إسلام ويب

تمام القدوة بحسن الأسوةللشيخ : أبو إسحاق الحويني

  •  التفريغ النصي الكامل
  • التأسي فطرة من فطر الله تعالى التي فطر عليها الناس، ولهذا تجد أكثر الناس يتأسون ببعضهم ويحاولون تقليد غيرهم، وخير من يُتأسى به رسول الله صلى الله عليه وسلم في تعامله مع الناس، وفي كرمه ووفائه، وسعة صدره، وقد قسم العلماء أعمال النبي إلى جبلِّية وشرعية، واختلفوا في حكم التأسي برسول الله صلى الله عليه وسلم في الأعمال الجبلية هل هو واجب أم مستحب؟

    1.   

    بيان أن التأسي فطرة من فطر الله تعالى

    إن الحمد لله تعالى نحمده، ونستعين به ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

    اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين، إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين، إنك حميد مجيد.

    إن الله تبارك وتعالى لما خلق الناس ركز في فطرهم التأسي، وقد ذكر ربنا تبارك وتعالى في أكثر من آية في كتابه هذا المعنى، قال تعالى: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا [الأحزاب:21]، وقال في حق النبي صلى الله عليه وسلم بعدما ذكر ثمانية عشر نبياً في سياق واحد، قال: أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ [الأنعام:90] ، وقال تبارك وتعالى لما ذكر القصص: لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُوْلِي الأَلْبَاب [يوسف:111] ؛ وإنما ذلك لما ركزه الله تبارك وتعالى في فطر الناس من التأسي.

    وقد ورد مثل هذا المعنى في كثير من الأحاديث الصحيحة؛ منها: ما أخرجه الشيخان في صحيحيهما من حديث كعب بن مالك رضي الله عنه، فساق خبره في تخلفه عن غزوة تبوك، فكان مما ذكره في مسألة الأسوة، ذكر موضعين:

    الموضع الأول: أنه ذكر تخلفه عن الناس، وأنه في كل مرة يعزم على أن يلحق بهم فيصده النظر في أرضه وفي ثماره عن مواصلة السير خلف الغزاة، قال: (فياليتني فعلت -أي: يا ليتني لما عزمت على أن ألحق بهم فعلت- قال: وكان يحزنني أني لا أجد لي أسوة إلا منافقاً مغموصاً عليه، أو رجل ممن عذر الله عز وجل) الذي كان يحزنه بعدما خرج الناس إلى الغزوة أنه لا يجد في المدينة إلا مغموصاً عليه في النفاق ممن تخلف عن النبي صلى الله عليه وسلم، أو رجلاً ممن عذر الله عز وجل.

    ثم ذكر خبره وأن النبي صلى الله عليه وسلم بعدما قدم من تبوك، وجاءه المعذرون من الأعراب، والمنافقون يعتذرون عن تخلفهم عنه في غزوة تبوك، قال: (فقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم علانيتهم، ووكل سرائرهم إلى الله. قال: فلما رآني تبسَّم تبسم المغضب وقال لي: ما خلفك؟ فقلت: يا رسول الله! لو كنت عند أحد من أهل الدنيا لخرجت من سخطه بعذر، لقد أوتيت جدلاً، ولكنني إذا حدثتك حديثاً تجد به علي إني لأرجو فيه عقبى الله، ما كان لي من عذر، وما جمعت قط بين راحلتين إلا في هذه الغزوة. فقال صلى الله عليه وسلم: أما هذا فقد صدق. قال: فتبعني رجال من بني سلمة، وجعلوا يؤنبونني، وقالوا: والله ما نعلم أنك أذنبت ذنباً قبل ذلك، ولقد كان كافيك ذنبك استغفار رسول الله صلى الله عليه وسلم لك. قال: فما زالوا يؤنبونني حتى هممت أن أرجع فأكذب نفسي، ثم قلت لهم: هل لقي أحد غيري هذا الذي لقيت؟ قالوا: نعم. فقال: من هم؟ قالوا: هلال بن أمية الواقفي ، ومرارة بن الربيع . قال: فذكروا لي رجلين صالحين ممن شهدا بدراً لي فيهم أسوة).

    فانظر إلى الموضع الأول الذي أحزنه: أن يكون أسوته منافقاً.

    وانظر إلى الموضع الثاني بعدما هم أن يكذب نفسه، ويرجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم فيقول: يا رسول الله أنا مخطئ! بعدما هم أن يكذب نفسه.. الذي ثبته وجعله رابط الجأش؛ أن رجلين فاضلين ممن شهد بدراً لقيا ما لقيه، فقوى ذلك قلبه.

    1.   

    التأسي برسول الله صلى الله عليه وسلم

    وفي الصحيحين من حديث عمرو بن دينار قال: (سألنا ابن عمر عن رجل طاف في عمرته ولم يسع بين الصفا والمروة، ما يحل له من امرأته؟ فقال: طاف رسول الله صلى الله عليه وسلم بالبيت، ثم صلى ركعتين خلف المقام، ثم طاف بالصفا والمروة، ولقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة) فأعطى الحكم بذكر الآية. قال عمرو بن دينار : فسألنا جابر بن عبد الله رضي الله عنه، فقال: (لا تحل له امرأته حتى يسعى بين الصفا والمروة).

    فـجابر ذكر الحكم مباشرة، أما ابن عمر فذكر الآية لأنها أعم، قال: إن النبي صلى الله عليه وسلم ما طاف فقط، إنما طاف وسعى، فرأيه يلتقي مع فتوى جابر رضي الله عنهما، لكنه ألمح إلى عموم الآية: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ [الأحزاب:21] .

    وأيضاً في صحيح البخاري من حديث ابن عباس رضي الله عنهما، وذكر مناظرة هرقل مع أبي سفيان في شأن النبي صلى الله عليه وسلم، فكان مما سأله هرقل لـأبي سفيان عن النبي عليه الصلاة والسلام:

    - قال: هل قال أحد منكم هذا القول قط قبل ذلك؟

    - فقال: لا.

    - قال: فهل من آبائه من ملَك أو مِن ملِك؟

    - قال: لا.

    - فقال هرقل مجيباً: لقد سألتك: هل قال أحد هذا القول قبله قط؟ فذكرت أن لا، قال: فلو كان أحد قاله قبله لقلت: رجل يتأسى بمن قبله. ثم سألتك: هل من آبائه من ملَك أو مِن ملِك؟ فذكرت أن لا، فلو كان من آبائه من ملِك لقلت: رجل يطلب ملك أبيه.

    فاستدل أن النبي صلى الله عليه وسلم صادق في خبره الذي نقله عن الله عز وجل، واستدل على أنه لم يسبقه أحد إلى هذا القول قبله لعلة التأسي، وأن الناس يتأسى بعضهم ببعض.

    وسئل سفيان الثوري والإمام أحمد رحمهما الله عن التأسي فقالا: (عليك بمن مات، فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة).

    كل هذا يدلنا على أن التأسي خلُق خلَق الله عز وجل الناس عليه، فانظر بمن تتأسى، أبالذي استخرج الله عز وجل من قلبه مضغة الشيطان فليس للشيطان في قلبه حظ؛ وهو النبي صلى الله عليه وسلم، أم بمن دونه؟!

    ولقد صدق الشاعر وهو يذكر همم الناس، فقال:

    تركت وصالكم شرفاً وعزاً لخسة سائر الشركاء فيــه

    ولا ترد الأسود حياض ماء إذا كن الكلاب ولغـن فيـه

    من شرف الأسد وشرف همته: أنه إذا وجد الكلب يشرب من بئر فإنه يعافه، ولا يشرب منه.

    همة المرء على قدر همه، لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ [الأحزاب:21].. لكن من الذي يتأسى برسول الله صلى الله عليه وسلم؟ لا يتأسى به إلا رجلان، لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ [الأحزاب:21] والصنف الثاني وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا [الأحزاب:21].

    لماذا جعل أكثر الناس هدي النبي صلى الله عليه وسلم خلفهم ظهرياً؟

    لو أن النبي صلى الله عليه وسلم كان حياً بيننا اليوم، فقابل في الطريق رجلاً يحلق لحيته، أو رجلاً مسبلاً إزاره، أو رجلاً يلبس الذهب فقال له: اعف لحيتك، أو قال له: ارفع إزارك، أو قال له: اطرح عنك هذا الذهب.. ماذا كان يفعل؟ الذي أعتقده أن كل سامع لهذا الكلام سيقول: لا شك أنه سيعفي لحيته، ولا شك أنه سيرفع إزاره، ولا شك أنه سيخلع الذهب.. فهذا كلام جميل! لكن هل له واقع؟

    إن الذين جعلوا هدي النبي صلى الله عليه وسلم خلف ظهورهم لا يرجون الله ولا اليوم الآخر، ولو عشت معهم لرأيتهم من أقل الناس ذكراً لله عز وجل، تجلس في مجلس أحدهم ثلاث ساعات أو أربع لا يذكر الله مرة، إنما يذكر الدولار مائة مرة، ويذكر العقار، ويذكر الأرض، وتُذكر الآمال العراض والدنيا، فإذا نبه منبه على أي أمر تنبيهاً شرعياً تكلموا جميعاً في دين الله عز وجل بلا هدْي ولا كتاب منير، أطول الناس ألسنة في الكلام في دين الله أجهلهم بهذه الشريعة وأبعدهم من الذكر، لا يقوي القلب على التأسي برسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أن ترجو الله واليوم الآخر، كما كان الصحابة يفعلون.

    روى أبو الشيخ في كتاب أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم بسند حسن، عن بريدة رضي الله عنه قال: (دخل النبي صلى الله عليه وسلم بيتاً فغاص بالناس -امتلأ- فجاء جرير بن عبد الله فلم يجد مكاناً فجلس خارج الدار، فأبصره النبي صلى الله عليه وسلم، فلف ثيابه وقذف بها إليه أن اجلس عليها، فأخذها جرير فوضعها على وجهه وقبلها) .

    نظرة الحب والتأسي عند هذا الجيل كانت عالية، وكانوا يجعلون رسول الله صلى الله عليه وسلم على الرأس والعين، وفي سويداء القلب؛ لذلك هان عليهم اتباعه والتأسي به، حتى إنهم كانوا يتبعونه فيما يستطيعونه، وكان الواحد منهم يخرج من بيته يقول: لأرمقن صلاة النبي صلى الله عليه وسلم سائر اليوم. ويجلس يومه كله ينظر إليه وهو يصلي، وينقل حركاته كلها، حتى إنهم لما كانوا يصلون خلفه في صلاة الظهر كانوا يعلمون قراءته باضطراب لحيته! بل وأبعد من ذلك: كانوا يسمعون للقراءة في صدره أزيزاً كأزيز المرجل، أي أن صدره له صوت وهو يقرأ؛ من شدة ما يلقى رسول الله صلى الله عليه وسلم من المعاني التي في كتاب الله عز وجل، ثم ينقلون هذا، حتى إنه صلى الله عليه وسلم كان يصلي العشاء بهم مرة، فجاء ذكر موسى وهارون فسعل سعلة ثم ركع فسجلوها ودونوها أنه سعل عند ذكر موسى وهارون وركع.

    فنقلوا لنا كل شيء في حياته صلى الله عليه وسلم.. لماذا؟ لأنهم كانوا يرجون الله واليوم الآخر، وكانوا أكثر الناس ذكراً لرسول الله صلى الله عليه وسلم.

    حلمه عليه الصلاة والسلام وسعة صدره

    نوصي المسلمين بقراءة الكتب التي صنفت في شمائله صلى الله عليه وسلم؛ ككتاب: أخلاق النبي لـأبي الشيخ ، وكتاب: الشمائل للإمام الترمذي صاحب السنن، فإنهم ذكروا طرفاً من حياته صلى الله عليه وسلم، فيذكرون مثلاً من حلمه وسعة صدره عليه الصلاة والسلام، ما أخرجه مسلم في صحيحه: (أن امرأة في المدينة كان في عقلها شيء، فقالت: يا رسول الله! لي إليك حاجة. فقال لها: نعم، وانتحى بها ووقف معها حتى قضت حاجتها)، وفي الحديث الآخر (أن امرأة -كهذه أو هي- كانت تأخذ بيد النبي صلى الله عليه وسلم فتطوف به المدينة فلا يمتنع عليها) ، وكان إذا صافح رجلاً لا ينزع يده من يده حتى يكون الرجل هو الذي ينزع، وكان إذا أعطى أذنه رجلاً لا ينزعها منه حتى يكون الرجل هو الذي ينزع، يعني: إذا أعطاه أذنه يسمع له فإنه صلى الله عليه وسلم لا يبتعد حتى ينهي الرجل مقالته.

    وهناك شيء شبيه بهذا، وهو الهاتف، مثلاً: رجل طلب آخر، وبعد أن انتهت المكالمة قال الرجل المطلوب للذي اتصل به: السلام عليكم، وهذا ليس على الهدي، إنما ينبغي أن يسلم الذي طلب، لماذا؟ لأنه قد يكون له حاجة، فاتركه حتى يبلغ حاجته، وإذا أردت أنت أن تنهي المكالمة فاسأله: هل لك حاجة أم لا؟ لاسيما أن الطالب هو الذي يدفع أجرة الاتصال؛ فلماذا أنت مستعجل؟ لا تنه المكالمة حتى ينهيها هو، فإن هذا من أدب النبي صلى الله عليه وسلم، فإنه كان إذا صافح رجلاً لا ينزع يده من يده حتى يكون هو الذي ينزع، أو حتى يكون هو الذي يتنحى.

    وفي كرمه صلى الله عليه وسلم كانوا يروون حديث جابر -وهو في الصحيحين- (أن النبي صلى الله عليه وسلم ما سُئل شيئاً قط فقال: لا) أبداً.

    وأنت تنظر أيضاً إلى سعة صدره وحلمه عليه الصلاة والسلام في حديث أنس المتفق عليه، قال: (خدمت النبي صلى الله عليه وسلم عشر سنين، فما قال لي قط لشيءٍ فعلته: لم فعلته؟ ولا قال لي قط لشيء تركته: لم تركته؟) عشر سنين من حياته عليه الصلاة والسلام، لا يعاتبه، لأن كثرة العتاب تفسد الود، فلا تكثر من معاتبة صاحبك؛ فتقل حشمتك وتهون عليه، ولا تكاد تجد صاحباً يصافيك مائة بالمائة أبداً.

    إذا أنت لم تشرب مراراً على القذى ظمئت وأي الناس تصفو مشاربـه

    انظر إلى هذا الكلام.. كأنه مشتق من مشكاة النبوة!

    إذا كنت تريد ماء سلسبيلاً ليس فيه تراب ولا غبار ولا رمل إذاً مت من العطش، بل لابد أن تشرب الماء بالقذى؛ لأن الماء الذي ليس فيه شيء من ذلك لا تشربه إلا في الجنة، والذي هو السلسبيل، كذلك صاحبك.. إذا أردت صاحباً يوافقك مائة بالمائة إذاً عِش بلا صاحب، وإذا أردت زوجة لا تخالفك في قليل ولا كثير؛ إذاً الق الله عزباً ولا تتزوج، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن المرأة لا تستقيم لك على طريقة) يعني: مستحيل، لو أن الرجل له مائة طريقة فالمرأة لها ألفان .. وهكذا، فيكون بينك وبينها بون شاسع في التقلب، وفي تعدد الطرق والمذاهب.

    إن المرأة لا تستقيم لك على طريقة، يعني: لا بد أن تغضب منها يوماً حتى وإن كانت أوفى الناس، وإن كانت أفضل الناس.

    إذاً ليس هناك إنسان يصافيك مائة بالمائة إلا أن يكون كمثل أبي بكر للنبي صلى الله عليه وسلم، فإنه هو الذي صافاه مائة بالمائة، وهو الذي وافقه مائة بالمائة، وهو الذي كان يحبه مائة بالمائة، ولا أعلم قط لـأبي بكر الصديق رضي الله عنه موقفاً واحداً خالف فيه النبي صلى الله عليه وسلم أو اعترض عليه، بخلاف من جاء بعد أبي بكر بدءاً من عمر رضي الله عنه، فإن عمر رضي الله عنه كان يبدي رأيه بصراحة، أما أبو بكر فما كان كذلك؛ لشدة تعلقه بالنبي صلى الله عليه وسلم.

    إن عمر جاء النبي صلى الله عليه وسلم في صلح الحديبية معترضاً فقال: (يا رسول الله! ألسنا على الحق؟ قال: بلى. قال: أليس عدونا على الباطل؟ قال: بلى. قال: ألم تخبرنا أنا نأتي البيت؟ قال: فهل قلت لك إنك تطوف به العام؟ قال: لا. قال: فإنك آتيه ومطوف به) ، ولم يرفع هذا الكلام الحرج من صدر عمر ، فانطلق إلى أبي بكر رضي الله عنه يعدد له نفس هذه الاعتراضات، (قال: يا أبا بكر ! ألسنا على الحق؟ قال: بلى. أليس عدونا على الباطل؟ قال: بلى. قال: أليس رسول الله حقاً؟ قال: بلى. قال: ألم يخبرنا أنا نأتي البيت؟ قال: أفأخبرك أنك تأتيه العام؟ قال: لا. قال: فإنك آتيه ومطوف به) فشابه قول أبي بكر قول النبي صلى الله عليه وسلم بالحرف؟

    وقال له: (يا أيها الرجل! الزم غرزه، فإنه رسول الله وليس يخالفه). وقد قالها رسول الله صلى الله عليه وسلم لـعمر قبل أبي بكر : (إني رسول الله ولست أعصيه) هذا هو الصاحب الذي وافق صاحبه مائة بالمائة، ولا أعلم أحداً وافق الرسول صلى الله عليه وسلم مائة بالمائة حتى في المستحبات وفي رأيه، إلا أبا بكر الصديق .

    إن أبا بكر وافق النبي صلى الله عليه وسلم في اجتهاده في أسرى بدر، ولم يعترض ولم يعارضه بخلاف عمر ، وإن كان نزل القرآن موافقاً لرأي عمر ، لكن أبا بكر وافق رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى لما وقعت حادثة الإفك وجاءت عائشة رضي الله عنها إلى أبويها، وظلت شهراً تبكي حتى ظنت أن البكاء فالق كبدها فجاء النبي صلى الله عليه وسلم بعد شهر كامل لا يتكلم، ولا يبرئ عائشة فجلس، فحمد الله وأثنى عليه، قالت عائشة : وكانت أول مرة يجلس فيها منذ كان ما كان، فحمد الله وأثنى عليه، وقال: (يا عائشة ! إن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله، فإن العبد إذا أذنب فاعترف بذنبه وتاب تاب الله عليه)، فشعرت عائشة أن في هذا الكلام اتهاماً لها، فقالت لأبيها: (أجب رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال: والله يا ابنتي ما أدري ما أقول. فقالت لأمها: أجيبـي رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقالت: والله يا بنتي ما أدري ما أقول. قالت: فقلت وأنا جارية حديثة السن، لا أحفظ كثيراً من القرآن: إنني لو قلت: إنني فعلت والله يعلم أنني ما فعلت لتصدقنني، ولو قلت: إنني لم أفعل، والله يعلم أني لم أفعل لا تصدقوني، والله ما أجد لي ولكم مثلاً إلا كما قال أبو يوسف فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ [يوسف:18] قالت: ثم تحولت، فوالله ما خرج أحد من البيت حتى أنزل الله براءتي) .

    فها هو أبو بكر رضي الله عنه لما وجد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سكت ولم يتكلم، ولم يفصل مع حاجته إلى الفصل في هذا، ومع حاجته أن يبرئ امرأته مما رماها به الواشون، وقف حيث وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    فصاحبك مقارف ذنباً ومجانبه؛ فأقل من العتاب، كما كان يفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد كان أقل الناس معاتبة، ولو عاتب لشعرت بقطرات الحنو والدفء في كلامه!

    روى البخاري في كتاب المرضى، وكذلك مسلم من حديث أسامة بن زيد رضي الله عنه قال: (أردفني رسول الله صلى الله عليه وسلم خلفه على حمار، وذهبنا نعود سعد بن عبادة -وذلك قبل وقعة بدر- فلما مررنا على مجلس فيه أخلاط من المسلمين والمشركين فيهم عبد الله بن أبي ابن سلول وذلك قبل أن يسلم، فقال عبد الله بن أبي -إشارة إلى التراب الذي أثارته رجل البغلة- قال: لقد غبر علينا، ثم قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أيها الرجل! إن الذي تقول لحسن إن كان صدقاً، فلا تأت مجالسنا، فمن أراد أن يسمع كلامك فليذهب إليك، لكن لا تأتنا فإنا لا نحب ذلك. فقال عبد الله بن رواحة : يا رسول الله! والله إننا لنحب أن تأتي مجالسنا، وقال آخر لـعبد الله بن أبي ابن سلول : والله لرائحة بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم أطيب منك، وثاروا جميعاً حتى هموا أن يقتتلوا، ورسول الله صلى الله عليه وسلم راكب البغلة يسكنهم حتى سكنوا، فذهب النبي صلى الله عليه وسلم إلى سعد بن عبادة فدخل عليه وهو مريض، فقال لـسعد : يا سعد ! ألم تسمع ما قال أبو الحباب ؟! - أبو الحباب هو: عبد الله بن أبي ابن سلول ، فانظر إليه كيف كناه، والكنية إنما تكون للتشريف، مع أن عبد الله بن أبي ابن سلول سبه منذ قليل- فقال له سعد بن عبادة : يا رسول الله! اعف عنه واصفح، فإن كان يطمع أن يكون رأساً على أهل هذه البحيرة، فلما آتاك الله ما آتاك من النبوة شرق لذلك -وفي رواية: فأنزل الله عز وجل قوله فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ [البقرة:109]).

    فانظر إليه صلى الله عليه وسلم ما أحلمه! لذلك خطف قلوب الناس، وأذعن له الكبير والصغير، والموافق والمخالف، إذ لم يأخذوا عليه شيئاً لا قليلاً ولا كثيراً، حتى إن هذا الذي شرق بما آتاه الله رسوله، يقول: إن الذي تقول لحسن لو كان صدقاً. فأذعن لحسن كلامه عليه الصلاة والسلام، فيا ليتنا ونحن نبلغ دعوة الله عز وجل إلى الناس أن نكون كرسول الله صلى الله عليه وسلم فنتأسى به.

    إن الله عز وجل قال له مع شرف منصبه، وأن لا شرف في الدنيا أعلى من منصبه عليه الصلاة والسلام، قال له: وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ [آل عمران:159]، مع حاجتهم إليك وإلى الإيمان بك، وأن المرء منهم لو كفر بك لا يلج الجنة أبداً، فإنك لو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك، فكيف بمن ليس له عُشر عُشر عُشر عُشر معشار ما له صلى الله عليه وسلم من الحشمة والوجاهة وجلاء المنطق،؟!

    لا تنظروا في ذنوب الناس كأنكم أرباب، كلنا أسرى الذنب، فلا تعير أحداً بذنب، ولا تظن أنك مبرأ أو أنك معافى، ارحموا أهل البلاء واحمدوا الله على العافية.

    إن رسول الله صلى الله عليه وسلم -كما قال سفيان بن عيينة - هو الميزان الأكبر الذي عليه يوزن كل أحد.. ليس لأحد جلالة إلا بموافقته، فمهما قال من قائل قولاً أو فعل فعلاً أو ادعى دعوة فلا قيمة لها حتى نزن كلامه وفعله بالميزان الأكبر، وهو رسول صلى الله عليه وسلم.

    هديه عليه الصلاة والسلام في الأكل

    قال تعالى: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ [الأحزاب:21] .

    مثلاً: في مأكله عليه الصلاة والسلام، فإنه ما عاب طعاماً قط، يا لحلمه وصفحه! ولا يخلو طعام من عيب، فما عاب طعاماً قرب له قط، إن اشتهاه أكله، وإن عافته نفسه تركه، وهذا من فقهه عليه الصلاة والسلام، فإن الناس تتفاوت أذواقهم، رب طعام تعافه نفسك يكون مشتهى عند رجل آخر، فلماذا تعكر على هذا الآخر؟

    ربما يخطئ في هذا بعض الآباء، فعندما يقدم له الطعام يبدأ في إعابته فيقول: الأرز فيه كذا، والطبيخ بائت أهذا أكل؟ أهذا شرب؟ لا، أنا لا آكل طبيخاً بائتاً. مع أن أولاده كانوا سيأكلونه، وليس لهم هذه الملاحظة التي له، فهلا كتمها؟ لماذا يعكر على هذا الذي كان سيقبل على الطعام بشهية، لماذا يعكر عليه شهيته ويعكر عليه مراده؟ وهذا من فقهه عليه الصلاة والسلام؛ لأن المرء لا يجري على وتيرة واحدة في حياته، يعني قد يغتني في بعض دهره ويفتقر في البعض الآخر، ولا يكون سواء، يومه ليس كغده، وأمسه ليس كغده، والأيام دول، فالرسول عليه الصلاة والسلام ما كان يعيب طعاماً قط.

    فأنت حين تدخل البيت ولم يعجبك الطعام اطلب طعاماً آخر، لكن لا تعب هذا الطعام، ولو أن بعض أولادك جهر بعيب الطعام أظهر له مزاياه، حتى وإن كنت لا ترى ميزة، حتى تعين ولدك على بطنه.

    كثير من الناس تركوا الالتزام وأكلوا الحرام بسبب البطن، وبعض الناس يخرج من وردية ويدخل وردية، عندما تسأله يقول لك: آكل عيشاً، وكثير من الناس أنفق عمره على تحصيل شهواته، فأعن ابنك على بطنه، وعلمه ألا يعيب شيئاً، فربما كان حظه أقل من حظك في الدنيا، فإذا عاش في هذا المستوى ربما ارتشى، وربما أكل الحرام حتى لا يهبط عن المستوى الذي عاش فيه مع أبيه.

    فإذاً: ترك النبي صلى الله عليه وسلم العيب في الطعام له أكثر من فائدة.

    وكان صلى الله عليه وسلم إذا جلس للطعام جلس جلسة العبد، ما ترك العبودية في موضع ولا مكان حتى وهو يأكل، فكان يقول وهو جالس القرفصاء يأكل: (أجلس كما يجلس العبد، وآكل كما يأكل العبد) ويصرح بهذا ويجهر به، لكن جلسة البطر والكبر.. ما فعلها قط صلى الله عليه وسلم، وما ينبغي له عليه الصلاة والسلام.

    وكان صلى الله عليه وسلم يوصي الرجل إذا جاءه خادمه بطعام أن يجلسه ليأكل معه، وعلل صلى الله عليه وسلم ذلك قائلاً: (إنه كفاك حره وناره) يعني هو الذي وقف يطبخ لك، وهو الذي أصابه لفح النار، وهو الذي تصبب عرقاً، وأنت جالس دائماً، وجالس في التكييف، فأشركه معك في الأكل.. اذكر جميله حيث تلقى هو لفح النار، أنت تفعل هذا مع امرأتك التي كفتك حر النار، وكفتك هذا التعب، وجئت فوجدت الطعام معداً مهيئاً فتشكرها عليه، وتثني عليها، لاسيما إذا رأيت أو آنست منها إخلاصاً في العمل وفي بذل الجهد، فكما أنها كفتك هذا الحر وهذه النار، فأنت بدورك تسدي لها الشكر، كما أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عرفاناً لهذا الخادم أنه يجلس فيأكل، وقد علل ذلك بما سمعتم.

    وفاؤه عليه الصلاة والسلام

    إذا نظرت إلى وفائه عليه الصلاة والسلام.. ما رأيته غدر قط، وما ينبغي له عليه الصلاة والسلام، حتى مع أعدائه إذا قال وفّى، في صحيح مسلم أن حذيفة بن اليمان قال: (ما شهدت أنا وأبي وقعة بدر -مع أنهم كانوا حاضرين، لكن ما قاتلوا- قال: لقينا كفار قريش فقالوا: إلى أين؟ قلنا: إلى المدينة. قالوا: إنكم ستقاتلوننا -أي مع النبي صلى الله عليه وسلم- فأعطونا العهد والميثاق ألا تقاتلونا ونحن نخلي بينكم وبين وجهتكم، فأعطوهم العهد والميثاق، ثم جاءا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقصا عليه ذلك، فقال عليه الصلاة والسلام: نوفي لهم بعهدهم، ونستعين الله عليهم) هو أوفى الناس، لا يغدر وما ينبغي له!

    وكما روى النسائي وغيره من حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: (لما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة، وأذن للناس في البيعة العامة، أمَّن الناس جميعاً إلا أربعة رجال وامرأتين، فقال: اقتلوهم ولو وجدتموهم متعلقين بأستار الكعبة) ، وكان الخائف إذا أراد أن يفر من مَن يريد أن يقتص منه أو يقتله ذهب إلى الكعبة فتعلق بأستارها، فحينئذ يأمن؛ لأن العرب كانوا يعظمون البيت، فقال صلى الله عليه وسلم: لا تجروا على سالف ما كنتم ترون أو تفعلون، إذا جاء الجاني فتعلق بأستار الكعبة لا تتركوه (اقتلوهم وإن وجدتموهم متعلقين بأستار الكعبة) وهؤلاء هم: عبد الله بن خطل ، ومقيس بن صبابة ، وعكرمة بن أبي جهل ، وعبد الله بن أبي سرح ، فلقي الناس مقيس بن صبابة في السوق فقتلوه، ووجدوا عبد الله بن خطل معلقاً بأستار الكعبة فقتلوه، فأما عكرمة بن أبي جهل ففر راكباً البحر هارباً، فهبت ريح عاصف كادت الأمواج أن تحطم السفينة، فقال صاحب السفينة: أخلصوا الدعاء؛ فإن آلهتكم لن تنفعكم هنا. فقال عكرمة : (لئن لم ينجني من البحر إلا الإخلاص فلا ينجيني في البر غيره، لله علي إن أنجاني لآتين محمداً صلى الله عليه وسلم فلأجدنه عفواً كريماً) فلما نجا جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم فقبل منه، ولما دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى البيعة العامة جاء عثمان بن عفان بـعبد الله بن أبي سرح فقال: (يا رسول الله! بايع عبد الله ، فسكت، حتى قالها ثلاثاً، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يأبى كل ذلك أن يبايعه، ثم بايعه بعد ذلك، والتفت إلى أصحابه فقال: أليس منكم رجل رشيد! إذ رآني كففت يدي عن بيعة هذا أن يقوم إليه فيضرب عنقه. فقالوا: يا رسول الله! هلا أعلمتنا بما في نفسك -وفي اللفظ الآخر قالوا: هلا أومأت إلينا بعينك- فقال صلى الله عليه وسلم: إنه لا ينبغي لنبي أن تكون له خائنة الأعين) وسماها خائنة؛ لأنها إنما تكون من خلف ظهر صاحبها، لذلك سماها خائنة، فكل رجل يغمز لآخر في غفلة صاحبه فهو خائن، قال تعالى: يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ [غافر:19] ، فما غدر قط صلى الله عليه وسلم..

    لكنه قد ينتقم بعدما يعذر مرة ومرة ومرة، ثم بعد ذلك إذا استيقن من لؤم الرجل أو الخصم أخذه على حين غرة؛ لأن الحرب خدعة، وهذا لا ينافي ما قلت من أنه صلى الله عليه وسلم ما غدر قط، فلو أخذ رجلاً غيلة أو أمر أن يؤخذ غيلة فقد أفضى إليه مراراً، كـعمر بن أبي عزة مثلاً، كان شاعراً، وكان يهجو النبي صلى الله عليه وسلم، وكان يشبب بنساء المسلمين، فظفر به فهم أن يقتله، فطلب العفو وقال: يا محمد! كن خير آخذ ولا أعود، فتركه فعاد، فظفر صلى الله عليه وسلم به فقال له: هذه لا أعود، فتركه، فأغراه المشركون فشبب بنساء المسلمين، وهجا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فظفر به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فطلب العفو منه فقال: (لا، والله لا أدعك تمشي في طرقات مكة تقول: ضحكت على محمد مرتين، لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين، وأمر به فقتل).

    صَفحْنا عَنْ بَنِي ذُهْلٍ وَقُلْنا الْقَوْمُ إخْوَانُ

    عَسَى الأَيَّامُ أنْ يرْجعْنَ قَوْمًا كَالَّذِي كَانُوا

    فلَمَّا صَرَّحَ الشَّـر فَأَمْسَى وَهْوَ عُرْيانُ

    وَلَمْ يَبَقَ سِوَى العُدْوَانِ دِنَّاهُمْ كَمَا دَانُوا

    مَشَيْنا مِشْيَةَ اللَّيْثِ غَدَا واللَّيْثُ غَضْبَانُ

    بِضَرْبٍ فِيهِ تَوْهِينٌ وَتَخْضِيعُ وإقْرَانُ

    وَطَعْنٍ كَفَمِ الزِّقِّ غَذَا وَالزِّقُّ مَلآنُ

    وَبَعْضُ الْحِلْمِ عِنْـدَ الْجَهْلِ لِلذِّلَّةِ إذْعَانُ

    وَفِي الشَّرِّ نَجَاةٌ حِينَ لاَ يُنْجِيكَ إِحْسَانُ

    من أعذب ما قالته الشعراء.. هذا الذي قاله قريط بن أنيف ، أبيات نحتاج إليها اليوم لاسيما في هذا الضعف الذي يعيشه المسلمون وهم يتكايسون، ليس عندهم فطنة، لكنهم يتكايسون، يرون عدوهم يلعب بهم، ومع ذلك يطلبون وده، وكلما زاد في إهانتهم زادوا طلباً لوده ولرضاه وصفحه، وما كان هكذا السلف الأول..

    قوله:

    وَبَعْضُ الْحِلْمِ عِنْدَ الْجَهْـلِ لِلذِّلَّةِ إذْعَانُ

    شخص يجهل عليك، كل يوم يضربك فتقول له: الله يسامحك، يضربك مرة أخرى. فتقول: الله يسامحك، يعتدي على عرضك فتقول: الله يسامحك.. لا.

    (وَبَعْضُ الْحِلْمِ عند الجهل): يعني هذا ليس أوان الحلم ولا مكانه عندما يجهل عليك شخص ويشتمك ويضربك (لِلذِّلَّةِ إذْعَانُ): هذا إذعان واستسلام، ليس حلماً ولا له علاقة بالحلم.

    وَفِي الشَّرِّ نَجَاةٌ حِينَ لاَ يُنْجِيكَ إِحْسَانُ

    أعطيته الإحسان مرة واثنتين وثلاثاً، ولم تجد إلا الغدر.. ما بقي إلا الانتقام.

    وعلى هذا تحمل كل الأحاديث التي وردت في هذا المعنى، كمقتل كعب بن الأشرف، فقد كان رجلاً شاعراً وكان يهودياً، وكان يؤذي الله ورسوله، فلما فاض الكيل وبلغ السيل الزبا، وتجاوز الرجل كل الحدود، فقال صلى الله عليه وسلم لأصحابه: (من لـكعب بن الأشرف ؟ فإنه آذى الله ورسوله)، وهذه كانت كافية ليعلن المسلمون النفير العام (إنه آذى الله ورسوله).

    في الصحيحين من حديث عبد الرحمن بن عوف ، وهذا الحديث أذكره ليبكي الحر على نفسه، الحر الذي لا يجد طريقاً إلى إعادة شرفه مرة أخرى، أقل ما يفعله أن يبكي على نفسه.

    روى الشيخان من حديث عبد الرحمن بن عوف قال: (بينما أنا واقف في الصف يوم بدر إذ جاءني غلامان: واحد عن يميني، والآخر عن شمالي، فقال لي أحدهما -وأسر لي حتى لا يسمع صاحبه- : أي عم! أتعرف أبا جهل ؟ قلت: وماذا تريد منه يا بن أخي؟ فقال: بلغني أنه يسب رسول الله. والله! لو رأيته لا يفارق سوادي سواده حتى يموت الأعجل منا. قال: فعجبت من مقالته، ثم أسر لي صاحبه فقال لي مثل مقالته، قال: فبينا أنا كذلك إذ رأيت أبا جهل يزول في الناس - يعني: يذهب ويأتي مضطرباً- فقلت: هذا صاحبكما، قال: فانقضا عليه ضرباً بالسيف فقتلاه، وكلٌ يقول: أنا الذي قتلته، وتنازعا -كل واحد يقول: أنا الذي قتلته، لأن قتل عدو رسول الله شرف، فكل منهما يريد أن يسبق إلى هذا الشرف- حتى جاءا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يحتكمان إليه فقال: هل مسحتما سيفيكما؟ قالا: لا، فقال: أرني، ثم قال تطييباً لخاطرهما: كلاكما قتله) غلامان! حتى أن عبد الرحمن بن عوف قال: (وجدت نفسي بين غلامين تمنيت لو كنت بين أضلع منهما) كأنه يقول: كنت أتمنى أن يكون على يميني شخص ضليع وعلى يساري كذلك، لكن على يميني غلام صغير وعلى شمالي غلام صغير.

    قال: (بلغني أنه يسب رسول الله صلى الله عليه وسلم، والذي نفسي بيده لو رأيته لا يفارق سوادي سواده -يعني: لا يفارق شخصي شخصه، حتى يموت الأعجل منا).

    ورسول الله صلى الله عليه وسلم عندما يقول: (من لـكعب بن الأشرف ؟ فإنه آذى الله ورسوله) انتدب له محمد بن مسلمة وأبو نائلة -محمد بن مسلمة ابن أخته ، وأبو نائلة أخوه من الرضاعة- فقالا: (يا رسول الله! هل تأذن أن نقول له شيئاً -يعني أن نخدعه بالكلام-؟ فأذن صلى الله عليه وسلم، فجاء إليه محمد بن مسلمة فقال: جئتك أستلف منك وسقاً أو وسقين من شعير، فإن هذا الرجل قد عنانا، فقال كعب مبتسماً: وأيضاً والله لتملنه -يعني: أنتم لم تروا شيئاً بعد- فقالا: إننا لا نريد أن نتركه حتى نرى عاقبة أمره، وجئنا نستسلف منك. قال: ارهنوني نساءكم فقالا له: نرهنك نساءنا وأنت أجمل العرب؟!)

    (فقال: ارهنوني أبناءكم. فقالوا: هذا عار علينا، يسب الولد يوماً فيقال: رهن بوسق من شعير! ولم يتركوا له خياراً يعرضه، بل هم من عرضوا عليه قالوا: ولكن نعطيك اللأمة).

    اللأمة: هي درع الحديد الذي يلبسه المقاتل ليقي نفسه ضربات السيف، وهذا عرض ذكي، لأنهم أجمعوا قتله، لكن عندما يأتون بالأسلحة والرجل لم يتفق معهم على الأسلحة، سيشعر أنهم يريدون أن يغدروا به.

    (قالوا: بل نأتيك باللأمة، فاتفقوا، حتى كان اليوم المعلوم بينهم، فجاءا في نصف الليل فناداه أبو نائلة فقال: يا كعب ! انزل، وكان كعب حديث عهد بعرس، فقالت له امرأته: إلى أين في هذه الساعة؟ قال: إنما هو رضيعي أبو نائلة، وابن أختي محمد بن مسلمة . فقالت المرأة له: إني أسمع صوتاً يقطر منه الدم. قال: إنما هو أخي أبو نائلة، وإن الكريم إذا دعي إلى طعنة بليل أجاب -عار عليّ أن يناديني أحد ولا أنزل، ولو أن اثنين تعاركا وقال أحدهما: أغيثوني، وأنا لا أعرفهما لكان ينبغي علي أن أنزل لنجدته.. نخوة العرب!- فنزل وهو ينفح عطراً، فقال محمد بن مسلمة : ما رأيت كاليوم عطراً، أتأذن لي أن أشم رأسك، فشم رأسه وتركه.

    لم يقتله من أول فرصة تتاح له، وإنما أمهله حتى يشعر بالأمان، فمثلاً: لو أنك واقف وتعلم أن هناك شخصاً سيأتي يدفعك من الخلف، فكيف ستكون؟ ستكون مستعداً ومتهيئاً، لكن لو أنك واقف ولا تشك في خيانة أبداً، وأنت أقوى الناس، وجاء طفل صغير ودفعك يمكن أن تقع، ولا يؤتى المرء إلا من مأمنه، ولذلك قال له: (تأذن لي أن أشم رأسك)، فشم رأسه وتركه، وشم أبو نائلة وتركه، ثم قال: أتأذن لي أن أشم مرة أخرى؟ قال: نعم، فأعطاه رأسه فاستمكن منه، وقال: دونكم فاقتلوا عدو الله، فقتلوه، ورجعوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم).

    لماذا أذن لهم أن يقولوا له قولاً ويخدعوه؛ لأنه آذى الله ورسوله، ولا يصل إنسان إلى هذه المرتبة إلا إذا كان عدواً لدوداً، وإلا فقد عفا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كثير من المشركين، لكن هذا كان عدواً له.

    عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما أوقف العمل بحد السرقة في عام الرمادة، قال بعض الجهلة: إن عمر بن الخطاب رضي الله عنه عطَّل حد السرقة. ونحن نقول: معاذ الله أن يفعل ذلك عمر! وليس لأحد أبداً أن يعطل حداً أنزله الله عز وجل، أو سنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكن عمر بن الخطاب قال: إن الذي يأخذ في هذا الظرف يكون محتاجاً حتى لا يموت، فهذا ليس بسارق، فاختلف الوصف واختلفت المعطيات فاختلف الحكم، إنما لو أن الناس في زمان الأمن، وجاء رجل على شيءٍ محرّز وسرقه لقطعت يده.

    صفوان بن أمية -كما رواه النسائي وغيره- وضع عباءة تحت خده في المسجد الحرام ونام، فجاء لص فاستلها من تحته، فانطلق خلفه حتى أمسكه، ورفعه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تقطع يده، فلما رأى صفوان أن يد الرجل ستقطع، قال: يا رسول الله! وهبتها له .. لكي لا تقطع يده، وكانت العباءة بثلاثين درهماً، فـصفوان وجد المسألة كبيرة، يعني تقطع يده في ثلاثين درهماً؟! هذا شيء عظيم، فقال: (يا رسول الله! تركتها له. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هلا قبل أن تأتيني) لماذا لم تعف عنه قبل أن تأتيني؟ وأمر به فقطعت يده، برغم أن صفوان صاحب العباءة عفا، فلماذا لم يعف رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ لأن إقامة الحد في الأرض حق الله تعالى، ولا يسقط إلا بإذن من الله، انتهت مسألة الآدميين، لم يعد لهم في المسألة دور، فلا يجوز لأحد قط أن يوقف حداً من حدود الله، ولا أن يسقط العمل به.

    من آذى الله ورسوله نكون قد دخلنا معه في حالة حرب، والحرب خدعة، وكان عليه الصلاة والسلام إذا أراد غزوة ورّى بغيرها، فمثلاً: تكون وجهته إلى الشمال فيتجه جنوباً، لماذا؟ خداعاً لعدوه، فقوله صلى الله عليه وسلم: (الحرب خدعة) لا ينافي أنه ما غدر قط، لماذا؟ لأنه أعطى المهلة مرة ومرتين وثلاثاً حتى تأكد من خساسة ونذالة الخصم، وأنه صار عدواً لا فائدة فيه، فحينئذ يسلك معه مسلكاً آخر يستحقه هذا الخصم.

    إن الله تبارك وتعالى الذي أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالعفو، والذي كان صلى الله عليه وسلم خلقه القرآن قال: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ [التوبة:73].

    ووضع الندى في موضع السيف بالعلا مضر كوضع السيف في موضع الندى

    فمثلاً: إذا سقط ابنك في امتحان آخر السنة، فبعض الآباء الذين ينقصهم الحزم يقول: أنا لا ألوم الولد، لا أكون أنا والزمن عليه، فتمر الإجازة الصيفية والأب لم يقل له: يا بني لماذا سقطت في الامتحان؟ وأنا ما قصرت في حقك، وأنا بذلت لك المال، واجتمعنا كلنا في غرفة وتركت لك غرفة لوحدك؟ ويذكره بالنعم.. لا، ترك المسألة، وكان الولد في الإجازة يخرج مع أصحابه إلى الفجر يغنون في الطرقات، وتبدأ السنة الجديدة ويقول له: أنا لا أريد أن أذكرك بالذي فات، أنت تعرف، أنا أريدك أن تجتهد وتحصل في هذه السنة على مجموع جيد..

    هذا الوالد ينقصه الحزم، والولد سيرسب مرة أخرى، ولن يفلح.. لماذا؟ لأن الوالد أهمل المقتضى، المفروض أنه كان ينبه عليه أول ما علم بالخبر، فيقول: أنا عملت لك كذا وكذا، وصرفت عليك كذا وكذا، وحرمت نفسي وأعطيتك، وعملت وتركت.. فالابن لو كان يحس فإنه يرى لو أنه ضربت عنقه بالسيف أهون عليه من هذا، هذا لو كان عنده إحساس وضمير.

    فهذا يهمل المقتضى، وإهمال المقتضى هو معنى كلام المتنبي - حكيم الشعراء- في هذا البيت:

    ووضع الندى في موضع السيف بالعلا مضر كوضع السيف في موضع الندى

    مثلاً: شخص عزيز عليك مرض بسبب الزائدة، وأنت تستصعب أن تجري له عملية، فأحضرت له مرهماً ودهنته به، فهل أنت بهذا تحبه؟ لأنك ما أزلت العلة.. هذا هو معنى الكلام: أن يضع المرء الشيء في موضعه.

    أدلة الشرع الصحيحة لا تتناقض أبداً، لكل دليل وجهة، لكن قد تخفى هذه الوجهة على آحاد الناس، فليسأل من هو أعلم منه، لكن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما غدر قط، بل كان سيد الأوفياء عليه الصلاة والسلام، وهو أعظم من وفى بعهد، والأخبار في هذا كثيرة.

    1.   

    حكم التأسي برسول الله صلى الله عليه وسلم

    آداب رسول الله صلى الله عليه وسلم كثيرة: أدب منامه، ومأكله ومشربه، وأدب تعامله مع جيرانه ومع أزواجه وأعدائه، لم يترك العلماء باباً من هذه الأبواب إلا ووضعوا فيه حديثاً أو حديثين، أو واقعة أو أكثر تدلل على خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم، لو أردت أن تتأسى بأي صفة تخطر لك على بال وجدت رسول الله إماماً فيها، فأتم برسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن أصل الائتمام به واجب، لقول الله تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ [النساء:64] ، فالأصل في طاعة أي رسول أنها واجبة على قومه، ولا تصرف الأدلة الجزئية أو الوقائع التفصيلية من الوجوب إلى الاستحباب إلا بدليل، وإلا فأصل التأسي واجب.

    والعلماء لما ذكروا التأسي بالنبي عليه الصلاة والسلام اختلفوا: هل التأسي به واجب على الإطلاق، أم مستحب على الإطلاق؟ والصواب أن المسألة فيها تفصيل: بعض أفعال النبي صلى الله عليه وسلم كان يفعلها فعلاً جبلياً، كطريقة مشيه عليه الصلاة والسلام، فكان إذا مشى كأنما تحدر من صبب، يمشي بقوة وفتوة عليه الصلاة والسلام، وكان يمشي محلول الأزرار، وكان يمشي وفي يده عصا... كل هذه تدل على المشروعية أو على الجواز أو على الاستحباب؛ لأن مثلها ارتفع إلى درجة الاستحباب والمشروعية بدليل من خارج، ولذلك العلماء يفرقون بين الأفعال الجبلية والأفعال التي قصد بها المشروعية.

    فالشعر مثلاً أوصى به النبي عليه الصلاة والسلام، فلا يعامل الشعر معاملة حمل العصا ولا فك الأزرار، لا، الشعر أعلى، يعني استحبابه أوضح؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم مع تركه لشعره حتى كان يضرب إلى منكبيه، كان يقول: (من كان له شعر فليكرمه) هذا حض منه على إكرام الشعر، ولم يكتف بمجرد الإطلاق لشعره فقط، حتى حض على إكرامه، وقال صلى الله عليه وسلم: (إذا أخذت فخذ منه كله أو دعه كله).

    ولكن العلماء يقولون: حتى الأفعال الجبلية التي كان يفعلها صلى الله عليه وسلم بغير قصد أن يُتأسى به يأخذ المسلم عليها أجراً إن قصد الموافقة؛ لأن الموافقة هي دليل الحب، فمثلاً شخص يمشي حاملاً في يديه عصى، لأن الرسول عليه الصلاة والسلام كان يحمل العصا، لكن بشرط ألا تكون عصا المارشال، التي كان يأخذها شخص ويذهب عند الهرم، وأراد أن يكون الهرم الرابع، العصا هذه تدخل النار، لأن الذي يحملها كله كبر، لكن أن تحمل العصا بقصد التأسي برسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه يكتب لك بها الأجر.

    فالأفعال الجبلية كلها إذا قصدت بها مطلق التأسي انتقلت من المباح إلى المستحب مباشرة، ولا يفعل هذا إلا محب، لا يبلغك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم شيءٌ إلا وينبغي أن تبادر إلى إثباته ولو مرة في حياتك، وهذا هو عنوان الحب.

    نسأل الله تبارك وتعالى أن ينفعنا بما علمنا، وأن يعلمنا ما جهلنا، وأن يجعل رسول الله لنا إماماً، اللهم اجعل رسول الله لنا إماماً، وأعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك.

    أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.

    وصلى الله وبارك على نبينا محمد وعلى آله وسلم.