إسلام ويب

دعوة للعملللشيخ : محمد الدويش

  •  التفريغ النصي الكامل
  • العمل عمود الحياة، فلا تقوم حياة الناس من غير عمل، ومن كان أكثر عملاً وأتقن فعلاً فهو الأسعد بالنجاح والفلاح. وقد أولى الإسلام العمل أهمية كبيرة في مصادره التشريعية، وتمثل ذلك في واقع أتباعه على مر العصور.

    1.   

    نعي لأخوين توفيا في حادث سيارة

    الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له.

    أما بعد:

    فبعون الله وتوفيقه نستأنف هذه الدروس المباركة مع بداية هذا العام الدراسي الذي نسأل الله سبحانه وتعالى أن يكون عام خير وبركة، وأن يرزقنا فيه العلم النافع والعمل الصالح.

    ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يعيننا على إتمام هذه الدروس، وأن يرزقنا الإخلاص في القول والعمل إنه سميع مجيب.

    عنوان هذا الدرس أيها الإخوة كما تعلمون جميعاً: (دعوة للعمل).

    وقبل أن نبدأ الحديث عن الدرس لعلكم تذكرون أنه في آخر الدروس في العام الماضي وعدنا بإكمال هذه الدروس أثناء الإجازة مفرقة، فلعلي أذكر لكم عناوين تلك الدروس التي ألقيت في الإجازة حتى يتيسر لمن أراد أن يرجع إليها.

    كان آخر هذه الدروس في العام الماضي هو الدرس السابع والذي كان بعنوان: (التربية الجادة ضرورة).

    وكان الدرس الثامن بعنوان: (كلانا على خير)، وألقي في الرياض في كلية إعداد المعلمين في التاسع والعشرين من شهر محرم.

    والدرس التاسع كان بعنوان: (التربية الذاتية)، وألقي في جدة في الثامن من شهر صفر.

    والدرس العاشر كان بعنوان: (عناية الشريعة بسد ذرائع الفاحشة)، وألقي أيضاً في جدة في التاسع من شهر صفر.

    والدرس الحادي عشر كان بعنوان: (الشباب والاهتمامات)، وألقي في عنيزة في الثاني والعشرين من شهر صفر.

    والدرس الثاني عشر كان بعنوان: (ماذا بعد الهداية)؟ وألقي في البكيرية بتاريخ الثالث والعشرين من شهر صفر.

    وآخرها الدرس الثالث عشر وكان بعنوان: (سوء الفهم آفة)، وألقي في الخرج في الثاني من شهر ربيع الأول.

    وهذا هو الدرس الأول في هذا العام وهو يمثل الرقم الرابع عشر من هذه الدروس المباركة، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يعيننا على إتمامها.

    وقبل أن أبدأ هذا الدرس لعلي أن أبث لكم خبراً لتشاركوني أحزاني ولتعذروني أيضاً عما يبدر من خلل في أداء هذا الدرس، فقد تلقيت عصر هذا اليوم نبأ وفاة أخوين من إخوانكم الذين كانوا يحضرون معنا هذه الدروس، وقد أصيبوا في حادث سيارة فتوفي منهم شابان وبقي بعضهم في المستشفى، منهم من هو في العناية المركزة، ومنهم من هو بصحة جيدة، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يرحمهم ويتجاوز عنهم، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يشفي مرضاهم.

    وحق على كل من حضر مثل هذا المجلس المبارك أو سمع هذا الكلام أن يدعو لإخوانه المسلمين، ونحن إذ يصيبنا الحزن والأسى ونحن نفقد أخوين من إخواننا نشعر أيضاً بالغبطة لهم على هذه الميتة التي نسأل الله سبحانه وتعالى أن تكون خاتمة حسنة، حيث كانوا في سفر -نحسبهم والله حسيبهم- يبتغون به وجه الله وطلب العلم في صحبة صالحة، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يكتب لنا وإياكم حسن الخاتمة، وقد صلي عليهم هذا اليوم بعد المغرب، ولقد فكرت في أن أذهب لأشهد الصلاة عليهم لكني كرهت أن أخلفكم الموعد، ولعل في الأمر خيراً أن ندعو لهم جميعاً، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يمن عليهم بواسع رحمته وعفوه وأن يتجاوز عنهم ويرفع درجاتهم، ونسأله سبحانه وتعالى أن يشفي سائر إخواننا المرضى والمصابين، وأن يجعل ذلك تكفيراً لسيئاتهم وذنوبهم، وأن يجعل ما يصيبنا من حزن وأسى لفقد إخواننا في تكفير سيئاتنا ورفعة درجاتنا إنه سميع مجيب.

    ويحق لي أن أحزن وقد فقدت أناساً من أعز طلابي وتلامذتي الذين كنت أراهم لثلاث سنواتٍ خلت يحضرون معي هذه الدروس، ويحضرون معي بعد الفجر، ويسألونني وأتحدث معهم، ولعل أحدهم الذي كان في غرفة العناية المركزة نسأل الله أن يمن عليه بالعافية كان من أكثرهم مداومة على هذه الدروس سواء هذا الدرس أو درس الثلاثاء، أو دروس ما بعد الفجر.

    ولا أنسى وقد حدثني بعد ثاني درس من هذه الدروس عن جهد وعمل قام به في مدرسته بعد محاضرتي على مقاعد الدراسة، إنني لا أتصور أني أنسى تلك الوجوه أو أن أنسى هذا الحزن والأسى الذي يصيبنا، لكنا نسأل الله سبحانه وتعالى أن يرزقنا الصبر، وأن يغفر لهم ويتجاوز عنهم، وهكذا الدنيا أيها الإخوة لا تدوم على حال، والبقاء إنما هو في دار القرار، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجمعنا وإياهم جميعاً في مستقر رحمته.

    1.   

    الجد في العمل عنوان النجاح

    هذا الموضوع يشمل مدخلاً للموضوع وتمهيداً، ثم في القرآن دعوة للعمل، وفي السنة دعوة للعمل، وأهل العلم على الجادة يدعون للعمل، وصور من الإخلال بالعمل، وصور مشرقة، وأخيراً: لم نتجاوز هذه المراحل بعد؟

    سنة الله في الحياة أن لا يعيش فيها ولا يفلح إلا الرجل العامل، بل ولا يأكل رزقه إلا الرجل العامل، وحتى أصحاب الشهوات والمبادئ الأرضية لا بد لهم من عمل يحصلون من خلاله على ما يريدون، فكيف بالمسلم العابد لله عز وجل.

    إن صاحب المؤسسة الخاصة والعمل الشخصي لا يريد أن يوظف لديه إلا الرجل العامل المنتج، والتقارير ومعايير الكفاية لديه مرتبطة بالعمل الذي يقدمه والإنتاج الذي يحققه، ومدير الدائرة الرسمية هو الآخر لا يريد إلا الموظف العامل، ومعايير التقويم الرسمية وغير الرسمية لديه أيضاً مرتبطة بعمل الموظف وما يقدمه.

    ولا نزال نسمع أن فلاناً المسئول أو فلاناً المدير حين انتقل من دائرته أو شركته اختار بعض الموظفين في مكتبه لينقلهم معه؛ والجميع يتحدثون أنه أدرك منهم أنهم أناس عاملون جادون فهو يريد رجلاً عاملاً يعينه ويعتمد عليه.

    إذاً: فالعمل هو مطلب الجميع ومعيار التقويم، بل حتى في تاريخ الأمم أيضاً فالأمم إنما تنمو وتفلح بالعمل والإنتاج، وأي أمة لها تاريخ كان سواءً كانت حضارة مرتبطة بدين سماوي قامت به على هداية الناس، أو كانت حضارةً مادية ارتفعت على الناس في دنياهم، لم تدخل التاريخ إلا من بوابة العمل.

    وفتش في صفحات التاريخ فإنك لن تجد فيه مكاناً لأمة من الكسالى أو أمة من غير العاملين اللهم إلا أن تجد لها صفحات من الذم والحديث أنها كانت ضحيةً للمتآمرين والطامعين.

    إن الحياة كلها لا تقوم إلا على العمل، فالرجل الذي يحقق أهدافه خيرةً كانت أو سيئة.. مرتبطة بالدار الآخرة أو بالدار الدنيا، هو الرجل العامل، والرجل الذي يلقى التقدير والإكرام هو الرجل العامل، والأمة التي تدخل التاريخ من باب واسع إنما هي الأمة التي تملك رصيداً من العمل ومن الرجال العاملين.

    ولعلنا نرى التقهقر الذي أصاب هذه الأمة في شتى جوانب الحياة فندرك أن من أسباب هذا التخلف وهذا التقهقر أننا أمة رضعنا الكسل والهوان والذل فأصبحنا نعتمد على غيرنا.

    1.   

