إسلام ويب

المجاهدون في أفغانستانللشيخ : سعد البريك

  •  التفريغ النصي الكامل
  • وضح الشيخ في هذه المادة أحوال الجهاد والمجاهدين في أفغانستان، من حيث قلة عددهم وعتادهم، والمؤامرة الدولية عليهم، وغدر الروس بهم، وناشد المسلمين في نهايتها أن ينصروهم بما يستطيعون.

    1.   

    أحوال الجهاد في أفغانستان

    الحمد لله القائل في محكم كتابه: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ [التوبة:73].

    أحمده سبحانه حمداً يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، جل عن الشبيه والمثيل، والند والنظير، ليس كمثله شيءٌ وهو السميع البصير، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم البعث والنشور.

    عباد الله: اتقوا الله تعالى حق التقوى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

    معاشر المؤمنين: لا يخفاكم أن الجهاد في سبيل الله بالأموال والأنفس عبادةٌ من أَجَلِّ العبادات في هذا الدين، بل هو ذروة سنامه التي بها يجد المسلمون حلاوة العزة، وَصِدْقَ الوعد من الله جل وعلا بالعز والنصر والتمكين، يقول سبحانه: قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ * وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [التوبة:14-15].

    ولما طال انقطاع العهد واتصال البعد عن الجهاد في سبيل الله من الأمة الإسلامية في هذا العصر حقبةً طويلةً من الزمن، اطمأن أعداء الإسلام فيها إلى تدبير مخططاتهم، وأمنوا بأس المسلمين وشوكتهم خلالها، ولئن طال ذلك فإن فجراً بالجهاد قد لاح وظهر، وإن رايات العزة والكرامة قد رفعت ورفرفت على أرض أفغانستان المسلمة، تلك الأرض الجريحة التي جُرحت بمناجل الشيوعية ، وضربت بمطارق الإلحاد، لكن ذلك لم يزد المجاهدين إلا قوةً وصلابة.

    أيها الأحبة في الله! يا معاشر المسلمين المطمئنين الوادعين في أوطانكم! المتلذذين بألوان النعم في بيوتكم ومفارشكم ومراكبكم ومآكلكم ومشاربكم!

    يا معاشر المؤمنين: هل تظنون أن إعلاء راية الجهاد أمرٌ هينٌ أو يسير؟ هل تظنون أن جهاد الكفار، أن جهاد أعداء أمة الإسلام يتحقق بالصيحات والشعارات والمنظمات والسب والشتائم؟ لا. وألف لا.

    إن إعلاء راية الجهاد -يا عباد الله- يعني التضحية .. بكل ما تعنيه هذه الكلمة من معنى؛ التضحية بالنفس والنفيس، التضحية بالأموال وبالأوطان وبالأولاد، والتضحية بالذرية، والتضحية بالشرف وبالنعيم.

    تضحيات المجاهدين

    أيها الأحبة: منذُ سنواتٍ تسع، وأحبابكم الذين رسموا صور العزة في جبين هذا الزمان، أحبابكم المجاهدون في أفغانستان، الذين تجافت جنوبهم عن سهل الأرض إلى وعر الجبل، بعد تدخلٍ شيوعيٍ أطاح بحكوماتهم، وأحلهم أحزاباً شيوعيةٍ مستبدةٍ غاشمة أتت على الأخضر واليابس، واعتدت على الزوجات، والمحارم والنساء والذريات، وأذنت للعدو الروسي والحاقد الشيوعي أن يتدخل في أرضها، وأن يحل بساحتها فساء صباحها، وادلهم ظلامها، لقد رفعت راية الجهاد في أفغانستان مقرونةً بالتضحيات، أتدرون ما هي التضحية؟ إنهم الشهداء.. إنهم المهاجرون.. إنهم الجرحى.. إنهم المشوهون والمعاقون.. لقد سقيت أرض الجهاد في أفغانستان بدماءٍ زكية، دماء مليون وسبعمائة ألف شهيد، نحتسبهم عند الله من الشهداء، وغرست أطرافهم وأشلاؤهم، أيديهم وأرجلهم المبتورة والممزقة تربة أرض الجهاد، حتى إذا جاء الأبناء ليزرعوا وحفروا الأرض ووجدوا رِجلاً أو قدماً، أو وجدوا شلواً ممزعاً، علموا أن البلاد حررت بالتضحية، وحررت بالدماء والأشلاء.

    لقد هاجر الضعفاء والعزّل والأبرياء، هاجروا عن البيت والأرض والوطن، فالحال الآن في أفغانستان تنبئك به الملامح والقسمات قبل أن تتلفظ الشفاه بالكلمات، فما من بيتٍ إلا وقدّم أباً أو أماً، أخاً أو طفلاً، ففي كل بيتٍ مأتم، ومن كل دارٍ فقيد.

    غدر الروس بالمجاهدين والمؤامرة الدولية ضدهم

    أيها الأحبة في الله: الحال في أفغانستان بقدوم هذا الشتاء خاصة، مؤلمةٌ مؤلمةٌ والله جداً، خاصةً وأن القوى العالمية تمارس لعبةً من نوعٍ قذر لقطف ثمرة الجهاد، وإغلاق خطوط الرجعة على المجاهدين لقتلهم وتدميرهم في مواقعهم وثكناتهم، ولكن يأبى الله ذلك ورسوله والمؤمنون، منذُ أن أعلنت اتفاقية جنيف، وتناقل الناس أنباء انسحاب الجيش الروسي، تلك الأنباء الكاذبة، ومتى وعدت روسيا فأوفت؟! ومتى عاهدت فنفذت؟! ومتى تكلمت فصدقت؟! منذُ أن تناقل الناس أنباء انسحاب الجيش الروسي، تلك الأنباء الكاذبة، ظن الكثيرون من المسلمين، أن ساحات الجهاد خلت من القصف والنار، وأن الرصاص قد هدأ زئيره، وأن المدافع قد كممت أفواهها، وأن المجاهدين قد عادوا إلى حياة الاستقرار والطمأنينة، ولم يبق إلا أن يدخلوا عاصمة الوطن كابول.

    هكذا ظن من انْطَلَتْ عليه اللعبة والحيلة، ولقد انطلت والله، أتدرون إلى أي حدٍ وانطلت ومضت هذه اللعبة علينا معاشر المسلمين؟ لقد قل دعم المسلمين لإخوانهم المجاهدين في أفغانستان بعد أن أعلنت أنباء الانسحاب الكاذبة، قل الدعم وانخفض إلى نسبة 50% أي نصف الدعم الذي كان يتلقاه إخوانكم منكم! مضى وذهب نصفه من جراء كذبةٍ ولعبةٍ دولية في ظروفٍ إخوانكم فيها أحوج إلى الدعم أضعاف أضعاف ما كانوا عليه من قبل، لئن كانوا يتلقون دعمكم فيما مضى، فإن قتالهم كان على جبهاتٍ بعيدة، أما الآن وقد انخفض دعمكم، وقلت معونتكم، فإنهم الآن يمارسون حرب المدن، أخطر أنواع الحروب، إنهم الآن يشهدون فتوحاتٍ كثيرة وانتصاراتٍ عظيمة، مع تضحياتٍ هائلة وأخطر من هذا كله -يا عباد الله!- انخفاض نسب المؤن والأغذية الموجودة في المنطقة إلى حدٍ ينذر بالخطر والكارثة، إلى درجة أن الاتحاد السوفيتي ما عاد يدعم كل أعضاء الحزب الشيوعي الحاكم، بل اكتفى بدعم الجيش الروسي والجيش العميل فقط، هذا فيما يتعلق بالمؤن والأغذية.

    أما السلاح والرصاص! أما النار والدمار!! ففي كل شبرٍ لغم، وفي كل أرضٍ مدفع، وفوق كل سماءٍ طائرة.

    أيها الأحبة: ماذا عن المؤامرة الدولية على قضية الجهاد في أفغانستان؟ لا زالت روسيا تخالف بنود اتفاقيتها مخالفةً واضحة كالشمس في رابعة النهار، فالطائرات تقلع من مطارات الاتحاد السوفيتي، وتضرب القرى والمدن المليئة بالأبرياء والأطفال، والعزل والعجائز، والشيوخ والمرضى، وحسبكم ما سمعتم خلال عشرة أيام: أن قريةً من قرى قندهار ضربت بصواريخ اسكود بعيدة المدى، راح ضحية ذلك القصف ما يزيد على ثلاثمائة نسمة بريئة؛ بين امرأة وفتاةٍ، وطفلٍ وشيخٍ وعجوز، بل وأسوأ من هذا أن الروس قد أرسلوا ثلاثين طائرة من طراز ميج 27 تضرب القرى والمدن ومواقع المجاهدين من بعد 240 كيلو متر، أسقط المجاهدون منها حتى الآن طائرتين فقط، أما تلك الصواريخ؛ صواريخ اسكود، فقد استخدم الروس منها لضرب جاج من جديد، ولضرب كولر وباجور وجلال آباد، استخدموا عشرين صاروخاً لضرب هذه المناطق الصغيرة.

    احتياج المجاهدين للعدة والعتاد

    أيها الإخوة في الله: إن إخواننا في أفغانستان يخاطبون فينا الولاء لدين الله، يخاطبون فينا الولاء لجند الله، يخاطبون فينا البراءة من أعداء الله، إنهم يخاطبون فينا حمية المسلم لأخيه، إنهم يدعوننا من قعر أوديةٍ من الدماء سالت، ويدعوننا باسم أشلاءٍ من الأبدان تطايرت، ويدعوننا من جماجم إخوانكم التي داستها المجنـزرات، ووطأتها الدبابات، إنهم ينادونكم بدموع اليتامى التي بلت الثرى، ولم تجد يداً حاميةً تتلقف دمعةً أو تمسح رأس يتيم، هل من الحمية والشيمة .. هل من النخوة والإباء .. هل من الكرم والجود أن نتفرج على كربتهم؟ أن نشاهد أفلام أحداثهم فقط؟

    يقول سيد: إن الذي يتفرج على كربة أخيه يدفع الغرامة ضعفين.

    فلا تتفرجوا معاشر المسلمين، من لإخوانكم بعد الله إلا أنتم ..

    من للثكالى إذا ناحت نوائحها     من للجراح التي استشرت بوادينا

    من لليتامى إذا سالت دموعهمُ     على الخدود وقالوا من يواسينا

    أتتركون إخوانكم الذين يصيحون؟! الذين يصرخون؟! الذين يئنون ويتأوهون؟! يصيحون قائلين:

    أنموتُ في كف اللئام وأنتمُ          حولي ولم يهززكم استنجادي

    ونبيتُ لا ندري أنصبح بعدها     أم أن عين الموت بالمرصادِ

    يا نائمين على الحرير وما دروا     أنَّا ننام على فراش قتاد

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ * إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ * إِنْ يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا وَيُخْرِجْ أَضْغَانَكُمْ * هَا أَنْتُمْ هَؤُلاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ [محمد:35-38].

    بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما تسمعون وأستغفر الله العلي العظيم الجليل الكريم لي ولكم، فاستغفروه من كل ذنبٍ إنه هو الغفور الرحيم.

    1.   

    وجوب مناصرة المجاهدين في أفغانستان

    الحمد لله منـزل الكتاب، وهازم الأحزاب، ومنشئ السحاب، وخالق خلقه من تراب، نحمده سبحانه لا إله إلا هو عليه توكلت وإليه مآب، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.

    عباد الله: اتقوا الله تعالى حق التقوى، تمسكوا بشريعة الإسلام، وعضوا بالنواجذ على العروة الوثقى، اعلموا أن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ في الدين ضلاله، وكل ضلالةٍ في النار، وعليكم بجماعة المسلمين فإن يد الله مع الجماعة، ومن شذ شذ في النار، عياذاً بالله من ذلك.

    أيها الأحبة في الله: إن الأوضاع الدولية المحيطة بـأفغانستان، لهي والله لا تبشر بخيرٍ في هذه الأيام، فأنتم تعرفون دولةً كانت هي المنفذ والمعبر الرئيسي لدخول المؤن والعدد والعتاد لإخوانكم المجاهدين، قد تغير نظام الحكم فيها، ونسأل الله جل وعلا ألا يكون هذا التغير سبب شؤمٍ أو نذير خطرٍ على إخواننا في أفغانستان، وإن كنا لا نشك أن من سلف خير ممن أتى، إن حكومة ضياء الحق رحمه الله رحمةً واسعة، وأدخله فسيح جناته، ورفع منازله وعظم أجره، ونور ضريحه، إن ذلك الرجل كان أُماً حانيةً على الجهاد، وأباً شفيقاً بالمجاهدين، وكانت أرضه مأوى للمهاجرين، والضعفاء والأبرياء والمساكين، والآن لا ندري ما هو شأن أولئك بعد أن تغير النظام هناك، إلا أننا لا نجزم بشرٍ أو بخير، ونسأل الله جل وعلا أن يحسن الأوضاع لصالح إخواننا المجاهدين.

    أيها الإخوة: من لإخوانكم إلا أنتم، أتنتظرون الدعم من دولةٍ وثنية مجاورة؟! أننتظر الدعم لإخواننا من دولةٍ وثنية؟! أو من دولةٍ شيعية؟! أو من دولةٍ روسية؟! أو من دولةٍ مضطربة؟! والله ثم والله! ووالله وتالله وبالله! ليس لإخوانكم بعد الله إلا أنتم، إن كانوا في خيرٍ فالفضل لله وحده، ثم لدعمكم، ثم لوقوفكم، ثم لجهادكم بأموالكم وأنفسكم، فلا تتركوا إخوانكم في نهاية المطاف، وخاتمة المصير، لا تبخلوا معاشر المؤمنين، فإن واقع التبرعات يشهد أنها انخفضت إلى حد النصف -ولا حول ولا قوة إلا بالله- في ظروفٍ تخلت فيها الدول أجمع إلا هذه الدولة، في ظروفٍ تخلت فيها فيها الأمم أجمع إلا هذه الأمة، نسأل الله جل وعلا أن يجعل ذلك في موازينها ورفعةً لدرجات ولاة أمرها وحكامها، ودفعاً للبلاء عن المسلمين أجمعين.

    أيها الأحبة: الطقس بارد، والجليد شديد، والثلج منهمر، والدماء لا زالت تسيل، والمدافع لا زالت تتحدث، والنيران لا زالت تنثر حممها على المخيمات والأبرياء والمدن، لا زال الجهاد بل عاد أشد مما مضى، وهي شنشنة أخزمية، وهي طريقةٌ معروفة في بداية الشتاء من كل فصل، ينـزل الاتحاد السوفيتي جام غضبه، وحمم نيرانه على المجاهدين في الظروف الباردة التي لا يستطيعون أن يتنقلوا فيها بطلاقة.

    فيا عباد الله: إن إخوانكم بأمس الحاجة؛ ما ظنك بريالٍ تدفعه يموت به شيوعيٌ من الملاحدة ، ما ظنك بدينارٍ تقدمه يبني ثكنة لإخوانك المجاهدين، ما ظنك بقرشٍ تقدمه يقدم لقمةً لجائع من الجائعين، ولمهاجرٍ من المهاجرين.

    أيها الأحبة في الله: إن الذين يتفرجون على كربة إخوانهم يدفعون الغرامة ضعفين، فلا تتفرجوا فتدفعوا، ولا تسكتوا فتبتلوا، وتذكروا قول الله جل وعلا: وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ [الأنفال:25].

    ساعدوا إخوانكم وتذكروا قول ربكم: وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ [آل عمران:140] الزمان دُولة، والأرض دول، والأمم دول:

    لكل شيءٍ إذا ما تم نقصان     فلا يغر بطيب العيش إنسانُ

    هي الحياة كما شاهدتهـا دولٌ     من سره زمنٌ ساءته أزمانُ

    وهذه الدار لا تبقي على أحدٍ     ولا يدوم على حالٍ لها شانُ

    يا راتعين وراء البحر في دعةٍ     لكم بأوطانكم عزٌ وسلطان

    أعندكم نبأٌ عن شأن إخوتنـا     فقد سرى بحديث القوم ركبانُ

    يا رب أمٍ وطفلٍ حيل بينهمـا     كما تفرق أرواحٌ وأبدانُ

    وطفلة ما رأتها الشمس إذ بزغت     كأنما هي يا قوتٌ ومرجانُ

    يقودها العلج للمكروه مكرهةً     والعين باكيةٌ والقلب حيرانُ

    لمثل هذا يذوب القلبُ من كمدٍ     إن كان في القلب إسلامٌ وإيمانُ

    أناسٌ يسهرون على الأفلام والمسلسلات، وأناسٌ يبيتون على قصف المدافع والطائرات. أناسٌ يتقلبون في الحرير، وأناسٌ يتلمظون أشواك القتاد. أناسٌ يشكون التخمة، ويعالجون أمراض السمنة، وأناسٌ يتضورون جوعاً، ويموتون ضمأً. أناسٌ يصمتون العرق عن جباههم من كثرة ملابسهم، ومشالحهم، وكنابلهم، وبطانياتهم، ومفارشهم، وأناسٌ يتقلبون في البرد القارس. أناسٌ يضيعون في دورهم ومنازلهم وقصورهم، وأناسٌ تخرق الريح جنبات خيامهم.

    عباد الله: أين قلوب المؤمنين عن واقع الجهاد؟! أين قلوب المسلمين عن إخوانهم؟! والله ثم والله! إن واحداً ممن أصيب جاء إلى هنا ليعالج -من يومين فقط، يوم الأربعاء، قبل أمس بالضبط- فجاءه الخبر أن أسرته قد ماتوا جميعاً من جراء قصف الطائرات، أمه وأبوه وإخوانه، الأطفال والبنات والفتيات، فلم يستطع أن يبقى، ويصيح ويقول: أخرجوني سأعود إلى أرض الجهاد، لا أريد علاجاً، لا أريد دواءً، لا أريد مئونةً، أريد أن أريق الدم على أرض الجهاد. إن إخوانكم في شأنٍ وفي محنةٍ وفي كربةٍ عظيمة لا يعلمها إلا الله، إن كنتم تتألمون لواحدٍ ممن تعرفونه وهو مسجون هناك أو سجينٌ هنا، فإن السجين هنا، إن كان لحقٍ أو لغرامةٍ مالية لا خوف على روحه؛ ولا يموت جوعاً ولا يشكو برداً، أما أولئك والله فمن كل شيءٍ يشكون، ومن كل صغيرٍ يتألمون، ولكل قليلٍ يحتاجون؛ بحاجةٍ إلى الدواء، بحاجةٍ إلى الكساء، بحاجةٍ إلى الطعام، بحاجةٍ إلى كل جهدٍ منكم يا عباد الله.

    ما بالنا وما حالنا، يسألنا الله جل وعلا في زمان عطّل فيه الجهاد، ورفع الأفغان فيه راية الجهاد: يا عبادي! ماذا قدمتم لإخوانكم؟ ما هي حميتكم لأبناء دينكم؟ فنقول: ضاعت الليالي في المسلسلات، أم مضت في المباريات، أم انتهت في المأكولات والمشروبات، يا خزية الجواب؟ ويا ضيعة السؤال! ويا محنة الإجابة! يوم نسأل عن إخواننا أمام الله جل وعلا.

    أيها الأحبة: والله إنها لأحوالٌ دامية، لقد ذهبت إلى إخوانكم في بداية محرم الذي مضى، والله ما كنت أحب أن أخبركم بهذا، لكن الواقع يشهد أن الجراح أليمة، كيف ينتقلون بمدفعيةٍ صغيرةٍ إلى جبهةٍ من الجبهات، يفككونها قطعةٍ قطعة، ويحملونها على أكتافهم، ويمشون على الجبل سبع ساعاتٍ يوماً، ويوماً وليلة، لكي ينصبوا المدفعية الصغيرة التي تطلق شراراً صغيراً، يحاربون به طائرة الميج، أو طائرة السوخوي، أو صواريخ اسكود، إن الكفة ليست متوازنة، لكنها من عند الله راجحة ومنتصرة وغالبةٌ وقوية، في فجر هذا اليوم، اتصل مندوب الجهاد للشيخ سياف وسأله عن الأوضاع، قال: والله! إن أوضاعنا سيئة، وأحوالنا والله سيئةٌ جداً، لكننا في أتم الثقة أن إذا انقطعت أسباب البشر انفتحت أسباب السماء، وإذا أغلقت أبواب البشر انفتحت أبواب الدعاء، وإذا انقطعت المؤن من الأرض توالت المؤن من الله جل وعلا. وهذا يقوله بلسانه، وهذا امتحانٌ لنا ولإخواننا.

