إسلام ويب

سوء الخاتمةللشيخ : محمد حسان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الغاية من خلق العباد وإيجادهم في هذه الدنيا هي عبادة الله جل وعلا، ولا يستشعر ذلك إلا من عرف الحقيقة الحتمية التي لا مفر منها، ألا وهي: الموت والقدوم على الله سبحانه وتعالى، والسؤال عن الميثاق والعهد الذي أخذه الله على ابن آدم، وهو: ألا يشرك به شيئاً، كما أن من أكثر من ذكر الموت، واستحضر القدوم على الله كان هذا سبباً في حسن خاتمته.

    1.   

    الغاية من خلق العباد

    الحمد لله الذي لم يتخذ ولداً، ولم يكن له شريك في الملك، وما كان معه من إله، الذي لا إله إلا هو؛ فلا خالق غيره، ولا رب سواه، المستحق لجميع أنواع العبادة؛ ولذا قضى ألا نعبد إلا إياه فقال: ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ [الحج:62]، أحمدك -يا ربي- وأستعينك، وأستغفرك، وأستهديك؛ لا أحصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيت على نفسك، جل ثناؤك، وعظم جاهك، ولا إله غيرك. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك لك، هو الظاهر فلا شيء فوقه، وهو الباطن فلا شيء دونه، وهو على كل شيء قدير. وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، أدى الرسالة، وبلغ الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، فاللهم اجزه عنا خير ما جزيت نبياً عن أمته، ورسولاً عن دعوته ورسالته. اللهم كما آمنا به ولم نره فلا تفرق بيننا وبينه حتى تدخلنا مدخله. اللهم كما آمنا به ولم نره فلا تفرق بيننا وبينه حتى تدخلنا مدخله. اللهم كما آمنا به ولم نره فلا تفرق بيننا وبينه حتى تدخلنا مدخله. اللهم احشرنا تحت لوائه، اللهم احشرنا تحت لوائه، اللهم أحينا على سنته. اللهم أحينا على سنته، اللهم أحينا على سنته. اللهم توفنا على ملته، اللهم توفنا على ملته. اللهم اسقنا بيده الشريفة شربة هنيئة مريئة لا نظمأ بعدها أبداً. اللهم عافنا واعف عنا، واغفر لنا وارحمنا، اللهم عافنا واعف عنا، واغفر لنا وارحمنا. اللهم استرنا فوق الأرض، وتحت الأرض، ويوم العرض، اللهم استرنا فوق الأرض، وتحت الأرض، ويوم العرض. اللهم ارزقنا قبل الموت توبة، وعند الموت شهادة، وبعد الموت جنة ونعيماً ورضواناً، اللهم ارزقنا قبل الموت توبة، وعند الموت شهادة، وبعد الموت جنة ونعيماً ورضواناً؛ إنك ولي ذلك ومولاه، وأنت على كل شيء قدير. أما بعد: فيا أيها الأحبة في الله! مرحباً بكم في لقاء جديد من لقاءات الإيمان، في ضيافة الحق جل وعلا، وعلى مائدة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنضر الله هذه الوجوه، وزكى الله هذه الأنفس، وشرح الله هذه الصدور، وتقبل الله مني وإياكم صالح الأعمال، وغفر الله لي ولكم. ثم أما بعد: فإن لقاءنا هذا هو مع موضوع هام، إنه موضوع الخوف من سوء الخاتمة، أسأل الله أن يحسن ختامي وختامكم. اعلموا -أيها الإخوة في الله- أن الله جل وعلا خلق الإنسان ولم يتركه سدىً وهملاً، بل إن الله جل وعلا قد خلق هذا الإنسان، وحد له القوانين، وشرع له التشريعات، ووضع له الحدود التي تكفل سعادته في الدنيا والآخرة، فإن أطاع الإنسان أوامر مولاه؛ فأتمر بأوامره، وانتهى بنواهيه، ووقف عند حدوده جل وعلا؛ ضمن الله عز وجل له السعادة في دنياه، والنجاة والفوز في أخراه، وإن شذ هذا الإنسان عن أوامر الله جل وعلا، وعن نواهي الله عز وجل، ولم يقف عند حدوده؛ خاب -والله- وخسر في الدنيا والآخرة؛ فإن الله سبحانه وتعالى لم يخلق الخلق سدىً وهملاً، قال صاحب (معارج القبول) عليه رحمة الله: اعلم بأن الله جل وعلا لم يخلق الخلق سدىً وهملاً بل خلق الخلق ليعبدوه وبالإلهية يفردوه فالله جل وعلا خلقك، وأنزل إليك الكتب، وأرسل إليك الرسل، فأمرك ونهاك، وحد لك حدوداً لا ينبغي أن تتجاوزها أو تتعداها، ثم بين لك المصير، وحدد لك الجزاء؛ حتى لا تأتي يوم القيامة وتقول: يا رب! لم يبلغني رسولك، ولم أقرأ كتابك، بل أقام الله جل وعلا عليك الحجة في هذه الحياة، فأنزل عليك الكتب، وأرسل إليك الأنبياء والمرسلين، وأبقى لك بعد الأنبياء والمرسلين ورثة الأنبياء وورثة المرسلين، ألا وهم العلماء الذين -دوماً وأبداً- يذكرونك بأوامر الله، ويحذرونك من نواهي الله، ويذكرونك بأن تكون وقافاً عند حدود الله جل وعلا؛ ضماناً لسعادتك وفلاحك ونجاحك في الدنيا والآخرة. وحق على الله -أيها الأحبة في الله- لمن اتقاه أن يحسن بدايته، وأن يتولى رعايته، وأن يحسن نهايته، والتقوى كما عرفها علي رضوان الله عليه: هي العمل بالتنزيل، والخوف من الجليل، والرضا بالقليل والاستعداد ليوم الرحيل، وهذا وعد من الله جل وعلا للمتقين أن يحسن بدايتهم، وأن يتولى في الحياة رعايتهم، وأن يحسن نهايتهم بالفلاح والنجاح والتوحيد والإيمان. وقد بين الله جل وعلا لك أن المصير: إما جنة -نسأل الله أن يجعلنا من أهلها- وإما نار عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ [التحريم:6]. إذاً: أنت أيها الإنسان مخلوق لله جل وعلا، ومؤتمر بأوامر الله، وملتزم بقوانين الله جل وعلا، فطالما أنك مخلوق لله فأنت عبد لمولاك، ولا ينبغي للعبد أن يتصرف في ملك سيده إلا بإذن وتصريح منه، فيقف عند أوامره، وينتهي بنواهيه، ويمتثل بحدوده جل وعلا، فإذا التزمت بالأوامر والنواهي والحدود حدد الله جل وعلا لك المصير، وإن كانت الأخرى فإن الأمر واضح، يقول الله جل وعلا: وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا [ الشمس:7-10]. وقال في سورة النازعات: وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى [النازعات:40-41]، وقبل ذلك يقول الله جل وعلا: فَأَمَّا مَنْ طَغَى * وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى [النازعات:37-39].

    1.   

    الحقيقة الحتمية التي لا مفر منها

    الله سبحانه وتعالى حدد لنا الطريق، وأخبرنا بحقيقة يغفل عنها الناس في وسط طغيان الشهوات والماديات، وهذه الحقيقة حقيقة تسربل بها طوعاً وكرهاً البغاة، والمتألهون، والظالمون، والمتكبرون، والمتجبرون، بل والأنبياء والمرسلون، إنها الحقيقة الكبرى، إنها قضية كلية من قضايا الكون الكلية، ألا وهي حقيقة الموت. إن الموت -أيها الأحبة في الله- لا بد أن نذكره دوماً وألا ننساه؛ لأن من ذكر الموت عجل التوبة، والتزم بالقناعة والرضا، وعلم حقيقة هذه الحياة، فقد طغت الماديات والشهوات على قلوب كثير من الناس، لما ذكر الله جل وعلا الموت في القرآن ذكره بلفظة الحق؛ لأنه حق لا مراء فيه، وصدق لا كذب فيه، ولا باطل معه، يقول الله جل وعلا: وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ * وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ * وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ * لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ [ق:19-22]، انتبهوا إلى دقة هذه الكلمات! (وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ)، والحق أنك تموت، والله حي لا يموت. (وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ)، والحق أن ترى عند موتك ملائكة الرحمة أو ملائكة العذاب. (وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ)، والحق أن يكون قبرك روضةً من رياض الجنة أو حفرة من حفر النيران. (وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ)، (تحيد) أي: تهرب وتفر وتجري! تحيد إلى الطعام إذا أحسست بالجوع، وتحيد إلى الشراب إذا أحسست بالظمأ، وتحيد إلى الطبيب إذا أحسست بالمرض، ثم ماذا بعد كل هذا؟ يا أيها القوي الفتي! يا أيها الذكي! يا أيها العبقري! يا أيها الأمير! يا أيها الحاكم والوزير! بل ويا أيها الوضيع! بل ويا أيها الحقير! استمعوا جميعاً (وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ) فوالله الذي لا إله غيره! إن كل باك سيبكى! أنت اليوم تبكي على إخوانك وخلانك وأحبابك الذين يموتون، وغداً سوف يُبكى عليك أيها المسكين! كل باك سيبكى، وكل موجود سيفنى، وكل مذكور سينسى، ليس غير الله يبقى، من علا فالله أعلى. إنها حقيقة مرة والله الذي لا إله غيره وكثير من المسلمين غفل عنها، ولا تظن أن ذكرى الموت هو أن نقول: إننا كنا الليلة أو اليوم نشيع جنازة فلان أو فلانة، كلا! بل إن ذكرى الموت -أيها الأحبة في الله- هو أن نستعد دوماً وأبداً لهذا اللقاء، في معجم الطبراني: (أن رجلاً من الأنصار قال: يا رسول الله! من أكيس الناس وأعزم الناس؟ -أي: من أرجح الناس عقلاً، وأكثر الناس فطنة وذكاءً؟ فقال صلى الله عليه وسلم: أكثرهم ذكراً للموت) ولم يكتف الرسول صلى الله عليه وسلم بهذه العبارة أيها الأحباب! بل قال: (أكثرهم ذكراً للموت، وأكثرهم استعداداً للموت). يا أيها الأخ الكريم! اعلم علم اليقين أنه لابد أن تلقى الله رب العالمين، قال عز وجل: كَلَّا إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى * إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى [العلق:6-8]. وقال عز وجل: يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ [الانشقاق:6]. وقال عز وجل: كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ * وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ * وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ * وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ * إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ [القيامة:26-30]. أي: إلى ربك يومئذ المرجع والمآل والعودة. فيا أيها الإنسان! لا تظن أنك قد خلقت سدىً، ولا تظن أنك قد خلقت لتدور في اليمين وفي الشمال برغباتك وشهواتك وأهوائك ونزواتك، فافعل ما شئت في هذه الحياة، وابعد عن أوامر ربك ما شئت؛ لأنه لابد أنك ستقف يوماً بين يدي الله جل وعلا، لتسأل عما قدمت، وعما أخرت، وعما أسررت، وعما أعلنت، قال عز وجل: إِذَا زُلْزِلَتِ الأَرْضُ زِلْزَالَهَا * وَأَخْرَجَتِ الأَرْضُ أَثْقَالَهَا * وَقَالَ الإِنسَانُ مَا لَهَا * يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا [الزلزلة:1-4]، قرأ الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم هذه الآية يوماً فقال لأصحابه: (أتدرون ما قوله: يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا [الزلزلة:4]؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، فقال لهم صلى الله عليه وسلم: يوم تشهد الأرض على كل من كان على ظهرها)، فسوف تشهد عليك هذه الأرض، وتخبر بكل شيء؛ بكل ما كان، وبكل ما جرى، وبكل ما حدث. ويقول الله جل وعلا في سورة يس: الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ * وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ فَأَنَّى يُبْصِرُونَ * وَلَوْ نَشَاءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِمْ فَمَا اسْتَطَاعُوا مُضِيًّا وَلا يَرْجِعُونَ * وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَفَلا يَعْقِلُونَ [يس:65-68]، فتشهد عليك جوارحك، وتشهد عليك هذه الأرض التي تعيش عليها، والتي عصيت الله جل وعلا على ظهرها، ولم تعجل بالتوبة إلى الله عز وجل بعد هذه المعصية. فيا أيها الأخ الكريم! اعلم أنك ما خلقت سدىً وهملاً، بل إنه لابد لك من لقاء بين يدي الله جل وعلا، ولكن هذه الحياة وهذه الفترة التي ستحياها بين وقت ميلادك ووقت مماتك هي فترة عصيبة ورهيبة. فلابد أن تسجد لله شكراً أنك من الموحدين لله جل وعلا، والله الذي لا إله غيره! ليس الأمر باختيارك ولا بإرادتك أنت، وإنما الأمر بتوفيق الله جل وعلا كما قال عز وجل: ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ [الحديد:21]، فلا تظن أنك مسلم لله جل وعلا بفضلك واختيارك ورغبتك، بل إنك بعثت في أسرة مسلمة، ونشأت على الإسلام، جاء في صحيح البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما من مولود إلا ويولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه) أي: من عاش في أسرة يهودية شب يهودياً والعياذ بالله! ومن عاش في أسرة نصرانية شب نصرانياً والعياذ بالله! ومن عاش في أسرة مجوسية شب مجوسياً والعياذ بالله! أما إن رأيت نفسك في أسرة تعلن التوحيد لله جل وعلا، وتنتسب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوالله! يا إخواني! إنها نعمة لو شكرنا الله جل وعلا عليها الليل والنهار ما وفيناه حق هذه النعمة؛ لأنه فضل الله أولاً وآخراً، وابتداءً وانتهاءً، فهو الذي اختارنا موحدين، وهو اختارنا مسلمين، وهو الذي ثبتنا على سنة رب العالمين، فعليكم أن تسجدوا لله شكراً على هذه النعمة، وصدق من قال: ومما زادني فخراً وتيهاً وكدت بأخمصي أطأ الثريا دخولي تحت قولك يا عبادي وأن صيرت أحمد لي نبيا فالحمد لله الذي جعلنا مسلمين.

    1.   

    الميثاق الذي أخذه الله على بني آدم

    الله جل وعلا خلق الناس جميعاً وفطرتهم على توحيده وعبادته كما قال عز وجل: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ [الأعراف:172]، وانظروا إلى دقة الكلمات القرآنية! يقول صاحب (معارج القبول) في تعليقه على هذه الآية: لم يقل الله جل وعلا: وإذ أخذ ربك من آدم، وإنما قال: من بني ولم يقل ربنا: من ظهره، بل قال: (مِنْ ظُهُورِهِمْ)، ولم يقل: ذريته، بل قال: (ذُرِّيَّتَهُمْ) وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ [الأعراف:172]. جمع الله الأرواح في عالم يسمى بعالم الذر، وأشهد الله الأرواح على أن له الوحدانية والجلال والكمال، فشهدت كل نسمة وكل روح ستدب على ظهر الأرض إلى أن يرثها الله جل وعلا لله بالوحدانية والكمال، خلقها الله واستنطقها فنطقت، وقال لها: (أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ) أي: ألست بربكم الذي خلقكم؟ ألست بربكم الذي يرزقكم؟ ألست بربكم الذي يرعاكم ويتولاكم؟ ألست بربكم الذي يوفقكم لما فيه الخير؟ ألست بربكم الذي خلق السماوات والأرض؟ ألست بربكم الذي رفع السماء بغير عمد وبسط الأرض؟ ألست بربكم الذي أنزل إليكم الكتب؟ ألست بربكم الذي بعث إليكم الرسل؟ فشهد الجميع لله بالكمال والجلال وقالوا: (بَلَى شَهِدْنَا) أي: شهدنا لله بالوحدانية، وشهدنا لله بالكمال والجلال، فذكرهم الله جل وعلا بهذا الميثاق الأول الذي نسيه كثير من المسلمين، ذكرهم الله وهو يعلم من خلق: أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [الملك:14]، فهو الذي يعلم ما كان، وما قد كان، وما هو كائن، وما سيكون، قال جل وعلا: أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ [الأعراف:172]، فالحمد لله الذي جعلنا مسلمين، وأنطقنا بالتوحيد والكمال في عالم الذر، ثم خلقنا الله جل وعلا وأنشأنا في بيت مسلم يدعو الله ويوحده عز وجل، فهذا فضل الله أولاً وآخراً، وابتداءً وانتهاءً. ولكن لا تظن أن الأمر يقف عند هذا الحد، فكم من مسلم نشأ في بيت مسلم، وشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، ولكن الله جل وعلا قد ختم له بالكفر، والعياذ بالله! فكم من كافر وكم من عاصٍ وكم من مذنب عاش طوال حياته على المعصية، وعاش طوال حياته على الفسق والفجور، ولكن الله جل وعلا بفضل منه ورحمة ختم له عند موته بـ(لا إله إلا الله) فكان من أهل الجنان! فيا أيها المغرور .. يا أيها المخدوع بعلمه! يا أيها المخدوع بطاعته! يا أيها المخدوع بصلاته! .. يا أيها المخدوع بعدد حججه! يا أيها المخدوع بالطاعات! انتبه واحذر! فوالله الذي لا إله غيره! إن الخوف من سوء الخاتمة مزق قلوب الأنبياء والمرسلين، ومزق قلوب الأتقياء والعارفين، فلا تظنوا أن الأمر يسير أو هين، فكم من مسلم شهد لله بالوحدانية ولكنه مات على غير الإسلام وخرج من الدنيا على غير الإيمان! وكم من مسلم عاش طوال حياته على فسق وضلال وختم الله جل وعلا له بالتوحيد والإيمان، فنطق عند موته بـ(لا إله إلا الله) فكان من أهل الجنان!

    1.   

    الأعمال بالخواتيم

    فالتوفيق بيد الله ابتداءً وانتهاءً، وأولاً وآخراً، فنسأل الله جل وعلا أن يجعلنا ممن يتوفاهم على التوحيد والإيمان. استمع إلى كلام حبيبك ومصطفاك -والحديث في مسند الإمام أحمد- وانتبهوا يا إخواني! إلى دقة هذا الكلام، فوالله! إن هذا الموضوع في غاية الخطورة، واعلموا أن الذي يتكلم به هو المصطفى رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر في دعائه أن يقول: اللهم يا مقلب القلوب! ثبت قلبي على دينك، فقالت أم سلمة : يا رسول الله! أو إن القلوب لتتقلب؟! فقال لها: يا أم سلمة ! والذي نفسي بيده! ما من مخلوق الله من بني آدم إلا وقلبه بين أصبعين من أصابع الرحمن، إن شاء الله أقامه، وإن شاء الله أزاغه)، وفي رواية أخرى: (إلا وقلبه بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء)، وهذا حديث في غاية الخطورة، ووالله! لو أننا نحمل بين طيات جوارحنا إيماناً يلاصق قلوبنا مباشرة وحقيقة، وقرأنا هذا الحديث أو استمعنا إليه؛ لتمزقت القلوب، وارتعدت الجوارح والأفئدة، فالذي يدعو بذلك هو رسول الله، فماذا أقول أنا؟! وماذا تقول أنت؟! الحبيب رسول الله يقول: (يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك)، وهو المصطفى والمجتبى والمختار، وهو الذي كرمه الله جل وعلا على جميع المخلوقات، بل وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، وهو الذي رباه الله على عينه، وهو الذي قال له ربه: مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى [الضحى:3]، وهو الذي قال له ربه: فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا [الطور:48]، وهو الذي قال له ربه: وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ [المائدة:67]، ومع هذا: (يا مقلب القلوب! ثبت قلبي على دينك)، فارتعدت أم سلمة فقالت: (يا رسول الله! أو إن القلوب لتتقلب؟! أي: أن قلبي على الإسلام، وعلى هذا الدين، وعلى هذا الإيمان، فهل من الممكن أن يتقلب عن هذا الإسلام؟! فقال لها: (يا أم سلمة ! والذي نفسي بيده! ما من مخلوق من بني آدم إلا وقلبه بين أصبعين من أصابع الرحمن، إن شاء الله أقامه، وإن شاء الله أزاغه) أو (بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها الله جل وعلا كيف يشاء). أيها الأحبة في الله! إن القلوب بيد الله جل وعلا، وإن القلوب لتتقلب، وإن الأمر جد خطير، ويحتاج إلى عمل طويل، وإلى جهاد مرير، يقول الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم -والحديث في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه-: (إن الرجل ليعمل الزمان الطويل بعمل أهل النار، ثم يختم الله جل وعلا له عمله، فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخل الجنة؛ وإن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة الزمان الطويل، ثم يختم الله جل وعلا له عمله، فيعمل بعمل أهل النار فيدخل النار)، وفي رواية أخرى: (فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة، فيدخل الجنة؛ ويسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار، فيدخل النار)، وروى الإمام البخاري عليه رحمة الله هذا الحديث وزاد في آخره: (إنما الأعمال بالخواتيم). جاء في سنن الإمام الترمذي من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن الرسول صلى الله عليه وسلم ذكر أن الكفل كان من بني إسرائيل، وكان يسرف على نفسه بالمعاصي، وجاءته امرأة تطلب منه المال، فراودها عن نفسها فأبت، وذكرته بالله جل وعلا، فأصر، ولما جلس منها كما يجلس الرجل من زوجه ارتعدت، واصفرت، واضطربت جوارحها، فقال لها: ممن تخافين؟ قالت: أخاف الله رب العالمين، فأرخى عليها ثيابها، وعاهد الله من وقته ألا يعصي ربه طرفة عين، وقدر الله جل وعلا أن مات الكفل في تلك الليلة، ولا يعرف الناس عنه إلا الفسق والضلال، واستيقظ الناس، وذهبوا إلى دار الكفل فرأوا عجباً، رأوا كتابة على باب داره بخط عجيب غريب: لقد غفر الله للكفل جميع ذنوبه! لأنه أخلص التوبة لله جل وعلا. ويشهد لمعنى هذا الحديث البخاري ومسلم عن أبي هريرة في قصة الرجل الذي قتل تسعة وتسعين نفساً، وبعدما يأسه العابد من التوبة قتله وأتم به المائة، وبعد ذلك تاب إلى الله جل وعلا على يد عالم، وقبل الله منه التوبة، كما أخبر الحبيب صلى الله عليه وسلم، ويوم أن خرج من قريته مات، فاختلفت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، فأرسل الله إلى الملائكة ملكاً ليحكم بينهم، وقال لهم: (قيسوا المسافة، فإلى أيتهما هو أقرب فهو من أهلها، فقاسوا المسافة، فوجدوه قريباً بشبر من القرية التي كان يقصدها للعبادة فيها)، وفي بعض الروايات يقول الحبيب: (قال الله جل وعلا: يا رياح! احمليه، ويا أرض! قربيه)، وهو الذي عاش طيلة حياته على المعصية، بل على كبيرة من الكبائر وهي جريمة القتل، وهذا الكفل عاش على الفسق والمعاصي، وهكذا كم من الناس الذين لا يعلمهم إلا خالقهم جل وعلا عاشوا على مزاولة المعاصي، وقبل أن يلقى أحدهم الله بأيام أو بساعات تاب إلى رب الأرض والسماوات؛ فقبل الله منه التوبة، وغفر له الذنوب، وستر الله عليه العيوب، وختم له بالتوحيد فقال: لا إله إلا الله، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: (من كان آخر كلامه: لا إله إلا الله دخل الجنة)، واعلموا بأن الأمر ليس يسيراً، فلا تظنوا أن النطق بهذه الشهادة عند الاحتضار أمر هين، كلا! والله! فإن اللسان في هذا الوقت لا ينطق ولا يتكلم، بل الذي سيتكلم هو عملك، فكم من العلماء الذين ملئوا الدنيا بعلمهم، وارتفعوا على الناس بكراسيهم ومناصبهم، وكم من العلماء الذين ملئوا المساجد بالدروس والمحاضرات -أسال الله العفو والعافية- فإذا جاءته لحظة الموت، وجاء من حوله ليلقنوه الشهادة، ربما ما استطاع لسانه أن ينطق بـ(لا إله إلا الله)؛ لأنه لا ينطق في هذه اللحظات إلا الأعمال الصالحات، واقرأ قول الله جل وعلا: إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا [فصلت:30]، فلابد من الاستقامة على هذه الكلمة، لابد من الاستقامة على طريق الإيمان: إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ [فصلت:30]، فالإنسان حين ينام على فراش الموت تأتيه الشياطين من كل مكان تريد أن تضله، وتريد أن تخرجه على غير الإيمان، فشيطان على يمينه، وشيطان على شماله، وشيطان عند رأسه، وشيطان عند قدميه، وشيطان يقول له: مت يهودياً؛ فإنه خير الأديان، وشيطان يقول له: مت نصرانياً؛ فإنه خير الأديان، وهكذا.. فإن كان من المؤمنين الصادقين المخلصين فيقول الله جل وعلا في حقهم: يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا [إبراهيم:27]، يتنزل عليه التثبيت والثبات يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ [إبراهيم:27]، وما هو القول الثابت؟ يقول ابن عباس : إن القول الثابت هو: لا إله إلا الله، فيتنزل عليه الثبات من رب الأرض والسماوات: يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ [إبراهيم:27]، وهكذا فإن المؤمنين الصادقين تتنزل عليهم ملائكة التثبيت والثبات، كما قال الله عز وجل: إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ [فصلت:30]، فتبشرهم الملائكة وتقول لهم: أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ * نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ [فصلت:30-32]. إمام أهل السنة والجماعة الإمام أحمد لما نام على فراش الموت أتاه ولده عبد الله ليلقنه الشهادة، ويذكره بـ(لا إله إلا الله)، ولكن الإمام كان لا يتكلم إلا بكلمة واحدة، ولا يصرخ إلا بها، ولا ينطق إلا بها، كان يقول: لا، لا، لا.. ولما أفاق الإمام من سكرات الموت وكرباته وهوله، سأله ولده وهو يبكي: يا أبت! أقول لك: قل: لا إله إلا الله وأنت تقول لي: لا، لا؟ فرد الإمام وقال: يا بني! أنا لا أتحدث معك، أتاني شيطانان، جلس أحدهما عن يميني، والآخر عن يساري يقول لي الأول: يا أحمد ! لقد فتنا في دنياك ولو فتنا اليوم ما أدركناك بعد اليوم، يا أحمد ! مت يهودياً؛ فإنه خير الأديان، والآخر يقول: يا أحمد ! مت نصرانياً؛ فإنه خير الأديان، وأنا أقول: لا، لا، بل على دين محمد صلى الله عليه وسلم، على (لا إله إلا الله) على كلمة التوحيد والإخلاص، أتدرون من هذا الذي ذهبت إليه الشياطين لتضله؟ إنه إمام أهل السنة والجماعة، إنه الإمام أحمد! فماذا يكون ظني بك وظنك بي؟! وكيف حالك وحالي؟! نسأل الله العفو والعافية؛ فالشياطين لا تتركنا في الدنيا ولا عند الموت، بل تريد أن يختم لك بالسوء والعياذ بالله! فتقول لك: مت على دين اليهودية، مت على دين النصرانية، هذا وأنت في هذه السكرات والظلمات، فالموت في حد ذاته كربة، والموت في حد ذاته فتنة، بل إن الله سماه مصيبة كما في سورة المائدة.

    1.   

    مصيبة الموت وما اشتملت عليه من الدواهي

    انتبه معي أيها الشاب! انتبهوا معي أيها المسلمون! ما ظنك وما حالك لو قطع عرق من عروقك؟ لا شك أنك تتألم ألماً شديداً، وتتألم ألماً فظيعاً، وإحساسك بألمه هو من خلال وجود الروح فيك؛ لأنك لا تتألم إذا خرجت الروح منك، سئل الشافعي عليه رحمة الله وقيل له: يا إمام! هل الروح هي التي تحمل الجسد أم أن الجسد هو الذي يحمل الروح؟ فقال: بل إن الروح هي التي تحمل الجسد، بدليل أن الروح إذا فارقت الجسد؛ وقع الجسد جثة هامدة لا قيمة له، فأنت لا تتألم إلا لوجود الروح فيك، فإذا قطع عرق منك تتألم لوجود الروح فيك، فما ظنك إذا كان الذي ينزع منك هو الروح كله؟! الذي تنزع الروح من جسده يحس بسكرة عجيبة، وكربة شديدة، إنها سكرات الموت، فإن لكل عضو من أعضائك ولكل جارحة من جوارحك سكرة بعد سكرة، وكرباً بعد كرب، وضيقاً بعد ضيق، وهولاً بعد هول، قال عز وجل: وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا [النازعات:1] وهم الملائكة وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا [النازعات:2]، إنها سكرات وكربات وأهوال! كرب بعد كرب لكل عضو ولكل جارحة، فينام الإنسان على فراش الموت وقد بردت أطرافه، وارتعدت فرائصه، واضطربت جوارحه، وتجعد وجهه، وبرد كل عضو منه بعد الآخر، أنفاسه في صدره تعلو وتهبط، اجتمع الناس من حوله، وأحضروا له الأطباء، وأحضروا له الخبراء، ووضعوا له التحاليل، ووضعوا له الأدوية، وجهزوا له كل شيء؛ لأنه صاحب المنصب، وصاحب الجاه، وصاحب السلطان، وصاحب الأموال، وصاحب القوة، وصاحب الوزارات، ولكن الله جل وعلا قدر عليه الموت، ولا راد لقدره ولا راد لمشيئته، قال عز وجل: وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ [النساء:78].

    سكرات الموت

    مصيبة الموت في حد ذاتها تشتمل على ثلاث دواهي: الداهية الأولى: سكرات الموت، وسكرات الموت أمر شديد، وأمر فظيع؛ لأن لكل عضو سكرة، ولكل عضو ألم وتألم، فينام الإنسان على فراش الموت وقد اصفر وجهه، وارتعدت جوارحه، واصفر لونه، وبردت أعضاؤه، ينام على فراش الموت فيسلم كل عضو الروح إلى العضو الذي يليه، وتراه قد بردت منه الأطراف، وارتعدت الجوارح، واضطربت الفرائص، واصفر اللون، وتجعد الوجه، واجتمع الأطباء من حوله، وأحضروا له الخبراء والأطباء، وأحضروا له العلماء والأدوية؛ لأنه صاحب الوزارات، وصاحب الأموال والأرصدة، وصاحب العمارات والسيارات، وصاحب المنصب والكرسي، أحضروا له الأطباء من حوله، فهذا يصنع كذا.. وذاك يفعل كذا.. من أجل أن يطيلوا في حياته، وأن يطيلوا في عمره! فإذا أفاق من سكرات الموت نظر إلى من حوله، وهو في هذا الكرب والهول؛ نظر إلى زوجه.. إلى أولاده.. إلى أحفاده.. وقال لهم: يا أولادي! لا تتركوني وحدي! ولا تفردوني في لحدي! من منكم يزيد في عمري ساعة أو ساعتين؟! أنا أبوكم، وأنا أخوكم، وأنا حبيبكم! أنا الذي بنيت القصور، أنا الذي عمرت الدور، أنا الذي نميت التجارة، أنا الذي جمعت ومنعت، ولكن هيهات، قال عز وجل: حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ [المؤمنون:99-100]، كلا! إنها كلمة لا يجيبها الله؛ لأنها كلمة حقيرة خرجت من حقير على الله، كان في دنياه يعاند شرع الله، ويحارب الدعاة، ويتحدى الله جل وعلا، وكانت زوجته تخرج سافرة عارية ولا يمنعها، ولم يصل لله صلاة، ولم يركع لله ركعة، ولم يسجد لله سجدة، ولم يتق الله جل وعلا، ولم يراقبه: (كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا)، كلمة حقيرة لا يسمعها الله، ولا جواب لها عند الله جل وعلا، (وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ). سكرات الموت شديدة، تألم منها رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم، ففي صحيح البخاري من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: (لما اشتد برسول الله صلى الله عليه وسلم النزع كان عنده ركوة فيها ماء، فكان كلما اشتد به النزع وضع يده في الإناء، ثم مسح بالماء على جبهته- أي: على الرشح الذي يخرج من جبينه- ثم يقول: إن للموت لسكرات! اللهم هون علي سكرات الموت)، فهذا رسولنا صلى الله عليه وسلم يقول: (إن للموت لسكرات! إن للموت لسكرات! اللهم هون عليَّ سكرات الموت)، وذكر الإمام المحاسبي عليه رحمة الله أن الله جل وعلا قال لإبراهيم الخليل: (يا إبراهيم! كيف وجدت الموت يا إبراهيم؟ فقال الخليل: وجدت الموت يا رب! كسفود -أي: كقطعة حديد صلبة- بين صوف مبلول، فنزعت فانتزع معها كل شيء، فقال الله: أما إنا قد هونا عليك، أما إنا قد هونا عليك). وذكر المحاسبي عليه رحمة الله أيضاً: (أن الله قال لموسى: يا موسى! كيف وجدت الموت؟ فقال موسى: يا رب! وجدت الموت كعصفور وضع على مقلاة، فلا هو يطير فينجو، ولا يموت فيستريح)، هذه هي سكرات الموت. يوم أن نزلت سكرات الموت بـهارون الرشيد وأفاق من سكراته وكرباته، نادى على من حوله وقال لهم: أريد أن تحملوني لأرى قبري الذي سأدفن فيه بعيني، فحملوا هارون الذي أعطاه الله ملكاً عظيماً، كان يخرج فيرى السحابة في السماء فيقول لها: أيتها السحابة! في أي مكان شئت فأمطري، فوالله لسوف يأتيني خراجك إن شاء الله، أي: أن أي مكان أنزلت أمطارك ومياهك، سوف يخرج هذا الماء الزرع، ويأتيني خراج هذا الزرع من أي البقاع، انظروا إلى عظمة ملكه! فـهارون لما احتضر قال: احملوني لأرى قبري بعيني، فحملوا هارون إلى قبره فنظر إلى حفرته وبكى، وظل يبكي حتى أبكى من حوله، ثم رفع رأسه إلى الله جل وعلا وقال: يا رب! يا من لا يزول ملكه! ارحم من قد زال ملكه، يا ألله! يا من لا يزول ملكه! ارحم من قد زال ملكه.

    رؤية ملك الموت

    الداهية الثانية من الدواهي الثلاث التي تتعلق بالموت، والتي تجعل الإنسان غير الصادق يختم له بسوء الخاتمة: رؤية ملك الموت، وهذا أمر مرعب وأمر عجيب! فلقد روى الإمام أبو نعيم في (حلية الأولياء) بسند ضعيف عن واثلة بن الأسقع رضي الله عنه أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (رؤية ملك الموت أشد من ألف ضربة بسيف)، ترى شيئاً عجيباً لأول مرة؛ لأنك سترى ملك الموت رأي العين، وتعاين كل شيء، بل سترى مكانك في الجنة والنار، كما في حديث البراء بن عازب الطويل الذي خرجه الإمام النسائي والإمام أحمد والإمام الترمذي والحاكم وقال: صحيح على شرط الشيخين.

    1.   

    الحذر من سوء الخاتمة

    وبعد ذلك فإن أعظم هذه الدواهي الثلاث هي داهية سوء الخاتمة، والعياذ بالله! وأقول: إن الأمر بيد الله، ويحتاج إلى إيمان صادق، وعمل مخلص، وسوء الخاتمة أمر خطير يحتاج إلى أمور، ونسأل الله جل وعلا أن يختم لنا بحسن الخاتمة؛ فكم من مسلم ختم له بغير الإيمان، قرأت في كتاب (التذكرة) للإمام القرطبي: أن امرأة مرت على رجل وسألته قائلة: يا هذا! أين حمام منجاب؟ وحمام منجاب مكان يغتسل فيه النساء، فلما نظر إليها هذا الرجل وقعت في قلبه فافتتن بها؛ فأشار إلى باب داره وقال: هذا هو حمام منجاب، فدخلت المرأة إلى هذا البيت، ولما علمت أنها وقعت في الفخ أرادت أن تزينها له حتى تهرب، فقالت: هلا أحضرت كذا وكذا؟! فخرج هائماً على وجهه، فهربت، فعاد إلى بيته ليبحث عنها فلم يجدها، فخرج إلى الشوارع والطرقات هائماً يقول: يا ربُّ قائلة يوماً وقد تعبت أين الطريق إلى حمام منجاب وظل الرجل يهذي بهذا الكلام حتى عاش طيلة حياته يقول هذه، ولما حضرته الوفاة وذهبوا يلقنوه (لا إله إلا الله) وكلما قالوا له: قل لا إله إلا الله كان يرد على الحاضرين ويقول: يا ربُّ قائلة يوماً وقد تعبت أين الطريق إلى حمام منجاب وختم له بسوء الخاتمة، والعياذ بالله! وذكر القرطبي أيضاً أن مؤذناً كان يؤذن في مصر، وصعد ذات يوم على سطح المسجد ليرفع الأذان، فوقعت عينه على امرأة في بيت رجل نصراني، فوقعت في قلبه، وافتتن بها، فنزل إلى دارها وقال: أريدك لنفسي، فقالت: أنت مسلم وأنا نصرانية، فإن أردتني فلتخرج من دينك ولتتنصر. قال: لا مانع من أن أتنصر من أجلك، فخرج الرجل من الإسلام وتنصر، والعياذ بالله! ثم صعد على سطح هذه الدار لبعض شئونه فسقط ميتاً، فلم يفز بدنيا ولا بآخرة. وذكر أيضاً الإمام القرطبي في (التذكرة): أن أحد الناس كان يعمل تاجراً، ولما حضرته الوفاة جعلوا يلقنوه (لا إله إلا الله)، فكان يكرر الأرقام الحسابية فيقول: عشرة.. إحدى عشر.. اثنا عشر! يا عبد الله! قل: لا إله إلا الله، وهو يكرر الأرقام الحسابية والعياذ بالله! ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم! وختم له بسوء الخاتمة، نسأل الله العفو والعافية. فما العمل إن كان الأمر والقلوب بيد الله؟! إن دواهي الموت الثلاث تجعل الثابت حيراناً، فما العمل لينجينا الله جل وعلا من الخاتمة السيئة والعياذ بالله؟! يقول الإمام ابن كثير عليه رحمة الله في تفسيره لقول الله جل وعلا: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102]. (لقد أجرى الله الكريم عادته بكرمه أن من عاش على شيء مات عليه، ومن مات على شيء بعث عليه). إنها قمة العدل وقمة الرحمة. ويقول الإمام ابن رجب الحنبلي عليه رحمة الله: (ما علم على الإطلاق أن رجلاً ختم له بسوء الخاتمة وقد استقام ظاهره مع باطنه، ولا يختم بسوء الخاتمة -والعياذ بالله!- إلا لمن اختلف باطنه مع ظاهره)، فمن اختلف باطنه مع ظاهره فهو الذي يختم له بسوء الخاتمة. فالأمر -أيها الإخوان- يحتاج إلى صدق في العمل، وإلى اجتهاد في الطاعة، وإلى متابعة للجماعة، وإلى التزام بسنة النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن الإيمان قول وعمل، ليس الإيمان بالتمني، ولكن الإيمان ما وقر في القلب وصدقه العمل، وإن قوماً ألهتهم أماني المغفرة حتى خرجوا من الدنيا ولا حسنة لهم، وقالوا: نحن نحسن الظن بالله، وكذبوا لو أحسنوا الظن لأحسنوا العمل. إذاً: الأمر يحتاج إلى استقامة في الظاهر، واستقامة في الباطن، فمن استقام ظاهره مع باطنه ختم له بخاتمة طيبة إن شاء الله جل وعلا، فلقد أجرى الله الكريم عادته بكرمه أن من عاش على شيء مات عليه، فإن عشت على الطاعة مت على الطاعة، وإن عشت على التوحيد طيلة حياتك واستقمت عليه توفاك الله عليه، وإن عشت للمباريات والمسلسلات والأفلام والمعاصي والشهوات مت على ذلك، وبعثت على ذلك، فالأمر جد خطير. فمن رحمة الله وعدله وكرمه أن من استقام على طريق الإيمان، واستقام على طريق الطاعة، واستقام على طريق التوحيد، واستقام على طريق السنة؛ ختم الله جل وعلا له بالإيمان، وختم الله جل وعلا له بالتوحيد، فثبته الله جل وعلا عند الموت. يقول ابن رجب الحنبلي : (يقال للملك إذا ما ذهب ليقبض روح العبد: شم رأسه، فيقول: أجد في رأسه القرآن، فيقال للملك: شم بطنه، فيقول: أجد في بطنه رائحة الصيام، فيقال: شم قدميه، فيقول: أشم في قدميه رائحة القيام، فيقال: عبد حفظ نفسه فحفظه مولاه). احفظ الله يحفظك؛ فحق على الله لمن اتقاه أن يحسن الله بدايته، وأن يتولى الله رعايته، وأن يحسن الله نهايته. إذاً: الأمر بيد الله جل وعلا، والأمر يحتاج إلى إيمان واستقامة، وإلى صدق ومجاهدة، وإلى إخلاص ويقين، وإلى عمل وجد، وإلى اجتهاد وطاعة، فإنك إذا أردت أن تحصل على درجة الماجستير أو على درجة الدكتوراة لا تنام كثيراً، بل تواصل الليل بالنهار من أجل الحصول على شهادة ربما حرص أحد على أن يأخذها وهي تبعده عن الله جل وعلا، وقد يكون فيها تجرؤ بعد ذلك على الله، وتحدٍ لشرع الله، فهذا دكتور عظيم يقول: لماذا لا نخطئ البخاري ؟ إن البخاري رجل فلماذا لا نخطئ البخاري ؟! وهو الذي ظل يجمع صحيحه، وقضى في حله وترحاله ستة عشر عاماً كاملة، ثم يقول هذا: لماذا لا نخطئ البخاري ؟ وهو الذي أجمع جلة أهل العلم على صحة كتابه إلى الحد الذي قالوا فيه: إنه أصح الكتب بعد القرآن الكريم، ثم يأتي عالم في عرف العلماء يحمل الدكتوراة ليتحدى الله جل وعلا بعد ذلك، ويتجرأ على سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. فيا أيها الأحباب! إن الأمر جد خطير، ولكنني لا أقنط أحداً؛ فإن الأمر في غاية البساطة، قال ابن رجب : (من استقام ظاهره مع باطنه ختم له بالإيمان، ومن ناقض ظاهره باطنه ختم له بسوء الخاتمة) . فهيا استقيموا على طريق التوحيد، وتتبعوا سنة محرر العبيد صلى الله عليه وسلم، واجتهدوا في الطاعة والعبادة، واعلموا أن الله جل وعلا يقبل التوبة عن عباده، ويغفر الذنوب، ويكفر السيئات، قال عز وجل: قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [الزمر:53]. فلا تيئسوا ولا تقنطوا، وتوبوا إلى الله جميعاً -أيها المؤمنون- لعلكم تفلحون، واعلموا أن الله سبحانه غفار لمن تاب وآمن وعمل صالحاً ثم اهتدى لله جل وعلا. فهيا أيها الأحباب! بادروا بالتوبة ولا تسوفوا، فإن الموت يأتي بغتة. أسأل الله جل وعلا أن يختم لنا بحسن الخاتمة، وأن يختم لنا بالتوحيد والإيمان، وأن يخرجنا من هذه الدنيا على خير، وأن يحشرنا في زمرة الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم، وأن يمتعنا بالنظر إلى وجهه يوم نلقاه. وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. والحمد لله رب العالمين.