليعلمنا الصبر، وهذه سنة الدفع، فقد صبر بنو إسرائيل على العذاب الأليم من فرعون حتى كبر موسى عليه السلام، ثم أغرق الله عز وجل فرعون.

    1.   

    ذكرى للمؤمنين

    أيها الإخوة الكرام: جلس عون بن عبد الله بن عتبة مع عمر بن عبد العزيز رحمه الله، فقص عليه حكاية، قال فيها: بنى ملك مدينة، وصنع طعاماً ودعا الناس إليه، ثم بث في الناس عيونه وأوقفهم على الأبواب، فكلما دخل رجل ونظر إلى المدينة سألوه وهو خارج: هل رأيت عيباً؟ فيقول: لا، حتى جاء في أخريات الناس قوم أصحاب أكسية -أي: قوم من الزهاد، ومعنى أكسية: ملابس مرقعة- فطعموا، فلما خرجوا سألوهم: هل وجدتم عيباً؟ قالوا: وجدنا عيبين، فأخذوهم إلى الملك، فقال لهم الملك: هل وجدتم في مدينتي عيباً؟ قالوا: وجدنا عيبين: أما العيب الأول: فإنها تخرب، والعيب الثاني: أن بانيها يموت.

    فقال لهم الملك: وهل هناك دار لا تخرب ولا يموت بانيها؟

    قالوا: نعم، الجنة، فقال: خذوني معكم، وانخلع من ملكه وسار معهم.

    فلما سمع عمر بن عبد العزيز ذلك، ارتعدت أركانه، ووقع الكلام منه موقعاً عظيماً، وهم أن يخلع نفسه من الخلافة، فعلم ابن عمه مسلمة أنه يريد أن يترك الخلافة، فجاء فناشده الله، قال: لو تركت الخلافة لاقتتلوا عليها ولوقع شر في الأمة. قال: ماذا أفعل حمِّلت ما لا أطيق؟ فجعل مسلمة يراجعه حتى سكن.

    إنها الجنة التي ينبغي أن يعمل لها العاملون، ينبغي أن نضحي في سبيل الله، حتى تكون من أهلها، إنها أنفاس معدودة، إنك يا عبد الله لا تدري أين ستكون غداً؛ ستكون غداً في عداد الموتى، ويجري على لسان الناس: فلان رحمه الله.

    هذه الجنة -أيها الكرام- ينبغي أن نعمل لها، فإن العبد لا يتحمل لفحة من عذاب الله، ماذا تقولون لربكم إن قال لكم: استأمنتكم على ديني، فماذا فعلتم؟ شيدتم مجدكم، وبنيتم لأنفسكم، وأسكنتم أحفادكم؟ فاليوم أضع نسبكم وأرفع نسبي، وأقرب مني عبادي.

    الجنة لا عدل لها، فلأي شيء تعمل أيها الأخ الكريم..؟

    إن الله تبارك وتعالى بعث محمداً صلى الله عليه وسلم بالحق ليخرج الناس من الظلمات إلى النور، وقد أعطاك المصباح، كن وفياً مع الصحابة، فالوفاء للصحابة ضرورة، وحبهم فريضة، إنه فرض عين على المسلم أن يحب هؤلاء الصحابة، وأن ينقل هذا الحب إلى أبنائه، هذا واجبنا.

    1.   

    فضح الله عز وجل للمنافقين ولليهود

    إن الله تبارك وتعالى افتتح سورة البقرة بذكر أصناف الناس، فأطنب في ذكر المنافقين، وفضحهم في غير ما سورة من القرآن، فضحهم في سورة النساء، وسورة التوبة، وفضحهم في سورة محمد، وأنزل سورة باسمهم. فالمنافق خلقه وطبعه إثارة الشبهات، وقد أخذوا هذا من أعداء الإسلام كاليهود وغيرهم، ففي القديم جاء المشركون فنشروا الشبه وقالوا: إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا [البقرة:275] وبعض المسلمين اليوم يقول هذه المقالة!! يقول: رجل معه مائة (جنيه) فاقترضها رجل بمائة وعشرة، فتقولون: هذا ربا ولو أن رجلاً اشترى بالمائة (جنيه) (فداناً) مثلاً، وباع (الفدان) بمائة وعشرة، ما الفرق؟! حصل على العشرة في كلا الحالين، عن طريق البيع والربا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا [البقرة:275] فهذه شبهتهم.

    حرم الله عز وجل الموقوذة والمتردية والنطيحة، الموقوذة: المضروبة على رأسها حتى ماتت، النطيحة: المنطوحة من غيرها حتى ماتت، المتردية: هي التي تردت من على قمة جبل فماتت، أما إذا ذبح المسلمون بهيمة فهي حلال.

    فجاء هؤلاء الملبسون فقالوا: تأكلون ما قتلتم ولا تأكلون ما قتل الله؟! هذا الذي ذبحتموه حلال، وهذا الذي قتله الله حرام؟! ثم قالوا: فما قتل الله أولى أن يؤكل، فقال الله عز وجل: وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ [الأنعام:121].