    القرآن يدعو إلى العمل

    تلازم الإيمان مع العمل

    حين نقرأ القرآن الكريم نجد أنه قد أولى هذا الأمر عنايةً وجعله مطلباً أساساً، فالإيمان لا بد من اقترانه بالعمل الصالح، نقرأ في أكثر من خمسين موضعاً من القرآن أن العمل الصالح يعطف على الإيمان: الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ [البقرة:25] ولا شك أن ذكر الإيمان مجرداً يدخل فيه العمل الصالح، فالنبي صلى الله عليه وسلم قال: (الإيمان بضع وستون شعبة: فأعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان)، والله عز وجل قال في شأن الذين ماتوا وقد صلوا إلى بيت المقدس: وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ [البقرة:143] أي: صلاتكم إلى بيت المقدس.

    فالعمل إيمان والإيمان لا يتم مطلقاً ولا يصح إلا مع العمل، ومع أن الإيمان عندما يطلق لا يعني إلا ذاك الإيمان المرتبط بالعمل، فإننا نجد أن العمل الصالح يعطف على الإيمان في أكثر من خمسين موضعاً في كتاب الله سبحانه وتعالى، وما ذلك إلا تأكيدٌ على هذا الأصل الأصيل، ألا وهو العمل، فالإيمان أول واجب على المكلف، وهو لا يمكن أن يكون مجرد شعور قلبي يتوجه المرء فيه بقلبه فقط، ولا يمكن أن يكون مجرد كلمة تقال باللسان فما لم يصحبه العمل فإنه ناقص مصاب بالخلل.

    الإيمان الخالي عن العمل دعوى فارغة

    ثانياً: الإيمان في القرآن حين لا يصاحبه عمل يصبح دعوى فارغة لا يحق لصاحبها أن يدعيه: قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [الحجرات:14]، إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ [الحجرات:15] إنه لا يحق لكم أن تدعوا الإيمان ولا يحق لكم أن تقولوا آمنا لأنكم لما تصلوا إلى مرحلة الإيمان بعد، فالمؤمنون الذين يحق لهم أن يتسموا بالإيمان.. والذي يحق لهم أن يدعوا الإيمان هم: الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا [الحجرات:15] إيماناً يقينياً لا شك فيه، ثم مع ذلك: وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ [الحجرات:15] أي: إن الذين يحق لهم أن يدعوا الإيمان حقاً هم العاملون.. الذي قدموا أنفس ما يملكون من الأنفس والأموال لله عز وجل: أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ [الحجرات:15].

    تعليق الجزاء في الدنيا على العمل

    ثالثاً: يعلق القرآن الجزاء في دار الدنيا على العمل: يَوْمَ يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ وَيَقُولُ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [العنكبوت:55] إننا نقرأ في القرآن الكريم كثيراً من المصارع التي آلت إليها الأمم المكذبة والأمم الضالة، ونقرأ التعقيب في آيات القرآن الكريم أن هذا الجزاء الوخيم الذي صار إليه أولئك المكذبون إنما كان في مقابل عملهم السيئ، إذاً: فالعمل هو الذي قادهم إلى هذا المصير المحتوم.

    والعمل الصالح يلقى المرء جزاءه في الدنيا بركةً وسعةً في الرزق: وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ [الأعراف:96] إذاً: فالجزاء بالإحسان أو بالعقوبة في دار الدنيا مرتبط بالعمل إن خيراً فخير وإن شراً فشر، وشواهد هذا الأصل في كتاب الله سبحانه وتعالى أكثر من أن تحصى وأشهر من أن تذكر.

    السؤال يوم القيامة عن العمل

    رابعاً: السؤال يوم القيامة والحساب إنما هو على العمل: وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ [النحل:93] .. وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ [الجاثية:28] فحين يسأل المرء يوم القيامة، وحين يحاسب، وحين يجازى فهو إنما يحاسب ويجازى على ما قدم من عمل خيراً كان أو شراً، فالعمل إذاً هو مناط الحساب، وهو مناط المساءلة، وهو مناط الجزاء بعد ذلك.

    الثواب الأخروي على العمل

    خامساً: الثواب الأخروي وهو الأساس الذي شمر إليه المشمرون، والذي تسابق إليه العاملون، وتنافس فيه الصالحون، مرتبط أيضاً بالعمل: وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ [الأعراف:43]، ويقال لهم هناك: كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ [المرسلات:43] فما فاز من فاز وأفلح من أفلح في دار القرار ودار النعيم المقيم إلا بالعمل، والرصيد الوحيد الذي يؤهله لهذا التكريم ولتلك المكانة إنما هو عمله الصالح.

    العقاب الأخروي على العمل

    سادساً: العقاب الأخروي في نار الجحيم مرتبط أيضاً بالعمل: وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ [النمل:90]، ويقال لهم تبكيتاً وتوبيخاً: فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا إِنَّا نَسِينَاكُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [السجدة:14]، وحين يطالبون بالعودة إلى دار الدنيا -وأنى لهم ذلك حتى تشيب مفارق الغربان- فهم إنما يطلبونها لأجل أن يمكنوا من العمل، فقد أدركوا الآن قيمة العمل.

    إن تلك الدنيا التي كانوا يعيشون فيها من أجل الشهوات الفانية.. من أجل المال.. من أجل الجاه، إن كل تلك المعاني التي كانت عندهم تستحق التضحية بالمبادئ.. تستحق التضحية بكل ما يملكه الإنسان؛ كل تلك المعاني قد زالت وانمحت من ذاكرتهم، فهم يريدون العودة للدنيا لأجل أن يعملوا: وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ [فاطر:37].. فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ [الأعراف:53].

    التفكر في آيات الله لا بد أن يثمر العمل

    سابعاً: التفكر في آيات الله عز وجل وما يتبعه من مشاعر لا بد أن يتحول إلى رصيد عملي، يقول الله عز وجل: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ * رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ * رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأَبْرَارِ * رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ * فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ [آل عمران:190-195].

    مع هذا التفكير في مخلوقات الله عز وجل، ومع هذا الدعاء، ومع ذكر الله عز وجل قياماً وقعوداً وعلى الجنوب مع ذلك كله الجزاء مرتبط بالعمل هذا التفكير وهذا الدعاء دعاهم إلى العمل: فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى [آل عمران:195] وما هو هذا العمل؟ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا [آل عمران:195] إن الهجرة والإيذاء في سبيل الله عز وجل وما يتبعها إنما هي نتيجة مباشرة لذاك العمل الذي كانوا يقدمونه حين تصدوا لحمل دين الله عز وجل ودعوة الناس إليه، حتى واجهوا ما واجهوا من قومهم فأوذوا وقاتلوا وقتلوا وأخرجوا من ديارهم لأجل أن يفروا بدينهم من تلك الفتنة التي تعرضوا لها.

    إن هذه الهجرة مع أنها عمل، وهذا الإيذاء الذي تعرضوا له مع أنه عمل إلا أنهما أيضاً ناشئان عن عمل وجهد، لن يتعرض للإيذاء ولن يضطر للهجرة إلا ذاك الذي واجه الأعداء بما يكرهون، والذي أعلنها صريحة مدوية في وجه الأعداء، فاضطر لأن يتحمل الأذى والضيم في سبيل الله عز وجل، ويتبع ذلك بالخروج من تلك الديار وتلك البلاد يفر بدينه من الفتن.

    الخوف من الله يقود إلى العمل

    ثامناً: وفي القرآن الكريم أيضاً الوعظ والتأثر به والخوف من الله سبحانه وتعالى لابد أن يقود إلى العمل فينتج رصيداً عمليا: يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا * وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُورًا * إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا * فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا [الإنسان:7-11].

    لقد كانوا يخافون من هذا اليوم العبوس القمطرير فماذا كان أثر هذا الخوف.. وماذا كانت نتيجته؟

    لقد دعاهم هذا الخوف وهذا التأثر الذي لمسوه في قلوبهم إلى أن: يُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُورًا * إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا [الإنسان:8-10] أي: إن الذي دعانا إلى هذا الإنفاق.. الذي دعانا إلى هذا البذل وهذا العمل إنما هو الخوف من الله سبحانه وتعالى، فالخوف والشعور بخشية الله عز وجل لا بد أن ينتج أيضاً رصيداً عملياً: وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلائِكَةُ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ * يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ [النحل:49-50].

    وقل هذا أيضاً في سائر المشاعر القلبية، فالحب الذي هو شعور من المشاعر القلبية لا بد أن يدفع إلى العمل، فمن يحب الله سبحانه وتعالى لا بد أن تؤثر هذه المحبة فتتحول إلى محبة لما يحبه الله عز وجل من الأعمال، وبغض لما لا يحبه الله عز وجل من الأعمال، ومحبة لمن يحبه الله سبحانه وتعالى ومن يحب الله، اللهم إني أسألك حبك وحب من يحبك وحب عمل يقرب إلى حبك.

    والرجاء: إن رجاء رحمة الله عز وجل ومغفرته ورضوانه لا بد أن يدفع صاحبه إلى العمل وإلا كان أمناً من مكر الله سبحانه وتعالى.

    وهكذا سائر المشاعر، وسائر ما يجده الإنسان في قلبه من تأثر بما يسمعه من موعظة، أو ما يقرؤه في كتاب الله سبحانه وتعالى لا بد أن يتحول إلى رصيد عملي، وإلا فهي مشاعر غير صادقة، أو قل: إنها مشاعر مرت على الخاطر عاجلة لم تؤت ثمارها.

    مقت القول من غير عمل

    تاسعاً: لقد مقت الله عز وجل في القرآن الكريم القول بغير عمل وذمه وعابه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ [الصف:2-3] وأتبعت هذه الآيات بقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنيَانٌ مَرْصُوصٌ [الصف:4] فالله سبحانه وتعالى إنما يحب العاملين.. إنما يحب المجاهدين الذين يقاتلون في سبيل الله عز وجل.. الذين يعملون ولا يشغلهم القول عن العمل.

    إذاً: أيها الإخوة! هذه شواهد متضافرة من كتاب الله سبحانه وتعالى الذي نتلوه جميعاً صباح مساء كلها تدعونا إلى العمل، وكلها تجعل القضية مرتبطة أصلاً بالعمل.

    1.   

    الدعوة إلى العمل في السنة النبوية

    العلم بلا عمل شر يستعاذ منه

    وفي السنة النبوية دعوة إلى العمل، فالعلم الذي هو من أشرف العبادات.. العلم الذي هو أفضل من النوافل ما لم يقد صاحبه إلى عمل يصبح شراً يستعاذ بالله عز وجل منه، لقد دعا صلى الله عليه وسلم وعلمنا أن ندعو: (اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع، ومن قلب لا يخشع، ومن دعاء لا يسمع، ومن نفس لا تشبع، أعوذ بك من هؤلاء الأربع) فقد كان صلى الله عليه وسلم يستعيذ بالله عز وجل من العلم الذي لا ينفع.

    وظيفة المسلم في الحياة العمل

    ووظيفة المسلم في الحياة هي أيضاً العمل، فقد علمنا صلى الله عليه وسلم أن ندعو للمريض إذا عدناه بأن نقول: اللهم اشف عبدك فلاناً ينكأ لك عدوا، أو يمشي إلى صلاة، فأمرنا صلى الله عليه وسلم بهذا الدعاء للمريض، أي: أن وظيفة المسلم أصلاً.. ووظيفة الإنسان في هذه الحياة أن يعمل فينكأ العدو بجهاده.. بسنانه.. ينكأ العدو بأن يغيظ قلوبهم بالكلمة الصادقة.. بالدعوة لدين الله عز وجل.. بقول كلمة الحق غير وجل ولا هياب.. أن ينكأ العدو ويغيظه، فهذا عمل متعد نفعه إلى سائر المسلمين.

    وأعلى صور العمل المتعدي النفع هو الجهاد، ثم ذكر الصورة الأخرى من العمل الذي يقصر نفعه على الإنسان نفسه: وهي الصلاة، فذكر أعلى أعمال العبد القاصرة على نفسه وهي الصلاة، وأعلى أعمال العبد التي يتعدى نفعها إلى الآخرين ألا وهو الجهاد.

    النبي صلى الله عليه وسلم قدوة في العمل

    وأما الواقع العملي للنبي صلى الله عليه وسلم فهو خير شاهد على ذلك، من منا لم يقرأ سيرة النبي صلى الله عليه وسلم؟ فيقرأ فيها سيرة ذاك الرجل الداعي إلى الله عز وجل الذي يضحي بأوقاته، ويضحي براحته، وبكل ما يملك صلى الله عليه وسلم في العمل والخدمة لهذا الدين، وتراه صلى الله عليه وسلم وأنت تتمعن في كتب السيرة تراه في أوائل صفوف المجاهدين، وأول من يفزع إذا سمع وجفه أو صيحة، وأول من يرق قلبه حين يرى بعض أصحابه قد أصابتهم فاقة، وأول من ينفق على محتاج أو يحن على مسكين، تراه صلى الله عليه وسلم سباقاً في كل ميدان من ميادين العمل.

    أليس لنا فيه قدوة صلى الله عليه وسلم وأسوة حسنة؟ إننا حين ندعو إلى اتباع سنة النبي صلى الله عليه وسلم، وإلى التأسي بسنته صلى الله عليه وسلم، وحين نقول: إن من علامة محبة المرء للنبي صلى الله عليه وسلم اتباعه لسنته، فإنه لا يجوز أن نقصر هذه السنة على جزء يسير من حياته صلى الله عليه وسلم من أعمال أو مظهر أو هيئة كان عليها صلى الله عليه وسلم، فسنة النبي صلى الله عليه وسلم هي أداء الصلاة في وقتها مع الجماعة.. هي قيام الليل.. هي صيام النفل.. هي تشمير الثياب.. هي إعفاء اللحية.. هي الدعوة إلى الله عز وجل.. هي الجهاد في سبيل الله عز وجل.. هي الرحمة بالخلق.. هي الإحسان إلى الناس.. هي العمل بكل هذه الشريعة وبكل ما تحمله هذه الكلمة من معنى.

    إن تمام التأسي بسنة النبي صلى الله عليه وسلم واتباعها أن ننظر إلى سيرته صلى الله عليه وسلم في كل أحواله وسائر أيامه صلى الله عليه وسلم ونسير ورائها.

    وقد كان صلى الله عليه وسلم أيضاً يربي أصحابه على العمل، وعلى أن يحملوا هم العمل، جاءه رجل فقال له: (يا رسول الله! متى الساعة؟ فقال له صلى الله عليه وسلم: ماذا أعددت لها؟)، إن الذي ينبغي أن يشغلك ليس الحديث عن وقت الساعة متى تكون فهذا أمر علمه عند الله سبحانه وتعالى، إنما الذي ينبغي أن يشغلك وينبغي أن تسأل عنه هو العمل، ينبغي أن يكون همك هو العمل فأنت عرضة لأن يتخطفك الأجل في أي ساعة من ليل أو نهار، فهمك المرتبط بالساعة والذي يعنيك من الساعة هو أن تسأل ماذا عملت، وماذا قدمت، وماذا أعددت لهذه الساعة؟

    1.   

    أهل العلم يدعون إلى العمل

    سير العلماء ومؤلفاتهم تحتفل بالعمل

    أهل العلم على الجادة يدعون إلى العمل، فحين نقرأ في سير العلماء من سلف هذه الأمة بدءاً بأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ومروراً بتاريخ هذه الأمة الطويل نجد أن أهل العلم الذين كانوا على هذا المنهج يدعون إلى العمل بالعلم، فهم حين يدعون طالب العلم إلى التعلم يدعونه إلى أن يقرن العلم بالعمل، ولهذا تراهم تتابعوا على أن يوصوا طالب العلم بالعمل، وتوارثوا على أن يعقدوا فصولاً فيما يكتبون من آداب العالم والمتعلم للحديث عن العمل بالعلم.

    و للخطيب البغدادي رحمه الله جزء مشهور: اقتضاء العلم العمل، وأقوالهم مشهورة مشهودة في ذلك، فـأبو الدرداء رضي الله عنه يقول: إن أخوف ما أخاف إذا وقفت للحساب أن يقال: قد علمت فماذا عملت فيما علمت؟

    ويقول أيضاً: لا تكون عالماً حتى تكون بالعلم عاملاً.

    وكان نقش خاتم الحسين بن علي رضي الله عنه: علمت فاعمل.

    وقال الحسن : الذي يفوق الناس في العلم جدير بأن يفوقهم في العمل.

    الفقهيات التي لا يترتب عليها عمل ترف فكري

    ثانياً: المسائل الفقهية التي لا يترتب عليها عمل تعتبر من لهو الحديث.. وتعتبر ترفاً فكرياً عند علمائنا؛ ولهذا فإنهم يوصون طالب العلم أن يعتني بقراءة وبحث المسائل التي يترتب عليها ثمرة عملية؛ ولهذا ترى مثلاً علماء الأصول وعلماء الفقه يعقبون أحياناً بحث كل مسألة أن يقولوا: والثمرة العملية لهذه المسألة كذا وكذا، أي: ما يترتب عليها من عمل.

    الاستفتاء لا يكون إلا عما يعقبه عمل

    ثالثاً: السائل حين يسأل وحين يستفتي لابد أن يسأل عن مسألة يعقبها عمل وإلا كان مجادلاً مماحكاً لا يستحق الإجابة على سؤاله.

    واقع العلماء يشهد بأهمية العمل عندهم

    وأما واقعهم العملي وتاريخهم فخير شاهد على ذلك: لقد كانوا يتصدرون لتعليم الناس، ويقضون نفيس أوقاتهم في ذلك، وهذا لا شك من العمل، ومن خير العمل الذي يقدمونه للأمة، وما هذا التراث الذي نراه بين أيدينا من التصنيف والتأليف والتعليم إلا جزء من نتيجة هذا العمل الذي كان يبذله سلف الأمة ويتواصون به.

    كانوا أيضاً قائمين بالحق.. محتسبين على العامة والخاصة.. منكرين لمنكرات العامة، والمنكرات الخاصة، ونحفظ جميعاً مواقف خالدة لأهل العلم في إنكار المنكرات.. وقول الحق.. والوقوف في وجوه الفجرة والظالمين، نرى ونقرأ أيضاً في التاريخ أنهم كانوا في الصفوف الأولى من المعارك.

    فلعلنا مثلاً نقرأ في سيرة صلاح الدين الذي حرر الله عز وجل على يديه بيت المقدس من الصليبين أنه كان في مقدمة صفوفه الفقهاء والمحدثون والعلماء حتى أمر أحد المحدث أن يحدث ويقرأ وهو بين الصفين ثم قال: هل سمع أحد في هذا الموطن؟ قال: لا، فصار يفتخر صلاح الدين رحمه الله أنه أول من سمع الحديث وهو بين الصفين وقد التحمت السيوف.

    إذاً: كان أهل العلم عاملين.. فكانوا سباقين في تعليم العلم.. في التصدي للناس ونفعهم والإحسان إليهم.. في قول كلمة الحق.. في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.. في التجديد لهذا الدين، وكم صفحة مرت على هذه الأمة احتاجت إلى مجدد ليرفع الغشاوة عن هذه الأمة، فقام أهل العلم بالعمل وتحملوا ما تحملوا من مضايقة الناس ونقدهم وعيبهم والتشكيك في نواياهم، والطعن فيهم، فقد واجه عبد الغني المقدسي رحمه الله ما واجه، وواجه شيخ الإسلام ابن تيمية ما واجه، وواجه محمد بن عبد الوهاب رحمه الله ما واجه، وكل المصلحين الذي مروا على تاريخ هذه الأمة واجهوا ما واجهوا من الطعن والتشكيك في نواياهم، وتآمر أهل السوء وأهل البدعة وأهل الهوى عليهم، ومع ذلك ما ضرهم شيئاً، وتحملوا ذلك كله في ذات الله سبحانه وتعالى، فقد كان همهم وداعيهم هو العمل.

    1.   

    من صور الإخلال بالعمل

    الانشغال بحديث المكاسب عن العمل

    لعل ما ذكرنا من الآيات القرآنية، والشواهد من سنة النبي صلى الله عليه وسلم، ومن مواقف أهل العلم يعطينا بعد ذلك قناعةً تامة أن العمل يجب أن يكون همنا دائماً.. أن العمل يجب أن يكون هو الهاجس الوحيد لنا، وأن نتساءل دائماً: ماذا عملنا وماذا قدمنا؟ وأن نفكر دائماً في حياتنا، وفي أعمالنا، وفي أوقاتنا: ماذا عملنا؟

    ثمة صور من الإخلال بالعمل.. صور قد تبدو لنا نحن أحياناً أنها مفيدة.. وأنها من مجالس الخير ومن جوانب الخير، لكنها صور شاذة.. صور لا يقع فيها إلا الناس الذين تخلوا عن العمل، فلنشر إلى بعض هذه الصور:

    أولاً: من الإخلال بالعمل الانشغال بالحديث عن المكاسب والإنجازات والأعمال والبرامج التي قدمت لخدمة دين الله عز وجل.. حديثاً تسوده المبالغة فيدرك القريب والبعيد أن ثمة هوة ساحقة بين هذا الحديث وبين الواقع العملي، ويدرك أن الرصيد من العمل يعجز عن الوفاء ببعض ما يقال، وقد امتدت العدوى وللأسف إلى بعض المناشط الإسلامية فأصبحنا كثيراً ما نتحدث عن بعض الأعمال وبعض الجهود حديثاً فيه مبالغة، وحديثاً فيه لغة الأرقام التي أصابتنا العدوى فيها.

    إنه يحق لأهل الدنيا.. يحق لمن لا يريدون وجه الله أن يتحدثوا بهذه اللغة وهذا المنطق، أما الدعاة إلى الله عز وجل فيجب أن يحسبوا للأمر حساباً، يجب أن يكون همهم هو العمل، نعم أيها الإخوة! إن نشر بعض الأعمال، ونشر بعض التقارير، ونشر بعض الجهود لا شك أنه يدفع إلى العمل، ولا شك أنه يقنع الناس بجدوى هذه الجهود، فالناس مثلاً الذين يتبرعون بأموالهم يريدون أن يجدوا أثراً لما قدموا من أموال فيطلبون تقارير عن تلك الأعمال وتلك الجهود.. الناس الذين يؤيدون بعض البرامج ويقفون وراءها بحاجة إلى أن يقفوا على بعض النجاح الذي حققته هذه البرامج.. بحاجة إلى أن يعرفوا شيئاً من تلك المنجزات، فالحديث عنها من هذا الباب لا إشكال فيه، أما أن نبالغ وأن نتحدث حديثاً يدرك القريب والبعيد أنه حديث لا يملك رصيداً من الواقع يؤهله فهذا انشغال عن العمل.

    إن هذا يشغلنا عن الحاجة إلى العمل، وعن أن نشعر بأن أمامنا مواقع لا تزال هائلة ومواقع شاغرة بحاجة إلى أن نتقدم إليها؛ ولهذا فإن أخشى ما نخشاه أن نبدأ الحديث الآن عن المنجزات التي حققتها الصحوة، وعن المكاسب التي حققتها، والأوراق التي ربحتها وننسى أن ثمة مراحل أمامنا شاسعة وخطوات هائلة لما نتقدم إليها بعد، فيشغلنا حديث الإنجازات والمكاسب عن العمل الحقيقي الذي يجب أن نتصدى له.

    لغة النقد

    ثانياً: من الإخلال بالعمل لغة النقد التي يحترفها البعض وتملأ مجالسنا، فينتقد الأفراد والجماعات والدعاة والعلماء والكتاب والبرامج والمؤسسات الدعوية نقداً صارخاً يأتي على الأخضر واليابس، بل ويكون النقد حدثاً يقرأ من أجله، ويسمع له؛ أليس هناك من وظف نفسه لهذه المهمة الدنيئة وتطوع لخدمة أعداء الدين وأعداء الدعوة بالمجان، فقضى سحابة نهاره وأشرف لياليه في الطعن والنقد والتصنيف والإثارة؟!

    إنك حين تتساءل عن حال هذا الرجل ماذا قدم؟ هل هدى الله عز وجل على يديه شاباً ضالاً، أو أنقذ فتاة من الغواية، أو دعا رجلاً غير مسلم إلى الإسلام، أو أنكر منكراً ظاهراً، أو تصدى لتعليم علم؟ لا تكاد تجد رصيداً يذكر من هذه الأعمال.

    مساكين أولئك الذين يقضون أوقاتهم في هذه الأحاديث.. مساكين أولئك الذين أصبح همهم الطعن في الآخرين والنقد والتقويم والتصنيف، فأنت ترى من اشتغل بالعمل لخدمة دين الله عز وجل، طلباً للعلم، أو تعليماً ونشراً له، أو تحفيظاً لكتاب الله عز وجل، أو دعوة إلى الله عز وجل، دعوة للمسلمين المقصرين، دعوة لغير المسلمين، جهد هنا وجهد هناك، فترى هذا التيار المتدفق من هذه الجهود المبذولة، وترى أولئك قد أفلسوا من هذا الرصيد كله، وانشغلوا بالغيبة والنميمة والتصنيف، وهذه أيها الإخوة عقوبة عاجلة لأولئك.

    إن أشد عقوبة وأقسى عقوبة يعاقب بها المرء أن يحرم العمل، حين ينشغل الآخرون فيستغلون أوقاتهم بالعمل المنتج والمثمر الذي يكون رصيداً له عند الله عز وجل.

    أيها الإخوة! حين يشغل المرء نفسه بمثل هذه الأعمال فماذا عساه يلقى عند مولاه حين ينطقه فيسأله: ماذا فعلت وأنت ترى المنكرات العامة التي أصبحت تعج بها المجتمعات.. ماذا فعلت وأنت ترى الأمة تقاد إلى الهاوية.. وأنت ترى الأعداء قد تآمروا على الإسلام من الشرق والغرب من النصارى واليهود والمنافقون والوثنيون، وقد اتفقت راية العالم كله في هذه الظروف الكئيبة على حرب هذا الدين، وعلى حرب الدعاة إلى الله عز وجل، ومع ذلك تجد من وظف نفسه في أن يقف في صف الأعداء، وأن يقدم لهم الخدمات بالمجان، ويحسب أنه يحسن صنعاً.

