إسلام ويب

عبدة الشيطانللشيخ : أبو إسحاق الحويني

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن المتصفح لتاريخ الأمم السابقة مع أنبيائها يجد أن الذين عادوا الرسل وكذبوهم هم عبدة الشيطان وأتباعه شعروا بذلك أم لم يشعروا، وفي زماننا وجد من يصرحون بذلك، فيقولون: نحن نعبد الشيطان اتقاء غضبه وسخطه، ويختلقون له القصص والروايات من أنه مظلوم، وقد أراد أن يتوب فلم يقبل الله توبته، ورغم قلة هؤلاء إلا أنه لا يجوز السكوت عن باطلهم الذي أعلنوه وجاهروا به.

    1.   

    مذهب عبادة الشيطان قديم

    إن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعين به ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1].

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71].

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

    فلا زال حديثنا موصولاً عن جيل التمكين وعن صفات هذا الجيل، ولا زلنا نقول: إن التفريط في إيجاد هذا الجيل لَجُرْمٌ عظيم تحاسب الأمة عليه كلها في الدنيا والآخرة، ما خلق الله عز وجل السماوات والأرض إلا بالحق، وما أنزل كتابه إلا بالحق، فلم هذا التفلت؟

    إن هناك آصرة قوية وعلاقة متينة بين الطفولة والتمكين، وكما قلنا مراراً ونقول: إن الله تبارك وتعالى لما ذكر التمكين لبني إسرائيل ذكر رضاع موسى عليه السلام: وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ * وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ [القصص:5-7].

    أولادنا ماذا فعلنا معهم؟ أطعمناهم .. كسوناهم .. أدخلناهم أرقى المدارس والجامعات لكنهم صفر!

    تعرفون جيل آبائنا حلقة مفرغة لا قيمة لها في عمر الزمن، والسبب يطول شرحه لكن سأضع لكم شيئاً تقيسون عليه بقية الأشياء.

    عبدة الشيطان الآن هم تفريخ طبيعي لذلك الجيل.

    في سنة (1900م) لما بدأت بذور العلمانية تظهر مع ضعف الدولة العثمانية، وبدأت تكون لهم صولة وجولة، وبدأ نور التدين يخفت، ظهرت طائفة من الكتاب يكتبون القصص والمقالات -وهؤلاء هم الذين شكلوا مسار الأمة- وقد كانت كل رواياتهم تنطق بالكفر والجبر -وهو نوع من الكفر- فالجبر: اتهام لله بالظلم، الله خلقني، قدر عليَّ المعصية لِمَ يدخلني النار؟ يعني: هو ظالم؛ لأنه لو كان عادلاً ما أدخلني النار بجرم ليس من يدي.

    فمذهب عبادة الشيطان مذهب قديم وليس مذهباً جديداً مستحدثاً، قال الله عز وجل: أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ [يس:60] وقال إبراهيم عليه السلام: يَا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا [مريم:44] ما غاب هذا المذهب عن الأرض طرفة عين، كل المعاصي التي وقعت في الأرض على مذهب عبادة الشيطان، وكل مخالفة لله ورسوله على مذهب عبادة الشيطان، لكن الجديد أن يقول رجل: أنا أعبد الشيطان، هذا هو الجديد في الموضوع، كان الرجل يفعل المعصية عامداً ويقول: أنا جاهل .. أنا لا أدري أن الأمر بخلاف ذلك ويقول: أنا غلبني هواي.. المهم لا بد أن يعتذر، ولا يصرح أنه يعبد الشيطان، الجديد في المسألة التصريح.

    الذين يقولون: نعبد العجل.. العجل عبارة عن لحمة وجلد.

    والذين يقولون: نعبد الشمس.. الشمس منبع الأشعة.

    فالذين يعبدون الشيطان أي ميزة فيه؟ وليس معنى الكلام أنني أجوز عبادة البقر أو عبادة الشمس؛ لكن مذهب ليس فيه أي ميزة على الإطلاق، من الذين أشاعوه؟

    المعادون للأنبياء هم الطبقة الذين خرج منهم عبدة الشيطان

    الذين عادوا الأنبياء والدعاة إلى الله عز وجل هم الطبقة الذين خرج من صلبهم عبدة الشيطان، المترفون الذين أهلكهم الترف والمال وغرقوا في الجهل إلى الوحل، هذا نسلهم، ما لهم أي ميزة، بل هم وبال على الأرض، هم الذين كذبوا الرسل وهم الذين عادوهم: وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الآخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ [المؤمنون:33] وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ [سبأ:34] وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ [الزخرف:23] وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ [هود:116]

    وفي مسند الإمام أحمد من حديث أنس رضي الله عنه وأصل الحديث في الصحيحين لكن اللفظة التي أذكرها في المسند ، في حديث الشفاعة: أن الناس يذهبون إلى الأنبياء ليشفعوا لهم، فلما جاءوا إلى نوح أحالهم إلى إبراهيم عليه السلام قال: عليكم بإبراهيم خليل الرحمن، فجاءوه فذكر كذباته ومن ضمنها أنه أتى على جبار مترف فقال إبراهيم عن امرأته: إنها أختي.

    أتى على جبار مترف عاث في الأرض فساداً بسبب طغيان المال مع الجهل، فاستغنوا عن الله وعن رسوله، واستغنوا عن دينه سبحانه وتعالى، وهذا نطق به الوحي المبين؛ قال تبارك وتعالى: كَلَّا إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى [العلق:6] لماذا؟ أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى [العلق:7] لا يطغى إنسان إلا مستغنياً، ومصداق ذلك هذه الآية أيضاً: وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الأَرْضِ [الشورى:27] لماذا يبغون مع بسط الرزق؟ لأنه لا يحتاج أحد إلى أحد.

    تخطئ علي لماذا أداريك؟ تسيء إليَّ لماذا أتحمل إساءتك؟ أنا غير محتاج لك، فبسْطُ الرزق على العباد يودي بهم إلى الطغيان، لذلك جعل الله عز وجل هذا محتاجاً إلى ذاك، فأنا إنما ألاطفك لأنني أحتاج إلى رزقك وعونك؛ لذلك تحملت الإساءة.

    القصص العابثة وعبادة الشيطان

    مذهب الشيطان كتبه رجل ليس له من اسمه نصيب ( توفيق الحكيم ) لا توفيق ولا حكمة، كتبه في رواية، ونشرت وطبعت عشرات المرات عنوانها: ( الشهيد ) الرواية هذه خلاصتها أن الشيطان أراد أن يتوب فذهب إلى أعلى سلطة دينية شيخ الأزهر، وقال له: أنا مخطئ واعترفت بخطئي، وأريد أن أتوب.

    قال له: تريد أن تتوب؟! لا. كيف تتوب؟! سيبطل القرآن بتوبتك، القرآن يلعن الشيطان، والمؤمنون يستعيذون بالله من الشيطان دائماً، فلو تبت فمن نستعيذ؟! لا. بقاؤك ضروري.

    قال الشيطان: وأنا أكون ضحية من أجل أن يستعيذوا مني فأدخل النار؟ أنا أريد أن أتوب.

    قال: فأفحم شيخ الأزهر ولم يجد جواباً، ولما لم يجد جواباً، قال: والله توجد سلطة أعلى مني، وهذا ليس من اختصاصي، أنا اختصاصي إعلاء مجد الأزهر، وأن أنشر الدين بين الناس، إنما مسألة قبول توبتك هذا لا أقبلها، ليس من اختصاصي.

    قال: إذن دلني.

    قال له: عليك بجبريل.

    فيصعد ويجد جبريل فيقول له: أريد أن أتوب! أنا مخطئ.

    فيقول له جبريل: كيف تتوب؟ كيف نقبل توبتك؟ إن السماوات والأرض قائمة على لعنتك، لا نقبل منك توبة، على أي حال هذا ليس من اختصاصي.

    قال: فلمن أذهب إذن؟!

    قال: اذهب لربك.

    فلما ذهب إلى الله لعنه وطرده.

    نزل إبليس من فوق وهو يصرخ بأعلى صوته ويقول: أنا شهيد! أنا شهيد! أنا شهيد!

    وبعد ذلك يقول الكاتب:

    وتجاوبت معه السماوات والأرض والأشجار والأحجار والرمال كلها قالت: أنا شهيد! أنا شهيد!

    معنى هذا الكلام أن السماوات والأرض والجبال تقر أن الشيطان مظلوم.

    إذاً: النتيجة أن الله ظلم إبليس.

    هذه هي القصة، وهذا رجل فارس من الفرسان الذين شكلوا عقائد وثقافات الجيل المنصرم، أن الشيطان مظلوم!

    لماذا يعبدون الشيطان؟

    ولكن أبين لكم إلى أين تذهب هذه القافلة التي تعبد الشيطان، نعم هم شرذمة قليلون ليسوا شيئاً بجانب سواد الأمة الذي رجع إلى الله؛ لكن معظم النار من مستصغر الشرر، وكان العرب يقولون: ( إذا كان عدوك نملة فلا تنم له ) لا تنم لعدوك ولو كان نملة، فما جاءت الطامات الكبيرة إلا بهذا القول: إنهم شرذمة قليلون لا قيمة لهم، لا. نحن نندد بهذا إعلاءً لكلمة الله عز وجل، وإعذاراً إلى الله أننا أنكرنا عليهم وأننا تكلمنا.

    شاب من ضمن الشباب الذين يعبدون الشيطان قيل له: لماذا أنت تعبد الشيطان؟

    قال: نحن نعبده لنتقي شره وغضبه.

    فكيف هان عليهم غضب الله؟! إذا كان الإنسان لا بد أن يعبد شيئاً ليتقي غضبه فلا، يعبد إلا الله؛ فإن الله عز وجل إذا غضب لا يقوم لغضبه شيء، والشيطان برغم قوته ملَّكك الله أكتافه، هو أقوى منك وأنت أضعف؛ لكن ملكك الله أكتافه، ولكن به تبارك وتعالى إذا قلت: ( أعوذ بالله من الشيطان الرجيم )، لا يبقى أمامك أبداً، ولذلك كان شيطان الإنس أعتى من شيطان الجن في هذا الباب، شيطان الجن تتقيه بالاستعاذة، شيطان الإنس لو قرأت عليه القرآن كله ما يتحرك، فملكك الله شيطان الجن بالاستعاذة.

    وبعد ذلك يقول شاب منهم: إن الله لم يعطه فرصة للدفاع عن نفسه، لمجرد ما أبى قال له: اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا [الأعراف:18] انظر! يتكلمون عن الله! يقولون: مجرد ما اعترض طرد.

    وربنا سبحانه وتعالى ذكر أن جنايات الشيطان ثلاث : وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ [البقرة:34].

    ولا يقال عن إنسان أبى إلا إذا كان باختيار، فإن الذي يفعل مجبوراً لا يقال أبى، ولذلك تسقط الواجبات كلها بالعجز.

    نحن نقاوم مذهب الشيطان بكتاب الله، فهو كله ضد مذهب الشيطان، وسنة النبي صلى الله عليه وسلم ضد مذهب الشيطان.

    إن الذي أفزعنا هو هذا السكوت عن هذا المذهب، وأصحابه قد أعلنوه؛ وعمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يقول: من أعلن عاقبناه، ومن أسر فهو إلى الله.

    إذاً: الإنسان العاصي إذا أظهر العصيان ارتكب جريمتين:

    جريمة المعصية، وجريمة إظهار المعصية.

    أما إذا أسر بالمعصية فهذا أمره إلى الله.

    الذين يتبعون الشيطان في الدنيا كثير؛ لكنهم يعتذرون ويبررون ويبرئون أنفسهم أن يكونوا تابعين للشيطان.

    نحن الآن مقبلون على مرحلة عصيبة بيننا وبين اليهود، كتبهم تنطق أنه قبل عام (2000م) ستكون هناك حرب عظيمة؛ لأن الدجال في اعتقادهم -والدجال هو إمام اليهود- سيظهر عام (2000م)؛ كما في تلمودهم وكتبهم التي كتبوها بهذا الشأن، فهم يسعون أن يجتمع اليهود جميعاً خلف إمامهم -وهو الدجال- وهم لذلك يعدون العدة، وتباشير الحرب قائمة.

    والقادة العسكريون في بلادنا كتبوا على صفحات الجرائد أنهم قبل عام (2000م) يتوقعون حرباً، ويقولون: نحن نتوقع بحسنا العسكري أنه ستكون هناك حرب قوية بيننا وبين اليهود قبل عام (2000م).

    فأين شبابنا الذين يدافعون عن دينهم؟

    أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم.

    اللهم اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا، وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا، وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا، وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ.

    اللهم اجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر.

    اللهم قنا الفتن ما ظهر منها وما بطن.

    اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تسلط علينا بذنوبنا من لا يخافك ولا يرحمننا.

    رب آت نفوسنا تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها.

    اللهم اغفر لنا هزلنا وجدنا، وخطأنا وعمدنا، وكل ذلك عندنا.

    1.   

    العلماء جهاز الأمن والمناعة للأمة من الفتن

    إن الحمد لله تعالى نحمده ونستعين به، ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

    اللهم صلَّ على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد.

    إن جهاز المناعة للأمة المسلمة هم العلماء، وهذا القول مؤيد بالوحي ومؤيد بفتاوى العلماء الكبار؛ أن الأمة لا تصلح إلا إذا صلح علماؤها.

    والشاعر يقول في البيت المشهور:

    يا رجال الدين يا ملح البلد مَن يُصْلِحُ الملحَ إذا الملحُ فَسَدْ

    حياة الأمة لا تصلح إلا بالعلماء

    العالم هو الذي يصلح حياة العوام، والعوام بغير عالم في محنة عظيمة جسيمة أعظم من عدم وجود طبيب في بلد يفشو فيها الوباء.

    العلماء هم البقية الباقية الذين يعرفون الناس برب الناس، لا أحد يعرف الله حق معرفته إلا العلماء كما قال تبارك وتعالى:إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ فاطر:28].

    فهذا العالم هو الذي يعرف العوام بربهم، فعندما يكون هناك طعن في العلماء وإزراء بهم يقل قدر العالم عند الناس.

    والعجيب أن هناك رجلاً نشر كتاباً فيه إزراء بالعلماء جمع فيه كل الشواذ والطوام التي وقف عليها في قراءته ضمن هذا الكتاب، فمن الأشياء التي ذكرها أنه: ذَكَر عن الشاطبي رحمه الله -وهذه الواقعة موجودة فعلاً في كتاب الموافقات للشاطبي - يقول: إنه كان هناك مفتٍ كبير في الأندلس، وكان صاحب مال كثير، وكان يحتال حتى لا يخرج الزكاة، وكان له أبناء، فقبل أن يحول الحول بيومين أو ثلاثة يجيء بأولاده ويقول: والله يا أبنائي أنا كبرت سني، والإنسان لا يعرف الحياة من الموت، وأنا قررت أوزع عليكم أموالي.

    والله يا أبانا فعلتَ خيراً -والعيال متفقون مع الوالد- عملتَ خيراً والله، وجزاك الله خيراً.

    ويأخذون الأموال، وبعد ما يحول الحول بشهر يزورونه ويقولون: يا أبانا! أنت ما زلت لم تمت إلى هذا الوقت، ونحن نؤمِّل طول عمرك، ونأمل سلامتك، ولا نقبل أبداً أن نستمتع بالفلوس وأنت حي، تفضل خذ مالك.

    فيرجعون المال إلى أبيهم ثانيةً بعد أن يحول الحول.

    الأندلس أو الأمة الإسلامية إذا كان فيها عالم أو اثنان أو ثلاثة يعمل مثل هذا الفعل، فأين بقية العلماء الصالحين الذين ما كانوا يداهنون ولا كانوا يبيعون دينهم أبداً بعرض من الدنيا.

    هذا الحسن البصري لما سئل عن قول الله تبارك وتعالى: وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا [آل عمران:187]قال: الثمن القليل الدنيا بأسرها.

    الدنيا بأسرها لا تساوي آية هدى ولا نصف آية هدى ينزلها الله تبارك وتعالى.

    فعندما يعرضون هذه النماذج السيئة ليس قصدهم إلا أن تقل مكانة العلماء في نفوس العوام، فإذا صدرت فتوى من عالم لا يعيرها الجماهير التفاتاً.

    وهناك مقال كتبه أحدهم يقول فيه: الرسول صلى الله عليه وسلم مات بالزائدة الدودية..!

    أنا أريد أن أعرف ما هو قيمة البحث في هذا؛ والعجيب أنك أول ما تأتي تنظر في الكتاب تجده بحثاً علمياً محضاً، نحن كلما نذكره نقول: عليه الصلاة والسلام، ونحن نوقره ونبجله أكثر منكم؛ لكن نحن ربما نتوصل إلى شيء يفيد العلم، فهؤلاء لم يجدوا إلا جثة الرسول عليه الصلاة والسلام أن يشرحوها؛ وربما غداً يطلع مرض جديد، وبعده يطلع مرض جديد، ومع كل مرض يتكلمون عنه عليه الصلاة والسلام كما لو كان إنساناً عادياً جداً.

    لابد من توقير الرسول عليه الصلاة والسلام ومهابته، وإن أحد مس من جنابه الشريف ولم تعترض الأمة على ذلك فإن توقير الرسول صلى الله عليه وسلم يزول شيئاً فشيئاً، فهذه المقالات بعد قرن تجني ثمارها يأتي أناس عندهم نفس طويل جداً.

    فيعرضوا حياة الرسول عليه الصلاة والسلام بهذه السرعة على الجرائد والمجلات، فيبقى عندهم من السهل جداً أن يقولوا: إن الرسول عليه الصلاة والسلام مات بالزائدة الدودية، وقد يستطيل الكلام إلى أكثر من ذلك، فتتكلم الأمة في رسول الله كلاماً لا توقره ولا تبجله فيه.

    رعاية طلبة العلم

    إذاً: فإصابة هذا الكيان الخطير المهم هو إصابة للأمة كلها، لكن نقول: يا جماعة! اهتموا بالعلم وطلبته، يا من تؤدون الزكاة! أنفقوا على طلبة العلم، انظروا إلى أي طالب علم، فهو أفضل من الفقير؛ لأن طالب العلم فقير بطبيعة الحال، إما فقير أو مسكين، والفقير هو الذي لا يجد شيئاً، إذاً: أكثر طلبة العلم مساكين؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام لما ذكر المسكين قال: (هو الذي يجد ما لا يكفيه).

    والشيخ الألباني حفظه الله أفتى أن كل موظفي الدولة مساكين يستحقون أموال الزكاة، لماذا؟ لأنهم يجدون مالاً ولكن لا يكفيهم، وهذا الكلام نحن نقوله أيضاً، لأنه أحياناً يأتيني رجل يسألني فيقول: جاءني موظف له عشر سنوات وهو موظف هل يجوز أن أعطيه زكاة أم لا؟

    ويستكثر عليه لأنه يجده في الصباح وهو لابس ومتأنق، وذاهب إلى الشغل فيقول لك: ها هو حالته ميسورة.

    لا، المسكين وصفه هو الذي يجد لكن لا يكفيه، فكل من يجد ما لا يكفيه في حدود المعروف يكون مسكيناً.

    إذاً: فطالب العلم الفقير عندما تفرغه وتنفق عليه وتقول له: الوقت الذي تعمل فيه فرغه لهذه الأمة.

    فما من رجل يهتدي على يد هذا الرجل إلا أنت قسيمه في الأجر، أفضل من أن تطعم فقيهاً له عمامة فقط، ولست عارفاً ماذا يعمل، فقد يكون هذا الرجل لا يصلي .. قد يكون عدواً لله ورسوله .. قد يحاد الله ورسوله!!

    إذاً: هذه مسئوليتنا جميعاً وليست مسئولية فرد أو اثنين، وهي: إيجاد العلماء.

    عندما يقرأ الواحد منا في الأسانيد، ويجد شخصاً يقول: حدثني أبي حدثني جدي، يشعر بغبطة أين هذا النمط الآن؟ هل يوجد شخص ما يقول: حدثني أبي، وينقل شيئاً من العلم الآن في جيلنا؟ هذه الظاهرة كانت منتشرة بكثرة عند السلف، حدثني أبي، حدثني جدي؛ لكن فقدت في هذا الجيل تماماً. لماذا؟ خلت البيوت من أهل العلم.

    أهمية الاعتناء بتراجم العلماء

    وهناك محنة أخرى جسيمة بلينا بها؛ لكن الجماهير من الناس لا تشعر بها، هذه المحنة هي ضياع علوم التراجم.

    معروف أن العلم لا يؤخذ إلا من العدل، الإنسان العدل التقي لا يؤخذ العلم إلا منه؛ لأن الله تبارك وتعالى قال لنا: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا [الحجرات:6] يعني: توقف في قبول خبر الفاسق.

    إذا كان العالم الذي يظل يعرف هؤلاء الناس، هل نتوقف في علمه؟

    لا. لأن الأصل في العلماء العدالة؛ لكن إذا قلنا: إن ثمة عالماً فاسقاً إذاً: لا ينتفع الناس بعلمه لماذا؟ لأن الأصل في كلامه أننا نتوقف.

    إذاً: الأصل في قبول العلم العدالة، والعدالة هي: مَلَكَة تحمل صاحبها على ملازمة الدين مع البراءة من الفسق وخوارم المروءة، والمروءة ليس لها حد، فهي تختلف من بلد إلى بلد، ومن زمان إلى زمان.

    فمثلاً: ذكر أبو الطيب الوشا في كتابه ( الظرف والظرفاء ) أن من خوارم المروءة: الالتفات في الطريق. فهذا كان في الزمان القديم، أيام أبي الطيب الوشا في القرن الثالث الهجري، فكيف في هذا الزمان لو كنت في بلد مثل القاهرة إذا لم تلتفت ستروح في شربة ماء، لا بد أن تتلفت مثل السارق، لأنه ربما يعكس قائد السيارة الطريق فينهي حياتك في صدمة واحدة.

    لكن لو أكثرت الالتفات على أيام أبي الطيب الوشا يقبضون عليك مباشرة.

    لماذا؟

    لأن عندهم لا يلتفت إلا السارق.

    وهذا شعبة بن الحجاج رحمه الله إمام أهل البصرة ترك الرواية عن أحد العلماء الثقات، لأنه رآه يركب برذوناً يجري بلا سرج.

    فالمروءة كانت عندهم هكذا، لكن المروءة عندنا مختلفة، فكلمة خوارم المروءة تختلف من زمان إلى زمان، ومن عصر إلى عصر، فنحن ننظر مثلاً في عصرنا، ما الذي يخرم المروءة؟ نقول: يخرم المروءة مثلاً كذا وكذا ...

    إذاً: لا يجوز للعالم أن يرتكب هذه الخوارم.

    لماذا؟

    حتى تصل كلمته إلى الناس بلا عقبات.

    لكن في هذا العصر يوجد كثير من العلماء، ولا أحد يدون تراجم هؤلاء العلماء ولا يذكر أخبارهم، ولا يذكر عنهم أي شيء.

    يأتي بعد مائة سنة مثلاً وهناك من له كتب ومؤلفات وهو كان في زمانه لا يسوى شيئاً لكن بعد ستمائة سنة صار شيخ الإسلام، فينقل عنه من بعده ويقول: وقال شيخ الإسلام فلان الفلاني.

    ونحن كلما اقتربنا من الساعة يقل العلم ويظهر الجهل كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من أشراط الساعة: أن يُرْفَع العلم، وأن يكثر الجهل، وأن يقل الرجال، وأن تزيد النساء، ويتبع الرجل خمسون امرأة) انظر إلى الفتنة العظيمة المدلهمة هذه! يُرْفَع العلم؟ (إن الله لا يقبض العلم ينتزعه انتزاعاً من صدور الرجال ولكن يقبض العلماء).

    ولما دفنوا حماد بن سلمة قال عبيد الله بن أبي عائشة : لقد دفنا اليوم علماً كثيراً، وكم أخذت الأرض من العلوم!.