إسلام ويب

ما يطلبه المستمعونللشيخ : سعد البريك

  •  التفريغ النصي الكامل
  • يقول الشيخ واصفاً درسه: لما قلَّبت وفكرت، تذكرت أن عندي أسئلة طالما ضاق الوقت عن الإجابة عليها في نهاية بعض المحاضرات ... فقد جمع الشيخ هذه الأسئلة وأجاب عنها، وهي آيات وأحاديث، ونصيحة ومواقف محرجة، وقصائد على رأسها النونية لابن القيم.

    1.   

    الدنيا دار ممر إلى الآخرة

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد الأنبياء المرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

    أيها الأحبة في الله! أسأل الله جل وعلا أن يحرم وجوهكم على النار، وأن يجمعنا وإياكم في دار كرامته ومستقر رحمته إنه ولي ذلك والقادر عليه.

    ما أطيب هذه الليالي، وما أجمل هذه الأمسيات التي تزدان بهذه الوجوه المؤمنة الطاهرة، وتجتمع بهذه القلوب العبقة بالمحبة والمودة والأخوة في الله ولأجل الله، ما اجتمعتم على وترٍ ولا نغمٍ ولا عزفٍ ولا طربٍ ولا لهو، وإنما اجتمعتم على محبة وأخوة، تتلون كلام الله، وتسمعون حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسائل يجاب، وضالٌ يهدى، وجاهل يعلم، ومستفيد يفيد، وهكذا مجالس المؤمنين.

    إن هذه الساعة التي نجلسها -أيها الأحبة في الله- ستمر عليكم في هذا المخيم، وستمر على مخيماتٍ كثيرة سواء أكانت في جدة أو الرياض أو مكة أو في أي مدينة أو مكان، وستشهد تلك الساعات على أصحابها إن خيراً فخير، وإن شراً فشر، فطوبى لعبدٍ جاهد نفسه حتى غابت شمس يومه بعملٍ صالحٍ يشهد له لا عليه، وهنيئاً لعبدٍ غلب شهواته وقاد نفسه إلى مرضاة ربه عز وجل حتى يلقى الله، وما أحقر وأصغر أقل أيام هذه الدنيا، وما هي إلا سويعات حتى نلقى الله جل وعلا.

    قيل لإمام أهل السنة الجهبذ الجليل العظيم أحمد بن حنبل: يا أبا عبد الله ! هلا ابتغينا لك حذاءً غير هذه فقد انقطع شسع نعلك، فقال أبو عبد الله: يا بني! طعامٌ دون طعام، وحذاءٌ دون حذاء، وشراب دون شراب، ولباس دون لباس، حتى نلقى الله جل وعلا. ولما سأله ولده وقد رأى ما حل به من العذاب في ثباته في المحنة بالقول بخلق القرآن، قال: يا أبت! أنت إمام السنة فمتى الراحة؟ فقال: يا بني! الراحة عند أول قدمٍ نضعها في الجنة.

    أيها الأحبة: هذه مقدمة يسيرة وقصيرة، وهذا أوان الشروع في المقصود، فلقد اختار الإخوة عنواناً عجيباً غريباً، ولما قرأت الإعلان في أحد المساجد ضحكت كثيراً ودهشت كثيراً وعجبت كثيراً "ما يطلبه المستمعون" هذا برنامج يذاع بعد الظهر في الساعة الواحدة والنصف لعددٍ من الذين يطلبون عدداً من الأغاني والأغنيات، ويهدونها إلى الأصدقاء والصديقات والزملاء والزميلات، فلانة بمناسبة وضع مولودها، والأخرى بمناسبة إنجابها ابنتها، والثالث بمناسبة تخرجه من الكلية، والرابع بمناسبة عقد الخطوبة، والخامس بمناسبة شراء السيارة، والسادس بمناسبة بيع البيت، والسابع ....

    القضية أيها الأحبة: أن ما يطلبه المستمعون موضوعٌ غريب وعجيبٌ جداً، ولكن لما قلبت النظر، وفكرت كثيراً؛ تذكرت أن عندي عدداً من الأسئلة التي طالما ضاق الوقت عن الإجابة عليها في نهاية وختام بعض المحاضرات، فأعود بأسئلتي في جعبتي وأقلب الأسئلة في البيت فإذ بي أجد في الأسئلة سائلاً يقول: أريد منك أن تسمعنا آيات من القرآن، وآخر يقول: نريد أن تسمعنا شيئاً من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخاصة يرغب أن يسمع حديثاً كان له أثر في حياتي، وثالث يسأل عن موقف محرجٍ وغريب وعجيب، ورابع يسأل عن أبيات من أعذب الشعر، وخامس يسأل نصيحة معينة، فجمعت هذه الأسئلة فقلت: هذا ما يطلبه المستمعون!

    نعم. إن ما تسمعونه اليوم هو مجموعة من الطلبات التي جمعتها في ختام كثيرٍ من المحاضرات التي ضاق الوقت عن الإجابة على كثيرٍ من الأسئلة في ختامها، ولأجل ذلك فاسمعوا واصبروا وأعانكم الله على ما تسمعون، ويكفيك من شرٍ سماعه.

    1.   

    آيات من كتاب الله

    أولاً: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم:

    إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرائيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ * وَإِنَّهُ لَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ * إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ * فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ * إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ * وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآياتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ * وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآياتِنَا لا يُوقِنُونَ * وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجاً مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآياتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ * حَتَّى إِذَا جَاءُوا قَالَ أَكَذَّبْتُمْ بِآياتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْماً أَمَّاذَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ * وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ بِمَا ظَلَمُوا فَهُمْ لا يَنْطِقُونَ * أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِراً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ * وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ * وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ * مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ * وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [النمل:76-90].

    1.   

    من أحاديث الرسول الله صلى الله عليه وسلم

    ثانياً: حديث من كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم له أثر بالغ عظيم في نفسي وفي نفس كل مسلم، وأنتم من أحبابنا الذين يتأثرون بكلام الله ورسوله، ذلكم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (جاءني جبريل وقال: يا محمد! عش ما شئت فإنك ميت، وأحبب من شئت فإنك مفارقه، واعمل ما شئت فإنك مجزيٌ به، واعلم أن شرف المؤمن قيامه بالليل، وعزه استغناؤه عن الناس).

    وحديث آخر عذب جميل من جوامع كلمه صلى الله عليه وسلم يرويه ابن ماجة في سننه ، قال صلى الله عليه وسلم: (من أصبح وهمه الدنيا شتت الله عليه أمره، وفرق عليه ضيعته، وجعل فقره بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له، ومن أصبح وهمه الآخرة جمع الله له شمله، وحفظ عليه ضيعته، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا وهي راغمة) حديث عظيم يخاطب وينادي كل شاب أشغله أمر المستقبل، وأهمه أمر الرزق.

    أخي الكريم: إن كنت على وجلٍ من الرزق فإن الرزق محتوم ومعلوم ومكتوب منذ كنت في بطن أمك، كما في حديث ابن مسعود رضي الله عنه: (حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق: إن أحدكم ليجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يؤمر الملك بكتب أربع كلمات: برزقه وأجله وشقي أم سعيد).

    الرزق معلوم فلا تجزع، والرزق مقسوم فلن تمنع.

    واعلموا -أيها الأحبة- أن من أصبح وهمه رضا الله والآخرة وما يرجو به وجه الله، فإن الله سيجمع له ما تشتت، وتأتيه الدنيا راغمة، ومن أصبح وهمه الدنيا فلن يأتيه أكثر مما قسم له، ويشتت عليه أمره ويصبح عبداً لهذه الدنيا وما كانت الدنيا يوماً راغمة.

    1.   

    نصيحة إلى كل شاب غافل

    ثالثاً: أيها الأحبة في الله! أيها الشاب الذي سمع كثيراً عن الملتزمين والمتدينين والصالحين، هؤلاء هم إخوانك تسمع منهم الآية فيخبتوا ويخضعوا ويخشعوا لسماعها، ويسمعون الحديث فيستنبطون فوائده ومسائله، وتسمع منهم الكلمة الطيبة وترى في مُحيَّاهم علامات البشر والسماحة، وترى البسمات المنطلقات بكل تواضع ولين ومحبة في الله ولله: (لا تحقرن من المعروف شيئاً ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق).

    وإلى ذلك الشاب الذي أعرض ونأى بجانبه، إلى ذلك الشاب الذي قيل له: تعال فاسمع محاضرة قال: لا حاجة لي بهؤلاء المعقدين والموسوسين.

    إلى ذلك الشاب الذي قيل له: تعال واسمع نصيحة واحضر مجلساً واقرأ كتاباً واكتب كلمة نافعة، قال: إني عنهم مشغول، ويدعي أنه في شغلٍ أهم من شغل الآخرة.

    أيا من يدعي الفهـم     إلى كم يا أخا الوهم     تعبي الذنب والذم

    وتخطي الخطأ الجم

    أما بان لك العيب     أما أنذرك الشيب     وما في نصحـه ريب

    ولا سمعك قد صم

    أما نادى بـك الموت     أما أسمعك الصوت     أما تخشى من الفوت

    فتحتاط وتهتم

    فكم تسدر في السهو     وتختال من الزهو     وتَنْصَبُّ إلى اللهو

    كأن الموت ما عم

    وحتى مَ تجافيك     وإبطاء تلافيك     طباعاً جمعت فيك

    عيوباً شملها انضم

    إذا أسخطـت مولاك     فما تقلقُ من ذاك     وإن أخفق مسعاك

    تلظيت من الهم

    وإن لاح لك النقـش     من الأصفر تهتش     وإن مر بـك النعش

    تغاممت ولا غم

    تعاصي الناصـح البر     وتعتاص وتزور     وتنقاد لمن غر

    ومن مان ومن نم

    وتسعى في هوى النفس     وتحتال على الفلس     وتنسى ظلمـة الرمس

    ولا تذكر ما ثم

    ولو لاحظـك الحظ     لما طاح بك اللحظ     ولا كنت إذا الـوعظ

    جلا الأحزان تغتم

    ستذري الدم لا الدمع     إذا عاينت لا جمع     يقي في عرصة الجمع

    ولا خال ولا عم

    كأني بك تنحط     إلى اللحد وتنغط     وقـد أسلمك الرهط

    إلى أضيق من سم

    هناك الجسم ممدود     ليستأكله الدود     إلى أن ينخر العود

    ويمسي العظم قد رم

    ومن بعد فلا بد     من العرض إذا اعتد     صراطٌ جسره مد

    على النار لمن أم

    فكم من مرشـدٍ ضل     ومن ذي عزة ذل     وكم من عالمٍ زل

    وقال الخطب قد طم

    فبادر أيها الغمر     لما يحلو به المر     فقد كاد يهـي العمر

    وما أقلعت عن ذم

    ولا تركن إلى الدهـر     وإن لان وإن سر     فتلفى كمن اغتر

    بأفعى تنفث السم

    وخفـض من تراقيك     فإن الموت لاقيك     وسارٍ في تراقيك

    وما ينكل إن هم

    وجانب صعر الخد     إذا ساعدك الجد     وزم اللفظ إن ند

    فما أسعد من زم

    ونفس عن أخي البث     وصدقه إذا نث     ورم العمل الرث

    فقد أفلح من رم

    ورش من ريشه انحص     بما عم وما خص     ولا تأس على النقص

    ولا تحرص على اللم

    وعاد الخلق الـرذل     وعود كفك البذل     ولا تستمع العذل

    ونزهها عن الضم

    وزود نفسك الخير     ودع ما يعقب الضير     وهيئ ركب السير

    وخف من لجة اليم

    بذا أوصيك يا صـاح     وقد بحت كمن باح     فطوبى لفتى راح

    بآدابي يأتم

    أيها الشاب: لم تسمع في مجالس الخير إلا من هذه النصائح والمواعظ والفوائد.

    المواعظ سياط القلوب تناديك لتخرجك من غفلة السادرين، ولتوقظك من سبات النائمين، فما الذي يحول بينك وبين التوبة، وما الذي يمنعك من الهداية، وما الذي يردك عن الاستجابة، وما الذي يردك أن تعود إلى الله فتنقلب إلى أهلك ضاحكاً مسروراً فرحاً بتوبتك، وتروح إلى ملاهيك وأشرطتك وما عندك من أمور اللهو فتنقض عليها جذاذاً ولا تدع منها شيئاً أبداً؛ توبة وعوداً ورجوعاً إلى الله جل وعلا.

    لا تساوي بين الأعمى والبصير

    أخي الكريم: هل تعرف الفرق بين المهتدين والضالين؟

    قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ [الرعد:16]؟ أخي الكريم: ألم تسمع قول الله جل وعلا: أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا [الأنعام:122] حياة الصالحين في تهجد الليل أتكون كحياة الفاسقين في كئوس الخمر؟

    حياة الذين يقرءون القرآن آناء الليل ساجدين قائمين يرجون الآخرة ويرجون رحمة ربهم ويخشون سوء العاقبة، أتكون كمن يسدرون ويسهرون الليالي على قنواتٍ مختلفة ومحطاتٍ ما عرضت أمام أعينهم إلا الصور العارية، والمنكرات السارية، والأمور التي لا ترضي الله جل وعلا أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ [الرعد:19] أيستوي ذلك الصالح مع الطالح؟! أيستوي الفاسق مع البر؟! أيستوي الطيب مع السيئ؟! قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ [الزمر:9]؟!

    أخي الكريم: هل تعرف الهداية: أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ [محمد:14] هل يستوي من يمشي على صراطٍ مستقيم ومن هو منحرف عنه؟ أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبّاً عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيّاً عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [الملك:22].

    أتظن أن الصالحين كالطالحين في حياتهم ومماتهم وليلهم ونهارهم؟!! أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ [ص:28] .. أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كَانَ فَاسِقاً لا يَسْتَوُونَ [السجدة:18].

    قل: سمعنا وأطعنا

    أخي الكريم: إن أسلمت فقد اهتديت، وإن سلمت الأمر لربك فقد اهتديت، وإن قلت: سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير فقد اهتديت، وإن قلت: لا خيرة لي بعد أمرك يا رب وأمر رسولك صلى الله عليه وسلم فقد اهتديت.

    وإن انصرفت ذات اليمين وذات الشمال وازور بك الأمر يمنة ويسرة فاعلم أنك على خطرٍ عظيم فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ [البقرة:137] .. الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ [الأنعام:82] من هم المهتدون؟ من هم الذين جاوزوا أطباق الثرى والثريا بمنة الله عليهم بهذه الهداية؟ المهتدون هم الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ * أُولَئِكَ عَلَى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [البقرة:3-5] المهتدون الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ [البقرة:156-157].

    فما أسباب هدايتهم؟ كيف اهتدوا؟ وكيف تميزوا؟ وكيف سادوا؟ وكيف سبقوا؟ وكيف نالوا؟ وكيف تقدموا؟

    والله ما نالوا ذلك بمعادلاتٍ معقدة، ولا مشروبات عجيبة، ولا كبسولات غريبة، إنما نالوا الهداية بالطاعة، سمعوا قول الله فقالوا: سمعنا وأطعنا، سمعوا قول الله فقالوا: رضينا بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمدٍ صلى الله عليه وسلم نبياً: إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا [النور:51]، ما اختاروا لأنفسهم خيرة بعد أمر الله، ما اختاروا أمراً بعد أمر الله، ما قالوا: نقلب أو نفكر أو ننظر نتوب أو لا نتوب، نقلع عن الذنوب أو لا نقلع، نعود عن المعصية أو لا نعود، أبداً وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ [الأحزاب:36].

    والله ما اختاروا شيئاً بعد أن سمعوا كلام الله وكلام رسوله، هكذا اهتدوا، وهكذا أصبحوا في عداد المهتدين.

    قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ [النور:54] .. فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ [الأعراف:158].

    يا أيها الشاب! أتريد الهداية؟! ارم بنفسك بين يدي خالقك.

    أتريد الهداية؟! اسجد نادماً، اخضع نادماً، ابك لله نادماً على ما فعلت، فإن ربك قريب ولا تحتاج توبته إلى اعترافٍ أو إلى قاضٍ أو إلى أحدٍ لتعترف بين يديه وإنما هي بينك وبين الله: وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ [البقرة:186].

    والذين اهتدوا زادهم هدى

    أيها الأحبة: ولما اهتدوا زادهم الله هدىً، أولئك الذين سلكوا طريق الهداية لما اهتدوا زادهم وآتاهم تقواهم، لقد نالوا الهداية بالانقياد وبالاستجابة وبقول: سمعنا وأطعنا وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ [العنكبوت:69].

    أما أولئك الذي ضلوا وأضلوا كثيراً وضلوا عن سواء السبيل، أما الذين ينهون عن الحق وينأون عنه، أما الذين لم يكفهم أن يحملوا ذنوبهم بل حملوا ذنوب غيرهم: لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلا سَاءَ مَا يَزِرُونَ [النحل:25] أولئك كيف ضلوا؟ وكيف ضاعوا؟ وكيف حادوا عن جادة الصراط؟ وكيف ضلوا عن سواء السبيل؟

    لقد ضلوا يوم أن زين لهم الشيطان أعمالهم، قال الله عز وجل: وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ [النمل:24] والشيطان لا يريد بهم خيراً لما زين لهم، ذلك كما قال الله: وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيداً [النساء:60].

    نعم .. لقد ضلوا بجليسٍ دعاهم إلى المعصية، ودعاية زخرفت لهم المعصية، وخيالٍ خيل لهم المعصية، ثم جلسوا يتنادون يظنون أنهم في سعادة ولكن يوم القيامة يلعن بعضهم بعضاً، ويتبرأ بعضهم من بعض، ويسب بعضهم بعضاً، كما قال تعالى: وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً * يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلاً * لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولاً [الفرقان:27-29].

    نعم. لهم قادة في الباطل فاتبعوهم، وجعلوا لهم رءوساً في الشر فانقادوا لهم، وحسبوا أنهم يهدونهم إلى صراطٍ وهم يضلونهم إلى سوء العذاب ولا حول ولا قوة إلا بالله، وما ينفعهم قولهم يوم القيامة: وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا [الأحزاب:67] ثم يدعون على من قادهم إلى الضلالة فيقولون: رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً [الأحزاب:68].

    أولئك مساكين قد غرهم كثيرٌ من الناس، وبعض الضالين إذا ناقشته في ضلاله وفي معصيته، قال لك: أكثر الناس هكذا، وأكثر الناس يفعلون هكذا، وهل الكثرة حجة؟ وهل العوام حجة؟ وهل الطغام حجة؟ وهل الفئام حجة؟ أوليس الله جل وعلا يقول: وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [الأنعام:116] لقد اتبعت الكثرة وما ذاك إلا لهوى في النفس، ومن تبع هواه فقد ضل والله جل وعلا يقول: وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [القصص:50].

    يا أخي الحبيب! إن طائفة من الشباب ضلوا باتباع سادة في الشر والباطل، وضلوا بسبب جلساء زينوا لهم المعاصي، وضلوا بسبب العناد والإمعان، وضلوا بسبب التكبر، بعضهم يتكبر على الحق والانقياد له، بعضهم يقول: وإذا التزمت أفأجلس مجالس هؤلاء الضعفاء أو أكون في زيهم وسمتهم، أو أحرم نفسي ما عودت نفسي عليه، لقد عود نفسه ألواناً من المنكرات ولا يريد أن يتركها، تكبر عن أمر الله وأمر رسوله.

    والله جل وعلا توعد الذين يتكبرون عن الانقياد للحق بأن يصرف قلوبهم عنه، قال تعالى: سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ [الأعراف:146].

    أولئك الذين أسرفوا في الضلالة فأضلهم الله: كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ [غافر:34] ولما أعرضوا عن ذكر الله قيض لهم شيطاناً وهو قرين لهم يقودهم ويصدهم ويغريهم ويخادعهم ويقول لهم: إنكم على حق، وصدق الله حيث قال: وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ * وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ * حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ [الزخرف:26-38].

    أيها الأحبة: إن بعض الشباب الذين ضلوا وأمعنوا في الضلالة قست قلوبهم وطال عليهم الأمد، والله يناديهم فيقول: أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ [الحديد:16].

    قال مالك بن دينار: ما ضرب عبدٌ بعقوبة أعظم من قسوة القلب.

    فيا أيها الشاب الذي ضل وزل وقسا قلبه: عد إلى الله فإن الله يفرح بتوبتك فرحاً عظيماً.

    أخي الحبيب: والله لو اتبعت أمر الله وهدى الله فلن تجد ضنكاً ولا ضيقاً ولا سقماً ولا مرضاً: فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى [طه:123-126].

    اللذة الحقيقية في طاعة الله

    أيها الشاب: والله إن عملت صالحاً فإنا نبشرك ونهنئك ونقربك إلى حياة طيبة هي من عند الله بشارة صادقة ليست من عندي ولا من عند شيخٍ قريب ولا بعيد، يقول ربك الغني عنك: مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [النحل:97].

    أيها الأحبة: إن الذين ذاقوا لذة الهداية يتحدون أعظم الناس في لذاتهم، يقول واحدٌ ممن أدركوا حلاوة الإيمان: والله لو علم الملوك وأبناء الملوك ما نحن عليه لجالدونا بالسيوف.

    ويقول آخر: إنه ليمر بالقلب أوقاتٌ يرقص فيها طرباً.

    ويقول ثالث: إنه لتمر بي أوقات من لذة الهداية والخشوع والمناجاة أقول فيها: إن كان أهل الجنة في مثل هذا إنهم لفي عيشٍ طيب.

    انظر إلى الذين ذاقوا لذة الهداية سموا، وارتفعوا، وتجاوزوا حدود الملذات القريبة، بل أصبحوا يجدون اللذة حتى لو كانوا في المحنة وفي بلاء عظيم.

    هذا شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله لما سجن في دمشق في سجن القلعة ، قال: ما يصنع أعدائي بي، أنا جنتي وبستاني في صدري، أينما كنت فهي معي لا تفارقني، أنا حبسي خلوة، وقتلي شهادة، وإخراجي من بلدي سياحة.

    وكان يقول رحمه الله في مجلسه وهو في سجن القلعة: لو بذلت مثل هذه القلعة ذهباً ما عدل عندي شكر هذه النعمة، وما جزيتهم -الذين تسببوا في حبسه- على ما تسببوا إلي فيه من الخير.

    ويقول ابن تيمية : المحبوس من حبس قلبه عن ربه، والمأسور من أسره هواه.

    واعجبوا إلى هذا العالم الجهبذ شيخ الإسلام ابن تيمية ، يقول وقد سجن في الإسكندرية فكتب رسالة يقول فيها: وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ [الضحى:11] يحدث عن نعمة وهو في السجن، يحدث عن نعمة وهو في القيد، يحدث عن نعمة وهو في الأغلال، لو أن أحداً قرأ رسالته ولم يعلم أنه في سجن لقال: إنّ هذا قد زوج أجمل النساء، وأسكن أفضل القصور، وأركب أفخر المراكب، وقدمت له خيار وكرائم الأموال، لكنه يقول وهو في سجن الإسكندرية: وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ [الضحى:11].

    يقول: والذي أعرف به الجماعة أحسن الله إليهم في الدنيا والآخرة وأتم عليهم نعمته الباطنة والظاهرة، ويقول ابن تيمية أيضاً: والله الذي لا إله إلا هو إني في نعمة من الله ما رأيت مثلها في عمري كله، فقد فتح الله عليَّ سبحانه وتعالى من أبواب فضله ونعمته وخزائن جوده ورحمته ما لم يكن في البال، ولم يدر في الخيال، هذا ويعرف بعضها بالذوق من له نصيبٌ من معرفة الله جل وعلا وتوحيده وحقائق الإيمان، وما هو مطلوب الأولين والآخرين من العلم والإيمان.

    ثم يقول شيخ الإسلام : فإن اللذة والفرحة والسرور وطيب الوقت والنعيم الذي لا يمكن التعبير عنه إنما هو في معرفة الله سبحانه وتعالى، وفي توحيده والإيمان به، وانفتاح الحقائق الإيمانية والمعارف القرآنية.

    أيها الأحبة في الله: هكذا ذاقوا الهداية فأصبحت السعادة لا تفارقهم في قصرٍ أو سجن، في سعةٍ أو ضيق، ركبوا أطيب المراكب أو مشوا حفاةً، لبسوا الخز والحرير والثياب أو مشوا بأقل من ذلك أو أدنى منه.

    احفظ الله يحفظك

    إن الهداية شأنها عظيم، يحفظ الله بها عبده: لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ [الرعد:11] قال ابن عباس : [هم الملائكة يحفظونه بأمر الله جل وعلا].

    أيها الشاب: إن اهتديت فأنت بإذن الله في عصمة بعد الهداية وملازمة إخوانك والحرص على طلب العلم ومجالس الذكر، وأنت بإذن الله في حصنٍ حصين ومكانٍ أمين بعيدٍ عن الشبهات والشهوات، قال تعالى: كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ [يوسف:24].

    أيها الأحبة .. أيها الشاب: إن اهتديت فأنت معك فئة لا تغلب، وحارسٌ لا ينام، وهادٍ لا يضل.

    وقال قتادة : [من يتق الله يكن معه، ومن يكن معه نجاه:].. إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ [النحل:128] الهداية ستجعل عافيتك قوية، وحواسك نافعة، وجوارحك بإذن الله تنفعك حتى آخر لحظة من حياتك.

    كان العلامة القاضي أبو الطيب طاهر بن عبد الله بن طاهر بن عمر الطبري الشافعي المتوفى سـنة (450هـ) قد جاوز المائة من عمره وهو ممتعٌ بقوة وعقل، فوثب ذات يوم وثبة شديدة، فعوتب في ذلك وقالوا له: كيف وثبت هذه الوثبة وعمرك قد جاوز المائة؟

    قال: هذه جوارح حفظناها عن معصية الله في الصغر، فحفظها الله لنا في الكبر.

    هذه الهداية أيها الشباب! فأقبلوا وأقدموا عليها، ووالله إن المحروم من حرم الهداية وأعرض عنها.

    نقول: هذا عسلٌ مصفى، فيقول بعض من أريدت به الضلالة أو اشتهى الضلالة: لا. أريد ماء مكدراً نجساً مخلطاً.

    يقال: هذا عودٌ طيبٌ طاهرٌ ورائحة طيبة، فيقول: لا. أريد رائحة فيها نتنٌ وفيها ذخرٌ ونجاسة.

    يقال: هذه رفعة، فيختار ذلة.

    يقال: خذ كرامة، فيختار هواناً.

    يقال: خذ خيراً كثيراً، فيختار شراً وفيراً ولا حول ولا قوة إلا بالله.

    أيها الأحبة: إن لذة الحياة وجمالها وقيمة السعادة وكمالها لا تكون إلا في طاعة الله التي لا تكلف الإنسان شيئاً سوى الاستقامة على أمر الله وسلوك طريقه ليسير المهتدي بعد ذلك مطمئن الضمير، مرتاح البال، هادئ النفس، دائم البشر، طلق المحيا، وأبشر والله لو صممت وعزمت واجتهدت وحرصت على الهداية فإن الله يدنيها إليك، ويقربها بين يديك.

    أخي الكريم: إنك إن أعرضت عن الهداية واخترت الضلالة فلا تزال في نكدٍ وكبدٍ وضيقٍ وانقباضٍ وشكٍ، وانظر إلى أحوال الضالين الذين دعوا فلم يستجيبوا، ونصحوا فلم ينتصحوا، وأهدوا الشريط فلم يسمعوه، وقدم لهم الكتاب فلم يقرءوه، ودعوا إلى المحاضرة والمخيم والندوة والفائدة فلم يلتفتوا إليها، انظر ما هم فيه من حال: سهرٌ على معصية، نومٌ عن صلاة الفجر، تفوتهم المنافع والأرزاق، في الصباح في شقاقٍ مع أزواجهم، في مصائب، المعاصي تقودهم رويداً رويداً، فمجلس لهوٍ فدخانٍ فمخدراتٍ فمسكراتٌ ثم سرقة ثم معصية ثم قطع طريق وما أكثر الذين لم يعرفوا أنهم قد ضلوا وزلوا إلى أن أوشكت أن تطير رقابهم في ساحات العدل.

    هذه نصيحة قد طلبت مني فأنا أقدمها لكم وأقول لكل مهتدٍ: اثبت فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ [هود:112] وأقول لكل ضال: عد إلى الله عد إلى ربك وأذكرك بقول الله: قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً [الزمر:53].

    1.   

    موقف محرج

    رابعاً: أنتقل بكم بعد ذلك أيها الأحبة إلى الفقرة الرابعة من برنامج " ما يطلبه المستمعون " وهي فقرة غريبة طالما سئلت عنها، وهي: أي موقف محرجٍ مر عليك؟

    المواقف الحرجة كثيرة: وأختار منها موقفاً غريباً، أنتم تعرفون شريط (حاولنا فوجدنا النتيجة)، هذا هو حلقة ثانية بعد شريط (حاول وأنت الحكم) صليت ذات يومٍ في مسجدٍ من المساجد فقام شابٌ عليه سيما الخير، وأخذ ينصح الناس ويعظهم ويأمرهم ويدعوهم إلى الله جل وعلا، ويحثهم على التوبة ويقربها بين يديهم، قال: وإني أنصحكم بسماع شريط (حاولنا فوجدنا النتيجة) فإن فيه قصة ثلاثة كانوا فجاراً فساقاً عصاة، منهم: سعد البريك وصالح الحميدي وفهد بن سعيد، وإن الله مَنَّ عليهم بالتوبة والهداية، لقد كانوا مجرمين وقطاع طرق وفجرة وكانوا وكانوا ... وأخذ يرمينا بأخبث الصفات وأقبح العبارات.

    وأنا إن خرجت من المسجد قال الناس: نعم. إذاً كان مجرماً من قبل ولذلك خرج، وإن جلست في المسجد أخذ الناس ينظرون إلي، وأنا في حرجٍ عظيم، وإن قمت أقاطعه أخشى أن أحرجه وأحرج نفسي معه.

    فسكت حتى انتهى ثم أمسكت به فيما بعد، وقلت له: هل تعرف أن سعد البريك كان مجرماً من قبل؟

    قال: هكذا فهمت من الشريط.

    فقلت: والله يا أخي الكريم! على أية حال: التائب من الذنب كمن لا ذنب له، لكن اعلم أن الله سبحانه وتعالى مَنَّ علينا بنعمة العقل والرشد والتمييز ونشأنا في أسرة طيبة، وبتربية أبٍ أسأل الله أن يحرمه وإياكم وآباءكم على النار، ومنذ الصغر ما عرفنا -ولله الحمد- ضلالة مما ذكرت أو جريمة كما وصفت، أو قطع طريق أو فسقاً كما ذكرت، ولكن يا أخي الكريم تثبت ولا ترم إخوانك بما لا تعلم، فهذا من المواقف المحرجة.

    1.   

    أبيات نبطية في الجهاد

    أحد الإخوة طلب مني أن أسوق له قصيدة كنت قد تمثلت ببعض أبياتها، وهي قصية نبطية ولكنها جميلة، كان يرددها رجلٌ يقال له: أبو طارق، وقد قتل في أفغانستان رحمه الله في تلك الأيام العصيبة العظيمة التي كان الروس فيها ينـزلون إنزالاً مظلياً على المجاهدين، عندما كان المجاهدون قد طردوا ودحروا الروس والشيوعيين، تقول هذه القصيدة:

    يا عرب يا عجم يا ترك يا بربر     يا حماة العقيدة دينكم واحد

    راية الحق والتوحيد لا تقهر     ارفعوها وحطوا راية الجاحد

    وحدوا صفكم واقضوا على المنكر     واستعيدوا لنا تاريخنا الخالد

    شعبنا الأفغان يسقي الروس موت احمر     واكتسح كبرياهم شعبنا الصامد

    يا سمرقند يا القوقاز

    أقولها كذا بنفس اللغة؛ لأن الشاعر كان من أهل اليمن، أسأل الله أن يدخله الجنة، يقول:

    يا سمرقند يا القوقاز قم وازأر     يا بخارى بلاد العالم الماجد

    شعبنا بعد غفلة صابته فكر     واكتشف ما جناه الكافر الحاقد

    والجهاله من الطاغوت والعسكر     تمنع اللي صحا لا ينبه الراقد

    من تجرأ وقال الحق في المنبر     قالوا إنه عدو الناس والقايد

    من دعا للخلاعة عندهم يذكر     مذهب الكفر لا ناقص ولا زايد

    يا بني ديننا حكم من بلاد ابتر     بدلوا ديننا بالمذهب الفاسد

    يا بني ديننا صوت الندا يزأر     شعبنا كم تكبد ظلم ويكابد

    واحمل السيف والصاروخ والخنجر     والمجاهد بحق أفضل من القاعد

    والطواغيت ولىَّ شرهـم وادبر     راح وقت العمالة والله الشاهد

    صبح الإسلام عقب الليل قد نور      والخلافة على منهاجها الراشد

    يا عرب يا عجم يا ترك يا بربر     يا حماة العقيدة دينكم واحد

    من أجمل ما سمعت من الشعر النبطي الذي يثير الشباب إلى الحماس في الجهاد في سبيل الله جل وعلا.

    1.   

    مواقف محرجة أخرى

    كذلك مما يطلبه المستمعون وهو موقف غريب عجيب في إحدى المحاضرات الشيخ يوسف يذكرني بأحد المواقف لعله كان قد سمع به.

    نعم. يا أخي الكريم! في إحدى المحاضرات يمكن أن نقوله من المواقف المحرجة: كنا في مسجدٍ وتعرفون الشباب من حماسهم يتقدمون ويتحلقون حول المحاضر حتى يصبح الذين في الصف الأول يصبحون في الصف الثاني أو الثالث يعني يتقدم على الصف الأول صفان من الشباب ويتحلقون حول الإمام، فلما انتهت المحاضرة وجاء المؤذن ليقيم الصلاة إذ بالمؤذن بينه وبين الميكرفون تقريباً حوالي صفين من الشباب فقال: (هو دين ولا تين)؟ كنا في الأول وصرنا في الثالث، فحقيقة مكثت أضحك هنيهة من هذا المثل الجميل (هو دين ولا تين)، قلنا له: في الحقيقة إنه دين بإذن الله جل وعلا، والمحاضرة من الدين.

    كذلك من الأمثال الجميلة التي يمكن أن يضرب بها المثل لبعض الشباب، ولو كنا في مجلس لربما تأدبنا أو كان من واجبنا أن نتأدب في المسجد، لكن ما دمنا في الخلاء فلا بأس أن نمرح ونضحك معكم، وأسأل الله أن يجعل ذلك في موازين أعمالنا وإياكم جميعاً في الحسنات بإذن الله.

    في إحدى المحاضرات كنا نضرب مثلاً لبعض الشباب الذين يقولون: إننا لا نستطيع أن نترك هذا المنكر أو لا نترك هذه الخطيئة.

    فنقول لهم: يا أخي الكريم! يا أخي الشاب! إن المعصية جزء كبير منها نوع من التعود، حتى إن بعض الشباب أصبح يمارس المعصية دون لذة بالمعصية ولكن لمجرد التعود عليها، فتجده والعياذ بالله يمعن في المعصية مرة ومرتين وثلاث وأربع وربما الأولى فيها لذة، ولكن الثانية والثالثة والرابعة هي في الحقيقة من باب التعود، ومن تعود على شيء والعياذ بالله وخاصة من أمور الشر فإنه يصبح مدمناً له فيفعله وربما مات عليه وإنا لله وإنا إليه راجعون.

    على أية حال .. يضرب مثلاً قد يكون حقيقياً والظاهر أنه من باب الخيال أو الدعابة على أن التعود له أثرٌ عظيم حتى على البهائم: فيروى أن رجلاً كان عنده حوش، وكان في هذا الحوش أنواعٌ مختلفة من الغنم، نعيمي وبربري وعنز وأشكال مختلفة، وعددٌ لا بأس به من هؤلاء، فذات يوم تسلط بعضهم على بعض يتناطحون ويتسابون ويتشاتمون حتى ارتفع صوت رغائهم وقلبوا القدور وآذوا الجيران، فالتفت الرجل يطل من صفحة الدار على غنمه فوجدهم في معركة عظيمة، وأراد أن يسكتهم فما استطاع أن يصل إلى ذلك سبيلاً، فقام من شدة غيظه وحنقه على غنمه أن قام وفتح البوابة وركبهم جميعاً في (الونيت) وراح يفحط بهم ويدور ويرقى بهم محطات ويريد أن يقلبهم يميناً ويساراً وفرامل وسحب جلنط، (حاس بهم حوساً) حتى داخت رءوس الغنم وجاء بها في الليل وفتح الباب وكل واحد قد مسك جداراً ونام، ما استطاعوا أن يطيقوا شيئاً بعد تلك التجزيعات والتفحيطات والجلنطات ونحو ذلك، فلما جاء من الغد ما سمع للغنم صوتاً أبداً لا طبيعي، ولا صوت إزعاج، فقام وطل عليهم من السطح لينظر أين هن فلم يجدها في الحوش، فالتفت إلى الشارع فوجدها قد ركبت في السيارة ينتظرنه.

    فعلى أية حال: من تعود على شيء أدمنه، حتى الغنم تعودت التفحيط وأصبحت تخرج من الحوش لتنتظر ذلك ولا حول ولا قوة إلا بالله، وينبغي أن تبلغوا عن مثل هؤلاء إذا رأيتموهم.

    وهذا المثال أيضاً أو هذه الطرفة تضرب في شأن الذين كانوا فنانين وتركوا الفن ولكن لا يزال بعض أتباع الفنانين مصرين على الفن، تجد حتى هذا في الشيوعية والصنم الشيوعي هوى، الشيوعية سقطت، والفكرة انهارت وما عاد لها مبادئ وأسس، وتجد الناس لا يزالون يترنمون بـالشيوعية.

    كذلك بعض أهل التمثيل والسينما تابوا وعادوا ورجعوا ولا يزال بعض أتباعهم يمجدون السينما والتمثيل ويصيحون عليها مرات ومرات، فبهذا الأمر يضرب مثلٌ غريب.

    يقال: إن ثلاثة كانوا في مطعم وأحدهم يتأهب للسفر، فجلسوا في هذا المطعم يأكلون ريثما يحين موعد انطلاق القطار، فما هي إلا لحظات حتى سمعوا صافرة القطار وهو يوشك أن ينطلق ويتحرك، فما كان من هؤلاء الثلاثة إلا أن أسرعوا سرعة عظيمة يريدون أن يلحقوا بالعربة، فركب اثنان منهم ورجع الثالث يضحك ضحكاً غريباً يقهقه، فقابله رجل وقال: لماذا تضحك؟ قال: أصلاً أنا الذي سأسافر وهؤلاء جاءوا لكي يودعوني.

    فعلى أية حال: هذا الذي هو صاحب الفن قد رجع تائباً لكن المودعين قد ركبوا ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

    1.   

    أبيات في وصف الجنة وحورها من النونية

    سابعاً: أخيراً: أيها الأحبة نختم هذه الجلسة الطيبة معكم بواحدة من قصيدتين ولعلها هي من أكثر الطلبات التي وردتني في الأسئلة وهي من قصيدة النونية الشافية الكافية لـابن قيم الجوزية رحمه الله، وقصيدة أخرى بعنوان:

    خل ادكار الأربع     والمعهد المرتبعِ

    والظاعن المودع     وعدِّ عنه ودعِ

    واندب زماناً سلفا     سودت فيه الصحفا

    هذه قصيدة جميلة جداً لكن أحيلكم إلى شريط بعنوان: (الغنيمة الضائعة) فقد ذكرت هذه القصيدة بكاملها أو أغلبها، ولعل الوقت لا يسمح بذكرها تامة.

    أختم هنا بشيءٍ من أبيات ابن قيم الجوزية رحمه الله من النونية الشافية الكافية :

    يقول فيها رحمه الله:

    سبحان ذي الجبروت والملكـوت والـ     إجلال والإكرام والسبحان

    والله أكبر عالم الإسـرار والـ     إعلان واللحظات بالأجفان

    والحمد لله السميع لسائر الـ     أصوات من سرٍ ومن إعلان

    وهو الموحد والمسبح والممجد     والحميد ومنزل القرآن

    والأمر من قبل ومن بعد له     سبحانك اللهم ذا السلطان

    دعوة إلى طالب الجنة

    ثم يدعو ابن القيم إلى المسابقة إلى طلب الجنة وأنتم أيها الأحبة تعلمون حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (في الجنة ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر) وإن مما يطيب نفس المؤمن والمؤمنة، والرجل والمرأة، والذكر والأنثى؛ أن الجميع الذين يطمعون بالجنة بإذن الله، سيجدون نعيماً ولذة عظيمة تنسي كل ملذات هذه الدنيا، وتنسي شقاء الدنيا أيضاً كما في الحديث: (يؤتى بأشد أهل الدنيا بؤساً فيغمس في الجنة غمسة واحدة فيقول الله: يا عبدي هل مر بلك بؤسٌ قط؟ فيقول: لا يا رب ما مر بي بؤسٌ قط) فينادي ابن القيم الخاطبين الراغبين في الجنات:

    يا خاطب الحور الحسان وطالباً     لوصالهن بجنة الحيوان

    لو كنت تدري من خطبت ومن     طلبت بذلت ما تحوي من الأثمان

    أو كنت تدري أين مسكنهـا     جعلت السعي منك لها على الأجفان

    ولقد وصفت طريق مسكنها فإن     رمت الوصال فلا تكن بالواني

    أسرع وحث السير جهدك إنما     مسراك هذا ساعة لزمان

    فاعشق وحدث بالوصال النفس     وابذل مهرها ما دمت ذا إمكان

    واجعل صيامك قبل لقياها ويو     م الوصل يوم الفطر من رمضان

    ونحن بحلول شهر رمضان أو بقرب حلول شهر رمضان ينبغي أن نستعد بأن نبني أعمالاً صالحة على توبة صادقة؛ فإن الذي يبني أعمالاً مخلطة أو أعمالاً على ذنوبٍ ومعاصٍ، كمن يبني داراً على شفا جرف هار فيوشك أن ينهار، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

    لا يلهينك منزلٌ لعبت به     أيدي البلى مذ سالف الأزمان

    فلقد ترحل عنه كل مسرة          وتبدلت بالهم والأحزان

    سجن يضيق بصاحـب الإيمان     لكن جنة المأوى لذي الكفران

    سكانها أهل الجهالة والبطـ     ـالة والسفاهة أنجس السكان

    أي: المشغولين بحطام الدنيا المعرضين عن أمر الله.

    والله لو شاهدت هاتيك الصدو     ر رأيتها كمراجل النيران

    ووقودها الشهوات والحسرات والـ     آلام لا تخبو مدى الأزمان

    أبدانهم أحداث هاتيك النفو     س اللاء قد قبرت مع الأبدان

    أرواحهم في وحشة وجسومهم     في كدحها لا في رضا الرحمن

    لا ترض ما اختاروه هم لنفوسهم     فقد ارتضوا بالذل والحرمان

    هربوا من الرق الذي خلقوا له     فبلوا برق النفس والشيطان

    لو ساوت الدنيا جناح بعوضة     لم يسق منها الرب ذا الكفران

    لكنها والله أحقر عنده     من ذا الجناح القاصر الطيران

    يا عاشق الدنيا تأهب للذي     قد ناله العشاق كل زمان

    أو ما سمعت بل رأيت مصارع الـ     عشاق من شيبٍ ومن شبان

    ما أعد الله لساكني الجنة فيها

    ثم يقول في وصف الجنة التي أعدها الله للمتمسكين بالكتاب والسنة الملتزمين بأمر الله وأمر رسوله:

    هي جنة طابت وطاب نعيمها     فنعميها باقٍ وليس بفان

    درجاتها مائة وما بين اثنتين     فذاك في التحقيق للحسبان

    مثل الذي بين السماء وبين ها     ذي الأرض قول الصادق البرهان

    لكنَّ عاليها هو الفردوس مس     قوفٌ بعرش الخالق الرحمن

    أبوابها حقاً ثمانية أتت     في النص وهي لصاحب الإحسان

    ولسوف يدعى المرء من أبوابها     جمعاً إذا وفى حلى الإيمان

    منهم أبو بكر هـو الصديق ذا     ك خليفة المبعوث بالقرآن

    هذا وفتح الباب ليـس بممكنٍ     إلا بمفتاحٍ على أسنان

    مفتاحه بشهادة الإخلاص والتـ     توحيد تلك شهادة الإيمان

    أسنانه الأعمال وهي شرائع ال     إسلام والمفتاح بالأسنان

    هذا ومن يدخل فليس بداخلٍ     إلا بتوقيعٍ من الرحمن

    لا تلغين هذا المثال فكم بـه     من حل إشكال لذي العرفان

    وكذاك يكتب للفتى لدخوله     من قبل توقيعان مشهوران

    هذا وأول زمرة فوجوههم؛ هذه أول زمرة تدخل الجنة يذكر ابن القيم صفاتهم يقول:

    هذا وأول زمرة فوجوههم     كالبدر ليل الست بعد ثمان

    السابقون هم وقد كانوا هنـا     أيضاً أولي سبقٍ إلى الإحسان

    والزمرة الأخرى كأضوء كوكبٍ     في الأفق تنظره به العينان

    أمشاطهم ذهب ورشحهم     فمسك خالصٌ يا ذلة الحرمان

    ويرى الذين بذيلها من فوقهم     مثل الكواكب رؤية بعيان

    ما ذاك مختصاً برسل الله بل     لهم وللصديق في الإيمان

    هذا وأعلاهم فناظر ربه     في كل يومٍ وقته الطرفان

    لكن أدناهم وما فيهم دني     إذ ليس في الجنات من نقصان

    فهو الذي مسافة ملكه     بسنيننا ألفان كاملتان

    فيرى بها أقصاه وحقاً مثل رؤ     يته لأدناه القريب الداني

    أو ما سمعت بأن آخر أهلها..

    أي: آخر من يدخل الجنة من أهل الجنة وآخر من يخرج من النار.

    أو ما سمعت بأن آخر أهلها     يعطيه رب العرش ذو الغفران

    أضعاف دنيانا جميعاً عشر أمـ     ثالٍ لها سبحان ذي الإحسان

    ألوانهم بيضٌ وليس لهم لحى     جعد الشعور مكحلو الأجفان

    هذا كمال الحسن في أبشارهم     وشعورهم وكذلك العينان

    رؤية الله عز وجل

    ريح الجنة وأرضها

    والريح يوجد من مسيرة أر     بعين وإن تشأ مائة فمرويان

    قد أفلح العبد الذي هو مؤمن     ماذا ادخرت له من الإحسان

    فيها الذي والله لا عين رأت     كلا ولا سمعت به الأذنان

    كلا ولا قلبٍ به خطـر المثال     له تعالى الله ذو السلطان

    وبناؤها اللبنات من ذهبٍ وأخـ     ـرى فضة نوعان مختلفان

    وقصورها من لؤلؤ وزبرجدٍ     أو فضة أو خالص العقيان

    والأرض مرمرة كخالص فضة     مثل المراة تنالها العينان

    غرفاتها في الجو يُنْظَرُ بطنها          من ظهرها والظهر من بطنان

    للعبد فيها خيمة من لؤلؤٍ     قد جوفت هي صنعة الرحمن

    ستون ميلاً طولها في الجو في     كل الزوايا أجمل النسوان

    أين الشباب العزاب الذين ينظرون إلى النعيم؛ نعيم الجنة سبعون حورية يا إخوان، أين الشباب الذين يريدون أن يخطبوا إلى الرحمن الحور العين مهرها العمل الصالح:

    ما في الخيام سوى التي لو قابلت     للنيرين لقلت منكسفان

    لله هاتيك الخيام فكم بها     للقلب من علقٍ ومن أشجان

    فيهن حورٌ قاصرات الطرف خيـ     رات حسان هن خير حسان

    أشجارها نوعان منها ما له     في هذه الدنيا مثال ثان

    يكفي من التعداد قول إلهنا     من كل فاكهة بها زوجان

    يا طيب هاتيك الثمار وغرسها     في المسك ذاك الترب للبستان

    بل ذللت تلك القطوف فكيفما     شئت انتزعت بأسهل الإمكان

    أو ما سمعت بظل أصـلٍ واحدٍ     فيه يسير الراكب العجلان

    الغناء والطرب واللذة في الجنة

    قال ابن عباس ويرسل ربنا          ريحاً تهز ذوائب الأغصان

    فتثير أصواتاً تلذ لمسمع الـ     إنسان كالنغمات بالأوزان

    يا لذة الأسماع لا تتعوضي     بلذاذة الأوتار والعيدان

    أو ما سمعت سماعهم فيها غنا     ء الحور بالأصوات والألحان

    واهاً لذياك السماع فإنه     ملئت به الأذنان بالإحسان

    واهاً لذياك السماع وطيبه     من مثل أقمارٍ على أغصان

    واهاً لذياك السماع فكم به     للقلب من طربٍ ومن أشجان

    وهذا السماع كما في الحديث: (إن في الجنة لمجتمعاً للحور العين يرفعن بأصواتٍ لم تسمع الخلائق بمثلها، يقلن -ويغنين الحور العين- نحن الخالدات فلا نبيد، ونحن الناعمات فلا نبئس، ونحن الراضيات فلا نسخط، طوبى لمن كان لنا وكنا له) ثم يقول ابن القيم :

    نزه سماعك إن أردت سماع ذياك الغنا عن هذه الألحان

    لا تؤثر الأدنى على الأعلى فتحرم ذا وذا يا ذلة الحرمان

    إن اختيارك للسماع النازل الـ     أدنى على الأعلى من النقصان

    والله إن سماعهم في القلب والإ     يمان مثل السم في الأبدان

    والله ما انفك الذي هو دأبـه     أبداً من الإشراك بالرحمن

    فالقلب بيت الرب جل جلاله     حباً وإخلاصاً مع الإحسان

    فإذا تعلق بالسماع أصاره     عبداً لكل فلانة وفلان

    حب الكتاب وحب ألحان الغنا     في قلب عبدٍ ليس يجتمعان

    ثقل الكتاب عليهم لما رأوا     تقييده بشرائع الإيمان

    واللهو خف عليهم لما رأوا     ما فيه من طربٍ ومن ألحان

    أنهار الجنة ومأكل أهلها ومشربهم

    لباس أهل الجنة

    وصف الحور العين

    ثم يقول في صفة عرائس الجنة، وحسنهن وجمالهن ولذة وصالهن ومهرهن: يا من يطوف الكعبة الحصن التي حفت بذاك الحجر والأركان من قاصرات الطرف لا تبغي سوى محبوبها من سائر الشبان يا مطلق الطرف المعذب في الأُلى جردن عن حسنٍ وعن إحسان لا تسبينك صورة من تحتها الد اء الدوي تبوء بالخسران فانظر مصارع من يليك ومن خلا من قبل من شيبٍ ومن شبان إن كان قد أعياك خودٌ مثلما تبغي ولم تظفر إلى ذا الآن فاخطب من الرحمن خوداً ثم قدم مهرها ما دمت ذا إمكان ذاك النكاح عليك أيسر إن يكن لك نسبة للعلم والإيمان والله لم تخرج إلى الدنيا للذة عيشها أو للحطام الفاني لكن خرجت لكي تعد الزاد لـ لأخرى فجئت بأقبح الخسران أهملت جمع الزاد حتى فات بل فات الذي ألهاك عن ذا الشان والله لو أن القلوب سليمةٌ لتقطعت أسفاً من الحرمان لكنها سكرى بحب حياتها الد نيا وسوف تفيق بعد زمان فاسمع صفات عرائس الجنات ثم اختر لنفسك يا أخا العرفان حورٌ حسانٌ قد كملن خلائقاً ومحاسناً من أجمل النسوان حتى يحار الطرف في الحسن الذي قد ألبست فالطرف كالحيران ويقول لما أن يشاهد حسنها سبحان معطي الحسن والإحسان والطرف يشرب من كئوس جمالها فتراه مثل الشارب النشوان كملت خلائقها وأكمل حسنها كالبدر ليل الست بعد ثمان والشمس تجري في محاسن وجهها والليل تحت ذوائب الأغصان فتراه يعجب وهو موضع ذاك من ليل وشمس كيف يجتمعان فيقول سبحان الذي ذا صنعـه سبحان متقن صنعة الإنسان وكلاهما مرآة صاحبه إذا ما شاء يبصر وجهه يريان فيرى محاسن وجهه في وجهها وترى محاسنها به بعيان حمرُ الخدود ثغورهن لآلأً سود العيون فواتر الأجفان والبرق يبدو حين يبسم ثغرها فيضيء سقف القصر بالجدران ولقد روينا أن برقاً ساطعاً يبدو فيسأل عنه من بجنان فيقال هذا ضوء ثغرٍ ضاحـكٍ في الجنة العليا كما تريان يلمع برقٌ في الجنة فيسأل أهل الجنة: ما هذا البرق؟ ما هذا الضوء الذي خطف الأبصار؟ فيقال: هذه حورية لواحد من أهل الجنة العليا ابتسمت لزوجها في الجنة، فلمع ذلك البرق أو ظهر ذلك الضوء. لله لاثم ذلك الثغر الذي في لثمه إدراك كل أمان ريانة الأعطاف من ماء الشبا ب فغصنها بالماء ذو جريان لما جرى ماء النعيم بغصنها حمل الثمار كثيرة الألوان والقدر منها كالقضيب اللدن في حسن القوام كأوسط القضبان في مغرس كالعاج تحسب أنـه عالي النقا أو واحد الكثبان لا الظهر يلحقها وليس ثديهـا بلواحق للبطن أو بدوان لكنهن كواعبٌ ونواهد فثديهن كألطف الرمان والله جل وعلا يقول: ((وَكَوَاعِبَ أَتْرَاباً))[النبأ:33] والجيد ذو طولٍ وحسنٍ في بيا ض واعتدالٍ ليس ذا نكران يشكو الحلي بعاده فله مـدى الـ أيام وسواسٌ من الهجران والمعصمان فإن تشأ شبههما بسبيكتين عليهما كفان كالزبد لين في نعومة ملمسٍ أصداف در دورت بوزان والصدر متسع على بطنٍ لها حفت به خصران ذات ثمان وعليه أحسن سرة هي مجمـع الـ خصرين قد غارت من الأعكان حق من العاج استدار وحـوله حبات مسكٍ جل ذو الإتقان قاما بخدمته هو السلطان بيـ نهما وحقٌ طاعة السلطان ثم استحيا ابن القيم

    رحمه الله وقال: وإذا انحدرت رأيت أمراً هائلاً ما للصفات عليه من سلطان وهو المطاع أميره لا ينثني عنه ولا هو عنده بجبان وجماعها فهو الشفاء لصبها فالصب منه ليس بالضجران وإذا يجامعها تعود كما أتت بكراً بغير دمٍ ولا نقصان فهو الشهي وعضوه لا ينثني جاء الحديث بذا بلا نكران ولقد روينا أن شغلهم الذي قد جاء في "يس" دون بيان شغل العروس بعرسه من بعد ما عبثت به الأشواق طول زمان بالله لا تسأله عن أشغاله تلك الليالي شأنه ذو شان واضرب لهم مثلاً بصبٍ غاب عن محبوبه في شاسع البلدان والشوق يزعجه إليه وما له بلقائه سببٌ من الإمكان وافى إليه بعد طول مغيبه عنه وصار الوصل ذا إمكان أتلومه إن صار ذا شغلٍ به لا والذي أعطى بلا حسبان يا رب غفراً قد طغت أقلامنا يا رب معذرة من الطغيان أقدامها من فضة قد ركبت من فوقها ساقان ملتفان والساق مثل العاج ملموم يرى مخ العظام وراءه بعيان والريح مسكٌ والجسوم نواعمٌ واللون كالياقوت والمرجان وكلامها يسبي العقول بنغمـة زادت على الأوتار والعيدان وهي العروب بشكلها وبدلها وتحببٌ للزوج كل أوان وهي التي عند الجماع تزيد في حركاتها للعين والأذنان لطفاً وحسن تبعلٍ وتغنجٍ وتحببٍ تفسير ذي العرفان يقول الله: ((عُرُباً أَتْرَاباً))[الواقعة:37] أتراب سنٍ واحدٍ متماثلٍ سن الشباب لأجمل الشبان بكرٌ فلم يأخذ بكارتها سـوى الـ محبوب من إنس ولا من جان يعطى المجامع قوة المائة التي اجـ ـتمعت لأقوى واحد الإنسان وأعفهم في هذه الدنيا هو الـ الأقوى هناك لزهده في الفاني فاجمع قواك لما هناك وغمـض الـ عينين واصبر ساعة لزمان ما ها هنا والله ما يسوى قلا مة ظفر واحدة ترى بجنان وإذا بدت في حلة من لبسها وتمايلت كتمايل النشوان تهتز كالغصن الرطيب وحملـه ورد وتفاح على رمان وتبخترت في مشيها ويحق ذا ك لمثلها في جنة الحيوان ووصائف من خلفها وأمامهـا وعلى شمائلها وعن أيمان كالبدر ليلة تمه قد حف في غسق الدجا بكواكب الميزان

    مقابلة المسلم زوجته في الجنة

    تنبيه إلى كل ناعس بأن يتيقظ

    يا غافلاً عما خلقت له انتبه     جد الرحيل فلست باليقظان

    سار الرفاق وخلفوك مع الألى     قنعوا بذا الحظ الخسيس الفاني

    ورأيت أكثر من ترى متخلفاً     فتبعتهم ورضيت بالحرمان

    لكن أتيت بخطتي عجزٍ وجهل بعد ذا وصحبت كل أمان

    منَّتك نفسك باللحاق مع القعود عن المسير وراحة الأبدان

    ولسوف تعلم حين ينكشف الغطا     ماذا صنعت وكنت ذا إمكان

    بالله ما عذر امـرئ هو مؤمنٌ     حقاً بهذا ليس باليقظان

    لكن قلبك في القساوة جاز حد الصخر والحصباء في أشجان

    لو هزك الشوق المقيم وكنت ذا     حسٍ لما استبدلت بالأدوان

    أو صادفت منك الصفات حياة قلب     كنت ذا طلب لهذا الشان

    يا سلعة الرحمن لست رخيصة     بل أنت غالية على الكسلان

    يا سلعة الرحمن ليس ينالها     في الألف إلا واحدٌ لا اثنان

    يا سلعة الرحمن ماذا كفؤها     إلا أولو التقوى مع الإيمان

    يا سلعة الرحمن سوقك كاسدٌ     بين الأراذل سلفة الحيوان

    يا سلعة الرحمن أين المشتري     فلقد عرضت بأيسر الأثمان

    يا سلعة الرحمن هل من خاطبٍ     فالمهر قبل الموت ذو إمكان

    يا سلعة الرحمن كيف تصبر     الـ     خطاب عنك وهم ذوو إيمان

    يا سلعة الرحمن لولا أنها     حجبت بكل مكاره الإنسان

    ما كان عنها قـط من متخلفٍ     وتعطلت دار الجزاء الثاني

    لكنها حجبت بكل كريهة          ليصد عنها المبطل المتواني

    وتنالها الهمم التي تسمـو إلى     رب العلى بمشيئة الرحمن

    فبأي وجه ألتقي ربي إذا     أعرضت عن ذا الوحي طول زمان

    يا معرضاً عما يراد به وقد     جد المسير فمنتهاه داني

    دع ما سمعت الناس قالوه وخذ     ما قد رأيت مشاهداً بعيان

    والله لو جالست نفسك خالياً     وبحثتها بحثاً بلا روغان

    تالله لو شاقتك جنات النعيم طلبتها بنفائس الأثمان

    رحم الله ابن القيم رحمة واسعة، كان شاعراً بليغاً فصيحاً أجاد وصف الجنة وحورها ونعيمها، وأسأل الله أن يجعلنا وإياكم من أهل الجنة، وعذراً على الإطالة عليكم، وأستغفر الله لي ولكم، سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

    1.   

    الأسئلة

    مراجع لحياة ابن القيم ونونيته

    السؤال: ما هو المرجع الذي تدلنا عليه للتعرف على حياة ابن القيم؟ وآخر يقول: أين نجد هذه القصيدة؟

    الجواب: أما حياة ابن القيم رحمه الله فتجدها مصنفة أو تجدها منثورة ربما في بعض أو في مقدمة كثيرٍ من كتبه مثل الذين حققوا زاد المعاد في هدي خير العباد ، وربما في بعض طبعات طريق الهجرتين، وفي كتاب الروح وحادي الأرواح، وكثيراً من مقدمات كتبه تجد ترجمة لحياته رحمه الله.

    وأما هذه القصيدة فهي في آخر الكتاب الموسوم المعروف بـالكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية، وهو كتابٌ جميلٌ جداً ويقرأه كثير من طلبة العلم، إذ إنه كله في العقائد والتوحيد والشرائع والأحكام وفي الرد على طوائف الضلال، خاصة الذين ضلوا في بعض الصفات ضلالاً بعيداً.

    نصيحة للمبتدئ بطلب العلم

    السؤال: أنا شاب في بداية الطريق المستقيم وأرغب -إن شاء الله- في علم الفقه فما نصيحتك لي؟

    الجواب: ننصحك يا أخي الكريم بأن تأخذ العلم بمسائله المختصرة الصغيرة ثم الوسطى ثم الكبيرة منها؛ لأنه ليس من صالح المبتدئ أن يبدأ بالمطولات، وطريقة علماء هذه البلاد خاصة وكثيرٌ من أهل العلم من غيرهم عامة أن يبدأ المبتدئ بالمختصرات ثم بالشروح ثم بالمطولات، وعليك أن تحضر حلقة أو حلقاتٍ باستمرار، وأن يكون كتابك معك، وقلمك الذي تضيف فيه الفوائد على كتابك الذي تقرأ فيه، مستمعاً مراجعاً قبل الدرس مستذكراً قبله ومتأكداً بعده، فإن في ذلك خيرٌ عظيم بإذن الله وهذا الذي ننصحك به.

    التوبة من عقوق الوالدين

    السؤال: بت البارحة خارج البيت في المخيم -ليس هذا المخيم- مع شباب عصاة، وأبي وأمي غاضبين فبماذا تنصحني؟

    الجواب: يا أخي الكريم! الأولى أن تقول: ربما جالست أقواماً عصاة فلم يكون سهرك معهم على طاعة الله، ولا أقل من أن يكون في ذلك معصية لله، فأنت أغضبت الله قبل أن تغضب والديك، وهذا مما يجعل الإثم متضاعفاً، فتب إلى الله وإياك بأن تسهر أو تخلو أو تبقى أو تمكث مع أناسٍ يعينونك على المعصية، زد على ذلك أن والديك ساخطون عليك، فاتق الله واطلب منهم الرضا واطلب من ربك التوبة والمغفرة؛ فإن الله غفور رحيم إذا صدقت منك التوبة.

    نصيحة لمن يعارض والده ذهابه للمحاضرات

    السؤال: أنا شاب أحب حضور المحاضرات ولكن الوالد يرفض ذلك، فهل ذلك من عقوق الوالدين؟

    الجواب: على أية حال .. يا أخي لعل والدك لا يعلم ما يدور في هذه المحاضرات، فلك أن تستضيف أحد المشايخ أو العلماء لإقناع والدك وزيارته وتطييب قلبه وطمأنت نفسه، فإن النفس إذا اطمأنت رضيت وسمحت وأذنت بذلك، ولا نظن أن والدك يشتهي لك الشر ويحجبك عن الخير ويحرمك منه، لكن ربما في نفسه شبهة أو أمرٌ لم يتضح، فلا بد من إزالة الشبهات، وإذا عرف السبب بطل العجب.

    علاج العادة السرية

    السؤال: أعمل العادة السرية فما هو الطريق لترك هذه العادة؟

    الجواب: الذين يكثرون أو يقعون في هذا سبب ذلك أمور:

    أولاً: أنهم يجالسون من يتحدث بهذه الأمور فيعدي بعضهم بعضاً بهذا الأمر.

    ثانياً: كثرة التفكير في هذه القضية، وكثرة التخيل لما يتعلق بها وذلك مما يقودهم إليها، وعلى هذا الشاب أن يستعين بالله وأن يجد في طلب الزواج، فإن عجز عن ذلك فعليه أن يشغل نفسه بما ينفعه؛ فإن من اشتغل بالمهمات والعظائم انصرف عن مثل هذه الترهات والسفاهات.

    الوسيلة الناجحة في حفظ القرآن والسنة

    السؤال: إني أحبك في الله يا شيخ، وأرجو منكم أن تبينوا لنا طريقة لحفظ القرآن والحديث؟

    الجواب: أظن أن الشيخ عائض القرني حفظه الله سئل ذات يوم: ما هي المأكولات التي تعين على الحفظ؟

    فقال: نحن لا نقول: إن الباذنجان والبقدونس والبطاطا والبصل مما يعين على الحفظ، ولكن الذي يعين على الحفظ بحقٍ وحقيقة هو تقوى الله جل وعلا: وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ [البقرة:282] ويقول الشافعي :

    شكوت إلى وكيع سوء حفظي     فأرشدني إلى ترك المعاصي

    وقال: اعلم بأن العلم نورٌ     ونور الله لا يؤتاه عاصي

    فإن من بركات الطاعة أن الإنسان يبارك له في حفظه ويبارك له في علمه، وإذا قرأ شيئاً حفظه، وإذا قرأ شيئاً أدركه واستفاد منه، وإن من شؤم المعصية أن يتفلت على الإنسان علمه، ومن ذلك كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم.

    ما يكون للنساء في الجنة

    السؤال: إن ذكر الحور العين يجعل من النساء من يغار، فبماذا توجه الأخوات المسلمات؟

    الجواب: نقول لأخواتنا: إن الله جل وعلا قال: وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ [الزخرف:71] أي: للرجال والنساء والذكور والإناث ما يشتهون من تمام اللذات، المهم أن نصل الجنة، إذا دخلنا الجنة انتهت القضية، فيتلذذ الإنسان بأنواع اللذات وأعلاها النظر إلى وجه الله جل وعلا، فنسأل الله أن يهدينا إلى عملٍ صالح، وأن يستعملنا في طاعته، وأن يتوفانا عليه، وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إذا أراد الله بعبدٍ خيراً استعمله، قيل: وكيف يستعمله؟ قال: يوفقه إلى عملٍ صالح ثم يتوفاه عليه).

    أسأل الله أن يوفقنا وإياكم إلى عملٍ صالح، وأن يتوفانا عليه وهو راضٍ عنا.

    ويقول كذلك فضيلة الشيخ جابر جزاه الله خيراً: إن غيرة النساء منـزوعة تماماً، لا تنـزعج الواحدة تقول: زوجي معه سبعون حورية وأنا ما أطقت جارة واثنتين، فلتعلم أن لها تمام لذتها وله تمام لذته والغيرة منـزوعة تماماً.

    وأذكر أنني حدثت زوجتي عن حور الجنة، فقالت: والله لو رأيتك معها لأقطعك أنت وهي.

    لا حول ولا قوة إلا بالله، والمجالس بالأمانات.

    وجوب إزالة الريبة عن النفس

    السؤال: في هذا المخيم وفي هذه الليلة سمعت البعض يضحكون ويتهامسون عندما يسمعون اسم العائلة أو اللقب لبعض الناس ويقع كثيرٌ في هذا، فهل تتفضلون في توجيه كلمة نصح لمثل إخواننا الشباب هداهم الله؟

    الجواب: على أية حال من الجهل وعلامات الجهل أن بعض الناس ربما لا يلفظ اسم المرأة أو اسم البنت وهذا والله جهل عظيم؛ النبي صلى الله عليه وسلم لما زارته صفية بنت حيي وكان معتكفاً فلما خرجت قام ليقلبها أي: ليوصلها إلى البيت، فمر اثنان من الصحابة فقال: (على رسلكما إنها صفية بنت حيي، قالوا: سبحان الله! حتى أنت يا رسول الله -أي: أنشك فيك يا رسول الله؟- قال: نعم، إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم) فلو كان ذكر اسم المرأة عيباً لما قال النبي صلى الله عليه وسلم: إنها صفية. مع أنه ليس هناك داعٍ أصلاً لأن يسأله أحد، لكن النبي صلى الله عليه وسلم خشي أن يقذف الشيطان في قلب الصحابيين أمر سوء عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا فيه دليل على أن دفع الريبة مشروع، أن من حامت حوله ريبة فعليه أن يظهر من الكلام أو الرد أو القول ما يطرد به الريبة.