    في غزوة بني النضير عندما حاصر الرسول عليه الصلاة والسلام اليهود، وأبوا أن يستسلموا، أمر بإحراق النخل، وأنت تعلم قدر النخل عند العرب، وأن النخلة لا تثمر إلا بعد سنين عدداً، ففقد نخلة يعتبر كفقد إنسان، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بحرق النخل المثمر، فجاء اليهود بشبهة، وقالوا: أولم تقولوا: إنكم تصلحون في الأرض؟! ألم يندد الله عز وجل بالفساد وقال: وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ [البقرة:205]، وهل حرق النخل المثمر من الصلاح أم من الفساد؟! فكان لهذه الشبهة في نفوس المسلمين وقع، فأنزل الله عز وجل: مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ [الحشر:5] إن قامت فبإذن الله، وإن حرقناها فبإذن الله أيضاً، ما خرجنا عن إذنه ولا خالفنا أمره في الفعل والترك، وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ فرد الشبهة عليهم.

    لكن من الذي يقوم بذلك؟ من الذي يبدد ظلمة الشبهات والريبة؟ إنهم العلماء، فعندما يعتدى على أعراض العلماء ويقال: (علماء الإسلام والجنس) بهذا العنوان القذر، والجماهير لا تتكلم، بل وتشتري الكتاب، وتنفد الطبعة الأولى، ويعدون أنفسهم لنشر طبعة ثانية، فستظهر بعد ذلك مصائب أكثر من ذلك، ويتسع الخرق على الراقع..!

    1.   

    سكوتنا عن سب الصحابة غير جائز

    إن سكوتنا عن الباطل غير جائز، فهذا إنذار..! هذا إنذار..! نحن نعلم يقيناً أن النصر لنا، لا نمتري في ذلك طرفة عين ولا نستريب، لكن هذا جرس إنذار! قال تعالى حاكياً عن الساكتين عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ [الأعراف:164]، ينبغي أن نكون أوفياء لديننا، محبين لنبينا عليه الصلاة والسلام، ولصحابته الكرام رضوان الله عليهم.

    فهذا الحسن البصري رحمه الله لما روى الحديث الذي فيه: (أن الجذع حن إلى النبي عليه الصلاة والسلام)، قال: يا معشر المسلمين! خشبة تحن إلى النبي صلى الله عليه وسلم! فأنتم أولى بالحنين إليه من الخشبة؛ لأنه أرسله الله إليكم واحتفى بكم، وأنزل إليكم كتاباً فيه ذكركم، وفضلكم على العالمين، قال: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ [آل عمران:110] ، فاتقوا الله أيها المسلمون، واعلموا أنكم إن توليتم استبدل الله عز وجل قوماً غيركم، ثم لا يكونوا أمثالكم في الجحود والنكران وترك الأمانة.

    1.   

    حقيقة الاتباع لا تتم إلا بموالاة الصحابة ومحبة العلماء

    مذهب أهل السنة ومنهجهم في الإيمان بالله ورسوله هو اتباع السلف الصالح، والسلف الصالح هم الصحابة وتابعوهم بإحسان، هذا القيد ذكره الله تبارك وتعالى للاتِّباع، بدونه لا يكون المرء متبعاً، فلذلك أفتى الإمام مالك بأن من سب الصحابة ليس له في الفيء شيء، وقد أخذ هذه الفتوى من هذا القيد: (بإحسان) والذي يسبهم لم يتبعهم بإحسان، فالاتباع يشترط أن يكون بالإحسان، وإلا فليس هو من أتباعهم.

    روى ابن مردويه عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه بلغه أن رجلاً سب عثمان رضي الله عنه، فقرأ عليهم: لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا [الحشر:8] ، قال له: أنت منهم؟ قال له: لا، فقرأ عليه: وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ [الحشر:9] ، قال له: أنت منهم؟ قال له: لا، فقرأ قوله تعالى: وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ [الحشر:10] ، قال: أنت منهم؟ قال: أرجو! قال: هيهات! أترجو أن تكون منهم وأنت تقول: اللهم العنهم، اللهم أدخلهم النار، اللهم اخذلهم؟! لن تكون منهم حتى تقول: رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ [الحشر:10] ، فالذي لا يتبعهم بإحسان لا يترضى عنهم ولا يستغفر لهم؛ فليس من أتباعهم، الذين يطعنون في الصحابة لا تشملهم هذه الآيات حتى يحققوا هذا القيد، فإذا حققوا هذا القيد، فقد رضي الله عنهم ورضوا عنه، ودخلوا في جملة المرضي عنهم.

    إن أول بدعة في الإسلام هي تحطيم الرءوس، ولا يزال هذا المعول يفعل فعله حتى بين شباب الصحوة، إن جريمة تحطيم الرأس من أعظم الجرائم! فإنك إذا تكلمت عن الأئمة المشهود لهم بالعدالة والصدق والعلم؛ كالشيخ الألباني ، والشيخ ابن باز ، والشيخ محمد بن صالح العثيمين والشيخ التويجري ، وهؤلاء العلماء -ومن جرى مجراهم من أهل العلم- إذا جاز للواحد أن يطعن على واحد من هؤلاء، فليت شعري من يبقى لنا؟! سنصبح أمة بلا رءوس..! نحن نعاني من قلة الرءوس الصالحة المحسنة، فهي أندر من الكبريت الأحمر، والله لو يُشترى العلم والفضل بالمال لبعنا كل غال ونفيس لشراء هذه الرءوس التي تحمل العلم والفضل؛ لأنه شرف لنا، يزيننا.

    اللهم اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا، وثبت أقدامنا، وانصرنا على القوم الكافرين.

    اللهم اجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر.

    اللهم قنا الفتن ما ظهر منها وما بطن، اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تسلط علينا بذنوبنا من لا يخافك ولا يرحمنا.

    رب آت نفوسنا تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها.