إسلام ويب

قدر الأمةللشيخ : سعد البريك

  •  التفريغ النصي الكامل
  • كثيرة هي الشعارات التي ترفع، ولكن قليل هي الصحيحة منها. كثير هم من يسيرون وراء الراية الكاذبة، ولكن صحيح القول وسلامة المنطق تلزمنا أن نعتقد أن ما نسمعه من أولئك إنما هو عن جهل، أو هم مرتزقة يستطيعون أن يسوقوا الآلاف من الرعاع؛ ليجولوا بهم الشوارع بشعارات جوفاء. ومهما رفعت من رايات فلن تنتصر إلا راية تحمل شعار: لا إله إلا الله محمد رسول الله.

    1.   

    شعارات كاذبة ورايات خادعة

    الحمد لله الذي بأمره تنسف الجبال نسفاً، فتكون قاعاً صفصفاً لا ترى فيها عوجاً ولا أمتا، الحمد لله الذي تكون الأرض قبضته يوم القيامة والسماوات مطوياتٌ بيمينه، الحمد لله الذي بأمره تنكدر النجوم وتنفطر السماء وتسجر البحار وتفجر، الحمد لله مالك الملك يؤتي الملك من يشاء وينزع الملك ممن يشاء، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له؛ واحدٌ في ربوبيته، فهو المدبر المتصرف ولا مدبر ولا متصرف في هذا الكون معه، واحدٌ في ألوهيته فالسجود له والتوكل عليه والإنابة إليه، والحلف والاستعانة به وحده سبحانه، ولا يجوز صرف صغيرٍ من العبادة ولا كبيرٍ منها إلا لوجهه سبحانه، ومن صرف لغيره من ذلك ولو كان صغيراً فقد أشرك، واحدٌ في أسمائه وصفاته: وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [الأعراف:180] وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بلَّغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، وعبد ربه مخلصاً حتى أتاه اليقين، صلى الله عليه وعلى آله وأزواجه وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.

    عباد الله: اتقوا الله تعالى حق التقوى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً [النساء:1].

    طاغية يرفع شعار الحرية

    معاشر المؤمنين: إن طواغيت هذا الزمان، وظلمة هذا العصر من الذين تسلطوا على رقاب شعوبهم فساموهم ألوان الهوان، وساموهم أنواع الخس والعذاب، وجروهم إلى عداوة الدنيا بأجمعها، ولا يخفاكم شأن هذا، إنه شقي العراق ولعل قول الله جل وعلا: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ * جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ [إبراهيم:28-29] لعل هذه الآية ممن ينطبق فيه، وقول الله جل وعلا: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ * وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ * وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْأِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ [البقرة:204-206].

    هذه والله أيضاً مما ينطبق على حال ذلك الشقي الطاغية، الذي رفع شعارات جوفاء، ظاهرها الحرية، وباطنها الظلم والاستعباد، ظاهرها المساواة وباطنها العنصرية، ظاهرها الاشتراكية وباطنها الأثرة والسرقة والاستبداد، وأخبث من هذا وأفجر أن يرفع لواء الجهاد من لا يُحكِّم شريعة الله، وأخبث من هذا وأفجر من يرفع راية الجهاد زوراً وبهتاناً، من تعبد القبور في بلاده ويسجد لها ويطاف بها ويذبح لها وينحر لها ويتجمع الناس عندها، ويسألونها تفريج الكربات وجلب الحاجات، ومع هذا يرفع شعار الجهاد وراية الجهاد، أخبث من هذا وأفجر أن يرفع هذه الراية من يحكم القوانين الرومانية الوضعية، أخبث من هذا وأفجر من يعدم أربعمائة شابٍ جمعوا تبرعاتٍ لـأفغانستان أو كانوا عندهم شيءٌ من التوجه إلى الجهاد في أفغانستان فأعدموا عن بكرة أبيهم، أخبث من هذا وأفجر أن يرفع راية الجهاد من يصنع الخمور في بلاده ويفاخر في تصنيعها معتقةً ينافس بها أنواع الخمور المصنعة في مختلف البلدان، أخبث من هذا وأفجر أن يرفع راية الجهاد من يقتل العلماء غيلةً وعدواناً وظلماً وفجوراً، أين شعوب المسلمين؟ أين الشارع الإسلامي؟ ذلك الذي يسمى شارعاً وليس فيه إلا ذكورٌ لا رجال، كيف يطبلون وراء هذا الطاغية.

    وإن من صحيح القول وسلامة المنطق أن نعتقد تمام الاعتقاد أن ما نسمعه من أولئك الذين يسيرون خلف هذه الراية المزيفة إما جهلةٌ لا علم لهم بأدنى حقائق الأمور، ولا ربط عندهم في سباق الأمور ولحاقها، وإما مرتزقة تستطيع أن تسوق الآلاف، بل مئات الآلاف منهم يوم أن تتجول في أحيائهم وتعطيهم قطع الدنانير والدريهمات ليخرجوا لك في مسيرةٍ يؤيدونك فيما تريد.

    جماهير المظاهرات لا عقول لها

    إنها لمن مصائب الأمة أن تغتر الأمة وأن يقل الفهم والوعي عند رجالها إلى حدٍ أصبحوا يظنون أن هذا الرجل أصبح رافعاً لراية الجهاد حقاً بلا ريب، معاذ الله من هذا الهراء! وعياذاً بالله لعقول المسلمين أن تقع في هذا!

    إن الجماهير لا عقول لها، إن الغوغاء لا عقول لها، إن المظاهرات لا عقول لها، إن المسيرات لا عقول لها، واحدكم لو دخل في مظاهرةٍ أو مسيرةٍ قوامها أربعة آلاف أو خمسة آلاف ثم أصبحت هذه المسيرة تردد شعاراً معيناً، ولو كان في قلبه أن يخرج لهذه المسيرة لغرض غير هذا، فيسجد نفسه لا محالة يردد شعار المسيرة كالببغاء، ويقلد كالقردة خلف قائد المسيرة بعبارات وشعارات وألفاظ ومنطقٍ أجوف لا يدري ما معناه، هذا أمرٌ مجربٌ مشاهدٌ ملحوظٌ، ومن خبر الناس وعرفهم وحادث من يعيشون في تلك البلدان التي تطبق هذا النوع من المسيرات والمظاهرات عرف أن الغوغاء لا عقول لها، والجماهير ساذجةٌ بسيطة لا عقول لها يوم أن تخرج بالجموع وتردد ما تعقل وما لا تعقل.

    وهنا اسمعوا أحسن الكلام، يقول الله جل وعلا: قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ [سبأ:46] أي: الذين يرددون ويسيرون خلف الجموع لا يتفكرون أبداً، ويوم أن يقومون مثنى وفرادى ويتفكرون ما يردد في هذه المسيرة، ويردد في تلك المظاهرة يدركون ويعلمون أنهم يرددون ما لا يفقهون وما لا يعقلون، ولكن: وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ [يوسف:103].

    إن عامة الناس يوم لا ينتبهون إلى الحق بعد بيانه لا يضرون الأمة شيئاً، ذلك أن الله جل وعلا، وأن النبي صلى الله عليه وسلم قد بين في سنته أنه قد تضل أمم عن الحق قاطبة فلا غرابة: وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ [يوسف:106] .. (وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [الأنعام:116] ذلك أن العبرة ليست بالجموع، وإنما العبرة بالعقول، فلا تذهب أنفسكم حسرات ولعل أحدكم باخعٌ نفسه على آثارهم أن يخرج عددٌ من المسلمين في جهلٍ وغباء يرددون شيئاً من هذه الشعارات الجوفاء، لا.

    يوم أن تظهر الحجة وتبين المحجة حينئذٍ يهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة.

    1.   

    ما قدر الله إلا بحكمة ورحمة وعدل

    أمة الإسلام: ينبغي أن نحمد الله على كل حال، ولو كنا في حال الحرب، ولو كنا في حال الدماء، ولو كنا في حال التضحيات، نحن أمةٌ تحمد ربها على كل حال، الحمد لله الذي لا يحمد على مكروه سواه، كيف لا نحمده في هذا القدر العظيم الذي ما تخلفت عنه حكمته جل وعلا، وهل تظنون أن قدر الحرب قدرٌ لا حكمة فيه؟

    تعالى الله عن ذلك، من قال: إن هذه الحرب بغير قدر فقد كفر ومن قال: إنه قدرٌ بغير حكمة فقد كفر، إن المؤمنين يؤمنون بأن قيام الحرب بقدر: إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ [القمر:49] ويقول تعالى: مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ [الحديد:22] هذه الحرب مقدرة.

    إذاً: في صميم عقيدتنا أن ما يدور الآن بقضاءٍ وقدر.

    والقضايا بقضاءٍ وقدر     والليالي عبرٌ أي عبر

    وبعد ذلك أتظنونه قدرٌ بغير حكمة؟ لا.

    يقول ابن تيمية: " إن الله جل وعلا ما قدر في الكون قدراً إلا وله سبحانه فيه تمام الحكمة، لأن الله سبحانه لا يقدر عبثاً، وما يقدر قدراً إلا وله فيه تمام العدل لأن الله لا يقدر ظلماً، وما من قدرٍ يقدره في الكون إلا وله فيه تمام الرحمة، لأن الله رحمته سبقت غضبه ورحمته وسعت كل شيء ".

    فالحمد لله على قدر الله في سلمٍ أو حرب، وأمة الإسلام ينبغي أن تواجه قدرها، ألم يواجه النبي صلى الله عليه وسلم قدر بدر والصحابة يودون أن غير ذات الشوكة تكون لهم، ألم يواجه قدر أحد وقد كسرت ثنيته وشجت رباعيته ودخلت حلقتان من حلق المغفر في وجهه الكريم صلى الله عليه وسلم، واجه قدره وهو المعصوم صلى الله عليه وسلم.

    وهكذا واجهت الأمة قدرها في خندق الأحزاب وبني قريظة وبني النضير وبني المصطلق، في جميع الغزوات واجهت الأمة قدرها وكان شأنها خيراً، وباءت وعادت بالخير والفضل، وانقلبت بفضل من الله ورضوان لم يمسسهم سوء، من مات منهم لم يتجاوز يومه وإنما أكرمه الله بموته شهيداً، ومن عاد منهم عاد سعيداً ما رضي بالذل والهوان خوفاً على النفوس والأرواح؛ القادسية وحروب الردة وقتال المرتدين من مانعي الزكاة، واليرموك ، وبلاط الشهداء ، وعين جالوت ، وكل معارك الإسلام خاضتها أمة المسلمين وخاضها قادتهم مستسلمين راضين يحمدون قدر الله جل وعلا فيهم، فلماذا تتردد الأمة أو يصيب بعض أبنائها شيئاً من الألم أو من الحسرة على هذا الحال؟ لا والله. بل نحمد الله جل وعلا، وشأن أمة الإسلام يوم أن تواجه هذا القدر وهي تذكر قول الله جل وعلا: إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ [النساء:104] لأن المعركة فيها جراح وقتلى ودماء، ولكن أمة الإسلام تتذكر قول الله جل وعلا: إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ [النساء:104] .. إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ [آل عمران:140].

    يا أمة الإسلام: ينبغي أن نحمد الله جل وعلا، وأن نعيش غاية الأمن وغاية الطمأنينة في النفوس قبل البيوت، وفي البيوت قبل الأحياء، وفي الأحياء قبل المجتمعات، وفي المجتمعات قبل الدول، وفي الدول قبل سائر الأمور جميعاً.

    نحن أمةٌ ما خرجت عن قدرها فلماذا هذا الجزع؟ ولماذا هذا الهلع؟ ولماذا هذا الخوف؟

    خرجنا إلى الموت شم الأنوف     كما تخرج الأسد من غابها

    نمر على شفرات السيوف     ونأتي المنية من بابها

    ونعلم أن القضا واقعٌ     وأن الأمور بأسبابها

    ستعلم أمتنا أننا     ركبنا الخطوب حناناً بها

    فإن نلق حتفاً فيا حبذا     المنايا تجيء لخطابها

    وكم حيةٍ تنطوي حولنا     فننسل من بين أنيابها

    هذا نشيد أبنائكم، وهذا شعار سلفكم، فلماذا تتردد الأمة عن مواجهة أقدارها بكل صبرٍ وشجاعة، هل ظننتم أن الجبن يطيل في الأعمار؟ أم أن الشجاعة تقصر في الأعمار؟

    فلسنا على الأعمار تدمى كلومنا     ولكن على أعقابنا تقطر الدما

    ترددت أستبقي الحياة فلم أجد     لنفسي حياة مثل أن أتقدما

    ويقول سعد رضي الله عنه: [احرص على الموت توهب لك الحياة].

    عبد الله بن رواحة رضي الله عنه لما خرج إلى المعركة ووجد في نفسه شيئاً لا يذكر قال:

    أقسمت يا نفسي لتنـزلنه

    لتنـزلنه أو لتكرهنه

    قد أجلب الناس وشدوا الرنة

    ما لي أراك تكرهين الجنة

    يا نفس إلا تقتلي تموتي     هذا حِمام الموت قد صليت

    وما تمنيت فقد أعطيت     إن تفعلِ فعلاهما هديت

    يا حبذا الجنة واقترابها     طيبةً وباردٌ شرابها

    والروم روم قد دنا عذابها

    ونحن نقول:

    والبعث بعثٌ قد دنا عذابهـا     كافرةٌ بعيدةٌ أنسابها

    عليَّ إذ لا قيتها ضرابها

    يا معاشر المؤمنين: نحمد الله جل وعلا على كل حال، عجباً لكم! عجباً لكم! عجباً لكم! بقول نبيكم صلى الله عليه وسلم: (عجباً لأمر المؤمن إنه أمره كله له خير: إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له) ففي كل الأحوال أنتم على خير وفي خير وبخير، نحمد الله جل وعلا على مقاديره، ونسأله اللطف والعون والنصر والثبات والتأييد.

    اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم احمِ حوزة الدين، واحفظ أرواح المؤمنين، واحقن دماء المسلمين، اللهم أهلك البعثيين، اللهم أهلك طواغيت البعث وحرسهم الجمهوري، اللهم أرنا فيهم عجائب قدرتك، اللهم لقد ضجت الحيتان من بغيهم، وضجت الطيور من ظلمهم، وفزع الأطفال من فعلهم، اللهم فأفزعهم وسلط بعضهم على بعض، واقتلهم بأيديهم، وأنزل بهم بأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين.

    بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

    1.   

    أكلة تداعت إلى قصعتها

    الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشانه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.

    عباد الله: اتقوا الله تعالى حق التقوى، وتمسكوا بشريعة الإسلام، وعضوا بالنواجذ على العروة الوثقى، اعلموا أن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة؛ وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالة في النار، وعليكم بجماعة المسلمين، فإن يد الله مع الجماعة، ومن شذ شذ في النار عياذاً بالله من ذلك!

    معاشر المؤمنين: حينما تدلهم الخطوب، وحينما تختلف الأقوال والآراء، ينصر الله أمة الإسلام بسديد القول من صالح العلماء في هذه المعركة الدائرة التي اختلطت فيها المصالح الدولية، واختلطت فيها الأهداف المختلفة، ووجب فيها الجهاد في سبيل الله جل وعلا.

    يعيش بعض شباب المسلمين حيرةً لا يعرفون وجه الجهاد في هذا الأمر، ألا فاعلموا يا شباب الإسلام! ألا فاعلموا يا أمة الإسلام! أن الحرب الدائرة فيها جهادٌ في سبيل الله وبيان وجهه يأتي، وفيها مصالح دولية؛ مصالح لنا ومصالح لغيرنا، وقد انجلى الصبح لذي عينين، وفيها نعمة من الله بقهر وتفتيت قوةٍ غاشمةٍ ظالمة، لا ينتظر بديلاً لها حكومةً صالحة، إنما البديل أخبث من ذي قبله، أو يكون مساوياً له، أو على الأقل لا رحمة للإسلام والمسلمين في بقاء قوته:

    البعث بعثٌ في العراق وغيـره     تتواصل الأسباب بالأسباب

    أما وجه المصالح الدولية فلا يخفاكم أن هذا الذهب الأسود الذي جعله الله متدفقاً في بلادكم الذي جعله الله في أرضكم ولو شاء الله لجعله بعيد المنال عنكم: قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْراً فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ [الملك:30] إن هذا الذهب المتدفق في أرضكم تعلقت به مصالح الأمم أجمع؛ أليس من الحكمة أن يحرص كل ذي مصلحةٍ على أن يحافظ على مستقبل حضارته ومصير أمته كافرةً كانت أو مسلمة؛ لأن الحياة مطلبٌ لجميع من دب على وجه الأرض سواء من البشر أو من البهائم أو من الحيوانات والحشرات، الحياة مطلبٌ طبيعي.

    وأما تفتيت هذه القوة فإننا نسأل الله جل وعلا أن يكون فيه خيراً للإسلام والمسلمين؛ لأننا وقد تكشفت لنا عداواتٌ مختلفة لا نرى في بقاء قوةٍ غاشمةٍ ظالمة صلاحاً للإسلام والمسلمين، وليطبل من يطبل، وليطنطن من يطنطن، وليردد من يردد في مختلف الجرائد والمجلات والإذاعات ووسائل الإعلام، ليقولوا ما يقولوا، ليست النائحة الثكلى كالنائحة المستأجرة، والله لو أن أولئك الذين أخذوا يبكون على قوة العراق، ويذرفون دموع التماسيح على آلتها العسكرية لو أنهم قتلوا يوماً ما بها، لو أنهم انتهكت أعراضهم بها، لو اغتصبت بناتهم بها، لو دنست أراضيهم بها، لو سفكت دماؤهم بها، لو أهينت كراماتهم بها، لقالوا أبيدوا العراق ومن على وجه العراق أجمع، ولكننا نقول: نسأل الله أن يحفظ دماء الأبرياء من العزل المدنيين، وأن يهلك هذه القيادة الغاشمة الظالمة، وحزب البعث معها وحرسها الجمهوري الذي تسلط في هذا الزمان.

    هذا شأن المؤمنين وهذا شأن المسلمين: قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا [سبأ:46] لا تقلدوا ولا تتبعوا صوت الناعقين في الإذاعات والمجلات والصحف ووسائل الإعلام، لا تفكروا مثنى وفرادى: ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ [سبأ:46] هذه أحوالٌ ينبغي أن يقدم الفكر فيها على العاطفة، حينما نسمع مسيرةً قامت تأييداً للمجاهد العدل الأكبر الذي أصدر خمسةً وثلاثين ألف تصريح لبارات الخمر في العراق، أهذا مجاهدٌ تمشي مسيرةٌ في تأييد شأنه، لو قلنا لأولئك الذين خرجوا في هذه المظاهرة: هل فيكم واحدٌ انتهكت بكارة بنته ظلماً وعدوانا؟ لا. لو قيل لأحدهم هل أهينت كرامتك في بيتك؟ هل فعلت الفاحشة بك أمام زوجتك وبناتك كما فعل أولئك بالكويتيين أو ببعضهم أو بالمستضعفين في بلادهم؟ ليست النائحة الثكلى كالنائحة المستأجرة، لا يمكن.

    إذاً: فالذين يرددون ويطنطنون ما ذاقوا حرارة المأساة، وما مشوا على جمر المحنة وآلام الظلم والبغي والعدوان، إذاً فلماذا نردد ما لا نعقل ونقف موقفاً لا نتصور حقيقته، لو أريد لكل واحدٍ من أولئك الذين ساروا أو أيدوا في أنفسهم أو في إذاعاتهم أو في فكرهم لو قيل لأحدهم: جرب لوناً أو صنفاً أو طعماً من ألوان هذه المصيبة التي نزلت بإخواننا الكويتيين لما استطاع أن يطيق هذا، لوجه من يا طاغية العراق! أطفالٌ يموتون في الصحراء عطشى؟ أهذا لوجه الله؟ لوجه من يا طغاة البعث! نساءٌ عفيفاتٌ مستوراتٌ ينتهكن ويغتصبن؛ لوجه من يا طغاة البعث! تسرق ثروات أمة ويعلق أبناء المقاومة فيها على الرافعات كالمشانق؟ لأجل من؟ ولوجه من؟ نعم. للبعث الذي يقول قائله:

    آمنت بـالبعث رباً لا شريك له     وبالعروبة ديناً ماله ثان

    هكذا الذين يقول قائلهم:

    هبوا لي ديناً يجعل العرب أمـةً     وسيروا بجثماني على دين برهم

    حتى لو كنت نصرانياً أو يهودياً:

    هبوا لي ديناً يجعل العرب أمـةً     وسيروا بجثماني على دين برهم

    سلامٌ على كفرٍ يوحد بيننا     وأهلاً وسهلاً بعده بجهنم

    فقد مزقت هذه المذاهب شملنا .. مذاهب الشريعة .. مذاهب الفقه مزقت شملهم، من الذي يجمعهم ركن الوحدة في فقه البعث وعنصر الملة.

    فقد مزقت هذه المذاهب جمعنا     وقد أودعتنا بين نابٍ وميسم