إسلام ويب

العواصم من القواصمللشيخ : أبو إسحاق الحويني

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد كان الله سبحانه وتعالى يعلم نبيه عليه الصلاة والسلام كل يوم ويأمره أن يعلم أصحابه مما علمه، وقد ثبت قوله صلى الله عليه وسلم: (إن الله أمرني أن أعلمكم مما علمني يومي هذا) وفي قوله: (مما علمني يومي هذا) إشارة وتنبيه للمرء إذا أراد أن يستوفي حكماً ما أن يأخذ بجميع النصوص ليدرأ التعارض الظاهر.

    1.   

    شرح حديث عياض بن حمار: (خطبنا رسول الله ...)

    إن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

    اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين؛ إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين؛ إنك حميد مجيد.

    درسنا بعنوان: (العواصم من القواصم).

    وسنتعرض فيه لشرح حديث أخرجه الإمام مسلم في صحيحه، والنسائي في سننه، وأحمد في المسند من حديث عياض بن حمار المجاشعي رضي الله عنه قال: (خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطبة فكان مما قال فيها: ألا إن ربي أمرني أن أعلمكم ما جهلتم مما علمني يومي هذا: كل مال نحلته عبداً حلال، وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم، فأتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطاناً، وإن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب، وقال: إنما بعثتك لأبتليك وأبتلي بك، وأنزلت عليك كتاباً لا يغسله الماء، تقرؤه نائماً ويقظاناً، وإن الله أمرني أن أحرق قريشاً، قلت: رب! إذن يثلغوا رأسي فيدعوه خبزة. قال: استخرجهم كما استخرجوك، واغزهم نُغزك، وأنفق فسننفق عليك، وابعث جيشاً نبعث خمسة مثله، وقاتل بمن أطاعك من عصاك.

    قال: وأهل الجنة ثلاثة: ذو سلطان مقسط متصدق موفق، ورجل رحيم رقيق القلب لكل ذي قربى ومسلم، وعفيف متعفف ذو عيال.

    قال: وأهل النار خمسة: الضعيف الذي لا زَبَرَ له الذين هم فيكم تبعاً لا يبتغون أهلاً ولا مالاً، والخائن الذي لا يخفى له طمع وإن دق إلا خانه، ورجل لا يصبح ولا يمسي إلا وهو يخادعك عن أهلك ومالك، وذكر البخل والشنظير: هو الفحاش).

    قوله: (ألا إن الله أمرني أن أعلمكم ... )

    هذا جزء من خطبته صلى الله عليه وسلم التي حفظها لنا الإمام مسلم في صحيحه وبقية من ذكرتهم، وابتدأها النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: (ألا إن الله أمرني أن أعلمكم ما جهلتم مما علمني في يومي هذا)، هذه التوطئة لها دلالة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال في نهاية الحديث: (وأهل الجنة ثلاثة ... وأهل النار خمسة). فهل أهل الجنة محصورون في هؤلاء الثلاثة، أو أهل النار محصورون في هؤلاء الخمسة؟ لا. لكن هذه الأصناف علمها رب العالمين لنبيه في يومه هذا، وليس المقصود أنهم هؤلاء بالحرف بطبيعة الحال، فإن الذين يدخلون الجنة كثيرون جداً، وكذلك الذين يدخلون النار أيضاً هم أصناف كثيرة جداً.

    فقوله صلى الله عليه وسلم: (مما علمني في يومي هذا): يبين لنا أن المرء إذا أراد أن يستوفي حكماً ما؛ فلا بد عليه أن ينظر إلى أطراف الموضوع كله، مثلاً: الرسول عليه الصلاة والسلام قال: (من قال: لا إله إلا الله دخل الجنة) وكل الناس يقولونها، فمن أخذ بهذا الحديث وحده حكم على الله عز وجل بأنه قال شيئاً لم يقله رب العزة تبارك وتعالى؛ لأن القول في ذاته لا قيمة له ما لم يصحبه عمل، إلا أن يكون هناك نص يبين أن مجرد القول له فائدة، فلا بد أن نرجع في النهاية إلى النصوص.

    وفي خصوص هذه الكلمة (من قال: لا إله إلا الله)، هذه تنفعه يوماً من الدهر، كما في الأحاديث الصحيحة: (من قال: لا إله إلا الله؛ نفعته يوماً من دهره) ، حتى لو دخل النار وعذِّب وقضى فيها أحقاباً، فإنه ينتفع بها، لكن الإيمان المنجي لا يكفي فيه النطق بالكلمة. لأجل هذا لا بد -لكي نفهم هذا الحديث- أن نأخذ الأحاديث الأخرى حتى نخرج بالحكم الشرعي الصحيح، وهذا أمر متفق عليه بين العلماء.

    وكذلك في باب الوعيد: يقول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أبي أمامة الذي أخرجه مسلم ، قال: (من حلف على يمين صبر ليقتطع بها حق امرئ مسلم هو فيها فاجر؛ لقي الله وهو عليه غضبان ) وفي رواية: (من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه، فقد أوجب الله له النار وحرم عليه الجنة، فقال رجل: يا رسول الله! وإن شيئاً يسيراً -حلف على شيء تافه-؟ قال: وإن قضيباً من أراك) ، يعني: ولو عود سواك، فلو سرق هذا السواك أو ما يشابهه في القيمة فحلف عليه أنه لم يأخذه؛ أدخله الله النار وحرم عليه الجنة.

    إذاً: لو أن رجلاً أخذ قضيباً من أراك وحلف عليه.. فإن عمله هذا ذنب؛ لكن الخوارج يكفرون الناس بالمعاصي ويحكمون عليهم بدخول النار والخلود فيها بهذا الحديث؛ لأن الحديث صريح بعدم خروجه من النار -حسب زعمهم- يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (حرم الله عليه الجنة وأدخله النار)، فإذا أخذ هذا الحديث وحده دخل في دائرة تكفير الناس وانضم لقول الخوارج، مع أن هذه معصية، ومعروف أن المعاصي يتاب منها، والكفر أعظم من المعصية، ولو تاب المرء من الكفر تاب الله عليه.

    فلا يصح أن نأخذ الحكم النهائي من نص واحد.

    وهذا الحديث عظّم أكل حقوق الناس، ومن يتخذ اليمين جنة يتحصن بها ليأكل حقوق الناس فإنه ينتظره هذا الجزاء، فأنت حين تأخذ هذا الحديث مع بقية الأحاديث والآيات، وأن كل وعيد في القرآن يقع ما لم يتب المرء، وكل وعيد في القرآن يتخلف بالتوبة، كما وعد الله تبارك وتعالى في الحديث الذي صححه الشيخ الألباني رحمه الله أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا وعد الله عبداً فإنه منجزٌ له ما وعد، وإذا أوعد فهو بالخيار: إما أن يعذبه، وإما أن يغفر له) وهذا هو مقتضى الكرم، ففي الوعد لا يخلف أبداً، وفي الوعيد قد يخلف؛ لأن الخلف في الوعيد كرم، والخلف في الوعد لؤم.

    فربنا تبارك وتعالى أوفى الأوفياء، إذا أراد فإنه يوفي، وإذا أوعد -أي: هدد- فقد يتخلف وعيده تبارك وتعالى.

    فالقصد: أن الإنسان إذا أراد أن يحيط بقضية فلا بد أن يجمع لها أطراف النصوص.

    عدالة الصحابة والرد على من طعن فيهم بحجة أنهم غير معصومين

    والجهلة الذين تسوروا منابر الكلام، والكتابة في الصحف، دخلوا في هذا الباب الواسع الذي آخره الكفر، وعارضوا أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكما جعل هذا الرجل اليمين جنة جعلوا الرواة جنة؛ لأنه لا يستطيع أن يُكذِّب الرسول عليه الصلاة والسلام، ولا يستطيع أن يرد كلامه، فيكذب الصحابي. بل يقول: الرسول صلى الله عليه وسلم حاشا لله أن يكذب.. لكن الصحابة بشر غير معصومين.

    وإذا كان مؤدباً فإنه يكذب الرواة، وإذا كان حقيراً ليس عنده حياء ولا أدب اتهم الصحابة كـأبي هريرة رضي الله عنه وغيره، واتهام أبي هريرة رضي الله عنه أمر قديم.. يقول لك: إن أبا هريرة أسلم في عام خيبر، وهو يروي ألاف الأحاديث، وأبو بكر الصديق أول من أسلم، ومسند الإمام أحمد بن حنبل الذي يعتبر أوسع مسند في الإسلام ليس فيه لـأبي بكر إلا قرابة اثنين وثمانين حديثاً، و: أبو بكر الصديق ما ترك النبي صلى الله عليه وسلم من يوم أسلم في ليل أو نهار، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يكثر أن يقول: (خرجت أنا وأبو بكر وعمر، ودخلت أنا وأبو بكر وعمر)، وكان أبو بكر رضي الله عنه لا يفارقه إلا إذا دخل غرفة نومه، فكيف يروي هذا اثنين وثمانين حديثاً وأبو هريرة الذي أسلم متأخراً يروي آلاف الأحاديث؟! فإن عدد أحاديث أبي هريرة تقارب خمسة آلاف حديث.

    فبدءوا يطعنون في أبي هريرة ، وكل حديث يرويه راو لا يتفق مع أصولهم يقولون: الرواة غير معصومين. أي: أنه من الممكن أن يخطئوا.

    وهل الصحابي معصوم أم لا؟

    الصحابي غير معصوم.

    إذاً: غير المعصوم يغلط.

    هذه كلها مقدمات بدهية لا يعارضها عاقل.

    فإذا كان غير معصوم، فما هو الغريب في أنه يغلط؟! نحن نقول: ليس غريباً أن يغلط، لكن لابد أن يثبت غلطه، فنحن لا نناقش العصمة، ولا نقول بعصمتهم أبداً، فهم قد يخطئون، لكن لابد أن تحقق أنه غلط في هذه المسألة بعينها وتحرر موضع الغلط وتبينه.

    الرد العقلي على من طعن في الصحابة بحجة أنهم غير معصومين

    وهذا كقولنا:

    - أليس الله عز وجل على كل شيء قدير؟

    - نعم. الله على كل شيءٍ قدير.

    - وهل هو قادر -مثلاً- على أن يخلق رجلاً بمائة ألف رأس أم غير قادر؟

    - نعم. هو قادر.

    - وهل هو قادر على أن يجعل في كل رأس مائة ألف فم؟

    - نعم. قادر.

    - وهل هو قادر على أن يجعل في كل فم مائة ألف لسان؟

    - نعم. قادر.

    - وهل هو قادر على أن يجعل كل لسان يتكلم بمائة ألف لغة؟

    - نعم. قادر.

    - لكن هل حصل هذا؟!

    - لم يحصل.

    فهو قادر على كل شيء، لكن مثل هذا لم يحصل، وهذا هو الموضوع. فنحن لا ننازع الآن في مسألة: أن الصحابي يغلط أو لا يغلط، فهو ليس بمعصوم، لكن نحن نناقش ونقول: هل أخطأ الصحابي في هذا الموضع أم لا؟ هذه هي المسألة.

    إن العقل خياله واسع، ويتخيل كل شيء، لكن .. هل ما يتخيله العقل موجود في الواقع أم لا؟ لو فتحنا باب التجويزات العقلية لضاعت الدنيا قبل الدين، ودائماً تضرب الأمثال بمثل هذا.

    مثلاً: نحن نقول: هل هناك امرأة في الدنيا الآن -في دنيا الناس الآن- معصومة من الزنا، مهما كانت عفيفة وشريفة؟ توجد امرأة معصومة، لأنك لو قلت: بل هناك امرأة معصومة، فنقول لك: هات دليل العصمة، ودليل العصمة لابد أن يكون شيئاً مقطوعاً به: أن المرأة الفلانية معصومة من الزنا، أي: أنه مستحيل أن تزني.

    إذاً: نقول: لا يوجد امرأة معصومة من الزنا.

    افترض أنت -يا أيها المعترض، الذي تزعم أنك تفكر بعقلك- أن لديك خمسة أولاد، فهل تستطيع أن تثبت لي أن هذا الولد هو ابنك؟ ألا يمكن أن تكون هذه المرأة أخطأت مرة وأتت بهذا الولد من شخص آخر أم أن هذا مستحيل؟ عقلاً: ممكن، فأنا أقول: إنه لا يوجد امرأة معصومة من الزنا، فمن الجائز أن المرأة تغلط غلطة فتكون غلطة العمر، وما غلطت غيرها، ولكن هذه الغلطة أتت بولد.

    فأنت الآن تنسب الأولاد بمنتهى التبجح وراحة القلب.. لماذا وامرأتك ليست معصومة من الزنا..؟!

    امرأة ولدت ولداً لثمانية أشهر، فقالوا: لابد أن تضعه شهراً في الحضانة، فأدخلته المستشفى، وهناك في المستشفى مائة ولد، ولم تعرف شكله ولا أي صفة له.

    وبعد شهر جاءت لتأخذ ولدها، فذهبت الممرضة وأتت بولد غير ابنك، فهل من الممكن أن تغلط أم لا يمكن؟ أم أنها معصومة من الغلط؟ قد تغلط؛ بدليل أنها إذا أحضرت لك ولداً ليس ولدك، وقالت: خذ ابنك. فإنك تأخذه منها ولا تشك إطلاقاً أن الولد هذا ربما لا يكون ابنك أبداً، بل بالعكس؛ لو جاء إنسان فيما بعد وقال لك: إن هذا الولد ليس ابنك؛ لربما قتلته مباشرة، فكيف يتكلم هذا الكلام ويطعن في الأنساب... إلخ؟ مع أن العقل يجوز أن هذه المسائل كلها تقع.

    ومع ذلك تقف سداً منيعاً دون هذه المسائل بالذات!

    وأحدهم ينكر أحاديث الشفاعة، وكتب مقالاً بعنوان (وما هم بخارجين من النار)، وبعدما كتبه دخل المستشفى ليعمل العملية، وكان قد كتب في المقال أنه ذاهب ليعمل عملية، وقال له الدكتور: كذا، وكذا،... إلخ، أليس الدكتور هذا ربما يغلط؟ فقد يقول: لابد من عملية جراحية. ثم يظهر أنه غلطان، والمسألة بسيطة جداً. فهل قال للدكتور: إنك لست معصوماً وقد تغلط، فاجمع لي دكاترة المستشفى كلهم حتى يتخذوا قراراً بأنني أحتاج إلى عملية أم لا؟! لماذا لم يفعل هذا؟! ونحن لو اعترضناه وقلنا له: كيف تسلم أعضاء جسمك للدكتور الذي ربما يغلط؟!! إنهم ينسون أحياناً الفوط وغيرها في بطن المريض، فكيف تسلم نفسك لواحد قد يغلط ويفتح بطنك، لماذا سلمت له بمنتهى الطمأنينة؟ لأنه من وجهة نظرك رجل متخصص ومحترم، له ثلاثون سنة في المهنة، ولا يخطئ... إلخ، فلماذا رواة الحديث فقط هم الذين تخونهم وكلما سمعت شيئاً عنهم تقول: إنهم غير معصومين، بينما تأتي إلى كل شخص في مجاله وتعتبر كلمته نهائية..؟!

    وقد قرأت ملخصاً لكتاب نشر باللغة الإنجليزية بعنوان: (غزو الفضاء أكذوبة) مؤلفه رائد فضاء مكسيكي يعمل في محطة الفضاء الأمريكية يقول: إن حكاية وصولنا إلى القمر أكذوبة كبرى، وخدعة أمريكية مثل السينما بالضبط، ولقد آن لي أن أعترف بهذا. وذكر حقائق خطيرة.

    فنحن لو تكلمنا ستجد من يقول: هل تفهم شيئاً في الفضاء؟ افترض أن هذا عميل للموساد أو لغيره وكتب هذا الكتاب، وأنت لا تعرفه، وقد أكون أنا وأنت لا نعرف شيئاً عن الفضاء، ومع ذلك تجد الواحد منا ينافح أشد المنافحة أنهم صعدوا إلى الفضاء. والرجل قد ذكر حقائق الله أعلم بها، ويقول: إن الوصول إلى القمر من المستحيل، فإن هناك مساحة بيننا وبين القمر درجة الحرارة فيها تبلغ أربعة ألف درجة مئوية، ومن المستحيل أن إنساناً يستطيع أن يقترب منها؛ لأنه يذوب ويصير ماء مباشرة، ومما قال: ولم أنس أنهم لما دعوا الجمهور لكي يروا الصاروخ وهو يدفع مركبة الفضاء، فصعدنا وموهنا لهم كما في السينما، ونزلنا من الباب الثاني على الاستراحة، والجماهير لا تعلم أن هذه المركبة سقطت في المحيط.

    فلما يظهر شخص مثل هذا ويتكلم، فقد يقول البعض: هذا الكلام صحيح؛ لأن هذا الرجل متخصص، وله أكثر من أربعين أو خمسين سنة يعمل معهم.

    إذاً: مسألة القول بأن الصحابي معصوم أو غير معصوم، هذه مسألة خارجة عن النقاش، ومن المسلم به أنه غير معصوم، لكن لابد أن نأتي على الجزئيات: فهل هو أخطأ في هذا أم لا؟ فلا بد من تحقق أنه أخطأ أو لم يخطئ، ولا بد من الرجوع إلى القواعد التي وضعها أهل كل علم.

    فيأتي الواحد منهم فيأخذ حديثاً واحداً ولا ينظر إلى الأحاديث الأخرى في الباب، ويخرج لنا برأي عجيب لم يقل به أحد من العلماء؛ بسبب أنه أخذ حديثاً واحداً وترك بقية الأحاديث في الباب، فإن العلماء أكثروا من قول: (مطلق، ومقيد)، و(خاص وعام)، و(مجمل ومبين)، و(ناسخ ومنسوخ)، فالإنسان لابد أن يراعي هذه الأشياء، وإلا وقع عنده تناقض بين الأدلة.

    والرجل الذي كتب قديماً أن القرآن لم يحدد يوم عرفة، أخطأ؛ لأنه لم يأخذ بجميع الأحاديث، فقال: لماذا نضيق على المسلمين ونجعل يوم عرفة يوم التاسع من ذي الحجة؟ إن ربنا سبحانه وتعالى يقول في القرآن: لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ [فصلت:42] ، والله سبحانه وتعالى يقول: : الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ [البقرة:197]، أشهر الحج: شوال، وذو القعدة، وعشر من ذي الحجة، فإذا كان الله يقول: الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ [البقرة:197]، وأكد أن هذه هي أشهر الحج، فبدلاً من أن نذهب عند الجمرات ونزدحم ونقتل بعضنا، وكذا في طواف الإفاضة، لماذا لا نبسط المسألة: فنجعل جنوب شرق آسيا يحجون من واحد إلى عشرة شوال، وبعد ذلك أصحاب حوض البحر المتوسط مثلاً من اليوم الثالث عشر إلى الثامن عشر، وهكذا قسم الأيام والشهور، -شهور الحج- على المناطق، وجاء بهذا القول.

    فجاء آخر ونسج على منواله، وقال: ما المانع أن نعمل سكة متحركة حول الكعبة بدلاً من أن يتزاحم الناس، فيركب الذي يريد الطواف على السكة وخلال دقيقة ونصف تنهي سبعة أشواط.. ما المانع من ذلك؟ هل هناك دليل يقول بعدم جواز ذلك؟

    وقد كُتبت مقالة في الأسبوع الماضي مفادها: أن في البخاري حديثاً مكذوباً بل أحاديث كثيرة، ولابد للناس الذين يفهمون أن ينقحوها حتى يحفظوا للناس العقائد!! وما هو الحديث المكذوب؟

    قال: حديث : (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ينام في حجر أم حرام ) ، وقال: كيف يكون هذا الكلام؟ وكيف يدخل الرسول صلى الله عليه وسلم على امرأة أجنبية؟ وكيف يضع رأسه في حجرها؟ وهذا كله بناء على سؤال امرأة من الزوار -السواح- عن هذا الحديث، وأن فيه مشكلة، وكيف يضع النبي صلى الله عليه وسلم رأسه في حجر امرأة؟ فقال لها هذا العالم: أم حرام كانت خالته صلى الله عليه وسلم من الرضاعة، وحل الإشكال.

    لكن صاحب المقال أبى أن يسلم أنها خالته من الرضاعة، والمفروض أن يحضر نسب المرأة ونسب النبي صلى الله عليه وسلم وينظر أكانت أختها هي التي أرضعته أم لا؟ ويبحث في المسألة.

    لكنه يقول: إن الله سبحانه وتعالى ذكر في القرآن المحرمات في سورة النساء، وبعد أن عدد المحرمات، قال: وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ [النساء:24]، ولم يذكر في المحرمات: (وخالاتكم من الرضاعة)، فقالوا: ماذا كان سيحصل لو أن الله زاد هاتين الكلمتين؟! فنقول: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب).

    ثم من أين يتطرق إلى الحديث وهو بأصح الأسانيد؟ وعندما نقول: إن الحديث موضوع. لابد أن نذكر جهة وضعه. ومن قال: أنه موضوع. فمن وضعه وكذبه؟ لابد أن يجتهد ويقول: فلان هو السبب، أما أن يقال: حديث موضوع، وأي إنسان في الدنيا يستطيع أن يدعي هذه الدعوى بلا برهان.

    وابن عبد البر -الإمام العلم المفرد- لما ذكر هذا الحديث تكلم بكلام أهل العلم، وقال: (إن بعض الناس قال: إن هذه خالته من الرضاعة، وبعض الناس قال بغير ذلك، ثم قال: وسواء كان هذا أو هذا فرسول الله صلى الله عليه وسلم لا يفعل ما حرم الله..)، وذهب الحافظ ابن حجر العسقلاني في فتح الباري إلى أن دعوى الخصوصية في الحديث قوية، وأن هذا الحديث يحمل على أنه من خصوصيات رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولأنه كان يملك إربه صلى الله عليه وسلم، ثم إنه لا تعرف الخيانة إليه سبيلاً.

    وسأذكر موقفاً حتى نعلم خلق الرسول عليه الصلاة والسلام: ورد في الصحيحين أنه صلى الله عليه وسلم حدَّث وهو جالس مع بعض أصحابه وفيهم عمر فقال: (دخلت الجنة البارحة -يعني في المنام- فرأيت قصراً وعليه جارية تتوضأ، فقلت لمن هذا القصر؟ قالوا: لـعمر . قال: فلما ذكرت غيرتك يا عمر وليت مدبراً، فبكى عمر وقال: يا رسول الله! أعليك أغار؟!) .

    فانظر إليه وإلى وفائه لأصحابه، حتى وهو نائم! دخل الجنة فلما رأى جارية عمر ، وهو يعرف أن عمر بن الخطاب يغار؛ أعرض، وقال: (وليت مدبراً) فبكى عمر وقال: أعليك أغار يا رسول الله؟!

    والنبي صلى الله عليه وسلم ليس له نظير، ما كان يدخل بيت رجل في غيابه.

    فعندما يوجد هذا التأويل أليس هذا أشرف من أن يكذب المرء الرواة الذين لم يكذِّبوا ولم يخطئوا؟! يعني: هذا من خصوصيات النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا باب يسلكه أهل العلم لدرء التعارض الظاهري بين النصوص.

    مثال آخر: المالكية لا يجيزون الحج عن الغير، وقد تمسكوا بقوله تعالى: لا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى [الإسراء:15]، قالوا: المعنى: أن كل إنسان يؤجر أو يأثم بعمله فقط، وأن أي شخص يحج عن الغير فالآية ترد عليه، وأهل العلم على خلاف ذلك.

    وقد البخاري في الصحيح حديث: (الميت يعذب ببكاء أهله عليه) ، أي: شخص مات وأهله يلطمون خدودهم عليه.. ويبكونه فما ذنبه يعذب؟ فكأن هناك تعارضاً ظاهرياً بين هذا الحديث وبين قوله تعالى: لا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى [الإسراء:15]، فالإمام البخاري رحمه الله بوب في صحيحه: (باب قول الله تعالى: لا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى [الإسراء:15] وقوله صلى الله عليه وسلم: (الميت يعذب ببكاء أهله عليه) إذا كان ذلك من سنته، وكلام البخاري بالنص (باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: يعذب الميت ببعض بكاء أهله عليه إذا كان النواح من سنته، لقول الله تعالى: قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا [التحريم:6] ... إلخ.

    أي: قبل أن يموت قال لهم: أنا لا أريد أن أموت في طين، أريدكم أن تصرخوا وتشقوا الملابس ...إلخ، وإياكم أن تخالفوا هذه الوصية!

    فـالبخاري يقول: يعذب ببكاء أهله عليه إذا كان ذلك من سنته، وأوصى بذلك، فإذا كان الميت هو الذي أوصى فإنه يعذب.

    وكذلك حديث أبي أمامة في البخاري أيضاً أن النبي عليه الصلاة والسلام قال عندما رأى سكة زرع -أي: محراث- في بيت : (ما دخل هذا بيت قوم إلا أدخله الله الذل)، فمعنى هذا: ألا تحرث الأرض، فكيف سنزرع؟ فإن في هذا الحديث ذماً للمحراث، فكأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: أخرج المحراث من الدار، فيقول القائل: لما أُخرج المحراث منالدار ولا أقتنيه؟ كيف أزرع؟ لو استطعت حرث الأرض بدون محراث لحرثتها!

    فـالبخاري رحمه الله حتى لا يأتي شخص يضرب حديثين ببعض؛ لجهله ولعدم إحاطته، وضع في التبويب التوفيق ما بين هذا الحديث وما بين قوله صلى الله عليه وسلم -مثلاً- : (ما من مسلم يزرع زرعاً فيأكل منه طير أو إنسان أو حيوان، إلا كان له به أجر) فقال: (باب التحذير من آفة الزرع ومجاوزة الحد في ذلك)، وبهذا يحل الإشكال. مجاوزة الحد: أن يجعل حياته المحراث، فلا يصلي ولا يزكي ولا يعمل أي شيء، فهذا في الأخير سيذهب إلى النار، والعياذ بالله ولا ذل أعظم من أن يدخل المرء النار: إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ [آل عمران:192]، أو الذل العاجل في الدنيا.

    ومن الذل العاجل: نظام جائر -وهذا النظام الجائر سقط منذ خمس سنين فقط- في ذلك النظام كانت الجمعيات الزراعية تجبر الفلاح أن يورِّد عن فدان الأرز طنين من الأرز للجمعية، والطن -مثلاً- كان بثلاثمائة جنيه، وثمنه في السوق السوداء أو في الخارج بخمسمائة أو بستمائة جنيه، والجمعية تجبر الفلاح أنه يورِّد طنين عن الفدان، وهب أن الفدان أنتج طناً واحداً، إذاً: يذهب الفلاح ويشتري الطن الآخر من السوق السوداء بستمائة حتى يورده للجمعية بثلاثمائة.. فماذا يأكل الفلاح هو وأولاده طوال السنة؟ يقولون: هذا شيء لا يخصنا، اسرق أو اعمل أي شيء، هذا شيء يخصك أنت وأولادك!!

    والذي كان يتخلف عن توريد الأرز كانوا يقبضون عليه، ويضعونه في السجن، ولابد أن يحضر الأرز كاملاً، أو يدفع ضماناً، أو يدفع ثمنها وهذا أيضاً ذل.

    فكأن الرجل الذي يحرث هذه الأرض معرض لهذا الذل وهذا الهوان وهذا الظلم. إذاً: قد يكون المراث ذلاً في الآخرة؛ لأن المرء ينشغل به عما أوجبه الله عز وجل عليه، وقد يكون ذلاً عاجلاً في الدنيا، بأن يفرض عليه الولاة ما لا يستطيع ولا يقدر فيقع في الذل.

    فالإمام البخاري في تبويبه هذا حل الإشكال، فقال: (باب التحذير من آفة الزرع ومجاوزة الحد في ذلك) .

    الجهل هو سبب الهجوم على السنة النبوية

    إن سبب هذه الهجمة التترية الخطيرة على السنة هو أن الناس جهال؛ فلم يجثوا بركبهم يوماً ما بين أيدي العلماء، ولم يقرءوا كتاباً من أوله إلى آخره قط، ولذلك يهاجمون السنة هذه الهجمة التترية، ولابد أن يقف المسلمون لها، ولكن .. كيف يقف المسلمون لها؟ أن يفرغوا طلاب العلم، لطلب العلم والمنافحة عن الكتاب والسنة، فإذا كنت تاجراً -والله عز وجل لم يوفقك لطلب العلم- فأنت تخرج من مالك الزكاة، وأغلب طلاب العلم فقراء يستحقون الزكاة، وحتى لو كان مستوراً في الأكل والشرب، فالمراجع التي يحتاج إليها للتحضير والقراءة بالألوف المؤلفة، فهو محتاج على أي حال، فأد الزكاة إليهم.

    وإذا كنت تحب دينك ولا تريد أن تلقى الله خائناً، فانشغل بأمر دينك، والدفاع عنه، لا سيما في زمان الغربة. وقد يقول قائل: ماذا نعمل؟ نقول: انظر إلى طالب علم وأنت تخرج الزكاة، وقل له: أنا سأكفلك -ولا تقل له: سأعطيك زكاة مالي، فإنه لا داعي أن تخوض في هذه المسألة- وفرغ وقتك للذب عن دين الله عز وجل. فتصير بمالك فارساً من الفرسان؛ لأن أزمتنا أن الحدود مفتوحة، وأي دولة حدودها مفتوحة من السهل جداً أن تدخل إليها كل المحرمات، ولن يرد ذلك إلا حراس الحدود، ولكن .. أين هم؟!

    فالنبي عليه الصلاة والسلام حين يقول: (ألا إن ربي أمرني أن أعلمكم ما جهلتم مما علمني يومي هذا) ، ثم ذكر أن أهل الجنة ثلاثة .. وأهل النار خمسة، حتى لا يأتي شخص يحصر أهل الجنة في ثلاثة وأهل النار في خمسة.. فإن هذا مما علم رب العالمين رسوله صلى الله عليه وسلم في هذا اليوم، وكان كل يوم يعلمه، وفي هذا اليوم علمه رب العالمين تبارك وتعالى طائفة من أهل الجنة وطائفة من أهل النار.

    قوله: (كل مال نحلته عبداً لي فهو حلال)

    ثم قال: (كل مال نحلته عبداً لي فهو حلال)، هذا واضح أنه من كلام رب العالمين؛ لأن الحديث فيه كلام ينسب إلى الله تبارك وتعالى، وكلام ينسب إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ويفهم من هذا أن الأصل الإباحة؛ لأنه قال: (كل مال نحلته عبداً لي فهو حلال).

    قوله: (وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم)

    ثم قال: (وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم)؛ لأن لفظة (كلهم) هنا للعموم؛ لأن لفظة (الكل) من أقوى صيغ العموم، وقوله: (إني خلقت عبادي حنفاء كلهم) وهذا واضح في آية الميثاق: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا [الأعراف:172]، وكما في الأحاديث الصحيحة: أن الله عز وجل كقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله عز وجل لما خلق آدم مسح ظهره بيده، فاستخرج من ظهره كل نسمة هو خالقها إلى يوم القيامة، وأودع فيهم عقولاً، وخاطبهم في عالم الغيب: ألست بربكم؟ فقالوا جميعاً: بلى. شهدنا، فقال تعالى: أَنْ تَقُولُوا [الأعراف:172] -أي: لئلا تقولوا، كي لا تقولوا- يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ [الأعراف:172] ) أي: أنا أشهدك الآن حتى لا تدعي أنك كنت غافلاً عن هذا يوم القيامة.

    ولأن العباد لا يذكرون هذا الميثاق أرسل الله عز وجل الرسل تذكر بهذا الميثاق، وجعل الثواب والعقاب منوطاً بوصول البلاغ رحمة من الله تبارك وتعالى بعباده.

    فيقول ربنا عز وجل: (إني خلقت عبادي حنفاء كلهم فاجتالتهم الشياطين عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم) مع أن (كل مال نحلته عبداً حلال)، فلماذا يحرمونه؟ مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سَائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ [المائدة:103] لكنهم حرموا ما أحل الله لهم، مع أن الأصل: (كل مال نحلته عبداً لي فهو حلال)، فبين لنا ربنا تبارك وتعالى أن الشياطين اجتالت هؤلاء الناس عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحل الله، وأحلت لهم ما حرم الله عليهم، وبدءوا يضعون قوانين لهذا الباطل.

    ولن أنسى أبداً الواقعة التي نشرت منذ سنوات: أن مستشاراً في آخر عمره أراد أن يتوب من الأخطاء الجسيمة التي ارتكبها في حياته، وأنه كان يحكم بغير ما أنزل الله، وأنه لابد أن يحكم بما أنزل الله، فجاءت له حالة زنا، فالمحامي ظل يؤخر في القضية حتى تقع في دائرة هذا المستشار؛ لأن هذا المستشار إذا جاءه إنسان محصن -متزوج- وزنى، فسيحكم عليه بالرجم، ويقول: حكمت المحكمة برجم فلان وفلانة.

    ومن المعلوم في هذه الأيام أنه لا يوجد جهة تنفيذ، فلا أحد يرجم، فالرجم -عندهم- معناه: البراءة، فلو حكم عليه بالسجن أو أي حكم آخر فسيقع عليه الحكم، لكن أن يحكم عليه بالرجم فلا يوجد من ينفذ الرجم، فستكون براءة مباشرة، ولذلك فالمحامي ظل يؤخر القضية لكي تقع في دائرة هذا المستشار حتى يقول: حكمت المحكمة عليه بالرجم، ووقع ما تمناه المحامي، ووقعت المسألة في دائرة هذا المستشار، وحكمت المحكمة عليه قتلاً بالرجم، فضجت القاعة بالتصفيق، وخرج الزاني براءة.

    فكيف يمحى مثل هذا الحكم ويحل محله حكم آخر: وهو أن البنت حرة التصرف في عرضها، وأن المسألة هذه مسألة مزاج، فلو أن الزوج دخل فوجد امرأته مع رجل أجنبي، وتصافوا مع بعض، تسقط الدعوى! مع أن إقامة الحد حق لله تعالى لا لأحد سواه، حتى لو تنازل الزوج، فإذا وصلت للحاكم صار إقامة الحد حق لله عز وجل، كما في حديث صفوان بن أمية في سنن النسائي وغيره. : (أنه كان نائماً ووضع عباءته تحت رأسه، فجاء سارق واستلها من تحت رأسه من غير أن يدري، وأوشك أن يفر بها، فقام صفوان وراءه فأمسكه وقبض عليه، فذهب إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال له: إن هذا الرجل استل هذه البردة من تحت رأسي، وأنا نائم. فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بقطع يده فتفاجأ صفوان رضي الله عنه بالحكم، أتقطع يده لأجل ثلاثين درهم؟! فقال صفوان : يا رسول الله! وهبتها له. -لكي لا تقطع يده- فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: هلا قبل أن تأتيني) أي: لِمَ لم تقل هذا الكلام بينك وبينه؟! أما وقد طالما جئت فقد انتهى الأمر، ولم يعد إقامة الحد حقاً لأحد، وإنما صار حقاً لله عز وجل، فلا يجوز إسقاطه أبداً.

    فعندما يأتي الزوج ويقول: أنا راضٍ عن امرأتي، وقد عفوت عنها. ويسقط الحد، مع أن الله عز وجل لم يسقطه.

    يقول النبي صلى الله في هذا الحديث: : (فاجتالتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطاناً) ، قوله تبارك وتعالى في هذا الحديث الإلهي (وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطاناً) إشارة إلى كل حكم وضعي يخالف الشريعة، فما أنزل الله سلطاناً بهذه الأحكام أبداً.

    قوله: (وقال: إنما بعثتك لأبتليك وأبتلي بك)

    ثم قال في الحديث: (إنما بعثتك لأبتليك وأبتلي بك).

    ذهب طائفة من علماء العربية وطائفة من علماء الأصول إلى أن (إنما) من صيغ الحصر، وهي تساوي (لا) و(إلا) في الاستثناء، مثل: لا إله إلا الله، فهنا نفيت كل الآلهة عدا الله تبارك وتعالى، فصارت الإلهية محصورة برب العالمين تبارك وتعالى، هذا هو معنى نفي الاستثناء.

    نقول: (إنما) تفيد الحصر على رأي طائفة كما ذكرت فقوله : (إنما بعثتك لأبتليك وأبتلي بك) فكأن غاية البعثة -بعثة النبي صلى الله عليه وسلم- وقوع هذا الابتلاء وهذا الاصطدام بين أهل الحق وأهل الباطل، ولو تأملت حكمة الله الباهرة في وضع هذا الابتلاء لعلمت أن الله عز وجل يدافع عن الذين آمنوا، وهو ناصرهم وإن كانوا قلة ما داموا معتصمين بأمره.

    وسنة الدفع جاءت في القرآن في موضعين، وفي الموضعين جميعاً قتال:

    الموضع الأول: في سورة البقرة في قصة طالوت وجالوت، وفي آخرها: وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ [البقرة:251]، إذاً: بقاء الأصل أننا في عداء مستمر، وهذه سنة كونية لا بد أن تقع، ولو كان هناك أناس في الدنيا أهل لأن يزيلوا الخلاف لكان الصحابة أولى بذلك .. لكنهم ما استطاعوا، فظهرت الخوارج والشيعة، وبدعة القدر ظهرت في آخر عهد الصحابة، ومع ذلك عجز الصحابة عن أن يجعلوا الشيعة يتركون آراءهم، وهم الصحابة، الذين لديهم الحجة، ومعهم الأدلة، ومعهم الصحبة أيضاً، ومع ذلك عجزوا عن أن يزيلوا الخلاف. فهذا الاختلاف مهم جداً حتى تبقى الأرض: وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ [البقرة:251].

    والموضع الثاني: في سورة الحج بعد قوله تبارك وتعالى: أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ [الحج:39]، قال تعالى: وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنصُرُهُ [الحج:40]، فتأمل هذه السنة!

    إن الذين ينكرون أشياء من السنة، ويطعنون في صحيح البخاري في الجرائد والمجلات، ويرمون الصحابة بالكذب... نقول لهم: تعالوا نأخذ جزئية إنكار الشفاعة، والتي تورط فيها الدكتور مصطفى محمود ، فإنه أولاً أنكر الشفاعة العظمى، وبعد ذلك أنكر حجية السنة، ومن حكمة الله أنها تمت هكذا؛ لأنه لو أنكر السنة أولاً لما أنك عليه، لكنه فضح نفسه بإنكار الشفاعة العظمى، ثم لما جاء ينكر السنة انكشف، ومثله كمثل الذي سرق كشافاً واختبأ في حارة مظلمة!

    إن الذي يتعرض للرسول صلى الله عليه وسلم لا يسلم أبداً؛ لأن الله عز وجل هو الذي يدافع عن رسوله، ففي سورة التحريم لم يسلم الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم لملعقة عسل، قال تعالى : وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ [التحريم:4] سيحال بينكم وبين ما تريدون: فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ [التحريم:4]، فالذين يسبونه صلى الله عليه وسلم ويتعرضون له، سيحال بينهم وبين ما يريدون؛ لأن الله عز وجل هو الذي يدافع عن نبيه.

    وكما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في كتاب (الصارم المسلول على شاتم الرسول) وهو يتكلم عن حرمة الرسول وارتفاع جنابه عليه الصلاة والسلام، قال: حدثني كثير من الفقهاء الذين كانوا يغزون الروم بأنهم كانوا يحاصرون الحصن شهراً وشهرين أو ثلاثة أشهر، والروم في الداخل معتصمين ومعهم الزاد، فنكاد نيأس من فتح هذا الحصن، فيقعون في عرض النبي عليه الصلاة والسلام فيسبونه؛ فيفتح الحصن بعد يوم أو يومين، فقال هؤلاء العلماء: فكنا نتباشر بسب النبي عليه الصلاة والسلام مع امتلاء قلوبنا غيظاً مما نسمع.

    فأول ما يقعون في الرسول صلى الله عليه وسلم ويسبونه، نعرف أن الفتح قادم مباشرة، فالله عز وجل هو الذي يدفع عن نبيه، فتعالوا نرى سنة الدفع:

    من قديم الزمان ونحن نقول للناس: الأحاديث الموضوعة والمكذوبة وعلة الحديث ... إلخ، وما أحد يستمع، بل يقولون: هذا كله كلام أكاذيب، وكلام مصطلح حديث... إلخ، فكان من لطف الله عز وجل -وهذه سنة الدفع- أن قيض الدكتور لينكر المقام المحمود -الشفاعة العظمة- حتى تصير السنة قضية، وهذا هو الذي نريده، نحن نريد أن يكون الكلام في السنة كلام كتب، نحن نريد أن تكون السنة قضية تشغل الناس كلهم، ويفكرون كيف ننصر الدين؟ وكيف ننصر رسوله؟

    وهذا -بحمد الله عز وجل- أصبح جلياً واضحاً بعد هذه المحنة، فكثير من الناس رجعوا إلى دين الله عز وجل، واستجابوا -مثلاً- لتفريغ طلاب العلم، وأناس تبرعوا في منتهى الحمية، وما كنا نتصور أن يكون رد فعل الجماهير مشرفاً إلى هذا الحد!!

    فكان من تمام سنة الدفع أن يشتموا الصحابة حتى نذكر فضائل الصحابة، والناس يعرفون من هؤلاء الصحابة.. وأن ينكروا السنة حتى نعرِّف الناس كيف صنف البخاري كتابه، وأن الجماعة الذين يتكلمون في البخاري لا يصلحون أبداً لأن يزيلوا الأذى عن البخاري ، لا ينفع، لكي يكف عن البخاري الذي يقول لك: إن في البخاري أحاديث مكذوبة.. والبخاري عبارة عن أحاديث موضوعة.. والبخاري أحاديثه إسرائيليات، وأضف إلى ذلك قوله: وسيحاسب الله البخاري أشد الحساب..!

    فهذا من جملة البلاء .. ولكنها نعمة من الله، فإذا نظرت إلى أثرها علمت أن الله تبارك وتعالى لطيف، وأنه أرجع بهذه المحنة فئات من الشاردين عن هذا الدين.. أرجعهم إلى حظيرة الإسلام مرة أخرى، وصار لهم انتماء، فالمسألة (إنما بعثتك لأبتليك وأبتلي بك) هذه مسألة أصلية؛ ولذلك أناط الله عز وجل البلاء بأوليائه، فلماذا جعل أولياءه هم الذين يبتلون ويشردون لماذا؟ أليس الله تبارك وتعالى قادراً على أن ينصرهم بـ(كن)، وأن يمكن لهم؟ أليسو هم أولى الناس أن يسعدوا في الدنيا؛ لأنهم عباد الله المتقين الأخيار؟!!

    إن هذه الدنيا يتمتع بها الخواجة، ويتمتع بها الكافر والفاجر، وأما أهل الإيمان وأهل الدين فهم الذين يحرمون الدنيا.. فما هي حكمة الله في ذلك؟ حكمة الله في ذلك: أن القلب لا يحيا إلا في المحن، فهو يستمد مادة حياته من المحن، هكذا خلقه الله عز وجل، فالجوارح تستمد مادة حياتها من الراحة والدعة، أما القلب فيستمد حياته من العوارض والمحن، ولأجل هذا جعل الله تعالى البلاء من نصيب أوليائه ليلقوه عز وجل بقلوب ثابتة.

    وأنت في البلاء كالسابح ضد التيار، والذي يسبح ضد التيار معنى ذلك: أنه سيخرج بشيئين: قوة القلب، وقوة العضلة. ولذلك فما من محنة تمر على المرء إلا ويخرج منها أزكى، وأقوى مما كان، والمسألة تشبَّه بالكرة المطاطة، فكلما ضربت الكرة المطاطة في الأرض بعنف كلما صعدت إلى الأعلى أكثر.

    فجعل الله عز وجل البلاء من نصيب أوليائه لأجل هذا؛ لأن العبد في الآخرة إنما يوزن بقلبه، كما يقول ابن القيم رحمه الله: (يأتي الرجل السمين البدين ولا يزن عند الله جناح بعوضة)، برغم أنه بدين الجسم، لكن الله عز وجل لا يزن الناس بالأجسام، إنما يزن الناس بالقلوب، كما في حديث ابن مسعود أنه كان ضعيفاً نحيلاً فصعد يوماً على شجرة، فضحك الصحابة من دقة ساقيه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (مم تضحكون؟ قالوا: من دقة ساقيه، قال: والذي نفسي بيده لهما أثقل في الميزان من أحد) ؛ لأنه لا يوزن بجسمه عند الله تبارك وتعالى.

    إذاً: البلاء قرين الدعوة وقرين الالتزام، فإذا سعيت إلى ربك فأنت مبتلى ولا بد، فلا بد أن تهيئ نفسك للبلاء والحديث واضح: (إنما بعثتك لأبتليك وأبتلي بك).

    قوله: (وأنزلت عليك كتاباً ...)

    إذا كان الله سبحانه وتعالى وضعك في هذا البلاء وهذه المعركة، فقد جعل لك سلاحاً فقال : (وأنزلت عليك كتاباً لا يغسله الماء) ، هو هذا سلاحه: (وأنزلت عليك كتاباً لا يغسله الماء تقرؤه نائماً ويقظاناً) (، فهو منهج حياة، وما معنى قوله: (لا يغسله الماء)؟ فلو كتب القرآن وغسل بماء فإن الحبر يذهب، فما معنى (لا يغسله الماء؟)

    إن إزالة النجاسات تكون بالماء خصوصاً دون سائر المائعات شرعاً وعرفاً. فلو وقعت النجاسة في ثوب وتريد أن تزيلها، فلو غسلتها بحليب أو بزيت أو بسمن فإنها لا تذهب، فالنجاسة لا تذهب إلا بالماء شرعاً وعرفاً. وكذلك القرآن، فمعنى: (وأنزلت عليك كتاباً لا يغسله الماء) ، أي: مثلما أن الماء يغسل النجاسات فالقرآن كذلك، لكن النجاسة التي يغسلها القرآن نجاسة الشرك ونجاسة الذنب، وكلمة (لا يغسله الماء) أي: لا يستطيع أحد أن يزيد فيه حرفاً ولا كلمة، ولو فعل ذلك فسترى آلاف الصبية من سائر الدنيا يردون عليه.

    يذكر ابن خلكان في وفيات الأعيان: أن رجلاً نصرانياً ورد على أمير المؤمنين المأمون ، فلما علم أنه نصراني دعاه إلى الإسلام، فقال له: أسلم وسأعطيك كذا وكذا... فقال: هو ديني ودين آبائي، لا أتركه أبداً. وانفض المجلس، فلما كانت السنة التي بعدها جاء هذا الرجل مسلماً فقيهاً، ودخل وعليه ملابس العلماء، فلما رآه المأمون شبه عليه، فقال: ألست فلاناً؟! قال: بلى. فقال له: ما خبرك؟ قال: بعدما فارقت مجلسك عمدت إلى التوراة وكتبت ثلاث نسخ فأخرت وقدمت، وزدت فيها وأنقصت، وأعطيتها للأحبار فقبلوها وأجزلوا لي العطاء، وعمدت إلى الإنجيل فكتبت ثلاث نسخ بخط جميل، وزدت فيه وأنقصت، وأعطيتها للرهبان، فقبلوها وأجزلوا لي العطاء، قال: وكتبت ثلاث نسخ من المصحف -القرآن- وزدت فيه وأنقصت فردوه علي؛ فعلمت أن هذا الدين حق، فأسلمت.

    فلا يستطيع أحد أن يغير فيه ولو حرفاً واحداً، وهذا مسيلمة الكذاب -حتى كلمة (الكذاب) صارت مرتبطة باسمه دائماً، لما أراد أن يؤلف قرآناً ضحك منه الناس، ويقال: أن عنده سورة الضفدعة، والتي قال فيها : (نقي ما تنقين، نصفك في الماء ونصفك في الطين، لنا نصف الأرض ولقريش نصفها، ولكن قريش قوم يعتدون..) انظر إلى هذا الكلام..! وعلى شبكة الإنترنت تجد الكثير من هذا، فهل يظن هؤلاء الأوغاد أنهم يستطيعون أن يمسوا جناب القرآن؟! خابوا وخسروا..

    فربنا سبحانه وتعالى يقول: : وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ [فصلت:41]، (عزيز) أي: منيع، والإنسان العزيز هو الذي لا يستطيع أن يقرب منه؛ لأنه عزيز، كما قال قريط بن أنيف أبياته في قبيلة مازن، وأنهم قوم لا يستطيع أحد قط أن يعتدي على رجل ينتسب إليهم أبداً، فهذا الرجل كان معه جملان أو ثلاثة، فمر شخص قاطع طريق فأخذها وذهب، فحزن لهذا جداً، فذهب يستنفر جماعته وقبيلته فلم يقم معه أحد، فكلهم جبناء؛ فأنشد أبياتاً في غاية الروعة، وهذه الأبيات هي التي افتتح بها أبو تمام ديوان الحماسة، يقول:

    لَوْ كُنْتِ مِنْ مَازِنٍ لَمْ تَسْتَبحْ إِبِلِي بَنُو اللَّقِيطَةِ مِنْ ذُهْلِ بْنِ شَيْبَانا

    إذًا لَقامَ بِنَصْرِي مَعْشَرٌ خُشُنٌ عِنْدَ الْحَفِيظَةِ إِنْ ذُو لُوثَةٍ لاَنا

    قوْمٌ إذا الشَّرُّ أبْدَى نَاجِذَيْهِ لَهُمْ طَارُوا إلَيْهِ زَرَافاتٍ وَوُحْدَانا

    أي: لا يهربون، بل يفرحون باللقاء.

    لاَ يَسْأَلُونَ أخَاهُمْ حِينَ يَنْدُبُهُمْ فِي النَّائِبَاتِ عَلى ما قالَ بُرْهانَا

    لا يطلبون دليلاً على دعواه.

    ولَكِنَّ قَوْمِي وَإنْ كانُوا ذَوِي عَـدَدٍ لَيْسُوا مِنَ الشَّرِ فِي شَيءٍ وَإنْ هانَا

    يَجْزُونَ مِنْ ظلَمْ أهْلِ الظُّلْمِ مَغْفِـرَةً وَمنْ إسَاءَة أهْلِ السُّوءِ إِحْسَانَا

    كأَنَّ رَبَكَ لَمْ يَخْلُقْ لِخَشْيَتِهِ سِوَاهُمُ مِنْ جَمِيعِ النَّاسِ إِنْسَانا

    إذاً: قبيلة مازن متصفة بالعزة، ولا أحد يستطيع أنه يصل إليها هذا هو معنى العزة. فالقرآن منيع وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ [فصلت:41]، بل بلغ من عزة هذا الكتاب أن يفارق صدر من أهمله، فالذي يتركه ولا يقرؤه لا يظل في صدره أبداً؛ لأنه عزيز. فمثلاً: شخص يزورك وأنت تقطب في وجه، وتؤخر عنه الغداء، وتغضب عليه. فلا يمكن -إن كان عزيزاً- أن يزورك مرة أخرى، بل لو أحس أن شيئاً من الإهمال -ولو كان يسيراً- يصدر منك، فلن يدخل بيتك أبداً، وأي إنسان عزيز فإن هذا هو تصرفه.

    والقرآن هكذا، إذا ما قمت وقعدت، وسهرت، وسألت الناس: كيف أحفظ القرآن وأحافظ عليه؟ فإنه يتركك ويذهب؛ لأنه عزيز الجانب.

    ولقد جعل الله عز وجل القرآن مهيمناً، كما قال سفيان بن عيينة : (عهد الله عز وجل إلى اليهود بحفظ التوراة فحرفوها، وعهد للنصارى بحفظ الإنجيل فحرفوه، فلم يعهد بالقرآن للمسلمين، إنما تولى تبارك وتعالى حفظه بنفسه).

    فالسلاح الشديد القوي، النفيس الماضي في معركتك مع كل الفئات هو القرآن.

    القرآنيون وبيان انحرافهم

    نحن -أهل السنة- نفهم القرآن ليس كما يزعم المنتسبون إليه ممن يسمون الأشياء بغير مسمياتها. يقولون: نحن القرآنيون. وهم ينكرون السنة! يسمون الأشياء بغير اسمها، ومن المعلوم -مثلاً- أن أكثر الناس خيانة هو أمين الصندوق، ومع ذلك فإنه يسمى أمين الصندوق، والمثل يقول: (حاميها حراميها)، فقد تجد رجلاً -مثلاً- مبتدعا،ً وبدعته كفرية، ومع ذلك لقبه (محيي الدين)!! ومثل هذه يوضحه أحد الشعراء وهو يتوجع على ذهاب بلاد الأندلس، وقد ذهبت منا بإهمال الولاة والانغماس في الملذات والشهوات، وكان كل واحد من هؤلاء الأمراء يسمى (عضد الدين، ركن الدين، محيي الدين، ناصر الدين) وهم الذين ضيعوا الدين، فهذا الشاعر لما رأى هذه الألقاب الكبيرة ليست في مكانها أنشد قائلاً:

    ومما يزهدني في أرض أندلس أسماء معتصم فيها ومعتضد

    أسماء مملكة في غير موضعها كالهر يأتي انتفاخاً صورة الأسد

    فهؤلاء القرآنيون يقولون: نعمل بالقرآن فقط. فإذا سألتهم عن السنة قالوا: ليست من القرآن. وكذبوا؛ فإن فالذكر قرآن وسنة بإجماع أهل العلم، والمرء إذا أهمل السنة فلا بد أن يكذب على الله، ولو أخذ بالقرآن وحده فهو كاذب على الله ولا بد؛ لأننا إذا تركنا السنة جانباً سنحل ما حرم الله. فمثلاً: مسألة: هل يجوز لأحد أن يتزوج خالة امرأته أو عمة امرأته ويجمع بينهن؟ بالنص والإجماع: لا يجوز. فهل وردت هذه المسألة في آية المحرمات؟ لم ترد.. أليس ربنا سبحانه وتعالى بعدما ذكر المحرمات قال: وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ [النساء:24] وهذا كلام صريح.

    إذاً: لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها بالنص والإجماع، فأين هي في القرآن؟ قال تعالى: وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ [الأنعام:119] (فصل) أي: ذكر كل الجزئيات، فهل تجدون في القرآن تحريم لحوم الحمر الإنسية؟ الذين يقولون: نحن قرآنيون، وتركوا السنة بحجة أن الرواة غير معصومين، نقول لهم: هل يجوز أكل لحم الحمار؟ سيقولون: لا يجوز. فأين تحريمه من القرآن؟ مع أن الآية واضحة وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ [الأنعام:119] ، وهذا التفصيل غير وارد في القرآن، فأين هو؟ إذاً: هو في السنة، ولذلك قال العلماء في قوله تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [الحجر:9] ، قالوا: الذكر: قرآن وسنة.

    وأما حديث: (يا معاذ ! بم تحكم؟ قال: بكتاب الله، قال: فإن لم تجد. قال: فبسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: فإن لم تجد قال: أجتهد رأيي ولا آلو) ، فإنه حديث منكر عند أهل العلم بالحديث، البخاري ، والترمذي والعقيلي وعند الدارقطني، وطائفة يصل عددهم إلى العشرة ذكرهم الشيخ الألباني رحمه الله في سلسلة الأحاديث الضعيفة.

    وحتى لو صح هذا الحديث فلابد من فهم القرآن فهماً مستقيماً، فالقرآن مع السنة على مراتب:

    المرتبة الأولى: القرآن والسنة مع بعض.

    المرتبة الثانية: ما انفردت به السنة من تأسيس الأحكام.

    المرتبة الثالثة: ما لم يرد في السنة وثبت بالاجتهاد.

    إذاً: هناك نص من القرآن يؤخذ مع السنة، فلا يصح أن ينفصل أحدهما عن الآخر؛ لأن السنة من تمام القرآن، وهي المبينة للقرآن : وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ [النحل:44]، مثل الآية التي نتكلم فيها: وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ [النساء:24] ، إلا أن تنكح المرأة على عمتها أو على خالتها، هذا تخصيص، فإذاً جاء القرآن مبيناً، والتخصيص من جملة البيان، وكقوله تعالى: : إنما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ [البقرة:173]، (الميتة) اسم جنس محلى بالألف واللام يفيد العموم، و(الدم) اسم جنس محلى بالألف واللام يفيد العموم، ولنفترض أنك لا تعرف شيئاً عن هذا الاشتمال أبداً، وقرأت هذه الآية : إنما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ [البقرة:173]، فستفهم أن كل أجناس الميتة يدخل ضمن هذه الآية. لأن: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ) أي شيء يموت. إذاً: أنت لا تستطيع أن تأخذ بالقرآن فقط هنا، ولابد أن تأخذ معه بالحديث؛ لأن الحديث بيان للقرآن؛ فصار الحديث من تمام القرآن.. وهذا هو النوع الأول، الذي هو النوع المبيِّن لكلام الله الذي لا يستطيع أن ينتفع به المرء إلا ببيان السنة.

    النوع الثاني: الذي يمكن أن يتنزل عليه الكلام، أي:لم تجده في القرآن، فبسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، كالأحكام التي أثبتها النبي صلى الله عليه وسلم ولا توجد بلفظها في القرآن، وإن كانت بفحواها في القرآن، يقول الإمام الشافعي رحمه الله: (ما من حُكم حكم به رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا وهو في القرآن) لابد، وليس لازماً أن يكون بنص، أو أن تأتي آية مخصوصة في هذه االمسألة.

    ومن الأمثلة على ذلك: ما رواه البخاري وغيره: أن امرأة سمعت ابن مسعود رضي الله عنه يذكر حديث: (لعن الله الواشمة والمستوشمة، والفالجة والمتفلجة، والواصلة والمستوصلة). فقالت: يا ابن مسعود ! أتقول: لعن الله؟ قال: وما لي ألا ألعن من لعن الله، وهو في كتاب الله؟! فذهبت تلك المرأة إلى البيت وأخذت المصحف وقرأته من سورة الفاتحة إلى سورة الناس، حتى تقف على آية لعن الله الواصلة والمستوصلة، فما وجدته، فذهبت إلى ابن مسعود وقالت: (يا ابن مسعود ! لقد قرأت القرآن ما بين دفتيه -من الجلدة للجلدة- ولم أجد فيه ما تقول. فقال: لئن قرأتيه لقد وجدتيه. قالت: قرأته. قال: أما قرأت قوله تعالى: وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا [الحشر:7] فهذا مما آتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم).

    إذاً: الإمام الشافعي أثبت هذا الكلام على مثل هذه الأحاديث، فما من حكم للنبي صلى الله عليه وسلم إلا ويرجع للقرآن نصاً، أو لآيات إيجاب طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم، فنحن حين نأتي لنفهم قوله: (وأنزلت عليك كتاباً لا يغسله الماء)، لا نتصور أن الكتاب مقصود به القرآن فقط، بل القرآن وبيانه؛ إذ لا يُنتفع بالمجمل عادةً إلا إذا جاء البيان، ولأن الإشكال إنما يقع في باب الإجمال، فإذا كان النص مجملاً بلا بيان فقد تفهم شيئاً والآخر يفهم شيئاً آخر، فإذا بين زال الاختلاف.

    القرآن سلاح ضد الشيطان

    وبهذه النكتة ننهي الكلام عن هذا الجزء من الحديث، وهو قوله: (تقرؤه نائماً ويقظاناً):

    ورد في البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: (وكلني رسول الله صلى الله عليه وسلم بتمر الصدقة -جعله حارساً على تمر الصدقة- فبينما أنا جالس في هجيع من الليل، إذ رأيت رجلاً يحمل تمراً في حجره، فأمسكته وقلت: لأرفعنك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. فشكا حاجة عياله، وأقسم أنه لن يعود، فتركته، فلما أصبحت قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ما فعل صاحبك البارحة يا أبا هريرة ؟ فقلت: يا رسول الله! شكا حاجة عياله وأقسم أنه لن يعود. قال: كذبك وسيعود. فلما كانت الليلة الثانية جاء يحثو التمر، فأمسكته -وتكرر نفس الفعل، فلما أصبحت سألني النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: شكا حاجة عياله وأقسم أنه لن يعود. قال: كذبك وسيعود. وفي الليلة الثالثة جاء ليحثو التمر، فأمسكته وقلت: أما هذه المرة فلن أدعك، ولأرفعنك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال: ألا أعلمك شيئاً ينفعك وتتركني. قلت: وما هو؟ قال: إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي، فإنك إذا قرأتها لم يزل عليك من الله حافظاً حتى تصبح).

    أي: وأنت مستيقظ تذكر الله سبحانه وتعالى، وهو سلاحك ضد الشيطان، كما في حديث أبي مالك الأشعري الذي أوله: (إن الله أمر يحيى بن زكريا بخمس كلمات إلى أن قال: قال يحيى لبني إسرائيل: وآمركم بذكر الله، وإن مثل ذلك -أي: مثل من يذكر الله- كمثل رجل طلبه العدو سراعاً في أثره، فأتى مغارة حصينة فاحترز بها منهم، فكذلك العبد لا يحرز نفسه من الشيطان إلا بذكر الله) ، فمعك سلاح، وأنت قادر على أن تهزم شيطان الجن في أول جولة، فإنه أول ما تقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، يولي الأدبار، أما شيطان الإنس فلو قرأت عليه القرآن كله يقول لك: إنا هاهنا قاعدون، فأنت تغلب شيطان الجن من أول جولة، وهو مهزوم دائماً؛ لأنك إذا استعذت بالله منه، فر وهرب.

    فإذا كنت مستيقظاً تذكر ربك سبحانه وتعالى وتستغفره، وكلما رأيت شيئاً في هذا الكون ذكرت الله، فلن يقترب منك الشيطان، لكن حين تنام وتلقي سلاحك، فإن عدوك سوف يغتالك؛ لأنك قد ألقيت سلاحك؛ ولذلك فإن الرسول عليه الصلاة والسلام علمنا عندما نأتي لننام أن نقول: ( اللهم إني وجهت وجهي إليك، وألجأت ظهري إليك) ، ما أجمل هذه الجملة! لا يمكن أن تعطي ظهرك لإنسان خائن أبداً، وحين تقول: وألجأت ظهري إليك، كأنك تقول: يا رب! لن أوتى وقد ألجأت ظهري إليك أبداً. يا رب! أنا سأنام، وقد ألقيت سلاحي، فأنت الذي ستتولى حفظي، وأنا حينما كنت مستيقظاً فإنني أذكرك ولا أفتر عن ذكرك، فقد ألجأت ظهري إليك فاحمني.

    وقبلها يقول: (وجهت وجهي إليك)؛ لأنه قد ينام ولن يقوم، فقد يموت، فوجهه ذاهب إلى الآخرة: إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ [القيامة:30]، وهذا ترجمة للحديث الآخر: (اللهم إن أمسكت نفسي فاغفر لها وارحمها، وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين) ، إن أمسكت روحي فهي إليك، وإن أرسلت روحي مرة أخرى فاحمني حتى لا يغتالني عدوي.

    فأنت ستقرأ القرآن قبل أن تنام؛ فيكون من عاقبة القراءة أن الله تبارك وتعالى يوقف ملكاً يحرسك إلى أن تستيقظ فتقرؤه نائماً؛ أي: حال نومك، وأنت عندما تنام وتقرأ القرآن تكون قد احترزت من عدوك من الجن.

    نسأل الله تبارك وتعالى أن يجعل القرآن العظيم ربيع قلوبنا، ونور أبصارنا، وجلاء همنا وغمنا وحزننا، ونسأل الله تبارك وتعالى أن يجزينا بأحسن الذي كنا نعمل، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

    أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، والحمد لله رب العالمين.