    إننا لا نرفض مبدأ النقد، ولا نرفض مبدأ الحديث عن الأخطاء، لكن هذا شيء، وما يدور عند واقع البعض شيء آخر، وحتى تدرك سوء هذه الهاوية التي ينحدر إليها هذا الصنف من الناس تأمل في واقعهم وماذا قدموا وماذا عملوا، لا تكاد ترى لهم عملاً ولا تكاد ترى لهم جهداً، بل تكاد ترى ارتباطاً عكسياً كما يقول الرياضيون بين العمل الذي يقدمونه وبين اشتغالهم بالنقد والتصنيف والإثارة.

    لا أريد الحديث عن هذه القضية لكنها صورة من صور الإخلال بالعمل، وأحيل الإخوة إلى كتاب قيم صدر حديثاً لفضيلة الشيخ بكر أبو زيد بعنوان: تصنيف الناس بين الظن واليقين.

    كثرة الشكوى من مشاكل الواقع

    ثالثاً: من صور الإخلال بالعمل كثرة الشكوى من مشاكل الواقع، ومشاكل العمل الإسلامي، ومشاكل الشباب والدعوة .. إلى آخر هذه القائمة الطويلة، وهي غالباً ما تكون شكوى صادقة لكنها تحتل مساحة من التفكير فينطبع أثرها على السلوك والعمل فيصبح صاحبها محطم الآمال سريع اليأس.

    إنك ترى بعض الشباب قد شغل بمشكلة خاصة به، وقد تكون في قضية شرعية، فتراه يشتكي أنه يقع في هذه المعصية أو تلك.. تراه يشتكي أنه يقصر في تلك الطاعة أو تلك.. تراه يشتكي من مشكلة أياً كانت هذه المشكلة، فتسيطر هذه المشكلة على تفكيره وتستولي عليه فتصبح هاجساً أمامه حتى يتحول هذا الرجل إلى شاب محطم الآمال، ليس لديه قدرة أن يعمل وأن يقدم أو ينتج فتتحول وبالاً عليه.

    أو ذلك الذي شغل بمشاكل الدعوة، ومشاكل العمل الإسلامي، ومشاكل الأمة فأصبح الرجل محطم الآمال.. محطم التفكير.. لا يتحدث معك إلا عن المشاكل.. لا يتحدث معك إلا عن الخلافات.. إلا عن الإحباط الذي حصل له من جراء ثقته بهذا العمل فبان على خلاف ما يظن.. ثقته بفلان فبان على خلاف ما يظن، إلى غير ذلك، وكان ماذا؟ إن هذا الذي استولت عليه هذه المشاكل جدير بأن يقف مع نفسه فيخصص لحظات ودقائق من وقته ليفكر تفكيراً جاداً ماذا يغني هذا التفكير، وماذا يغني هذا الانشغال بهذه المشاكل، والتفكير فيها، والحديث عنها، وماذا عساه أن يقدم له؟!

    إننا نوافقك على أن هذه مشاكل موجودة سواء كانت في شخصك، أو كانت في أوساط الشباب والناشئة، أو كانت في أوساط العمل الإسلامي، وهي مشاكل يعاني منها الجميع، ولا شك أنها تؤرق ليل المخلص.. تؤرق ليل الصادق.. ليل من يحمل هم هذا الدين وهذه الدعوة الصادقة؛ ولكن السؤال الذي يفرض نفسه: ماذا قدمنا من عمل، وماذا يغني الانشغال بالمشاكل والتفكير فيها؟ إنه لا يعدو أن يكون فيروساً يقتل العمل المنتج.. فيروساً يقضي على الإبداع.. فيروساً يحطم كل همة يمكن أن تتولد عند صاحبها حينما يرى منكراً.. حينما يرى سوء واقع الأمة.. حين يسمع كلاماً يحضه على العمل فتتحطم الآمال فيعود صاحبنا لا يستطيع أن يتخذ قراراً.. لا يستطيع أن يعمل عملاً، سيطرت عليه هذه المشاكل وهذه الهموم.

    لقد نهى الله سبحانه وتعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أن ينشغل بهذه الهموم.. نهى نبيه صلى الله عليه وسلم الذي تحمل ما تحمل في سبيل الدعوة لدين الله عز وجل، والجهاد لإعلاء كلمته، عن أن يهلك نفسه وأن ينشغل بالهم على أولئك المعرضين: فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا [الكهف:6] .. لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ * إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ [الشعراء:3-4] .

    وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ [الأنعام:35] فما بالنا بعد ذلك ننشغل بالحديث عن المشاكل فتسيطر علينا حتى تؤدي بنا إلى الإحباط؟!

    كثرة التساؤل

    رابعاً: من صور الإخلال بالعمل: كثرة التساؤل.. ماذا أريد.. ماذا أصنع.. كيف أطلب العلم.. كيف أحفظ.. كيف أدعو؟ إلى آخر تلك القائمة الطويلة من الأسئلة التي ترد ولا يعقبها خطوات عملية جادة، إن التساؤل ابتداءً مطلب ملح لا جدال فيه؛ لكنه مطلب سليم حين يكون مصحوباً بإرادة العمل.. بالهمة التي تدفع إلى العمل، أما حين يكون سؤالاً يكرره الشاب في كل مناسبة، فلعلك تعود بالذهن إلى سنة أو سنتين مضت من تاريخك فتتذكر أنك كنت تطرح هذا السؤال وأنت جاد: كيف أطلب العلم.. كيف أحفظ.. كيف أدعو.. ماذا أصنع.. ما دوري في الحي.. ما دوري في المدرسة؟ قف الآن وتفكر في نفسك: ماذا قدمت وأنت على مدى سنتين تطرح هذه الأسئلة؟ أليس هذا من القول بغير عمل، إنها أسئلة لا شك جادة لكن لا بد أن تكون أسئلة مصحوبة بالعمل.. بإرادة العمل بالنية الجادة العازمة، ونتفكر في واقعنا في تلك الأسئلة التي كنا نطرحها، والمشاكل التي كنا نطلب الحل لها، والأدوار التي كنا نطلب ونتساءل أن تعطى لنا ماذا قدمنا منها؟ إذا شعرنا أننا لم نتقدم خطوات جادة فإننا مع الاعتذار الشديد غير عاملين.

    الانهزام أمام العوائق

    خامساً: من صور الإخلال بالعمل: الانهزام أمام أي مشكلة أو تعويق أو مضايقة والتخلي بحجة عدم فتح المجال وعدم التأييد إلى غير ذلك من الأعذار، شاب يدرس في مدرسة أو يعمل في مؤسسة أو يدرس في جامعة في أي مكان على عرض هذا العالم الإسلامي وطوله، فيحاصر نشاطه وتوصد الأبواب أمامه فيقف مكتوف الأيدي بانتظار فتح الأبواب أو طلب الانتقال إلى مجال آخر يمكن أن يعمل فيه، وهي لغة كثيراً ما نسمعها. أي منطق يسيطر على تفكير هذا الصنف من الناس؟

    هل كان أنبياء الله عز وجل كذلك؟! الدعاة والمصلحون هل كانوا كذلك؟! دعاة الفتنة وأصحاب الطوائف والمبادئ الأرضية هل كانوا كذلك؟! ألم يكونوا يضحون ويبذلون سنوات طويلة وهم يضايقون ويتعرضون للسجن والمضايقة والملاحقة والمتابعة ومع ذلك يدعون ويتحملون.

    واقرأ في تاريخ الطوائف الباطنية بدءاً بالعصور المتقدمة من تاريخ الإسلام كيف كان القرامطة والإسماعيلية والدروز والنصيرية والرافضة وغيرهم على مدى التاريخ إلى الطوائف المعاصرة من أصحاب الأفكار الضالة المعاصرة؛ كيف يعملون ويتحملون مع المضايقة ومع مصادرة حرياتهم والتضييق على جهودهم، فما بالنا نحن يسيطر علينا هذا المنطق؟

    أنا عندي استعداد أن أعمل لكن عندما يفتح المجال أمامي.. عندما تبارك جهودي.. عندما أدعى إلى العمل، أما حين يكون الإنسان في موقع فيضايق حينئذ يقف مكتوف الأيدي، ويشعر أنه لا مجال أمامه، ولينتقل إلى ميدان آخر.

    وتعال معي مثلاً فافترض إنساناً يدرس في جامعة من جامعات العالم الإسلامي المترامي الأطراف، جامعة فيها ثمانمائة طالب وحين يضايق ولا يكون له مجال ينتقل إلى ميدان آخر، فيأتي الثاني يفكر بنفس العقلية فينتقل وهكذا.. فما ذنب هؤلاء الطلاب أن يحرموا من هذا الخير وهذه الدعوة؟! نعم قد يكون انتقالك إلى هذا الميدان يعطيك مجالاً من العمل أكثر وهذا صحيح لكن أيضاً هذا الثغر وهذا الميدان ينبغي أن لا يترك.

    والقضية ليست قضية مادية تجارية بحتة: ماذا قدم فلان .. وماذا قدمت أنا.. كم اهتدى على يدي شخص وكم اهتدى على يده؟ لا، فالقضية أن يعمل كل إنسان في موقعه، وأن يشعر كل امرئ أنه على ثغر.

    أحياناً يعمل الإنسان بعمل فتأتيه مشاكل فينهار عمله وتتحطم الكثير من نتائج عمله فلماذا ينهار؟ لماذا لا تستمر في عملك ولو كانت النتيجة قليلة؟ ولو كانت النتيجة يسيرة.. ولو كانت تلك المواقف محطمة لك.

    لقد من الله عز وجل على المسلمين بانتصار الإسلام ودخل الناس في دين الله أفواجاً فعم الإسلام أرجاء هذه الجزيرة المعمورة، وفوجئ المسلمون ورزئوا بموت النبي صلى الله عليه وسلم فماذا كان بعد ذلك؟ ارتدت فئام وطوائف من العرب، وتآمروا حتى أصبح أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كالغنم في الليلة الشاتية المطيرة، ومع ذلك مع هذا الانهيار، ومع هذه المشكلة، ومع هذا الوضع الذي صار إليه واقع المجتمع آنذاك لم يقف المسلمون مكتوفي الأيدي، بل جاهدوا وتحملوا حتى استطاعوا خلال سنتين ونصف أن يتحولوا إلى فاتحين، فيفتحون العراق والشام ومصر.

    أيها الإخوة! نحتاج إلى هذه الإرادة التي تتجاوز كل العقبات، وتتجاوز كل المشاكل، والتي تجعل الإنسان يعمل في أي موقع كان وهو يشعر أنه يعمل من خلال ما يستطيع.. من خلال ما يقدم مهما كانت النتائج التي يحققها.

    الاكتفاء بحمل المشاعر المؤيدة للإسلام وأهله

    سابعاً: من صور الإخلال بالعمل: الاكتفاء بحمل المشاعر المؤيدة للخير وأهله، والمشاركة في المنتديات والدروس العامة دون أدنى خطوة إيجابية أو مشاركة فعالة، ولعلنا نجد قطاعاً كبيراً من الناس يرى أن دوره يقف عند هذا الحد.

    فيتصور الشاب أن هذا غاية ما يمكن تقديمه، وأن الذهاب والإياب واللقاء مع الأخيار ومشاركتهم الأعمال والمنتديات كافٍ في أن يجعله منسلكاً في قطار الدعاة إلى الله عز وجل، إن هذا لا شك خطوة مطلوبة أن يختار الشاب رفقة صالحة له يصحبهم في حلهم وترحالهم.. في إقامتهم وسفرهم، وأن يشاركهم مناشطهم لكن هذا وحده لا يكفي أن يجعله منخرطاً في سلك العاملين والدعاة إلى الله عز وجل، فلا بد من أن يقدم عملاً.. لا بد من أن يقدم مبادرة ومشاركة في أي مجال يمكن أن يساهم فيه.

    الحديث المستفيض عن الدعوة

    الصورة الثامنة من صور الإخلال بالعمل: ما يدور في مجالس المثقفين خاصة وأنصاف المتعلمين من الحديث المستفيض عن الدعوة، وعن جهود الدعاة، يقولون: ليت الدعاة يصنعون كذا، ولعلهم يقولون كذا، أو يتحفظون من هذا القول ويتجنبون ذاك، وهي مقترحات لا شك جادة، وانتقادات منضبطة، لكنها تدار في هذه المجالس والمتحدث يعبث بمسبحته، أو يهز يده، والأمر يتوقف عند هذا الحد، فيتحدثون كثيراً في مجالسهم ومنتدياتهم عن الدعوة وعن همومها، ولو فعل الدعاة.. ولو صنعوا.. ولو تجنبوا.. ولو صار كذا وكذا؛ لكن هذا الحديث لا يعدو أن يكون حديثاً مجرداً في مثل هذه المجالس وهذه المنتديات لا تكاد ترى له أثراً عملياً أو مشاركة فعالة من أولئك.

    إنها طبقة من الناس المؤيدين للخير والمحبين له لكنها طبقة تعاني من البطالة.. تعاني من الفراغ وانهيار الرصيد العملي، ويظن أحدهم أنه حين يملأ مجالسه بمثل هذا الحديث أنه قد قدم خيراً كثيراً للأمة.

    شغل النفس بنقد المجتمع وذكر صور الانحراف وقصص الفساد

    تاسعاً: من صور الإخلال بالعمل: الحديث المستفيض عن واقع المجتمع نقداً، وذكراً لصور الانحراف وقصص الفساد، فيأخذ الحديث ساعات طوالاً مع النماذج والأمثلة، يجتمع الناس والخيرون منهم خاصة في مجلس من المجالس فيتحدثون مثلاً عن انتشار الفواحش عافانا الله وإياكم، فهذا يذكر قصة، والآخر يذكر حادثة، والثالث قضية، والرابع إحصائية، وهكذا يستمرون في حديث طويل لا يقطعه عليهم إلا شغل آخر من ذكر هذه النماذج وهذه القصص، فيظنون أن هذا حديث خير، وأن هذا من باب إشغال المجلس بما يفيد فيقضون ساعات طويلة ويتمخض المجلس بعد ساعتين أو ثلاث ساعات دون أي نتيجة عملية.

    إن هذا الحديث ولو كان مصحوباً بالبكاء.. مصحوباً بالنشيج.. مصحوباً بالتألم على واقع المجتمع لا يسمن ولا يغني من جوع، ولا يمكن أن يدفع الأمة ولو خطوة واحدة، لقد تجاوزنا جميعاً ويجب أن نتجاوز مرحلة الشعور بواقع المجتمع.. مرحلة فسد الناس.. مرحلة: إنا لله وإنا إليه راجعون، والحوقلة والاسترجاع، إنها مرحلة يجب أن نتجاوزها إلى العمل.. إلى المشاركة الفعالة، ولا يجزئ عنا شيخ يتوكأ على عصاه، أو شاب يتوقد همة وحيوية يملأ مجالسه من البكاء والتألم على واقع المجتمع والأمة، والإفاضة في الحديث عن ذكر الصور المؤلمة من ألوان الانحراف والفساد التي تعج بها مجتمعات المسلمين دون أن يتبع ذلك بأي رصيد عملي أو خطوة عملية.

    ولو ألزمنا أنفسنا أننا بعد نهاية كل مجلس من هذه المجالس نخصص ونقتطع جزءاً من هذا الوقت ولو كان لا يزيد على ربع ساعة أو نصف ساعة للسؤال عن الدور العملي الذي يجب أن نقوم به في مواجهة هذه المشكلة أو تلك لتحول حديثنا إلى لغة أخرى، ولتحولت مجالسنا إلى مجالس منتجة للعمل ومقدمة للخير للأمة جمعاء.

    الحديث المتشائم عما يحاك ضد الإسلام

    الصورة العاشرة من صور الإخلال بالعمل: الحديث عن المؤامرات التي تحاك ضد الإسلام والصحوة من الأعداء في الداخل والخارج حديث المتشائم، حديث من يقول لسان حاله: رويداً فالسيل لا ترده بعباءتك، ولست وكيلاً لآدم على ذريته، منطق من يقول: لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ [الكافرون:6] إلى آخر هذه القائمة الطويلة التي يقول صاحبها لقد فسد الناس ومرجت عهودهم ولا مجال للإصلاح، فالدعوة تحاصر، والمنكر محمى ويدعى إليه، وماذا عساك أن تقدم؟ فلا يزيد صاحبنا على الحوقلة والاسترجاع.

    إن الحديث أيها الإخوة عن الأعداء وعن تآمرهم مطلب مهم، بل مطلب ملح ولا شك، فلا بد أن نكون واعين لما يحيك أعداؤنا من مؤامرات، ولا بد أن نتحدث عن الأعداء وخططهم ومؤامراتهم التي تحاك في الداخل والخارج من القريب والبعيد، لكن هذه الأحاديث يجب أن تدعونا إلى العمل.. إلى أن يكون رصيداً عمليا، أما أن تسيطر هذه الأحاديث علينا فتصبح هماً يشغلنا عن العمل.. هماً يحولنا إلى أناس محطمين، ويبدد الأعمال فهذا من الانشغال بالقول عن العمل.

    تدافع الأدوار والمسئوليات

    الصورة الحادية عشرة من الإخلال بالعمل: تدافع الأدوار والمسئوليات، وإلقاء التبعات على الآخرين، وهي صورة يكثر الحديث عنها ولا أريد الإفاضة فيها، لكني أقول في هذه العجالة: يحق لموظف يعمل لأجل أن يتسلم الراتب أن يقول: إن إنجاز هذا العمل من مهمة فلان.. يحق له أن يقول: إن هذا ليس شأني بل هو من اختصاص فلان.. يحق لعامل بناء مثلاً أو عامل في شركة أن يتحدث بهذا المنطق، أما الدعاة إلى الله عز وجل.. أما الذين يسابقون إلى الخيرات.. أما الذين يعملون لله فيجب أن يكون لهم منطق آخر ولغة أخرى.

    كم نحتاج أيها الإخوة إلى ذلك الصنف من الناس الذي همه العمل، إن كان في الساقة كان في الساقة، وإن كان في الحراسة كان في الحراسة، ذاك الصنف الذي يعمل على كل الأحوال في السراء والضراء.. ذاك الصنف الذي يعمل مع المشاكل.. مع العقبات، يعمل بهدوء وصمت ويتكيف مع الظروف أياً كانت كما يقول المثل العامي: يمد رجله على قدر لحافه.

    1.   

    صور مشرقة

    حتى لا يكون حديثنا متشائماً، وحتى نضع الأمل المشرق أمام الراغبين في الاستجابة في الدعوة للعمل، فلنعرج في هذه العجالة للإشارة لبعض العناصر الفعالة والنماذج الجادة العاملة:

    ذلك الشاب الذي ثنى ركبته في بيت من بيوت الله ليعلم أبناء المسلمين كتاب الله عز وجل، في حين يعيش أقرانه جلسات الانبساط والحديث المتبادل صورة مشرقة من صور العمل الفعال.

    وذاك الذي أخذ على عاتقه تربية النشء ومصاحبتهم والتوجه لكل مؤامرات الأعداء التي تسعى إلى غمس الشباب في مستنقع الرذيلة، إنها أيضاً هي الأخرى صورة مشرقة من صور العمل.

    والآخر الذي تصدى لإنكار المنكرات والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فصار ليله في الأسواق أو في مراكز الاحتفال متحملاً الأذى والمضايقة والمؤامرات، بل حتى والامتناع عن حضور هذه المجالس حيث لا تتيسر له، وقبل يومين كنت أتحدث مع أحدهم فصار يحدثني عن موضوع هذه المحاضرة ويقول: إنه لن يتيسر لي حضورها؛ لأني منشغل بهذا العمل وهذا الميدان، فقلت: لا يعنينا حضورك فأنت من العاملين ولست بحاجة إلى أن ندعوك إلى العمل.

    والرابع: الذي رق قلبه للأكباد الجائعة والبطون الخاوية فصار ينفق على المحتاجين فيقوم على شئونهم ورعايتهم في المبرات الخيرية أو الجمعيات الاجتماعية التي تسهر على رعاية حال أولئك، أو الذي يجعل نفسه رهن الإشارة أمام الدعاة والعلماء والمصلحين ولسان حاله أو قاله: أنتظر الأمر والتوجيه فأنا في الطوع وفي السمع والتنفيذ.

    ولا ننسى بعد ذلك الشاب الذي اختار الغربة والبعد عن العشيرة والأهل ليعمل في منطقة نائية محتسباً لله عز وجل، فلله دره كلما رأيناه تذكرنا التضحية.. تذكرنا الصدق.. تذكرنا العزيمة الجادة.. تذكرنا مصعب بن عمير ومعاذ بن جبل وغيرهم من أولئك الذين كانوا يغتربون في الدعوة إلى دين الله سبحانه وتعالى.

    إنها أيها الإخوة! صور كثيرة مشرقة من صور أولئك العاملين، فهاهو الميدان أمامك وإن شئت فاقرأ تاريخ الأنبياء والدعاة والمصلحين.. تاريخ سلف هذه الأمة، وإن شئت فانظر إلى هذه النماذج التي تراها بعينيك فترى هذه النماذج الفعالة العاملة إنها كلها تقول بلسان حالها: هيت لك إلى الميدان.. إلى العمل.. كلها تدعوك بلسان الحال والقال إلى العمل الجاد والمنتج.

    1.   

    ألم نتجاوز هذه المراحل

    وأخيراً: ألم نتجاوز هذه المراحل بعد؟ هل بعد ذلك كله؛ بعد هذه النصوص الشرعية، وبعد هذه الجهود المتضافرة والنداءات المتعالية هنا وهناك في ضرورة العمل والمشاركة والمساهمة؛ هل بقي أحد يفكر بهذه العقلية التي تقول: إن المهمة مهمة الدعاة.. مهمة العلماء، إن الواقع أكبر من أن يغيره أنا وأمثالي.. إنني مقصر لا أملك القدرة ولا العلم ولا التقوى!

    أم هل بقي من يقول: إن مجتمعنا بخير وإن الخطأ لم يسلم منه مجتمع النبي صلى الله عليه وسلم، والكمال لا يمكن أن يصل إليه بشر؟ أم لا يزال هناك من يفكر في جيبه لا غير.. في الأرض والمسكن والوظيفة والعلاوة والشهادة، ولسان حاله لسان عبد المطلب الذي يرى الهجوم الكاسح على بيت الله عز وجل من الطاغية أبرهة فيقول: أنا رب هذه الإبل وللبيت رب يحميه.

    إننا نجد الكثير ممن يتكلم بلسان عبد المطلب وإن كان ليس على دينه فيقول: مالي.. شهادتي.. وظيفتي.. حياتي الفانية.. والدعوة لها الله ينصرها.. لها من يتصدى لها، ألم نتجاوز هذه المراحل بعد؟ وهل بقي أيها الإخوة! فينا بعد كل هذه الجهود بعد هذه النداءات المتوالية، وبعد هذه الحرب على هذا الدين وعلى هذه الدعوة؛ هل بقي فينا من يفكر بهذه العقلية؟

    أسأل الله سبحانه وتعالى أن يكتب لنا وإياكم العلم النافع والعمل الصالح.

    1.   

    الأسئلة

    وضع جدول يمشي عليه الشاب

    السؤال: هل من الجدية في العمل وضع جدول يمشي عليه الشاب، أفيدونا جزاكم الله خيراً؟

    الجواب: الرجل العامل ليس بحاجة إلى أن يوضع له برنامج معين يسير عليه، صحيح أنه يحتاج إلى إضاءات.. يحتاج إلى إرشادات.. يحتاج إلى توجيه.. يحتاج إلى أن يقال له: هذا الميدان منتج، وهذا جربه فلان فأنتج، وهذا الميدان نافع، لكن أن ينتظر فقط مجرد التوجيه فهذا شيء آخر، فهذا التوجيه أو هذه البرامج أو هذه المقترحات إنما تنتج وتنمو مع الإنسان الذي هو جاد أصلاً.. الذي هو عامل أصلاً لكنه بحاجة إلى من يفتح أمامه مزيداً من الأبواب ومزيداً من المجالات.

    فنحن يجب أن نتربى أيها الإخوة على العمل وعلى المبادرة، وأن يكون العمل هماً لنا، وهاجساً لنا نسعى إليه ونشعر أنه هو الهدف الوحيد الذي نتطلع إليه ولا ننتظر من الآخرين أن يقدموا لنا برامج أو مقترحات، بعد ذلك حين نعمل يمكن أن نستفيد من البرامج والجداول والمقترحات وما أكثر الاقتراحات وأكثر البرامج التي تطرح لكن ما أقل العمل.

    العلاقة بين العمل وغزارة العلم

    السؤال: نرجو من فضيلتكم ضرب الأمثلة عن أقل العمل والتعرض لحديث الرسول صلى الله عليه وسلم: (بلغوا عني ولو آية) حيث إن العمل لا يحتاج إلى غزارة العلم، بل الجميع مطالب بالعمل قل أم كثر علمه!

    الجواب: تحدثنا أو أشرنا إلى هذه القضية في درس سابق كان بعنوان: كلانا على خير! فجميع الناس يمكن أن يعمل ويمكن أن يساهم، صحيح أن التصدي للدعوة العامة للناس لا يمكن أن تكون إلا لمن يملك قدراً من العلم يؤهله لذلك، الذي يتصدى لقيادة دعوة وتوجيهها هم أهل العلم، أما ما سوى ذلك فالميدان مفتوح أمام الجميع.. مفتوح أمام كل مسلم يشهد أن لا إله إلا الله.. أن يشارك بكل ما يملك، وما أظن أحداً يعجز أن يقول كلمة طيبة أو نصيحة أو أن يهدي شريطاً أو كتاباً، أو أن يؤيد داعية من الدعاة إلى الله عز وجل، أو أن يذب عن عرضه، إنها أعمال كثيرة وقائمة طويلة من الجهود والأعمال تنتظر أولئك الذين لا يملكون قدراً من العلم، والذين لا يملكون فصاحةً وبياناً وبلاغةً لكنها بحاجة إلى رجل يحمل إرادة العمل وهم العمل.

    بقاء المدرس في مدرسته مع المضايقة أفضل من الانتقال

    السؤال: ماذا يفعل المدرس في مدرسة ما وهو يواجه تضييقاً من إدارة المدرسة حول ما يقوم به من أعمال لخدمة الدين، أليس من الأفضل أن ينتقل إلى مدرسة أخرى بحيث يقيض الله لهذه المدرسة مدرساً آخر يكون مفتاح قلوبهم على يده؟

    الجواب: المفروض أن يبقى ويلزم هذا الميدان، صحيح أنه قد ينتج إنتاجاً ضعيفاً؛ لكن من لهؤلاء البقية في هذا الميدان، وليس بالضرورة أن يكون إنتاج الإنسان في مدرسة مرتبطاً بنشاط مدرسي، هذا لا شك جزء من الأعمال المنتجة والمهمة؛ لكن المدرس يدخل الفصل ويتحدث مع الطلاب ولا يملك أحد أبداً أن يحاصر حديثه، ولسنا بحاجة إلى مدرس يوقع نفسه والآخرين في إحراجات، نحن بحاجة إلى إنسان يخوف الناس بالله عز وجل.. أن يعظهم ويذكرهم بالدار الآخرة.. أن يعالج المشاكل التي يعانون منها.. مشاكل الشهوات الصارخة أمامهم.. مشاكل عدم وضوح الطريق، أقول: يمكن أن يؤدي من خلال فصله التوجيه في الفصل مع الطلاب من خلال المنهج الدراسي وغيره .. أن يوجه الطلاب بالكلمة الصادقة.. أن يدعوهم إلى حسن الخلق .. أن يذكرهم بالله عز وجل ويخوفهم منه، هذا جزء لا يتجزأ من الدعوة التي نريد.

    وعندما نتحدث عن الدعوة فليس بالضرورة أن تكون الدعوة تلك المواقف التي فيها مواجهة، أو فيها إنكار لمنكرات ظاهرة أو غيرها، قد تكون هذه جزءاً من الدعوة وهي تطلب من أشخاص معينين، أو في مواقف معينة فيما يحقق المصلحة ولا يترتب عليه مفاسد، أما الخط العام في الدعوة إلى دين الله عز وجل فهي دعوة إلى دين الله بكل ما يحمله هذا الدين، فهل يعجز المدرس عن أداء مثل هذه الأدوار؟ لا يمكن، حتى ولو حوصر في فصله أو ضويق، فيجب أن ندعو ونعمل على قدر الموقع الذي نحن فيه.

    وإذا كنت أنت ستنسحب والثاني والثالث فمن يبقى لهؤلاء؟ وأنا بصراحة أقول: إن الرجل الذي ينتظر الأدوار أن تفتح له الأبواب قد يكون رجلاً مستوى الجدية عنده منخفض، ومستوى العزيمة والإصرار عنده منخفض.

    يا أخي! أنبياء الله عز وجل كانوا يواجهون ما واجهوا من المضايقة والمحاصرة، والمحاصرة الإعلامية، والمحاصرة الجسدية، ومحاصرة كل ما يقول من كلمة والمضايقة والأذى، ومع ذلك واجهوا وعملوا، ولم يقولوا: قد قطعنا الإياس في شأن أقوامنا.

    مراجع درس التربية الجادة

    السؤال: طرحت في إحدى دروسك المفيدة درس: التربية الجادة؛ ولأهمية الموضوع ولبعض زملائي أود أن تدلني على المراجع التي تفيد عن ذلك الموضوع.

    الجواب: في النية إن شاء الله نشر هذا الموضوع وبعض الموضوعات الأخرى، فلعله يتيسر، لكن يمكن أن أحيل للأخ إلى قراءة سير الدعاة والمصلحين، فهي نموذج من السير التي تشعر الإنسان بالنماذج الجادة التي تساهم في إفادته، ولعل من المراجع القيمة في ذلك كتاب: صفحات من صبر العلماء على شدائد العلم والتحصيل لـعبد الفتاح أبو غدة ؛ لكن يجب أن يحذر القارئ لأن فيه بعض الهنات الخلفية، فهو يثني أحياناً على بعض المتصوفة، أو على بعض من ترك الزواج لأجل العلم، إلى غير ذلك من الهفوات التي لا تخفى على اللبيب، وإذا كان الشاب مبتدئاً في طلب العلم فالأنسب أن لا يقرأه، لكن إذا كان قد قطع مرحلة فيقرأ ويستطيع أن يدرك ما فيه من هنات أو أخطاء، وإن قرأه على من يبين له ما فيه من أخطاء فلا بأس؛ لأن الكتاب جمع فيه مواقف جيدة ونماذج من صبر العلماء على التحصيل والشدائد.

    وأيضاً الكتب التي تحدثت عن إنكار العلماء للمنكرات ودعوتهم سواء كانت كتباً فردية عن دعوة عالم بعينه أو كانت عامة، والسير والتراجم التي ترجمت العلماء أيضاً حافلة بذلك.

    صحبة الشاب للأخيار خير له ولو لم يتأثر بهم

    السؤال: لي أخ يذهب مع بعض الأخيار وله أكثر من سنة ولكني لم أجد عليه أي تأثر بهم، فهو يمشي معهم أو مع بعض أقاربه أو مع أبناء الجيران وإن كان لديهم لعب أو لهو، وحاولنا أن يقتصر على الأخيار فقط ولكن دون فائدة، فما توجيهكم؟

    الجواب: أن يستمر ولا حرج، نفترض أنه الآن يصاحب الأخيار أو يصاحب غيرهم، صحيح أنه لا يستفيد لكن استمراره معهم فيه خير كبير فإنه سيحافظ على الأقل على مستوى معين من الالتزام لو كان لم يجلس مع هؤلاء الأخيار فلن يبقى، ولو وضعنا أمامه خياراً إما أن تختار هؤلاء وحدهم أو أولئك وحدهم فقد ينحرف وينجرف إلى أصحاب السوء جملة واحدة، فمهما كان فهو على خير، ولعل الله عز وجل أن يفتح على قلبه فيجب أن يواصل معهم ولو كنا لا ندرك عليه أثراً واستفادة فلعله أن يستفيد فيما يستقبل من الأمر ولا نستعجل النتائج.

    إقناع الناس بالعمل وأهميته في الدين

    السؤال: إن لي صديقاً أقضي معظم وقتي معه ولا يخلو وقتي معه من فائدة، ولكن عندما أعرض عليه المشاركة في أنشطة مع مجموعة من الشباب لا أجد منه حماساً مثلي، وربما كان أفضل مني، فما السبيل في محاولة إشراكه في مثل هذه الأنشطة الخيرة؟

    الجواب: السبيل أن نقنع الناس بأنهم يحتاجون إلى العمل حتى تبرأ ذممهم من هذا الواجب الشرعي الذي فرضه الله عز وجل على الناس من الدعوة لدين الله سبحانه وتعالى ونشر الخير ونشر الدين.

    أيضاً: أن أمتهم ومجتمعهم بحاجة إلى مثل هذه المشاركة، ثم أيضاً إقناعه بالأجر العظيم الذي يترتب على المشاركة في مثل هذه الأعمال الخيرة وهذه الجهود الدعوية المثمرة، وأيضاً إقناعه بشؤم التخلي عن هذه الأدوار وما يجنيه من تخلى عنها وأعرض عنها إلى غير ذلك من وسائل الإقناع والمناصحة فلعلها أن تجد في قلبه مكاناً ولعلها أن تجد في قلبه أثراً.

    في ختام هذا المجلس المبارك نسأل الله سبحانه وتعالى ونتوجه إليه ونحن في بيت من بيوت الله عز وجل قد اجتمعنا على مجلس من مجالس العلم ومجالس الذكر، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يكون من المجالس التي تحفها الملائكة، نسأله سبحانه وتعالى ونتوجه إليه بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن ينصر الإسلام والمسلمين وأن يكتب العز والتمكين لهذه الدعوة المباركة ولأولياء الله عز وجل، ونسأله سبحانه وتعالى أن يرحم إخواننا الذين كانوا يشاركوننا وتخطفتهم المنية ولم نعد نراهم في هذه المجالس، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يرحمهم وأن يتجاوز عن سيئاتهم، وأن يرفع حسناتهم، نسأله سبحانه وتعالى أن يغفر لهم، وأن يرفع درجاتهم في المهديين، وأن يخلفهم في عقبهم في الغابرين إنه سميع مجيب، وأن يمن على المرضى منهم بالشفاء العاجل، ونسأله سبحانه وتعالى أن يجمعنا وإياهم في مستقر رحمته ودار كرامته كما اجتمعنا جميعاً في هذه الدنيا.

    وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وسبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.