إسلام ويب

مراتب الخوفللشيخ : أبو إسحاق الحويني

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن سؤال الناس منه ما هو مشروع ومنه ما هو ممنوع، فالمشروع هو ما كان فيما يقدر عليه الناس، من إغاثة ملهوف، وقضاء حاجة لمحتاج، والممنوع هو سؤال الناس ما لا يقدر عليه إلا الله عز وجل، فهذا محرم شرعاً. وكذلك الخوف فمنه ما هو جائز، ومنه ما هو غير جائز، فالجائز هو الخوف الجِبِلِّي؛ كالخوف من سبع، أو من حاكم ظالم، أو من عدو، فهذا الخوف لا يؤاخذ صاحبه به، أما الخوف غير الجائز فهو الخوف من مخلوق مع اعتقاد أن بيده الضر والنفع، والإحياء والإماتة، وغير ذلك مما لا يكون إلا لله عز وجل.

    1.   

    حكم سؤال المخلوقين

    إن الحمد لله تعالى نحمده، ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1].

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71].

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

    قال الله عز وجل: وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ * قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [القصص:15-16].

    اعلم أيها المسترشد أن الأصل في السؤال الحرمة، وإنما أبيح السؤال للحاجة: والاستغاثة من السؤال، ومع ذلك فهي شرعت للحاجة.

    في الحديث الصحيح عن ثوبان رضي الله عنه، قال: جئت النبي صلى الله عليه وآله وسلم فسمعته يقول: (من يتكفل لي بواحدةٍ أتكفل له بالجنة، فبادر وقال: أنا يا رسول الله، قال له: لا تسأل الناس شيئاً، قال الراوي: فكان ثوبان إذا سقط سوطه لا يقول لأحدٍ: ناولنيه).

    وفي هذا الحديث نموذج لفهم الصحابة وتلقيهم للكلام: (لا تسأل الناس شيئاً) لم يستفصل ولم يقل له: ما الذي أسأل؟ وما الذي لا أسأل، مع أنه لا يوجد إنسان على وجه الأرض يستغني عن السؤال أياً كان، مثال ذلك:

    رجلٌ غريب دخل بلداً لا يعرفه، فسأل: أين العنوان؟ فهذا من جملة السؤال، ومع ذلك فالصحابي لم يستفصل، هذا كان شأن الصحابة.

    ولذلك يقول الشاطبي رحمهُ الله: إن الأصل في الأدلة العموم، كان الواحد منهم إذا سمع الكلام أخذه على عمومه بلا استفصال: (لا تسأل الناس شيئاً).

    فعمم ثوبان رضي الله عنه معنى السؤال؛ حتى إن سوطه إذا سقط من يده وهو على الدابة لا يقول لأحدٍ: ناولنيه، وأئمة الحديث: إنما أوردوا هذا الحديث في أبواب الزكاة: أي لا تسألوا الناس أموالهم؛ لكن ثوبان أجراه على العموم.

    فالأصل في السؤال الحرمة؛ إنما شرع السؤال للحاجة.

    1.   

    أنواع السؤال وحكم كل نوع

    والسؤال على نوعين:

    النوع الأول: لا يَقْدر على إجابته إلا الله.

    والنوع الثاني: ما يقدر عليه العباد.

    فالنوع الأول: محرمٌ كله، وهذا هو معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم لـابن عباس في وصيةٍ جامعة: (يا غلام: إني أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله).

    إذا سألت سؤالاً لا يقدر على كشفه إلا الله فلا تسأل فيه غير الله: وإلا فقد قال ربنا تبارك وتعالى: فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [النحل:43].

    فهناك مواضع يسأل المرء فيها، ويستغيث ويستجير، وهناك مواضع لا يحل له أن يفعل ذلك، قال عز وجل: إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ [فاطر:14]، فهذا النوع محرم لا يحل لأحدٍ أن يدعو غير الله.

    أما الاستغاثة فيما يقدر عليه الناس فهذه جائزة، ومنها: حديث أنس الذي رواه الشيخان في صحيحيهما قال: (بينما النبي صلى الله عليه وآله وسلم يخطب على المنبر إذ جاءه رجلٌ أعرابي فوقف على الباب فقال: يا رسول الله: هلك الزرع والضرع ونفقت الماشية فادعُ الله أن يسقينا، قال: أنس وكانت السماء مثل الزجاجة ما فيها قزعة.. -أي ليس فيها سحابةٌ واحدة- فرفع النبي صلى الله عليه وسلم إصبعه إلى السماء ...) ولا يجوز للخطيب أن يرفع كلتا يديه على المنبر إذا دعا لحديث مسلم الذي رواه عن عمارة بن رويبة رضي الله عنه: أنه رأى أحد خلفاء بني أمية يرفع كلتا يديه على المنبر: فقال: (قبح الله هاتين اليدين، ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك، إنما كان يشير بالسبابة)، هذه السبابة، إنما قيل لها سبابة؛ لأنهم إذا سبوا الرجلَ كانوا يشيرون إليه بها؛ لذلك سميت سبابة، وكانت العرب إذا شتم الواحد منهم الآخر كان يشير إليه بأصبعه وهو يسب، فهذه الإصبع سميت سبابة لذلك، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يرفعها إشارةً إلى التوحيد، (... فرفع إصبعه السبابة إلى السماء، وقال: اللهم اسقنا، اللهم اسقنا، اللهم اسقنا). وفي رواية أخرى قال: (اللهم أغثنا، اللهم أغثنا. قال أنس : فنزل النبي صلى الله عليه وسلم والمطر يتحدر من على لحيته، قال: وخرجنا إلى بيوتنا نخوض في الماء، وظللنا لا نرى الشمس جمعة أو قال: سبتاً) أي: أسبوعاً.

    فسؤال المطر -إنزال المطر- لا يقدر عليه إلا الله، فلا يحل لأحدٍ أن يسأل غير الله ما لا يقدر عليه إلا هو.

    والنوع الثاني منه مثلاً: حديث أبي هريرة في الصحيحين: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا ألفين أحدكم يأتي يوم القيامة وعلى ظهره بعيرٌ له رغاء فيقول: يا رسول الله أغثني، فأقول له: لا أملك لك من الله شيئاً، قد أبلغتك. لا ألفين أحدكم يأتي يوم القيامة وعلى ظهره فرسٌ له حمحمة، فيقول: يا رسول الله أغثني، فأقول: لا أملك لك من الله شيئاً قد أبلغتك. لا ألفين أحدكم يأتي يوم القيامة وعلى ظهره شاةٌ لها ثغاء فيقول: يا رسول الله أغثني فأقول: قد أبلغتك لا أملك لك من الله شيئاً).

    ففي هذه الآية: فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ [القصص:15]، دليل على وجوب نصرة المظلوم، وأن من ظُلم فطلب الإغاثة، فيجب على الإنسان أن يغيثه بقدر استطاعته؛ لأن هذا أيضاً خاضع للاستطاعة والقدرة.

    فلما وكزه موسى عليه السلام فقضى عليه: قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ [القصص:15]، وليس في هذا دليلٌ على تبرؤ العبد من الفعل، ليس في هذا نفيٌ للأسباب، كما ذهب إليه بعض المبتدعة، قال: هذا من عمل الشيطان، فنفى كسب العبد وهذا لا يجوز.

    فمثلاً: لو أن رجلاً زرع (حشيشاً) مثلاً أو (أفيون) فقُبض عليه، فقال: أنا ما زرعت، إن الله قال: أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ [الواقعة:64]، إن الله هو الذي زرع.

    فلا يُقبل منه هذا القول أبداً!

    لماذا؟

    لأنه نفى كسب نفسه.

    إنما قال موسى عليه السلام: هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ [القصص:15]: إشارة إلى أنه الذي يأمر بالفحشاء: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ [النور:21]، وقال الله عز وجل: إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ [الأعراف:28].

    ومثله قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (ما من نفسٍ تُقْتَل ظلماً إلا كان على ابن آدم الأول كفلٌ منها؛ لأنه أول من سن القتل)، فما من نفسٍ تقتل ظلماً إلا حمل ابن آدم الأول جزءاً من هذه التبعة، مع أنه لم يباشر القتل بنفسه، لكنه هو الذي سن القتل.

    ومثله وأوضح منه قول النبي عليه الصلاة والسلام: (من سن في الإسلام سنةً حسنة، فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، ومن سنّ في الإسلام سنةً سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة).

    ومثله أيضاً: قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: (يوشك أن يأتي على الناس زمان فيقول أحدهم: لا نجد الرجم في كتاب الله، فيضل بترك فريضةٍ أنزلها الله: ألا -وهذا هو الشاهد- إن رسول الله صلى الله عليه وسلم رجم، ورجم أبو بكر ورجمتُ) مع أننا لا نعلم في خبرٍ من الأخبار قط: أن النبي صلى الله عليه وسلم باشر الرجم بنفسه، لم يباشر الرجم بنفسه ولا أبو بكر ولا عمر ، ومع ذلك يقول: رجم رسول الله، ورجم أبو بكر ، كما لو قال الرئيس مثلاً: أنا الذي قاتلتُ وأنا الذي انتصرتُ، مع أنه ما باشر القتال بنفسه؛ لكن أمر بذلك، فيُعْزى ذلك للرأس الآمر الحاض على ذلك، ولذلك: قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ [القصص:15]؛ لا أنه نفى كسب نفسه في المسألة، وإلا لِمَ استغفر إذَنْ؟! إذا كان هذا من عمل الشيطان وهو لم يعمل شيئاً فلِمَ استغفر؟! ولِمَ قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي [القصص:16]؟ ما قال ذلك إلا لأنه باشر، فليس في قوله: هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ [القصص:15] نفيٌ للأسباب.

    ثم وصف الشيطان بوصفين يتكرران في سائر القرآن: إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ [القصص:15] أي: عمله الإضلال، وعداوته بينة: قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ [القصص:16-17]. وهذا من حق المنعم، أن لا تكون ظهيراً للمجرمين عليك.

    يا لَضيعة الوفاء عند اللئام! يأكلون من خيره وينيبون إلى غيره! وهذا ليس من الوفاء. فهذا موسى عليه السلام يحكي الله عنه: رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ [القصص:17]، أي: بسبب نعمتك عليّ لا أتولى الذين ظلموا.

    1.   

    إثبات وقوع الخوف من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام

    خوف موسى عليه السلام

    اعلم أنه لما قتل موسى عليه السلام الرجل القبطي وصفه ربنا تبارك وتعالى فقال: فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ [القصص:18].

    قلت قبل ذلك مجمَلاً: إن موسى عليه السلام هو أكثر الأنبياء ترَدَّد على لسانه ذِكرُ الخوف، ولقد استمر هذا الخوف معه في مراحل حياته، فتأمل:

    - لما قَتَل: أصبح خائفاً يترقب.

    - فلما علموا أنه القاتل وأتمروا على قتله: جَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ * فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ [القصص:20-21].

    - ومضى خائفاً طيلة الطريق إلى أن ورد مدين ، فلما نزل على العبد الصالح وقص عليه القصص قال له: لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ [القصص:25].

    - فلما قضى الحجج التي هي أبعد الأجلين ورجع، فبينما هو راجع مع امرأته إذ رأى ناراً، فذهب ليقبس من النار شعلةً يستدفئ بها، حينئذٍ ناداه ربه تبارك وتعالى وقال له: وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى لا تَخَفْ إِنِّي لا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ [النمل:10]، وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى أَقْبِلْ وَلا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الآمِنِينَ [القصص:31]. فباشر الخوف أيضاً.

    - ولما أمره ربه تبارك وتعالى أن يذهب إلى فرعون وأمره هو وأخاه، وإنما طلب موسى النصرة من الله بأخيه فقال: وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِي رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ [القصص:34].

    - فأمره الله عز وجل وأخاه أن يذهبا إلى فرعون: فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى * قَالا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى * قَالَ لا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى [طه:44-46].

    - ولما جاء إلى فرعون وحصلت بينهم مناظرة وجاء وقت المعجزة، وألقي السحرة حبالهم وعصيهم، فلما رأى موسى من شدة سحرهم أن الحبال تسعى قال عز وجل يصف حال موسى عليه السلام: فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى * قُلْنَا لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الأَعْلَى [طه:67-68].

    خوف إبراهيم عليه السلام

    وقد وقع هذا الخوف من جماعة من الأنبياء، منهم مثلاً إبراهيم عليه السلام: وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا سَلامًا قَالَ سَلامٌ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ * فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً [هود:69-70] لما رأى أيدهم لا تصل إليه نكرهم، لماذا؟ لأنه خاف منهم.

    أيُّ رجل كريم: إذا نزل عليه ضيفٌ فلم يأكل طعامه اغتم، وهذا يكون في العادة، كما لو ألقيت السلام على رجل فأبى أن يرد عليك السلام فلك الحق أن تخاف؛ لأن رد السلام معناه إعطاء الأمان، فإذا لم يرد عليك السلام فاعلم أنه قد نوى غدراً، فإذا أبى الضيف أن يأكل فكأنما خاف من طعامك، ولذلك كان من شعار الكرماء: أنهم يبادرون إلى الأكل من الطعام قبل أن يأكل الضيف، فإذا رأى الضيفُ صاحبَ الطعام أكل فإنه يطمئن ويعلم أنه ليس فيه سم وليس فيه غدر .. إلخ.

    فلما رأى أيديهم لا تصل إلى العجل الحنيذ نكرهم، وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ [هود:70] ثم يستمر سياق الآيات: وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ * قَالَتْ يَا وَيْلَتَا أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ * قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ * فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ [هود:71-74] تأمل هنا! وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ [هود:74]، نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً [هود:70] هذا سبب له خوفاً ورعباً.

    فلما علم أنهم ملائكة الله، وأنهم جاءوا إلى قوم لوط قال: وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ [هود:71]، قال بعض المفسرين: إن معنى ضحكت: أي حاضت، وهذا صحيح من جهة اللغة في كلام العرب.. يقال: ضحكت الأرنب: أي حاضت، وهذا له وجهٌ، حاضت لأنها كانت امرأة آيسة من الحمل، والحيضُ علامة الحمل، وعلامة أن المرأة لا تزال صالحةً للحمل، فإذا انقطع حيضها يئست: وامرأته قائمةٌ فحاضت: وهذا الحيض يدل على أنها لا تزال صالحة للحمل.. أصلحها الله.

    لكن أقول: إن السياق يأباها لقوله تبارك وتعالى بعد ذلك: قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ [هود:73]، فهو ضحك تعجب، وينبغي أن يُحمل اللفظ على معناه الذي وضع له، ولا ينقل إلا بقرينة صارفة، ولا قرينة هنا، فيحمل الضحك عل حقيقته في الآية.

    قال تعالى: فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ [هود:74] هذا الخوف الذي تقدم بعد ذلك يقول تعالى: وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا [هود:74].

    اعلم أن المرء لا يجادل في الخير إلا إذا كان ذا نفسٍ طيبة، وكان عنده من الهدوء والسلام النفسي ما يحمله على تطويل النفَس في الجدال، وجرِّب لو أن رجلاً نشزت عليه امرأته وعذبته العذاب الأليم، وفضحته وهو لا يستطيع أن يتركها لعلةٍ من العلل: رضي بالذل المقيم لعلةٍِ؛ إما لأن عليه مؤخر صداق عالٍ ولا يستطيع أن يدفعه، وإما لأن أهل المرأة أقوياء فسيناله الأذى، وإما لأن له منها أولاداً فلا يستطيع أن يتركها، لأي علة من العلل أقام على الذل، فإذا جاءه جاءٍ يشتكي إليه امرأته قائلاً: يا فلان إني جئت أستشيرك في امرأتي هي كذا وكذا وكذا وكذا، وأريد أن أطلق، يقول: له: يا أخي! فلتطلق، لماذا ساكت وصابر حتى الآن؟ لماذا لا تطلق؟ طلق، لماذا أرشده إلى الطلاق؛ لأنه اكتوى بهذا الذل الذي يكتوي به من جاء يستشيره، تأمل في الآية: فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ [هود:74] انتهى: وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا [هود:74] لم يجادل قبل ذلك وهو في الروع، لماذا؟ لأنه ليس لديه الاستعداد لمثل هذا الجدال بسبب الخوف، لكن بعد ذهاب الخوف فإنك ترى المرء يأمر بالبر والإحسان إذا كان عنده من السلام النفسي ما يجعله يتحمل هذه التوسعة.

    فهذا الخوف من إبراهيم عليه السلام خوفٌ جبلي لا شيء فيه على الإطلاق.

    خوف يعقوب عليه السلام

    كذلك خاف يعقوب: قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ [يوسف:13].

    في بعض الإسرائيليات التي في كتب التفسير: إن الله عز وجل قال ليعقوب: (خفت الذئب على ابنك ولم تنظر إلي لأحرمنك منه أربعين سنة)!!

    هذه الإسرائيليات كلها لا خطام لها ولا زمام، إذاً الخوف الطبيعي الجبلي لا يؤاخذ المرء به: وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ [يوسف:13].

    خوف داود عليه السلام

    كذلك داوُد عليه السلام: وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ * إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُدَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لا تَخَفْ [ص:21-22] داوُد عليه السلام في محرابه وحده، الباب مغلق، والنافذة مغلقة، فجأة يجد واحداً يقفز عليه من السقف، من الذي لا يخاف! هذا خوف جبلي وطبيعي لا يؤاخذ المرء به ولا يقدح في إيمانه.

    الخوف يحمل صاحبه على التصرف بعنف

    وقد يحمل هذا الخوفُ المرءَ على أن يتصرف بعنف، كما حدث لموسى عليه السلام أيضاً كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: عن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (بينما موسى عليه السلام جالسٌ في داره إذ قال له ملك الموت: أجب ربك، ففقأ عينه، فصعد ملك الموت إلى الله، وقال: يا رب: إنك أرسلتني إلى عبدٍ لا يريد الموت، فرد الله عليه بصره؛ ثم قال له: اذهب إلى عبدي فقل له: ضع يدك على متن ثورٍ فلك بكل شعرةٍ مستها يداك سنة، فقال موسى: أي رب ثم ماذا؟ قال: الموت. قال: فالآن).

    فموسى عليه السلام في دارهِ الباب مغلق والنافذة مغلقة، فجأة وجد رجلاً في البيت، من أين دخل هذا الرجل، وهذا الرجل دخل صائلاً، والصائل هو الذي يهجم على الناس في البيوت أو يهجم على الناس عموماً، فموسى وجد رجلاً يصول عليه، ويقول له: أجب ربك، أجب ربك، معناها: سلم روحك: يعني يريد أن يقتله: فما كان من موسى عليه السلام إلا أن دفع هذا الصائل، ودفع الصائل مشروع حتى لو أدى الأمر إلى قتل الصائل، فهو جائز لقوله عليه الصلاة والسلام: (من قتل دون أهله وماله فهو شهيد).

    فما كان من موسى عليه السلام إلا أن فقأ عينه، وهذا حد الذي ينظر في بيوت الناس بغير إذن فضلاً عن أن يدخل بقدميه، للحديث الذي رواه الشيخان: (أن النبي صلى عليه وسلم رأى رجلاً ينظر إليه وهو في بعض حجر نسائه وبيده مشقص -المقص أو آلة حادة-، فقال عليه الصلاة والسلام: لو أدركتك لطعنتُ بها في عينيك ولا دية لك، إنما جعل الاستئذان من أجل البصر) فإذا دخل البصر فلا إذن، إذا جاء رجل ونظر إليك من النافذة وبعد ذ لك طرق النافذة ما معنى هذا الكلام؟! إنما جعل الاستئذان من أجل البصر، فموسى عليه السلام فعل مع هذا الرجل الحد الشرعي أنه فقأ عينه. وكان ملك الموت عليه السلام نزل بصورةٍ لم يعهدها موسى قبل ذلك ولم يعرفها، لذلك فقأ عينه، فلما رد الله بصره إليه، ونزل إلى موسى في الصورة التي يعرفها موسى لم يفقأ عينه هذه المرة، ولكن قال: (ربّ، ثم ماذا؟ قال: الموت. قال: فالآن).

    فشيء طبيعي أن يفزع داود عليه السلام لما تسور عليه رجلان المحراب فزع منهما، قالا: لا تخف، فهذا خوفٌ جِبِلي لا إشكال فيه، وهكذا.

    إنما قلت هذا وأطلت فيه قليلاً لأن من الناس من ظن أن مطلق الخوف يقدح في التوحيد، واحتج بآيات منها قوله تعالى: فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [آل عمران:175]، قال: فالخوف من غير الله يقدح في التوحيد، فنقول: هذا الإطلاق خطأ، بل الخوف الجبلي الذي يلازم المرء، كالخوف من المرض، والخوف من القتل، والخوف من الأذى، والخوف من الحاكم الظالم فهذا شيء جبلي لا يؤاخذ المرء به، لا سيما إذا كان هذا الذي يخاف منه هو في العادة قبيح، فخاف المرء أن يلابسه فهذا أيضاً لا شيء فيه.

    خوف النبي صلى الله عليه وسلم

    والنبي عليه الصلاة والسلام قال له ربنا تبارك وتعالى كما في قصةِ زيد بن حارثة وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ [الأحزاب:37].

    فهل يُقدح في النبي صلى الله عليه وسلم بسبب ذلك؟

    هذا خوفٌ طبيعي: رجلٌ تطلق زوجة ابنه بالتبني ويتزوجها: هذا لم يفعله أحدٌ من العرب، ولا في أيام الجاهلية، فكيف يفعله النبيل الذي يقبس الناس النبل منه، فاستعظم هذا بينه وبين نفسه، وقال في نفسه: ماذا يقول الناس إذا طُلِّقتْ زوجة ابنه فتزوجها، فيقول له ربه تبارك وتعالى: وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ [الأحزاب:37].

    فالخوف من الله عز وجل له رسم، والخوف الجبلي لا يدخل فيه بحال كما سنذكر شيئاً من ذلك إن شاء الله تعالى.

    أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم.

    خوف زكريا عليه السلام

    الحمد لله رب العالمين، له الحمد الحسن والثناءُ الجميل.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يقول الحق وهو يهدي السبيل، وأشهد أن محمداً عبده ورسولُه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.

    وقبل أن أتكلم عن هذه الجزئية الأخيرة: أنبه أيضاً على نموذج آخر من الخوف وقع بعض المفسرين في خطأ تأويله، وهو خوف زكريا عليه السلام، قال تعالى: ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا * إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا * قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا * وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا * يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا [مريم:2-6].

    فهذا نوعٌ من الخوف، وهو خوفٌ على الديانة وليس خوفاً على المال، كما قال صلى الله عليه وسلم: (إن أخوف ما أخاف عليكم منافق عليم اللسان يجادل بالقرآن)؛ لأن هذا يضل العالمين، فخوف زكريا عليه السلام خوفٌ على الدِّين.

    قال: يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ [مريم:6] كان زكريا عليه السلام يقوم على خدمة الهيكل، ولم يكن له عقب، فخاف إذا مات ألا يكون من نسله من يقوم على عبادة الله وخدمة الهيكل؛ لذلك تمنى على الله عز وجل أن يرزقه ولداً ليرث هذه المهنة.

    :وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي [مريم:5]، لم يخف على المال؛ لأن الميت إذا مات وخلف الدنيا وراءه يستوي عنده كل شيء، احذر أن تكون متصوراً أنك إذا مت وأكل الناس حقوق الورثة أنك تشعر بذلك أو تتألم؟ لا.

    لا سيما إذا علمت قوله صلى الله عليه وسلم: (إنا معاشر الأنبياء لا نورث، ما تركناه صدقة) وكانت الحكمة أن أهل أي نبي لا يرثون النبي حتى لا يشغب أهل الدنيا، ويقولون: ورَّثوا الدنيا لأبنائهم فقطع الله عز وجل هذه العلاقة، وهذا يشبه قول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يرث المسلم الكافر) رجل أبوه نصراني معه ملايين: أسلم الولد ومات أبوه في الغد يحرم الله عز وجل عليه أن يرث (مِلِّيماً) من هذه التركة، حتى يكون إسلامه لله خالصاً؛ لذلك قطع العلائق بين أهل الشرك وأهل التوحيد حتى يخلص جناب التوحيد من هذه الشوائب.

    فلما قال زكريا عليه السلام: يَرِثُنِي [مريم:6]، والأنبياء لم يورثوا مالاً، إنما ورثوا العلم.

    قال تعالى: وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [البقرة:132]، هذا الذي يورثه الأنبياء، كلمة التوحيد.

    فالذي قال من أهل العلم: إن زكريا عليه السلام قصد المال، وقال: إن حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (إنا معاشر الأنبياء لا نورث)، عام يراد الخصوص هذا خطأ في التأويل؛ إنما خاف زكريا عليه السلام أن لا يقوم أحد بخدمة الهيكل.

    1.   

    الخوف من الله عز وجل مكانته وثمرته

    ثم نرجع إلى ما كنا فيه: اعلم أن الخوف من الله من المقامات العلية التي لا يقدر عليها إلا أفراد الرجال؛ أما الفجرة، فلا يخافون، قال تعالى عن بعض هؤلاء الفجرة: وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَانًا كَبِيرًا [الإسراء:60]؛ لأن المفروض إذا كان الخوف واقعاً ممن يقدر على إيقاع العقوبة به فينبغي أن يخاف وإلا فهو جريء: وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَانًا كَبِيرًا ، وهذا أدعى لإيقاع العقوبة بهم، قال تعالى: فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا [الأنعام:43].

    يعني لو أنه عند نزول المصيبة ونزول العقوبة تضرع وتذلل وكف عن المعاصي لكان خيراً له، ويقول: أنا تبت وأنبت، ارفع عني! لا. بل إن العقوبة تنزل وهو فاتح لصدره.

    فلذلك حقت عليه العقوبة وألا يرفعها الله عنه، قال تعالى: فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ [المؤمنون:76] وكان ينبغي أن يستكين ويتضرع في موضع البلاء.

    فالخوف من الله من المقامات العلية، وهو سببٌ لدخول الجنة، كما رواه الشيخان في صحيحيهما من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، قال: (كان رجلٌ ممن كان قبلكم ...) وقد ورد في حديث عقبة بن عامر وأظن أيضاً في حديث ابن مسعود : (أن الرجل كان يعمل نباشاً للقبور)، تُدفن الجثة، فينبش القبر ويأخذ الكفن، ويترك الميت عارياً، (كان رجلٌ ممن كان قبلكم أسرف على نفسه -والإسراف هو الإكثار من الذنوب- فلما أدركته الوفاة جمع أولاده فقال: أي بني كيف كنت لكم؟ قالوا: كنت خير أبٍ قال -و هذا في بعض الروايات-: فلا أعطيكم شيئاً من مالي إلا إذا نفذتم وصيتي، قالوا: وما هي؟ قال: إذا أنا مت فأحرقوني ثم اسحقوني ثم دقوني ثم ذروني في يومٍ شديد الريح، -وفي رواية قال:- اجعلوا نصفاً في البحر ونصفاً في البر، قالوا: لم يا أبانا؟ قال: إن الله لو قدر عليّ ليعذبني عذاباً لا يعذبه أحداً من العالمين، فلما مات ونفذوا وصيته، أمر الله عز وجل البحر أن يرد ما أخذ وأمر البر أن يرد ما أخذ، ثم قال له: كن، فاستوى بشراً، قال: عبدي ما حملك على ما صنعت؟ قال: رب مخافتك، قال الله: أما وقد خفتني فقد غفرت لك).

    مع أنه لما فعل ذلك أراد أن يعجِّز الله! وبالغ في التعجيز بأن قال: (أحرقوني ثم اسحقوني ثم دقوني ثم ذروني في يومٍ عاصف) كل هذا يظن أن الله لا يقدر على جمع جزئياته إذا تناثرت، فظن أنه يريد أن يعجز القدرة، إلا أنه في حال غلبة الخوف فقد اتزانه وتفكيره، فظن أنه بذلك يفر من ربه، فعلم الله صدق خوفه وإن كان أحمقاً في تصرفه، فلما علم صدق مخافته منه قال: (أما وقد خفتني فقد غفرت لك)

    1.   

    مقام الله عز وجل معناه وخصائصه

    وقد تكرر ذكر مقام الله في القرآن ثلاث مرات:

    قال تعالى: ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ [إبراهيم:14].

    وقال تعالى: وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ [الرحمن:46].

    وقال تعالى: وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى [النازعات:40-41].

    فمقام الله: يعني قيامه ومراقبته للناس، كقوله تبارك وتعالى: أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ [الرعد:33]، أي يراقبها: ويَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ [غافر:19]، فقوله تبارك وتعالى: ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي [إبراهيم:14]، أي خاف قيامي عليه ومراقبتي له: ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي [إبراهيم:14].

    وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ [الرحمن:46]، إذاً: هذه مراقبة.

    ثم اعلم أن هناك خصيصة في الخوف وهي الخشية.

    والخشية أخف من الخوف؛ لأن الخشية عبارة عن خوف بعلم، هذه هي الخشية، ولذلك فهي أخف من مجرد الخوف؛ لذلك اختصت الخشية بالعلماء، قال تعالى: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ [فاطر:28].

    فالخشية: إنما هي خوف بعلم، بخلاف مطلق الخوف، فإن مطلق الخوف قد يحمل المرءَ على أن يرتكب الخطأ.

    أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم.

    اللهم اغفر لنا ذنوبنا، وإسرافنا في أمرنا، وثبت أقدامنا، وانصرنا على القوم الكافرين.

    اللهم اجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر.

    اللهم قنا الفتن ما ظهر منها وما بطن.

    اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تسلط علينا بذنوبنا من لا يخافك ولا يرحمنا.

    1.   

    حديث عمر بن الخطاب في مراتب الدين

    إن الحمد لله تعالى نحمده، ونستعين به ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد.

    قال الإمام مسلم رحمه الله حدثني أبو خيثمة زهير بن حرب ، حدثنا وكيع عن كهمس بن الحسن ، عن عبد الله بن بريدة عن يحيى بن يعمر ، وحدثنا عبيد الله بن معاذ العنبري -وهذا حديثه- حدثنا أبي حدثنا كهمس عن ابن بريدة عن يحيى بن يعمر قال: (كان أول من قال في القدر في البصرة معبد الجهني فانطلقت أنا وحميد بن عبد الرحمن الحميري حاجين أو معتمرين فقلنا لو لقينا أحداً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فسألناه عما يقول هؤلاء في القدر، فوفق لنا عبد الله بن عمر بن الخطاب داخلاً المسجد، فاستلقفته أنا وصاحبي، أحدنا عن يمينه والآخر عن شماله، فظننت أن صاحبي سيكل الكلام إليَّ فقلت: أبا عبد الرحمن ! إنه قد ظهر قبلنا ناس يقرءون القرآن ويتقفرون العلم.. وذكر من شأنهم، وأنهم يزعمون أن لا قدر، وأن الأمر أنف، قال: فإذا لقيت أولئك فأخبرهم أني بريء منهم، وأنهم برآء مني، والذي يحلف به عبد الله بن عمر لو أن لأحدهم مثل أحد ذهباً فأنفقه ما قبل الله منه حتى يؤمن بالقدر، ثم قال: حدثني أبي عمر بن الخطاب ).

    1.   

    ترجمة ليحيى بن يعمر

    وقبل أن أشرح الحديث أذكر ترجمة عن يحيى بن يعمر لأنني ما عرفت به، يحيى بن يعمر تابعي أدرك ابن عمر وابن عباس -والرواية هنا عن ابن عمر - وهو أول من نقط المصحف، وكان المصحف قبل ذلك يكتب بدون نقط، فهو الذي وضع النقاط على المصحف بأمر من الحجاج بن يوسف الثقفي ، وكان رجلاً فصيحاً يستظهر كتاب الله عز وجل.

    ويذكر أبو سعيد الشيرازي في كتاب أخبار النحويين البصريين أن الحجاج بن يوسف -وأنتم تعرفون أن الحجاج بن يوسف كان رجلاً غاية في البلاغة ووحشي الألفاظ وغريبها- مرة قال لـيحيى بن يعمر : (هل وقفت لي على لحنٍ قط؟ فقال له: إن الأمير لا يلحن)، وهي إجابة لطيفة ذكية، فلم يقل له: أنت لا تلحن، ولكن قال له: إن الأمير لا يلحن، أمير الأمراء المحترم المؤدب لا يلحن، لماذا؟ لأنه كان من العيب أن يخطئ الأمير في الكلام. وليس كأمراء آخر الزمان لا يقيمون لفظاً، لماذا؟ لأنهم لم يتأدبوا، ولكن وصلوا إلى الكراسي قفزة، بينما في القديم كان يربى الولد على سياسة الملك، فأولاد عبد الملك بن مروان كلهم: الوليد وهشام وسليمان كان يأتي لهم بكبار علماء اللغة ليعلموهم اللغة، وعلماء الحديث ليعلموهم الحديث، وعلماء الفقه ليعلموهم الفقه، ويشب الولد من صغره على الآداب، فإذا جلس في مجلس لا يجلس (كالأطرش في الزفة).

    وأمير المؤمنين عمر بن الخطاب كان هو الذي يقضي بين أهل العلم إذا اختلفوا، وكان الأمراء قديماً علماء وأدباء، وكان عندهم دراسة وفطنة، ففي إحدى المرات قال المأمون لشخص: (ما تأمر من السواك؟ -يعني: إذا أحببت أن تقول لرجل أن يستاك فما تقول له؟- قال: استك يا أمير المؤمنين! قال: بئس ما قلت! فقال لآخر: وأنت ما تقول؟ قال: سُك يا أمير المؤمنين! قال: أحسنت) مع أن قول الأول غير مدفوع عن الصواب من جهة في اللغة، لكن هذا الرجل عنده ذوق، فكانوا يورثون الأدب والفطنة والكلام للأولاد.

    ومرة دخل غلام على هارون الرشيد -وكان هارون يلبس خاتماً جميلاً- فقال للولد الصغير: (هل رأيت أجمل من هذا الخاتم؟ قال: نعم الإصبع التي فيه)، ولم يكن متوقعاً أن يجيب بهذه الإجابة الخطيرة، لأنه لو قال له: نعم هناك أحسن منه، فهذا غلط وعيب، وهذا الكلام لا يقال لأمير المؤمنين لأنه أحسن من يلبس، فلو قال له: نعم، الرجل الفلاني أو غيره، فهذا خطأ، ويكون هذا الولد ما تربى، وإنما قال له على البداهة: الإصبع التي فيه!! فكانوا يربونهم على الأدب وإقامة الكلام.

    فقال الحجاج لـيحيى بن يعمر: (هل لحنت قط؟ قال إن الأمير لا يلحن، قال: عزمت عليك -وكانوا يعظمون عزائم الأمراء، فإذا قال الأمير: عزمت عليك فكأنه حلف بالله- فقال له: نعم، غلطة! قال: في أي؟ قال: في كتاب الله، فقال الحجاج : ذلك أشنع، وأين في كتاب الله؟ فقال: أنت تقرأ: قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ [التوبة:24] بضم الباء في كلمة (أحبُ) والصواب (أحب)، فكان الحجاج يقرؤها هكذا، فقال له الحجاج : لا جرم! لا تسمعني ألحن أبداً، ونفاه إلى خراسان، حتى يلحن الحجاج براحته، لأنه قال له: لن تسمعني ألحن أبداً، يعني: في عمرك لن تسمع مني كلمة خطأ بعد هذا اليوم، فكونه ينفيه أسهل من أن يصلح من نفسه.

    فـيحيى بن يعمر كان رجلاً يستظهر كتاب الله، وكان رجلاً عربياً سليقة، وهو أول من نقط المصاحف، فلما نفاه إلى خراسان وقعت معركة بين يزيد بن المهلب قائد الحجاج بن يوسف الثقفي وبين مجموعة، فبعث يزيد بن المهلب للحجاج تقريراً من أرض المعركة فقال له: فعلنا بعدونا كذا وكذا.. وظفرنا عليهم، وانتصرنا عليهم، ونحن في عرعرة الجبل وهم في حضيضه، فقال الحجاج : ما هي عرعرة؟! ما بال ابن المهلب وهذا الكلام؟ فقالو له: إن يحيى بن يعمر هناك، قال: إذاً، يعني: لا يأتي بهذا الكلام الخطير إلا رجل مثل يحيى بن يعمر ، لكن يزيد بن المهلب من أين له عرعرة هذه.

    وهذا يذكرني بـأبي زيد الأنصاري أحد علماء النحو الكبار، وكان أنحى هؤلاء الثلاثة، فكان أنحى من الأصمعي وأنحى من أبي عبيدة ، وهذا حكم أبي سعيد الشيرازي ، يقول: إن أبا زيد الأنصاري لقي أعرابياً يوماً فقال له: ما المتكفف؟ قال: المتأدب. قال: وما المتأدب؟ فغضب الأعرابي غضباً شديداً وقال: المحنبطي يا أحمق! و(المحنبطي) واضحة المعنى مثل الشمس، ولذلك قال له: يا أحمق! لأنه من المستحيل ألا تفهم (المحنبطبي) فهذه مصيبة، مع أنه كان فيه ذكاء بالنسبة لصغره، والمحنبطي: هو المنتفخ البطن، ويوصف الرجل القصير عالي البطن بأنه محنبطي.

    فـيحيى بن يعمر رحمه الله كان أول من نقط المصاحف، ثم كان ممن شارك في تقسيم المصحف إلى أرباع وأحزاب وأجزاء وكان ذلك بأمر من الحجاج بن يوسف الثقفي.

    1.   

    من فوائد حديث عمر بن الخطاب

    الأفضل للمفتي أن يجيب على المسألة مع ذكر الدليل

    يقول عبد الله بن عمر رضي الله عنه: (حدثني أبي عمر بن الخطاب ) وفي هذا دليل على أن المرء من أهل العلم لو سئل في مسألة فالأفضل والأوقع أن يذكر دليل المسألة؛ لأن عبد الله بن عمر كان من الممكن أن يكتفي بالمسألة، فيقول له: لا. هذا القول خطأ، أو غير ذلك، لكن بادر عبد الله بن عمر إلى ذكر الدليل بغير شرح منه؛ لأن الدليل واضح، وهذا من محاسن الفتيا، على خلاف من قال: إن ذكر الدليل فيه تشويش على العامة، وهذا ما عظم الدليل حق تعظيمه، ولا قدر الدليل حق قدره، فذكر الدليل من محاسن الفتيا، حتى وإن كان العامي يسأل عن موقع الحجة من الدليل، لكن ذكر الدليل يعطي قناعة للمستمع.

    إذا سئلت عن مسألة فقلت: قال الله عز وجل فيها كذا وكذا، وقال النبي صلى الله عليه وسلم كذا وكذا.. استعظم المستفتي أن يخالف هذه الأدلة إلى رأيه، بخلاف ما إذا قلت له رأيك المجرد حتى وإن كان مدعوماً بالدليل، فإن قال قائل: فلماذا نرى الأئمة المجتهدين لا يذكرون دليلاً في الفتوى؟! يعني: الأئمة المجتهدون في الفقه كـأبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وإسحاق وسفيان الثوري والأوزاعي وهؤلاء العلماء، فعادة عندما نقرأ كلامهم في الكتب لا نراهم يعنون كثيراً بذكر الأدلة؟

    فنقول: إن المسألة تخرج على حسب حاجة المستفتي، ونحن لم نشترط كلما سئلت عن مسألة أن تعدد عليها الأدلة، لكن كلما أتيح لك أن تذكر الدليل فبادر، فإن الأئمة كانوا يصدرون الفتاوى المجملة تبعاً لحاجة السائل، فالسائل عادة لا يريد دليلاً بل يريد الحكم في المسألة، فإذا اعترض عليه معترض بدليل يأتي له بأدلة، أو يؤول له دليله، ونحن لا يرد علينا هذا الكلام لأننا ما اشترطنا على المفتي أن يذكر دليل المسألة لكل سائل، ولكن كلما أمكنه أن يأتي بالدليل كان أوقع في نفس المستفتي، والغالب على فتاوى الصحابة أنهم كانوا يذكرون الأدلة، كما في حديث ابن عمر، لما قالوا له الشبهة رد عليهم بحديث.

    غالب الأوصاف المذكورة في الأحاديث تعطي حكماً شرعياً

    قال: حدثني أبي عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: (بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ذات يوم، إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يعرفه منا أحد، ولا يرى عليه أثر السفر) والعلماء يقولون: إن الأوصاف المذكورة في الكلام يتعلق بها حكم، يعني مثلاً لو أن شخصاً أحب أن يتزوج امرأة فيسمع الذي يعقد يقول لوليها: قل: زوجتك ابنتي البكر البالغة العاقلة الرشيدة فلانة الفلانية على كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وعلى الصداق المسمى بيننا، فبعض الناس يتصور أنها مجرد ديباجة محسوبة هكذا وانتهى الأمر، فنقول له: لا. هذه الديباجة كلها أوصاف لو اختل واحد منها فسد العقد، يعني: (زوجتك ابنتي) فلو زوجه ابنة أخيه فسد العقد، ولو زوجه ابنة جاره فسد العقد، و(ابنتي فلانة)، فلو زوجه أختها فسد العقد، ولهذا يجب تعيين اسم البنت التي ستتزوجها، فلا يصح أن تقول له: زوجتك ابنتي. وعندك عشر بنات مثلاً فتعطيه بنتاً عرجاء أو عوراء ثم يقول لك: أنت لم تعين!! لكن لو قلت: زوجتك إحدى ابنتي مثلما قال الرجل الصالح: إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ [القصص:27] لم يتم التعيين، فمن الممكن أن يزوجه أي واحدة منهما، فكذلك إذا أنت قلت: زوجتك ابنتي ولم تعين اسماً، فمن الممكن أن تعطيه أي واحدة، لكن لو قلت: فلانة وأعطيته أختها انفسخ العقد مباشرة ويأخذ المهر كله، حتى ولو دخل بها.

    (زوجتك ابنتي فلانة البكر) فلو كانت ثيباً انفسخ العقد، (البالغة): فإذا كانت لم تحض انفسخ العقد، (العاقلة) فإذا كانت مجنونة انفسخ العقد، (الرشيدة) كل هذه أوصاف، (على كتاب الله وسنة رسوله) فلو عقدوا على ملة وسنة موسى مثلاً أو على مذهب أي أحد انفسخ العقد أيضاً، فهذه كلها عبارة عن أوصاف، وليست ديباجة محسوبة لتزيين الكلام.

    أهمية التأدب والوقار بين يدي العلماء وأهل الفضل

    وهنا يقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: (بينما نحن جلوس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر) الوصف الذي هنا كلمة (شديد) كررها عمر بن الخطاب مرتين، وهناك وصف آخر أيضاً وهو: (بياض، وسواد) فعندما يقول لك: (شديد بياض، شديد سواد) إذاً لفت نظر عمر بن الخطاب شيء مهم جداً، وهو الذي دعاهم جميعاً إلى استغراب الموقف كله، وهو أن هذا الرجل آتٍ من بيته، وإلا لو جاء من مسافة بعيدة لاتسخت ثيابه، ولتغير لون شعره، فبدلاً من أن يكون شديد السواد صار رمادياً مثلاً من التراب، وهذا يعني: أن الرجل اغتسل وخرج من بيته إلى الرسول عليه الصلاة والسلام مباشرة، فلا يوجد بينه وبين الرسول سوى مسافة قصيرة، هذا معنى: شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يعرفه منا أحد، ولا يرى عليه أثر السفر، فمن أين أتى هذا؟!! فلو كان رجلاً مدنياً من أهل الحضر لعرفناه، وانظر إلى كلمة: (لا يعرفه منا أحد) وطأ لها بذكر النكرة في مطلع الكلام، وذكر النكرة في الإثبات تفيد الإطلاق. (إذ طلع علينا رجل) فهو يوطد بكلمة (رجل) التي هي نكرة بقوله: لا يعرفه منا أحد؛ لأنهم كلهم كانوا يعرفون بعضهم في المدينة، وسمعت بعض أهل العلم من علماء المملكة يقول: إن المدينة على عهد النبي صلى الله عليه وسلم كانت هي التي تحت المسجد النبوي الآن، ما عدا أهل العوالي، هذه هي المدينة كلها: عبارة عن أبيات محصورة معروفة، كل الصحابة يعرف بعضهم البعض، فعندما يأتي رجل لا يظهر عليه أثر السفر، ونظيف، ولا نعرفه، فهذا مما يدعو للعجب، والغريب أنه جاء في سمت جفاة الأعراب، فالصحابة رضي الله عنهم كانوا يوقرون النبي عليه الصلاة والسلام إلى الغاية القصوى، وإذا رأوا رجلاً يخالف مقتضى الأدب في حضرته عليه الصلاة والسلام كانوا يزجرونه ويؤدبونه، والصحابة الذين عاشوا معه عليه الصلاة والسلام تأدبوا بأدب القرآن: لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ [المائدة:101] قال أنس : (فكان يعجبنا أن يأتي الرجل العاقل من البادية يسأل)، وإنما ذكر العاقل، لأن الأحمق أو المجنون سوف يتكلم بأي كلام فيضيع عليهم الأسئلة، ويضيع عليهم الإجابة، فلا يستفيدون شيئاً، لكن لو كان رجلاً عاقلاً رزيناً أسئلته تمس الحاجة فإنهم يستفيدون منه.

    فهذا الرجل جاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام مباشرة، وهذا أيضاً من الملفت للنظر؛ لأن الآتي من البادية ما كان يميز النبي صلى الله عليه وسلم من أصحابه، وإنما كان يسأل عنه، لماذا؟ لأنه كان يجلس وسط أصحابه، كما في حديث عند البخاري وغيره أن رجلاً وهو ضمام بن ثعلبة جاء يسأل عن النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (أيكم محمد؟ -لا يعرفه- فقالوا: هو ذلك الرجل الأبيض المتكئ)، فلم يكن يعرفه، فلما رأى الصحابة ذلك قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: (هلّا صنعنا لك منبراً؟!) حتى يجلس عليه إذا جاءته الوفود، بدلاً من أن يسألوا عنه، فيعرفوا أنه هو الجالس على المنبر، قال: (إن شئتم، فصنعوا له منبراً من يومه) فهذا جاء غريباً عن الناس وعرف النبي عليه الصلاة والسلام، ودخل مباشرة وقال: (حتى جلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع يديه على فخذيه وقال: يا محمد) وهذه ليست طريقة أناس تأدبوا بأدب القرآن، فدخل مباشرة ووضع ركبتيه إلى ركبتي النبي صلى الله عليه وسلم، ووضع يده على فخذيه، يعني: على فخذي النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا وإن كان يجوز بين الأقران لكن لا يليق ولا يجوز مع أهل الفضل.

    وحديث المسور بن مخرمة في الصحيحين فيه أن عروة بن مسعود الثقفي لما جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم في الحديبية قال: فجاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام فلما علم المغيرة بن شعبة أن عمه عروة بن مسعود الثقفي جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم ذهب -وهذه الرواية خارج الصحيحين- فتلثم وأتى بسيفه ووقف على رأس النبي عليه الصلاة والسلام، فكلما تكلم عروة بن مسعود -مس لحية النبي صلى الله عليه وسلم بيديه- فيضربه المغيرة على يده بنعل سيفه ويقول له: أخر يدك!! فينظر ولا يعرف من الواقف، لماذا؟ لأنه ملثم، فينسى نفسه مرة أخرى ويتكلم كلمتين أو ثلاثة ويمس لحية النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا يضربه على يده ويقول له: أخر يدك! فينظر إليه فلا يعرفه حتى إذا كررها أكثر من مرة قال للنبي صلى الله عليه وسلم: من هذا الذي أزعجني سائر اليوم؟ وقال له: سائر اليوم يعني: لم يقل هذا الوقت، فما كانوا يحتملون المكروه، أو كقول أبي لهب للنبي صلى الله عليه وسلم: تباً لك سائر اليوم!! يعني: يدعو عليه من أول اليوم إلى آخره، فتبسم النبي عليه الصلاة والسلام وقال: (هذا ابن أخيك المغيرة بن شعبة ) فقال: (أي غُدَر! -أي: أيها الغادر- لا زلت أسعى في غدرتك، وهل غسلت سوأتك إلا أنا بالأمس؟!!) وكان المغيرة قد صحب ثلاثة عشر رجلاً من أهل الجاهلية، فشربوا الخمر فسكروا، فقام عليهم فذبحهم جميعاً وأخذ أموالهم، وهرب إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأسلم، وأعطاه المال بعدما حكى له الحكاية: أنهم سكروا وذبحتهم، وجئتك مباشرة أعلن إسلامي، فقال عليه الصلاة والسلام: (أما الإسلام فأقبله منك، وأما المال فلست منه في شيء إنه أخذ غدراً) فهو سيد الأوفياء عليه الصلاة والسلام.

    وفي الصحيح أن حذيفة بن اليمان لم يشهد بدراً، لأنه كان قد خرج مع أبيه فراراً من قريش إلى المدينة، فأمسكهم كفار قريش، وسألوهم عن وجهتهم؟ فقالوا: متوجهون إلى المدينة! فقالوا: لا ندعكم حتى تعطونا الميثاق أنكم لا تقاتلونا معهم، فأعطوهم ميثاقاً، وذهبوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقالوا له: عملوا فينا كذا وكذا.. وقالوا لنا: العهد والميثاق ألا تقاتلونا، وانظر هنا إلى ما قاله صلى الله عليه وسلم لهم: (وفوا لهم بعهدهم ونستعين الله عليهم)، فلذلك لم يقاتل حذيفة بن اليمان في بدر، ليس لأنه لم يكن موجوداً، ولكن لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (وفوا لهم بعهدهم ونستعين الله عليهم) وهذه هي السياسة، وليس معناها أن تكون كل يوم بوجه، فالسياسة التي لا دين لها لا يعرفها النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يعلّمها أصحابه؛ لأنها ليست هي السياسية الشرعية: (وفوا لهم بعهدهم ونستعين الله عليهم).

    فالقصد أن عروة بن مسعود الثقفي لما كان يضع يده على لحية النبي صلى الله عليه وسلم فهذا وإن جاز أن يكون بين الأقران لكن لا يجوز أن يكون مع أهل الوقار، ويستقبح معهم، ويستقبح مع كبار السن، يعني مثلاً: رجل مثلي إذا أراد أن يدعو شيخاً كبيراً فلا يعامله معاملة المثل حتى وإن كان فوقه في العلم، لابد أن يحترم سنه وشيبته، هكذا علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    ويحكي لي أخونا الشيخ الحبيب أبو الفرج محمد بن إسماعيل حفظه الله يقول: مرة دخلت مع شاب عمره (17) عاماً لا يزال حديث عهد بالتزام، وكان يصحبه يتعلم منه، فدخلوا بقالة، فوجد الشاب رجلاً بلغ الستين من عمره يدخن (سيجارة)، فمباشرة ذهب هذا الشاب إلى هذا الرجل ووضع يده على كتفه، وقال له: ما اسمك؟ فأخبره باسمه، ثم قال له: ما هذا الذي في يدك يا فلان؟ ألم تعلم أنها حرام؟! ارمها تحت رجلك! يقول الشيخ محمد : فاستحييت، ليس لأنه أدركه الحياء لأن الولد أمر بالمعروف ونهى عن المنكر، لكن طريقة الأمر والنهي نفسها كانت طريقة سيئة، فمثل هذا الولد عناه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: (إن منكم منفرين).

    فإذا وجدت رجلاً كبيراً على معصية فتلطف به أولاً ولا تزجره ولا تجترئ، فإذا رآك تحترم سنه استحى أكثر، فمسألة التوقير مسألة مطلوبة، وهناك حديث تكلم فيه بعض أهل العلم وحسنه آخرون، وهو حديث : (أنزلوا الناس منازلهم)، فالراجح ضعف هذا الحديث، لكن معناه صحيح حتى وإن لم ننسبه إلى النبي عليه الصلاة والسلام.

    لزوم لطالب لهيئة المتعلم بين يدي شيخه

    فهذا الرجل جاء وارتكب مخالفات: أول مخالفة: أنه ألصق ركبتيه بركبتي النبي صلى الله عليه وسلم، والثانية: أنه وضع يده على فخذي النبي عليه الصلاة والسلام، وورد في بعض الروايات: (فأسند ركبتيه إلى ركبتيه ووضع يديه على فخذي نفسه)، ولو عمل هكذا لتأدب بآداب أهل العلم، فلو أعملنا الرواية الأولى يكون قد بالغ في تعمية أمر نفسه على الصحابة، لأنه جعل نفسه أعرابياً ويريد أن يفهمهم كلهم أنه أعرابي، وأنى له أن يكون أعرابياً وهو شديد بياض الثياب وشديد سواد الشعر؟ المسألة واضحة تماماً، لكن أحب أن يعمل نفسه أعرابياً حتى يعمي أمره على الصحابة، وهذا على الرواية الأولى.

    وعلى الرواية الثانية: أنه وضع يديه على ركبتي نفسه وهذه هيئة المتعلم، إذاً هو لزم أدب طلاب العلم، ونحن نقول لإخواننا الطلبة ونحن منهم: لا يجوز لك أن تخلع (زي) التلميذ ما دمت تطلب العلم، ولا تزال تطلب العلم إن كان فيك خير إلى أن تموت، فإذا اقتنع المرء بالذي طلبه فقد بدأ في النقصان، إذاً مسألة أن تتأدب مع من تأخذ عنه العلم هذا يفيدك أكثر مما يفيد شيخك، وإنما يعرف الفضل لأهل الفضل ذوو الفضل.

    والإمام أحمد بن حنبل مع جلالته كان يجلس تحت قدمي عبد الرزاق بن همام الصنعاني ، ولا شك أن الإمام أحمد أجل وأحفظ وأفضل من عبد الرزاق ، فـعبد الرزاق بن همام الصنعاني إمام أهل اليمن، وهو الذي أعطى اليمن الحظوة هو ومعمر بن راشد أبو عروة رحمة الله على الجميع، فكان الإمام عبد الرزاق وابن معين يجلان الإمام أحمد ، وكان ابن معين من أصحابه، فكان عبد الرزاق بن همام الصنعاني يميزهما، وفي المجلس كان عبد الرزاق يقول لـأحمد : اجلس بجانبي، فيأبى ويجلس تحت قدميه ويقول: (هكذا أمرنا أن نفعل مع شيوخنا)، ولم ينزل مقدار أحمد ولا قدره لما تواضع لشيخه، برغم أنه أفضل من شيخه:

    قد يبلغ الضالع شأو الضلـيع ويعد في جملة العاقلين المتعاقل الرفيع

    وهذا كلام الشوكاني عندما قال له مشايخه: اشرح منتقى الأخبار لـأبي البركات ابن تيمية جد شيخ الإسلام ابن تيمية ذرية بعضها من بعض، كان أبو البركات شيخ الحنابلة، وابنه عبد الحليم كان شيخ الحنابلة، وابنه أحمد الذي هو ابن تيمية الإمام الكبير كان شيخاً للإسلام، فـأبو البركات له كتاب اسمه منتقى الأخبار من كلام سيد الأخيار عليه الصلاة والسلام، فشرحه الشوكاني في كتاب: نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار، فيقول الشوكاني : إن مشايخه ألحوا عليه -ويغيظني كثيراً أن واحداً ما زال قزماً يأخذ هذه الكلمة الكبيرة ويقول: فلما كثر إلحاح إخواني عليَّ وبرغم كثرة مشاغلي، حتى أني لا أجد الوقت الذي أحك فيه رأسي، لكن قلت: أمري إلى الله وشرحت الكتاب الفلاني، ويكون الحديث غير ذلك، لكن الكتاب ينبي عن صاحبه-، فعندما تقرأ نيل الأوطار ستعرف أن مشايخه قالوا له افعل كذا وكذا.. وجعلت أقدم رجلاً وأؤخر أخرى ثم تمثلت قول الشاعر:

    قد يبلغ الضالع شأو الضـليع ويعد في جملة العاقلين المتعاقل الرفيع

    يعني: أنا وإن كنت ذا عرج أمشي خلف الصف، فإن سبقت فكم لرب الورى من فرج، وإن تخلفت فما على أعرج من حرج، فأنا فعلاً أعرج وأمشي خلفهم، فإذا سبقتهم فكم لرب الورى من فرج، وإن تخلفت عنهم فليس على الأعرج حرج، وهذا معنى كلام الشوكاني ، فيقول:

    قد يبلغ الضالع شأو الضليع

    يعني: إن كنت ضالعاً وما زلت تلميذاً فقد يمن الله عز وجل علي فأبلغ شأو الضليع والكبير، فإن لم يكن كذلك فلتكن الأخرى.

    ويعد في جملة العاقلين المتعاقل الرفيع.

    مع أنه ليس بعاقل، يعني: هو متعاقل ورفيع أيضاً، فإذا قلنا: يا جماعة من العقلاء؟! قالوا: فلان، فيعدون في جملة العقلاء، فهو يقول: أنا وإن لم أصب الأولى فدخولي في جملة أهل العلم يجعلني منهم، ولو على سبيل المجاز.

    فلو أعملنا هذه الرواية: (وضع يديه على فخذي نفسه) فيكون قد تأدب بأدب طلاب العلم، إذاً يجب أن يلزم الطالب الأدب إلى أن يرفعه شيخه، فإذا رفعه شيخه فلا بأس أن يطيع من باب الأدب أيضاً، مثل ما كان يفعله الفضل بن دكين أبو نعيم رحمه الله مع الإمام أحمد بن حنبل ومع الإمام يحيى بن معين ، فذكر ابن حبان وغيره: أن الفضل بن دكين كان إذا جلس للتحديث يجلس على دكاة -والدكاة المكان المرتفع- ويجلس أحمد بن حنبل عن يمينه ويحيى بن معين عن شماله، فذات مرة أراد يحيى بن معين أن يختبر حفظ شيخه الفضل بن دكين ، فكتب أحاديث في ورقة وخلطها بأحاديث غير الفضل ، وهو يعرف أحاديث كل راوٍ، فأتى بعدد من الأحاديث في ورقة وخلط أحاديث الفضل بأحاديث رواة آخرين، ثم قال لـأحمد بن منصور الرمادي : إذا خف المجلس فناول أبا نعيم هذه الورقة وسله: هل هذا من حديثك؟

    فقال أحمد بن حنبل لـيحيى بن معين : يا أبا زكريا ! الرجل حافظ لا تفعل! فقال: لابد، يعني: لازم أعمل فيه هذا المقلب، وكان يحيى بن معين جريئاً، ولذلك كانوا يخافون منه، ولما مات تقدم رجل جنازته وقال: هذه جنازة الذاب الكذب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان عنده جرأة، فقال: لابد، فبعد أن خف المجلس قام أحمد بن منصور الرمادي وأعطاه الورقة، فنظر فيها الفضل وارتفعت عينه، ودارت حدقته، إذاً كشف الملعوب، ما دام عمل هكذا فقد اكتشف الملعوب، ثم سكت ساعة -ولست أعني بالساعة ستين دقيقة، وإنما فترة زمنية- ثم قال لـأحمد بن منصور الرمادي : أما أنت فلا تجرؤ على أن تفعل ذلك، وأما هذا -يعني ابن حبنل- فآكد من أن يفعل هذا، وليس هذا إلا من عمل هذا -يعني ابن معين-، قال: ثم أخرج رجله ورفسه فألقاه من على الدرج، وقال: عليَّ تعمد!! فقام يحيى بن معين وقبل جبهته وقال: جزاك الله عن الإسلام خيراً، مثلك يحدث، إنما أردت أن أجربك، فانصرف أبو نعيم مغضباً فقال له أحمد : قلت لك!! فقال يحيى : والله لرفسته أحب إليَّ من رحلتي.

    وهذا هو ضرب الشيوخ الذي هو مثل أكل الزبيب، لماذا؟ لأنه ظفر بحفظ الفضل ، وخرج من هذه العملية كلها بمكسب كبير، وهو أن يسجل شهادته للفضل بن دكين بأنه حافظ ضابط.