إسلام ويب

عقبات في طريق التمكينللشيخ : أبو إسحاق الحويني

  •  التفريغ النصي الكامل
  • هناك الكثير من العقبات المانعة من التمكين لأهل الإسلام، من أعظمها: سوء إعداد جيل التمكين من قبل دعاة هذه الأمة وعلمائها.. وعدم اختيار الزوجة الصالحة.. عدم معرفة منهج النجاة في تربية الأبناء.

    1.   

    سوء اختيار الزوجة (المربية للأولاد)

    إن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعين به ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1].

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71].

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

    أيها الإخوة الكرام! لماذا يتقاتل الناس، ولماذا تنشب الحروب في كل مكان؟ إن هذا القتال الدائر بين الناس اليوم قديم وليس في هذا العصر فحسب وإنما هو قديم من لدن آدم عليه السلام، والمقصود منه هو السعي إلى التمكين.

    إن هذا النظام العالمي الجديد، وهذه التكتلات الاقتصادية بين الدول، المقصود منها التمكين؛ فالتمكين هو الغاية المنشودة خلف كل صراع، وإذا كان الأمر كذلك؛ فإن أولى الناس بالتمكين هم المسلمون. إن الله تبارك وتعالى لما ذكر التمكين في سورة القصص ذكر ميلاد موسى عليه السلام.

    إذاً: هناك رابطة قوية بين التمكين وبين صلاح الأولاد، بل لا يكون تمكين إلا بصلاح الأولاد؛ لكن قبل أن نتكلم على الولد نتكلم عن أصل الولد، نتكلم عن أمه وأبيه.

    الأم هي قاعدة البناء العريض؛ ولذلك كل المؤتمرات التي تعقد باسم البيئة والتنمية المقصود منها: إفساد المرأة، وقد اشتدت الضراوة على النقاب؛ لأن النقاب عاد بعد غياب استمر لخمسين عاماً فقط، فأصابهم بالدوار وخلط أوراقهم.

    إن المسرحية الغربية التي ألفوها سنة (1919) وحرقوا فيها النقاب احتجاجاً على وجود الإنجليز في مصر، وكان هذا في ميدان الإسماعيلية المتمثل في ميدان التحرير ويشير اسمه إلى تحرير المرأة وحرق النقاب، والذي ينبغي أن يعلم أن النقاب لم يختف بمجرد أن حرق في الميدان؛ لكنه ظل نحو عشر سنوات أو خمس عشرة سنة حتى تحلل الناس منه. أي أن غياب النقاب عن الساحة كان في حدود سنة (1935) ثم رجع سنة (1980) أي في حدود خمسين سنة؛ فهم لم يتصوروا أن تنهار مكاسبهم بهذه السرعة، وخمسين عاماً في أعمار الأمم لا تشكل شيئاً.

    فلما رجع الحجاب مرة أخرى ورأوا أن مكاسبهم بدأت تضيع اشتدت الحملة والضراوة، حتى أن المؤتمرات صارت تعقد بسفور، ولم يلجئوا إلى التلميح كما كانوا من قبل.

    إن وراء كل رجل عظيم أم -ولا أقول امرأة- بل خلف كل رجل عظيم أم.

    أيها المقحم عن الزواج! إن غاية المنى في الدنيا أن تظفر بالمرأة الصالحة، واسألوا الذين لم يوفقوا في حياتهم الزوجية هل تشعرون بنعيم؟ فكلمة إجماع عندهم (لا). لا يشعر بنعيم الولد ولا الصحة ولا الجاه ولا المال، بسبب فساد المرأة، والرجل التعيس في حياته يحسد كل الناس، ويظن أنهم سعداء وهو الوحيد الشقي، فالمرأة الفاسدة لا تشعر معها بطعم الحياة؛ وهذه المرأة لا يرجى من ورائها خير؟

    إن الجيل التمكين، لابد أن يتلاءم فيه الرجل مع المرأة، وأن تعرف المرأة الغاية في خلقها وما هو دورها، وأن تقوم بواجبها حق القيام، وكذلك الأب، فهما أساس صلاح الأجيال.

    وإن الإسلام حفظ للمرأة كرامتها، فجعلها مطلوبة لا طالبة؛ فالرجل هو الذي يدخل ويتقدم ويخطب وليس المرأة، حفاظاً عليها وعلى كرامتها؛ فالمرأة لها قيمة ما دامت مطلوبة؛ فإذا صارت المرأة طالبة قلت قيمتها.

    ومع ذلك فقد أباح لها الإسلام أن تعرض نفسها على الرجل الصالح؛ لأنه غاية المنى بالنسبة لها -مع أن هذا في عرف الناس قبيح- الرجل الصالح، فيجوز للمرأة أن تعرض نفسها على الرجل الصالح إذا ترجحت المصلحة وأمن الضرر، أما لو تزاحمت المضار فنختار أخف الضررين، وأخف الضررين هنا أن المرأة تتنازل وتبدو أنها هي التي تخطب الرجل، وصحيح أن قليلاً من كرامتها سيذهب لكن لا مانع؛ لأن تحصيل الرجل الصالح فيه من الفوائد ما لا يوازيه مثل هذا التمايز، مع أن هذا قبيح في عرف الحرائر.

    روى ثابت البناني رحمه الله حديثاً عن أنس رواه البخاري في صحيحه يقول : (كنت جالساً عند أنس ؛ فقال أنس رضي الله عنه: جاءت امرأة فعرضت نفسها على النبي صلى الله عليه وسلم وقالت: يا رسول الله! وهبت نفسي لك، فقالت ابنة أنس : واسوأتاه! ما أقل حياءها، أتعرض الحرة نفسها؟! فقال أنس : هي خير منك، عرضت نفسها على النبي صلى الله عليه وسلم).

    لقد استنبط الإمام البخاري رحمه الله من هذا الحديث جواز أن تعرض أي امرأة نفسها، مع أن هذه المرأة وهبت نفسها، وهذا خاص بالنبي عليه الصلاة والسلام وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ [الأحزاب:50].

    إذاً: للنساء جميعاً أن يعرضنَ -لا يهبن- أنفسهن، لدلالة الآية، وامرأة العزيز عيرها نسوة مصر بسبب مراودتها ليوسف عليه السلام: وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا [يوسف:30] يا للعار ما أقل حياءها، هي التي تراود، الذي يراود هو الطالب لا المطلوب وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ [القمر:37] هم الذين يطلبون.

    فلا بأس أن تعرض المرأة نفسها على الرجل الصالح فقد أُبيح لها ذلك، ثم على الصالحين أن يعرضوا بناتهم، والمثل عندنا يقول: (اخطب لبنتك ولا تخطب لابنك).

    كذلك قال الرجل الصالح صاحب مدين: إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ [القصص:27] وبعض العلماء يقول: أنه شعيب عليه السلام، لكن الظاهر أنه ليس شعيباً عليه السلام؛ لأن شعيباً كان بين موسى وإبراهيم عليهما السلام، وشعيب قال لقومه: وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ [هود:89] ولوط كان في زمان إبراهيم، وبين موسى وإبراهيم عليهما السلام مدة طويلة؛ فالراجح أنه ليس شعيب عليه السلام، لكنه رجل صالح، فهذا الرجل عرض ابنته على موسى عليه السلام إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ [القصص:27].

    وانظر إلى قول الله عز وجل: فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ [القصص:25] فلو بدأت القراءة من قوله تبارك وتعالى: عَلَى اسْتِحْيَاءٍ [القصص:25] لأعطاك معنى جميلاً عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا [القصص:25] إذا كانت جاءت تمشي على استحياء؛ فلا شك أن القول يكون على استحياء أكثر، فعرضت البنت العاقلة على أبيها أن يستأجره، قال تعالى: قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ [القصص:26].

    هي هذه مقومات الزوج الصالح، القوي الذي يستر امرأته، ولا يعرضها للعمل، ولا يضيرها، ولا تبتذل بين الرجال، وهو الذي، يدافع عن عرضه، ثم هو أمين عليها، لما ذهب إلى أبيها تزوجها بكلمة الله، واستحلها بعناية الله؛ فهو أمين عليها، إن أحبها أكرمها، وإن كرهها لا يظلمها، فتفرست فيه المرأة ذلك؛ لأنها رأت منه خصلتين كما يقول أهل التفسير: الخصلة الأولى: قوة جسدية لما سقى لهما، وكفاهما هذا الزحام فهذا دلالة قوته. والخصلة الثانية: أمانته حيث أنه مشى أمامها ولم يمش خلفها حتى لا يرمقها.

    وقد ذكر أهل التفسير أنها كانت تشير له عن طريق الحصى، إذا رمت الحصى يميناً انحرف يميناً، وأذا رمت شمالاً انحرف شمالاً؛ فعلمت أن هذا رجل نبيل؛ فتفرست فيه هاتين الصفتين؛ فقالت لأبيها ذلك: يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ [القصص:26].

    فهذا الرجل الصالح عرض ابنته ولم يكن هذا إغراءً عليه ولا على ابنته، بل كان شرفاً له، لأن الذي تزوج ابنته نبي الله موسى عليه السلام.

    وقد سنها لنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه ففي صحيح البخاري وغيره: (لما تأيّمت حفصة بنت عمر بسبب موت زوجها، طفق عمر يعرضها، فعرضها على عثمان قال: هل لك في حفصة بنت عمر ؟ قال: أنظرني ثلاثاً، فبعد ثلاث قال: قد بدا لي أن لا أتزوج في يومي هذا. قال: فقابلت أبا بكر رضي الله عنه، فقلت له: هل لك في حفصة بنت عمر ؟ فلم يرجع إلي بشيء فكنت عليه أوجد مني على عثمان ، ثم لبثت ليالي فخطبها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنكحتها إياه، فقابلني أبو بكر : فقال لي: لعلك وجدت علي إذ لم أرجع إليك بشيء! قلت: نعم. قال: والله إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكرها، وما كنت لأفشي سر رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولو تركها لقبلتها).

    ولم يكن إبراءً بـعمر لو تزوجها عثمان نعم الزوج، لو تزوجها أبو بكر نعم الزوج، ثم كل هذا في سبيل البحث عن الرجل الصالح. روى أبو نعيم في كتاب الحلية عن ابن أبي وداعة قال: (تغيبت عن مجلس سعيد بن المسيب أياماً، ثم جئته فقال لي: ما خلفك؟ قلت: ماتت امرأتي، فانشغلت بها، فقال: هلا آذنتنا. ثم قال له: هل وجدت امرأة، فقلت: يرحمك الله! ومن يزوجني وأنا لا أملك شيئاً. قال: إن زوجتك تقبل؟ قال: نعم. فسمى الله وزوجني، قلت: ليس عندي إلا ثلاثة دراهم؛ فزوجني على ثلاثة دراهم، وفي يوم من الأيام كنت صائماً وأذن للمغرب، فقربت إفطاري فإذا بالباب يدق: من؟ قال: سعيد. قال: فخطر لي كل سعيد في الدنيا إلا سعيد بن المسيب ؛ لأنه ما رئي منذ أربعين سنة إلا بين بيته ومسجده، قلت له: لعله قد بدا لك شيء، وكانت ابنته خلفه في طوله فقلت: أبا سعيد! ما جاء لك، فقال: قال لي: إنك رجل متزوج، وكرهت أن تبيت الليلة عزباً، فخذ امرأتك، وانصرف، فارتقى السطح يصرخ وينادي الجيران، فقالوا: ما لك؟ قال: زوجني سعيد بن المسيب بابنته؛ فجاءت أمي، فقالت: وجهي من وجهك حرام إن اقتربت منها إلا بعد ثلاثة أيام، قال: فأصلحتها لي، ودخلت بها بعد ثلاثة أيام؛ فإذا هي أجمل النساء، وأفقههن، وأحفظهن لكتاب الله؛ قال: فلبث أياماً، وأردت أن أخرج؛ فأمسكت بثوبي وقالت: إلى أين؟ قلت: إلى مجلس سعيد قالت: اجلس أعلمك علم سعيد .

    هذه المرأة أراد عبد الملك بن مروان أمير المؤمنين أن يخطبها لابنه الوليد فأبى عليه سعيد ، ولم يزوجها له.

    تقول الروايات: إن سبب رفض سعيد بن المسيب أن يزوج ابنته لابن أمير المؤمنين أنه ألقى عليه دلواً من ماء بارد في يوم شات، فظن الناس أن هذا هو سبب الرفض؛ ولكنه زوجها للرجل الصالح طالب العلم، وإذا كانت المرأة غاية مناها أن تبحث عن الرجل الصالح فكذلك الرجل غاية مناه أن يظفر بالمرأة الصالحة.

    أيها الإخوة الكرام! إن للآباء تأثيراً خطيراً على الأولاد، فالأب هو قدوة الولد. وشطر الكفر الموجود في الأرض سببه الآباء، قال تعالى: وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلا يَهْتَدُونَ [البقرة:170].. وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ [لقمان:21].. وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلا يَهْتَدُونَ [المائدة:104].

    أرسل الله نوحاً عليه السلام يدعو الناس إلى التوحيد؛ فصدوا عن سبيل الله بسنة الآباء: فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَنزَلَ مَلائِكَةً مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الأَوَّلِينَ [المؤمنون:24].

    وجاء إبراهيم عليه السلام؛ فصدوا عنه بسنة الآباء أيضاً: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ * إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ * قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ * قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ * قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ [الشعراء:69-74].

    وجاء صالح عليه السلام إلى ثمود: قَالُوا يَا صَالِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ [هود:62].

    جاء شعيب إلى مدين: قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ [هود:87].

    وجاء موسى عليه السلام إلى قومه فصدوا عن سبيل الله عز وجل بسنة الآباء قَالَ مُوسَى أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَكُمْ أَسِحْرٌ هَذَا وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ * قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الأَرْضِ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ [يونس:77-78].

    وجاء نبينا صلى الله عليه وسلم فصدوا عن سبيل الله بسنة الآباء: أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا مِنْ قَبْلِهِ فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ * بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ * وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ [الزخرف:21-23].

    الصد عن سبيل الله بسنة الآباء فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هَؤُلاءِ مَا يَعْبُدُونَ إِلَّا كَمَا يَعْبُدُ آبَاؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ [هود:109]، وفي صحيح البخاري من حديث ابن عباس ، لما ذهب أبو سفيان أيام كان كافراً إلى هرقل ليؤلبه على المسلمين الموجودين عنده، حصلت هذه المحاورة بين أبي سفيان وبين هرقل ، قال هرقل لـأبي سفيان : ما يدعوكم إليه؟ قال: يقول: اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً، واتركوا ما يقول آباؤكم. فوضع هذه في مقابل تلك، اعبدوا الله لا تشركوا به شيئاً، واتركوا ما يقول آباؤكم.

    وفي صحيح البخاري أيضاً من حديث المسيب بن حزن رضي الله عنه قال: (لما حضرت أبا طالب الوفاة؛ جاء النبي صلى الله عليه وسلم فدخل عليه، فإذا أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية ؛ فقال النبي عليه الصلاة والسلام: يا عم! قل لا إله إلا الله كلمة أحاج لك بها عند الله. فقال أبو جهل : يا أبا طالب! أترغب عن ملة أبيك؟! أترغب عن ملة عبد المطلب؟! فلا زالوا به حتى كان آخر قوله هو على ملة عبد المطلب).

    ولإن تأثير الآباء على الأبناء عظيم؛ قال الله عز وجل: فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا [البقرة:200] فلو كان ذكر أي شيء أعظم وأكثر عند الأبناء من ذكر الآباء لذكره ربنا عز وجل، فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا [البقرة:200] (أو) هنا بمعنى بل وقد جاءت لتحقيق الخبر والزيادة، وذلك كقول الله تبارك وتعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً [النساء:77] أي: بل أشد خشية.

    وكقول الله تبارك وتعالى: ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً [البقرة:74] أي: بل أشد قسوة.

    وكقول الله تبارك وتعالى: فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى [النجم:9] أي: بل أدنى.

    وكقول الله تبارك وتعالى: وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ [النحل:77] أي: بل هو أقرب.

    وكقوله: وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ [الصافات:147] أي: بل يزيدون.

    وكقول النبي عليه الصلاة والسلام: (كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل) أي: بل عابر سبيل.

    فـ(أو) هنا جاءت بمعنى: بل، لتأكيد زيادة الخبر، أي: اذكر الله أكثر من ذكرك لأبيك، مما يدل على كثرة ذكر الأبناء لآبائهم فإذا كان للآباء هذا الأثر الكبير في حياة أبنائهم فلماذا نسي الآباء رسالتهم الحقيقية؟! وكيف فرطت المرأة في البحث عن الرجل الصالح؟!

    إن المرأة لا تستقل وحدها في تربية الولد، ولا تستطيع. فأحياناً قد يكون الأب مسافراً إلى أبعد بلاد الأرض، وتهدد الأم الولد بوالده: أنت لا تسمع الكلام... سأقول لأبيك. لكن أين أبوه؟ إن بيننا وبينه عشر ساعات بالطائرة، ومع ذلك تقول له: سأرسل لأبيك، سأخبر أباك، والولد يتحملها ويقول: لا تخبريه ولن أفعل. أين هذا الوالد الغائب؟

    أكبر محنة يبتلى بها الأبناء سفر الآباء، يسافر فيغيب من عن أولاده، ولا يشعرون به، ولا يفكرون به،

    ومن أغرب المشاكل التي رأيتها في حياتي: رجل ظل خمسة عشر عاماً غائباً عن أولاده، لكنه رجع (مليونيراً) -صحيح أنه كان يرسل النفقة، ويتصل ويرسل رسائل لكن غيابه قطع ما بينه وبين أولاده من مودة ورحمة-

    جاءني ابنه مغتاظاً يقول: أنا أعلم أنه أبي، ولكن أشعر أن رجلاً أجنبياً مع أمي، وإذا أغلقوا الباب تقتلني الغيرة.

    فإذا فقد هذا الرجل رأس ماله كله، أو مرض فلا يشعر ولده بالحنين إليه، ولعل الغريب يرحمه أكثر من ولده، فما قيمة المال؟!

    لا تسافر واقعد بين أولادك وعلمهم الصبر، وذلك يكون خيراً لك من أن تأتيهم بالمال، إن دفء الأسرة لا يشترى بمال الأرض، الحنان الذين يكون بين الوالد وولده، وبين الولد ووالده، لا تستطيع شراءه أبداً ولو بذلت له مال الأرض أجمع، قال تعالى: لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ [الأنفال:63].

    إن القلب لا يشترى، وهو ملك الرب تبارك وتعالى، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن القلوب بين إصبعين من أصابع الله يقلبها كيف يشاء) قلبك الذي هو ضمان حياتك أنت لا تملكه، تحب رغماً عنك، وتكره رغماً عنك، ولا تملك شيئاً، كم من الناس أحب ما قتله، فقيل له: ألا تترك؟ قال: لا أستطيع، قلبي ليس بيدي.

    هو بيد الله عز وجل وهذه آية، كان النبي صلى الله عليه وسلم يشير إليها؛ فكان أكثر يمينه: (لا ومقلب القلوب).

    فهذه محنة من المحن التي تعترض الأبناء، ويدفع الآباء الثمن غالياً؛ لكن ثمن هذه المحنة مؤجل، ليته كان نقداً فينتبه الرجل؛ لكن لا يأتي هذا الثمن الباهض إلا بعد عشرين سنة، وأحياناً ثلاثين سنة.

    إن جيل التمكين يحتاج إلى أم صالحة وإلى أب صالح، يعرف كلاهما لماذا خلق؟ ليخرج من صلبها ولد صالح يعلم هو الآخر لماذا خلق، ولله در من قال:

    (لا يستقيم الظل والعود أعوج)

    أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم.

    1.   

    الإسلام دار والصحابة الباب

    الحمد لله رب العالمين، له الحمد الحسن، والثناء الجميل، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يقول الحق وهو يهدي السبيل، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.

    أيها الإخوة الكرام! ليس ما ذكرته هو أول عقبة، فحياتك كلها عقبات، ألم نسمي مجموعة الأحكام الشرعية تكاليف؟ وأنت اسمك المكلف، ومعنى مكلف أي: يفعل الشيء بكلفة.

    والتكليف كله مشقة، فأمامك عقبات عظيمة، وأول العقبات أن تختار المرأة الصالحة؛ فالمرأة الصالحة رزق، مثل المال والولد، ثم حبك للمرأة رزق آخر لا دخل لك فيه وكما قلت لك: إن قلبك ليس بيدك.

    ولما أكثر النبي صلى الله عليه وسلم من ذكر خديجة رضي الله عنها غارت عائشة ؛ فتكلمت بما تكلمت، فقال لها: (إني رزقت حبها) .

    فحب الرجل للمرأة رزق، وحب المرأة للرجل رزق، وهو يستحق شكراً مستقلاً، فإذا رزقك الله عز وجل زوجة صالحة فاسجد لله شكراً.

    وفي هذا الزمان حصلت فجوة في تاريخنا، ذهبت فيها الخلافة، وإن مغبة ضياع الخلافة فيه فساد جيل بأكمله، هذه الأمة جيلاً فاسداً، عاش تحت وطأت العلمانيين، والمتحللين من دينهم، ولا زلنا نعاني من هذه المحنة؛ وأصبح اختيار المرأة الصالحة يكلف الرجل بحثاً كثيراً؛ لكن ابحث عن صلاح بيئتها قبل صلاحها.

    هناك حديث موضوع لا يجوز أن ننسبه إلى النبي عليه الصلاة والسلام؛ لكن نحن نقوله ليس لأنه حديث؛ لكن لأنه كلام جميل: (إن أنضر الأزهار ينبت في الدمم). الدمم: المستنقعات، والوردة جميلة، تنبت في وسط المستنقع.

    المرأة التي ظاهرها الالتزام، وقد تربت في بيئة سيئة، لو تزوجها قد تنجيها من البيئة التي تعيش فيها، ولكن بعدما تتزوج قد تحصل مشاكل عادية بين الرجل والمرأة فتذهب المرأة إلى بيت أبيها، وهم لا يعينونها لصلاح بيتك، بل يفسدونها، ونحن عندنا نماذج من ذلك، إلا أن يتفضل الله عز وجل على هذه المرأة فتكون أصيلة وأنت لا تدري؛ فإذا أردت أن تختار انظر إلى صلاح الأهل والبيئة، فلو اخترت امرأة يظهر عليها كل مظاهر الالتزام وأهلها صالحون فإنهم يصلحونها لك، وإذا غضبت أرجعوها.

    رضي الله عن أبي بكر ، فقد كان نعم الحمو للزبير بن العوام ، وكان الزبير رجلاً غليظاً وضراباً، إذا ضرب يضرب بقسوة، وكان متزوجاً بامرأتين؛ فكانت أسماء رضي الله عنها تذهب وتشتكي لأبيها؛ فكان يرجعها ويقول لها: يا ابنتي! إن الزبير رجل صالح، صحيح أنه يضرب لكن أين بقية شمائله: دينه وأخلاقه ورعايته، ثم هو من المبشرين بالجنة، رجل من الصالحين، فترجع أسماء المرأة الصالحة البارة الوفية إلى زوجها، وقد تجد المرأة في زوجها خلقاً سيئاً لكن قد ترضى منه أخلاقاً كثيرة كذلك المرأة فقد تجد فيها خلقاً سيئاً، وترضى منها أخلاقاً أخرى جميلة وفي الحديث: (لا يفرك مؤمن مؤمنة، إن كره منها خلقاً رضي منها آخر).

    هذه كلها عوامل تساعدك على اختيار المرأة الصالحة، وليست هذه كما قلت أول العقبات، بل هناك عقبة كؤود، هي من أعظم العقبات التي تواجهك أيها الرجل الآن، وهي معرفة المنهج الذي تربي عليه أبناءك.

    ونحن أمامنا مناهج كثيرة، والرسول عليه الصلاة والسلام قال: (تفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة) فأنت أمامك ثلاثة وسبعون باباً مفتوحاً كل باب يمثل منهجاً مستقلاً.

    إذاً: قبل أن تخطو لابد أن تعلم إلى أين الطريق؟ إلى أين يؤدي؟ ولقد كفانا النبي عليه الصلاة والسلام مئونة تحديد الطريق والمنهج فقال: (ما عليه اليوم أنا وأصحابي).

    فهل التزمنا بمذهب القرن الأول؟ هل نعرف كيف عاش الصحابة فعلاً؟ كيف كانوا يعتقدون العقيدة؟ كيف كانوا يتعاملون؟ كيف كانوا يتفاوتون في فهم الأدلة والنصوص؟ إذاً: إذا أردت أن تبقي لهذه الأمة من نفسك ولداً صالحاً، يكون نواة لجيل التمكين، لابد أن تعلم ولدك الباب الوحيد الذي يدخل منه. هي هذه العقبة الكئود التي يجب أن تبحث عنها أكثر من بحثك عن عمل إضافي لتأكل وتشرب.

    هو معرفة منهج النجاة، هذا العلم فرض عين عليك، خاصة أننا في هذا العصر عصر تشويه جيل الصحابة، هذا التشويه قائم على قدم وساق، يكذبون أبا هريرة وينشرون كتباً لتكذيبه، في أكبر دار نشر رسمية، فقد ظهر كتاب أضواء على السنة المحمدية للهالك محمود أبو رية يكذب فيه أبا هريرة ويقول: إنه كان يفتري الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    ويخرج رجل آخر جاهل يصدر كتاباً الأضواء القرآنية لاكتساح ما في البخاري من الإسرائيليات، يلعبون بالكتب ويعبثون بهذا التاريخ المجيد، الذي إذا انهار لا تقوم لنا قائمة. الآن المد الشيعي بدأت تظهر بوادره، والذي يعتمد أساساً على تحقير الصحابة، لماذا؟ لأن الصحابة هم الباب إلى الإسلام، هم الذين نقلوا لنا الدين كله أصولاً وفروعاً، فإذا جاز لك أن تكذب أبا هريرة ! فهذا يعني أن كل حديث نقله أبو هريرة كذب، وكم من العلم سيضيع إذا كذبنا الناقل، والطعن في الصحابة المقصود به الطعن في الإسلام كله.

    كان الإمام النسائي رجلاً مجاهداً، فلما دخل دمشق كان المحبون لـمعاوية كثراً والمبغضون لـعلي كثراً، فالإمام النسائي قال: أحسن شيء أن أؤلف كتاباً في فضائل علي ، فصنف كتاباً أسماه خصائص علي بن أبي طالب ، أي: مناقبه، فصنفه قبل أن يصنف رسائل الشيخين في فضائل أبي بكر وعمر ، فنسب إلى التشيع بسبب هذا الكتاب، مع أنه سني خالص؛ لكنه رأى من السياسة الشرعية أن نبدأ بتصنيف كتاب خصائص علي لكي يقرأه في وسط النواصب.

    فبعد أن قرأ الكتاب قام شخص وقال له: لم لا تحدثنا بفضائل معاوية ؟ فقال: جاء حديث صحيح رواه الإمام مسلم في صحيحه من حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: (قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: ناد لي معاوية) وقد كان معاوية رضي الله عنه كاتباً للوحي، ولا يكتب الوحي إلا أمين، فذهب ابن عباس فوجده يأكل، فقال له: حتى أكمل الأكل، وقعد ابن عباس يلعب مع الصبيان، فرآه النبي عليه الصلاة والسلام وقال: ناد لي معاوية . فقال له ابن عباس: إنه قال: سيأكل ويأتي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا أشبع الله بطنه).

    والعلماء قد حملوا هذا على المدح، بدلالة حديث أم سليم عند مسلم أيضاً: (أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لـأم سليم : أو ما تدرين ما شارطت عليه ربي. قلت: اللهم إنما أنا بشر، فأي المسلمين سببته أو لعنته فاجعل ذلك له زكاة وأجراً) ولا أشبع الله بطنك زكاة وأجر.

    قال: فسكت وسكت السائل؛ ولكن العوام قاموا عليه يضربونه فقتلوه، فمات الإمام النسائي شهيداً بسبب هذا الكتاب، فأراد أحدهم أن يستغل هذه المسألة فقال له: إن بعض الناس يتكلم في معاوية . فقال له الإمام: إن الإسلام دار والصحابة الباب فمن نقر على الباب أراد الدخول ومن أراد الصحابة الإسلام. هي دعوة ظاهرة ولا نجاة لك إلا من هذا الباب الذي هم الصحابة، فعليك بالتزام مذهب القرن الأول الذي صار فرض عين علينا جميعاً إذا كنا نريد النجاة.

    1.   

    النقاب آلام وآمال

    قد يشعر الإنسان -أحياناً- بإحباط شديد لما تتكاثر الأخبار السيئة في يوم واحد، ويظن أن ليس في الدنيا خير، مثل علماء الحديث كانوا أحياناً يجمعون غرائب الراوي ومناكيره في موضع واحد، فربما نظر الناظر ولا يدري بذلك إلى أحاديث هذا الراوي، فضعفه ظناً منه أن ذلك هو الغالب على حديثه.

    ومن المشاكل التي تعرض عليّ يومياً مشكلة واجهتها ولم أستطع لها حلاً، وانعقد الكلام على لساني، أخت اتصلت بي وتريد حلاً لمشكلتها، تقول: إنها انتقبت هي وأختها الصغرى، فما كان من الوالد إلا أن طرد الأم إلى بيت أبيها، وجعل رجوعها مرهوناً بخلع البنات للنقاب؛ فقالت الأم لأبنائها تحملوا قليلاً، فالمسألة كلها مناورات، ومع الأيام ستعود المياه إلى مجاريها، وفي فترة غياب الأم حدث للبنات أشياء شنيعة جداً. أولاً: أمرهن أبوهن بخلع النقاب. ثانياً: كان يأمرهن إذا جاء ضيف أن يظهرن شعورهن ويدخلن عليه. وقالت: لا أستطع أن أصف لك حجم الضرب الذي تحملناه، فما نزعنا النقاب إلا بعد ضرب شديد. وليس هذا فقط بل يأمرهن أن يجلسن بجانب الضيف، وإذا لم يمتثلن ينهال عليهن ضرباً ولو كان الضيف موجوداً تصور أن هناك آباء بهذا الحمق والحقد على الدين؟!

    وكنت لا أملك لها إلا أن ألقي على مسامعها نماذج من تضحيات الفاضلات من الصحابيات ومن الأمهات والمؤمنات، ومع ذلك كنت أحس أن الكلام يتعثر على لساني، فالمسألة أكبر من الكلام.

    إن الأمة مهزومة بأمثال هؤلاء، نحن عندنا من هذا الصنف الكثير، وأنا لا أبالغ، لكن الشاهد يرى ما لا يرى الغائب. مثلاً: لو ذهبت إلى صديق، وقلت له: هل الوباء الفلاني منتشر؟ يقول: نعم، منتشر كما ترى. لا. اسأل أهل التخصص هم الذين يخبرونك هل المرض منتشر أم لا. لعلكم لا تشعرون بهذه المحن، فالناس كل يوم يعيشون محناً ويريدون لها حلاً، ونحن لا نملك لهم أكثر من النصيحة، كل مشكلة لابد أن تترك على القلب ظلاً، وكثير من الملتزمين الذين مكن الله لهم قد دب اليأس إليهم من كثرة الفساد.

    والذي يجعلنا نستبشر هو رجوع النقاب، النقاب وقد صار علامة للالتزام، كذلك اللحيةلم يعد عليها ذلك الضغط القديم، وأصبح أصحاب اللحى يدخلون الجامعات والمؤسسات المرموقة والمواقع الحساسة، بل عشنا حتى رأينا اللحية في أمان، لقد كان الذي يريد أن يشتري شيئاً ليأكله يحلق لحيته، ويلبس البنطال، ويلبس (الحلق) ويلبس سلسلة! كنوع من التمويه، وأصبحنا نعرف حجم الدعوة في أي بلد بالنقاب فإذا دخلت أي بلد فاسأل عن النقاب، فإذا كان منتشراً جداً فاعلم أن الدعوة منتشرة، وإذا كان النقاب في أهل بيت، فاعلم أن في البيت أكثر من ملتزم، أبوها أو أخوها يأمرها، لكن قد يعفي الرجل لحيته والبيت كله لا يصلي، فرجوع هذا النقاب بهذه الكثرة الكاثرة، إنما الفضل فيه لله عز وجل. وأما جهد الدعاة فهو قليل ولا يساوي كل هذا الخير الموجود، وما من يوم ينشق فجره إلا ونجد عدداً من الفتيات يلبسن النقاب.

    ونحن نقول للآباء الذين يرفضون أن تلبس بناتهم النقاب: إن الانحراف ثمنه غال جداً، والآن الخمار لم يعد علامة الحجاب، فقد تبلغ الفتاة سن الخامسة عشرة فتعلن الحجاب، لكن بعدما وضع النقاب ترى الخمار أدنى، وقد يخطب المرأة المختمرة الذي لا يصلي والذي يدخن، لكن المرأة المنتقبة لا يدخل عليها إلا شخص واحد فقط، يريدها من أهل الدين.

    إذاً: النقاب باب، والمرأة عندما تنتقب تتزوج بسرعة، ليس مثلما يفهم الناس، في عقلية الستينات كانت المرأة لازم أن يكون لديها دبلوم عالٍ أو (بكالريوس أو ليسانس)، لكن الدنيا تغيرت، والمفروض أن المعايير تتغير أيضاً.

    فلم يعد النقاب وسيلة من وسائل عرقلة مسيرة المرأة نحو الزواج. إذاً: النقاب سياج أمان، والمرأة المنتقبة تبقى ضامنة أن الذي يتقدم لها إنسان متدين، يريد هذا السمت، يريد امرأة منتقبة، وبالتالي صار النقاب عنوان لمجموعة من الفضائل، وليس مجرد قماش تستر المرأة به وجهها، لكنه عنوان امرأة ملتزمة، تصوم وتصلي، وتقوم على تربية أولادها.

    إذاً: النقاب سياج أمان للاختيار، فإذا خيرت بين امرأة ملتزمة بأمر الله ورسوله وبين امرأة تحمل الشهادة، فإياك أن تنحاز إلى صاحبة الشهادة، فإن أكثر النساء نعاسة ذوات الشهادات الجامعية، و(90%) من المشاكل التي أراها يومياً هي في بيوت النساء العاملات.

    1.   

    عمل المرأة من أعظم المحن التي يبتلى بها الأبناء

    إن المرأة عندما يكون معها شهادة أهلها يقولون: نحن لماذا حصلت على هذه الشهادات؟ لكي تقعد في البيت؟ لا. يقولون: يا أخي! الأعمار بيد الله، وافترض إن مت فمن أين تأكل هي؟ سبحان الله! لماذا أدخلته بين الأموات، لو أن كل رجل زوج ابنته لرجل هل سيبقى مخلداً؟ معروف أن الكل سيذهب، لكن هو يتخذ هذه ذريعة حتى أن المرأة تعمل.

    وإن سفر الأب إلى الخارج من أعظم المحن التي يبتلى بها الأبناء، وكذلك عمل المرأة من أعظم المحن التي يبتلى بها الأبناء، فالمرأة تذهب إلى العمل وتترك الولد في حضانة، والحضانة هذه لا تعطيه الدفء، ولا تعطيه حب الأم، مع أن الحضانة مكلفة. فلا بد من وجود الأم في بيتها لتربي أولادها تربية صالحة وتساهم في إعداد جيل التمكين، والوالد يجب عليه أن يقدم عذره لله عز وجل، إذا كان قد فرط هو بسبب تفريط أبيه -هذه فرضية- فلا يفرط في ولده، فيجب على الأب تربية أولاده.

    إن محن الأبناء ما بين الأب والأم تتلخص في سفر الوالد، أو كثرة عمله وانشغاله عن ولده، وفي عمل المرأة وتركها لمنزلها، ونحن نقول: أدخلوا النساء البيوت مرة أخرى وأعطوهن الراتب وهن في البيوت، أو أعطوهن نصف الراتب، وخذوا النصف الآخر وأعطوه للشباب ليقوموا مقامهن.

    إن الرجل هو المسئول عن الإنفاق على البيت، فكيف توفر الفرصة لامرأة وتأخذ وظيفة رجل، إذاً: الرجل يعمل ماذا؟ ويصرف من أين؟ هو الذي في يده القوامة، وشطر القوامة أن ينفق على المرأة، والمرأة ليس عليها ذلك.

    وإذا كان العمل موفراً للمرأة ويحرم منه الرجل، فما هي النتيجة؟ تجد الرجل يدور، يريد أن ينفق فيبدأ بالانحراف فينضم لأي عصابة من العصابات، فهذا كله فيه فساد في المجتمع، لكن واقع المرأة يظهر أنها لا تؤدي ربع ما يؤديه الرجل، ما هو الشيء عند المرأة وليس عند الرجل، ما هو العمل المميز؟

    حتى في مهنة الطباخة الرجال هم المتفوقون فيها، هل قد رأيت امرأة تطبخ في فندق، الذي يطبخ هو الرجل، وهو متفوق على المرأة، وما هو الشيء الذي عند المرأة ولا يحسنه الرجل؟ المرأة تحسن شيئاً واحداً لا يحسنه الرجل هو تربية الولد وتعظيم الوالد عند الولد، فالأب طوال النهار في العمل والولد يخاف من والده بسبب الأم المخلصة التي تعظم الوالد، سأقول لأبيك، سيضربك أبوك. أم مخلصة أمينة، كل يوم تنمي في نفسية الولد تعظيم الوالد ومحبته، لكن عندما تكون المرأة في العمل ولاؤها يقل لزوجها، لأنها تقضي مع زميلات العمل أكثر مما تقضي مع زوجها في البيت تقريباً ثمان ساعات وهي تقضي مع زوجها ربع هذه المدة، والرجل طوال النهار في العمل، وعندما يرجع يكون مرهقاً، ومتعباً، يريد أن يأكل وينام، فتقول له: هل هذه لوكندة؟ على الأقل قل كلمتين جميلتين.

    لا تحسبوا أني أخترع هذه الأشياء، هذه مشاكل تأتيني مكتوبة، ومصائب كبيرة. فما هو دور وعمل المرأة بعدما ضيعت رأس المال الحقيقي الذي هو الولد؟ فإذا كبر الولد يأتي الوالد ويشتكي ويقول: إن ولدي لا يزورني ولا يأتيني ويعقني، وأكبر مشكلة تعترض الرجل أن النتائج مؤجلة، فعندما يفقد قدرته على الحياة ويحتاج إلى أولاده يبدأ يرى العقوق.

    فأي مهمة يريدها الإنسان هي مثل البرج، لا يمكن أن يصل إلى أعلاه إلا إذا أتى من أسفل، لكل شيء أساس، فإذا أحسن التربية فلن يجد العقوق، وهكذا بنيان أي أمة في الدنيا، فمن كان عمره ستين سنة فإن ربع حياته قد ذهبت في الطفولة، ولكن لماذا طالت طفولة الإنسان؟ لأن الحمل الموضوع على كتفه جسيم وكبير، ونحن نحتاج إلى أساس قوي؛ لكي يتحمل كل هذا الضغط.

    إذاً: الطفولة التي ضيعناها بسبب فساد البيت لا ينبني عليها أبداً بناء، وبداية مرحلة التأسيس: اختيار الرجل واختيار المرأة، فهي الأساس في صلاح الولد.

    وإذا أتينا لعمل دراسة سهلة عن راتب المرأة العاملة، فإن متوسط راتب أغلب النساء العاملات مائة وخمسين (جنيه) أو مائتين (جنيه) ولنقل أنها ستصرف نصف مرتبها والنصف الباقي تدخره، إذاً: الباقي سيكون خمسة وسبعين (جنيه) ، أي: لا يصل في السنة إلى ألف (جنيه). انظر إلى الألف جنيه هذه في مقابلها اثنا عشر شهراً خسارة محققة، قد يكون في حياة المرأة رجل آخر، هي عفيفة وتغض طرفها، لكن قلبها قد يبتلي ويتعلق بشخص آخر غير زوجها، ويكفي أنها قد رأت رجالاً غير زوجها.

    1.   

    التبرج والاختلاط واقع مر

    وصف ربنا سبحانه وتعالى نساء أهل الجنة فقال: حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ [الرحمن:72] لا في الجنة فتنة ولا نظر، كل الجنة متعة، ومع ذلك لا تخرج، لماذا تخرج؟ حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ [الرحمن:72] مقصورات على أزواجهن، إذاً المرأة الجالسة في البيت تتشبه بنساء أهل الجنة، والرسول عليه الصلاة والسلام لما ذكر صنفاً من الناس لم يرهم قال: (نساء كاسيات عاريات مائلات مميلات رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة) (أسنمة البخت المائلة) تأتي مسرحة شعرها، ومصففة شعرها فوق رأسها وعلى ناحية، فالعلماء منعوا من أن تصفف المرأة شعرها بهذه الصورة وقالوا: لأن هذا فيه تشبه بالمغضوب عليهم، وتشبه بأهل النار.

    والإسلام أعزنا وكل أمر يتشبه المسلم فيه مع ما هو أدنى منه يمنع منه، يقول لك لا تفترش كافتراش الكلب، ولا تنقر كنقر الديك، ولا تبرك كبروك البعير، ولا تحتفز احتفاز الثعلب، كل هذا لأنك كريم، فلا تتشبه بالدنايا،، وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً نائماً على بطنه، فقال له: قم إنها ضجعة أهل النار. أي: لا تتشبه بأهل النار. فالمرأة التي تصفف شعرها على رأي القائلين بالتحريم تتشبه بأهل النار.

    إذاً التشبه بأهل الجنة شرف، فالمرأة التي تجلس في بيتها شبيهة بأهل الجنة، قال تعالى: حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ [الرحمن:72]، وقال: ( وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ أَتْرَابٌ [الصافات:48]، أي: طرفها مقصور على زوجها لا ترى غيره.

    والاختلاط مشكلة من أكبر المشاكل، وللمحافظة على القلب وسلامته لا بد من إغلاق الحواس الخطيرة التي يدخل علينا منها الشيطان.

    انظر إلى المعاكسات التليفونية، هناك رجال ونساء اغتالهم الشيطان بالمكالمات، فبعض إخواننا الدعاة لا يردون على النساء أصلاً لهذا السبب، لأن هذا قد يؤلم القلب ويشغله، إنها مجرد فتوى أو حل مشكلة، لكن أنت لا تدري من على الطرف الآخر، كذلك في العمل تجد دائماً مديراً وسكرتيرة مثلاً، ولابد من عرض الشغل وتتأخر لكي تأخذ الشغل، وتبلغ الدياثة ببعض الناس أن الرجل الكوافير يدخل البيت مع المرأة إلى غرفة النوم وحدهم ليصفف شعرها، ووالله إن هذا موجود في بلادنا، وأن هذا الأمر عند بعض الناس شيء عادي، ولو كان الذي دخل رجل كريم كيوسف عليه السلام لخفنا منه، أليس هو الذي قال لربنا: وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ [يوسف:33]، هو الكريم ابن الكريم ابن الكريم.

    إذاً: استقرار المرأة استقرار للبيت أجمع، واستقرار المرأة لا يكون إلا برجوعها إلى بيتها وأولادها.

    ونحن نقول للنساء: اتقين الله عز وجل ولا تكلفن الرجل أكثر مما يطيق، فالمرأة الوفية تجوع مع زوجها إذا جاع، والرسول عليه الصلاة والسلام لما سئل: ما حق زوج أحدنا علينا؟ قال: (أن تطعمها إذا طعمت، وتكسوها إذا اكتسيت، ولا تضرب الوجه، ولا تقبح، ولا تهجر إلا في البيت) .

    وأول خطوة في صلاح جيل التمكين صلاح الأولاد، لكي يختصر جيل التمكين المسافة، وحتى نكون أوفياء في حق أمتنا، علينا أن نبدأ بإصلاح البيوت، ولابد للنساء أن يقمن بدورهن في ذلك، وبعض الناس لا يذهب إلى البيت بل يظل قاعداً على المقهى طوال النهار، لأنه لا يوجد ترابط بين الرجل والمرأة. هل ممكن أن يخرج جيل التمكين من هذا الرجل والمرأة؟

    1.   

    جهل بعض الدعاة والعلماء في فتاويهم بواقع الأمة

    بعض الدعاة الذين يقولون: إن الوجه يجوز كشفه -بغض النظر عن الحكم والفقه في هذه المسألة- لم يفطنوا إلى مقصد هؤلاء العلمانيين الذين يريدون أن يصلوا إلى هدفهم، يقول لك: العالم الفلاني قال: إن وجه المرأة ليس بعورة، هم كانوا يسمعونه بالأمس ولا يستدلون به، لكن هذا العالم له صيت عند الجماهير فيخدعون الناس بالمكانة هذه، وبغض النظر عن الحكم الفقهي في المسألة، فإن هذه معركة كيان أمة، يريدون أن يذوبوه مرة أخرى، فلكي يستغلوا هذا، يحتجون بهؤلاء العلماء.

    ونحن نقول للدعاة وللعلماء لابد من معرفة واقع الأمة في هذه الفترة، كذلك أنا متعجب من الذين يتكلمون عن الغناء أن له ضوابط، فيا ترى أي ضوابط يقصدون؟ إذا كنت تعلم أن المستفتي لا يراعي الضوابط؛ فأغلق عليه الباب، هل معنى إذا كان الغناء عفيفاً وشريفاً أنه يجوز، هل هذا اليوم موجود؟ غير موجود، هل الجماهير تلتزم بهذه الضوابط؟ لا تلتزم بالضوابط؛ لذلك كان ابن الجوزي معذوراً لما حذر على أبي نعيم عندما ألف كتاب حلية الأولياء وطبقات الأصفياء.

    لقد كتب حلية الأولياء عند شخص صوفي، فإذا بالصوفي يظن أن من المتصوفة: أبو بكر وعمر وأحمد بن حنبل وسعيد بن المسيب ، فلا يجوز أن تقول: أحمد بن حنبل صوفي، إنما قل: أحمد زاهد، لو قلت صوفياً، أقول لك: ليس صوفياً، لماذا؟ مراعاة للاصطلاح.

    وهذه الأيام عندما يأتي شخص -بعدما تفشى الغناء بمذاهب شتى- يقول لك: الغناء جائز بضوابط، لو أنك تعلم أن الجماهير لا تلتزم بالشرع؛ إذاً: هل يجوز لك أن تذكر الفتوى بهذه الضوابط التي لا تلتزم بها الجماهير.

    فقه المفتي يقتضي عكس ذلك، أغلق عليه الباب، قال العلماء: لا تعطي الرخصة لرجل مستهين؛ لأنه سيتخذ الرخصة في غير مكانها، مثلاً: رجل جاء وقال: أنا أعمل في طلاء البيوت، ويدي تمتلئ بالطلاء، فيأتي يسألك هل يجوز أن أجمع بين الصلاتين جمع تقديم أو تأخير، فأنت عندما تسمع في أثناء كلامه بعض الكلمات تجعلك تحجم عن إعطاء الفتوى والرخصة، وإذا جاء شخص وقال: أنا في العمل ولا أستطيع أن أصلي كل صلاة في وقتها فهل لي أن أجمع؟ فقال له المفتي: اجمع بين الصلاتين، إذاً: هذا أعطاه رخصة، فهو إذا كان صاحب فوضى لا يلتزم لا يلتزم بهذه الفتوى ولا بالرخصة.

    ولا تقل: النقاب مستحب وإلا واجب -الآن- لأننا أصبحنا في مرحلة غريبة جداً، ولم يعد الكلام على الحكم هل واجب أم مستحب، الكلام أصبح على أصل النقاب، فعندما يأتي رجل ويقول: النقاب مستحب وصوت المرأة ليس بعورة، قد يأتي لك شخص ويقول لك: الشيخ فلان والشيخ علان قال: إن النقاب مستحب، وصوت المرأة ليس بعورة، ومما يؤكد أن القضية ليست مسألة حكم فقهي، وإنما يراد به إفساد المجتمع، تراه اليوم من حملات شرسة على الحجاب، وقضية تحرير المرأة.

    ويروون قصة أن شخصاً يستدرج النساء ويقطع أيدهن ويأخذ الذهب، فلماذا يقطع أيديهن؟! لماذا لا يأخذ الذهب دون أن ينشغل بقطع اليد؟! فهذا كذب، والكاذب لا بد أن يترك أثراً تستدل به على كذبه؛ ولو وقع ما يدعونه، لبلغنا بالتواتر، وأنا أؤكد لكم أنكم تتعاملون مع أهل مكر وخديعة يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا [النور:19].

    والرسول عليه الصلاة والسلام قال (لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا اليهود فيختبئ اليهودي خلف الحجر فينادي الحجر يا مسلم! يا عبد الله! هذا يهودي خلفي تعال فاقتله) وهم يختفون خلف شجر الغرقد لأنه من شجر يهود إذا اختبأ خلفه لا ينادي.

    إذاً: لابد أن نرجع إلى ربنا؛ ليسخر الله عز وجل لنا من يعيننا على مهمة إعداد جيل التمكين، ولا يكون هذا الجيل إلا من الرضاع ولا يكون ذلك، إلا إذا كانت الأم نبيلة وكان الرجل نبيلاً، فلا بد لكل رجل أن يرجع إلى بيته، ويعلم الغاية من خلقه، ويسأل نفسه ماذا قدم لأمته؟ هل ربى أولاده التربية الحسنة؟

    أخي الحبيب: إنك لا تدري متى يأتيك الموت فالموت يأتي بغتة، والقبر صندوق العمل، فأعد للقاء ربك عز وجل، انصح الناس وإن كنت تعلم أنه لا فائدة، قلها كما قال القائلون من بني إسرائيل: وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ [الأعراف:164] .

    أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وسلم، والحمد لله رب العالمين.

    أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم.

    اللهم اغفر لنا ذنوبنا، وإسرافنا في أمرنا، وثبت أقدامنا، وانصرنا على القوم الكافرين.

    اللهم اجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر.

    اللهم قنا الفتن ما ظهر منها وما بطن، اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تسلط علينا بذنوبنا من لا يخافك ولا يرحمنا.

    ربنا آت نفوسنا تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها، اللهم اغفر لنا هزلنا وجدنا وخطأنا وعمدنا وكل ذلك عندنا.