    نعم أيها الأحبة: إنه امتحان للمجاهدين في ثباتهم: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ [البقرة:214].

    أيها الأحبة: إنني أدعوكم وأخاطبُ فيكم حمية الإيمان، وأخاطب فيكم فطرة الإسلام، وأخاطب دماً أصيلاً ينبض في قلوبكم، ويجري في عروقكم، أن تنفضوا جيوبكم لإخوانكم، وأن تقدموا دعمكم وتبرعاتكم، ومن لا يجد اليوم شيئاً فليأتِ به في غد، ومن لم يجد في غد فليأتِ به بعد غد، إننا في حالة نفير، إننا في حالة استنفار، إنها حالة طوارئ، فكلٌ يقدم لإخوانه، ووالله لا خير فينا إن لم نقف لإخواننا، كم بذل النصارى لنصرانيتهم؟ كم بذل اليهود ليهوديتهم؟ كم بذل الفجار لفسقهم؟ كم بذل الكفار لفسادهم؟ ماذا تبذلون لدينكم؟! ماذا تقدمون لإخوانكم؟ ماذا تقدمون من مالكم؟ أيكون الريال أغلى من روح تطير في سبيل الله؟! أيكون الدينار أغلى عليكم من الأشلاء والأيدي والأرجل والأقدام؟! أتنتهك النساء، أيفعل الزنا بالبريئات جهاراً نهاراً وأنتم ها هنا في دعةٍ واستقرار؟!!

    فاتقوا الله في حال إخوانكم، ولتسألن والله عنهم.

    اللهم انصرهم، اللهم انصرهم، اللهم انصرهم، اللهم أنزل السكينة على قلوبهم، اللهم ثبت أقدامهم، اللهم انقطعت أسبابنا وبقيت أسبابك يا رب السماوات والأرض، اللهم أغلقت أبوابنا وتفتحت أبوابك يا رب السماوات والأرض، اللهم انقطع الأمل في كل مخلوق، والأمل فيك باق لا يزول يا رب العالمين، اللهم لا تكل إخواننا إلينا، اللهم لا تكلهم إلى بشر، اللهم كلهم إلى قوتك ودعمك وفضلك ومنّك يا رب العالمين، اللهم إنَّا نشكو إليك قلة حيلتهم، وفقر جيوبهم، وضعف أبدانهم، وقلة سلاحهم، وندرة طعامهم وشرابهم، والبرد القارس في بلادهم، اللهم آمن روعاتهم، وثبت أقدامهم، واجمع شملهم، ووحد صفوفهم، اللهم عجل بشائر نصرهم، اللهم أهلك عدوهم، اللهم عليك بـالملاحدة الذين لا يعترفون بوجودك، اللهم عليك بالشيوعيين وأذنابهم، اللهم عليك باليهود وأعوانهم، اللهم ارفع الكربة عن إخواننا في أفغانستان ، اللهم عجل نصرهم، وأقم دولتهم.

    أيها الأحبة: إنها الضربة الأخيرة! إنها الهجمة الخاتمة! إن لم نقف معهم فمن يقف معهم؟؟!

    اللهم انصر المجاهدين في فلسطين، اللهم ارحم المستضعفين في الفليبين، اللهم انصر المجاهدين في كل مكان، اللهم أنت الله لا إله إلا أنت، أنت الغني ونحن الفقراء إليك، اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم أغثنا غيثاً هنيئاً مريعاً، سحاً غدقاً نافعاً غير ضار.

    اللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا وأجدادنا وجداتنا، اللهم لا تدع لأحدٍ ذنباً إلا غفرته، ولا هماً إلا فرجته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا مبتلى إلا عافيته، ولا مجاهداً إلا نصرته، ولا تائباً إلا قبلته، ولا غائباً إلا رددته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا حيران إلا دللته، ولا عقيماً إلا ذريةً صالحةً وهبته، ولا أيماً إلا زوجته، بمنّك وكرمك يا أرحم الراحمين.

    اللهم صلّ وسلم وزد وبارك على نبيك محمدٍ وعلى آله وصحبه.

    إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تتذكرون، فاذكروا الله العلي العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على آلائه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون ...