إسلام ويب

حاجتنا إلى طلب العلمللشيخ : أبو إسحاق الحويني

  •  التفريغ النصي الكامل
  • طلب العلم فريضة على كل مسلم، وبالعلم يعبد الله على بينة وبصيرة ولا يشرك به شيئاً، وفضل طلبه عظيم كما اشتهر في الأحاديث والآثار. ولكي يؤتي الطلب ثمرته؛ لابد من التزام الطالب آداب المتعلم مع العالم ومع إخوانه المتعلمين كذلك. ثم لابد له من الإخلاص في الطلب، وعدم التهاون في السؤال عما أشكل عليه، وهناك أمر يعين على التأدب بآداب العلماء وطلاب العلم: ألا وهو قراءة سير العلماء وطلاب العلم من السلف الصالح: كالشافعي وأحمد وغيرهما.

    1.   

    شرح حديث صفوان بن عسال في المسح على الخفين

    إن الحمد لله تعالى نحمده، ونستعين به ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وآله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالة في النار.

    اللهم صل على محمدٍ وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميدٌ مجيد، وبارك على محمدٍ وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميدٌ مجيد.

    روى الإمام الترمذي في سننه -وصححه- من حديث زر بن حبيش رحمه الله قال: (أتيت صفوان بن عسال المرادي رضي الله عنه، فلما رآني قال: ما جاء بك يا زر؟ قلت: ابتغاء العلم، فقال: إن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضاً بما يطلب، فقال له: إنه قد حك في صدري شيءٌُ في المسح على الخفين، وكنت امرأً من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فهل عندك عنه شيء؟ قال: نعم، أمرنا إذا كنا سفْراً -أي: مسافرين- أن لا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن إلا من جنابة، لكن من غائط أو بول أو نوم، فقلت له: هل تذكر في الهوى شيئاً؟ قال: بينما نحن مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم في سفرٍ، إذ ناداه أعرابيٌ بصوتٍ له جهوريٍ: يا محمد، فقلت له: ويحك، اغضض من صوتك، أولم تُنْه عن هذا؟ فقال: والله لا أغضض، فأجابه النبي صلى الله عليه وآله وسلم بنحوٍ من صوته: هاؤم، فقال: الرجل يحب القوم ولما يلحق بهم؟ فقال عليه الصلاة والسلام: المرء مع من أحب، فما زال يحدثنا حتى أخبرنا أن لله تبارك وتعالى باباً لا يغلقُ حتى تطلع الشمس من مغربها، عرضه سبعون -أو قال: أربعون ذراعاً- جعله الله تبارك وتعالى للتوبة).

    الاهتمام بالنفسيات من سمات العلماء

    هذا الحديث يشتمل على جُملٍ من العلم، أول هذه الجمل: أن الصحابة رضوان الله عليهم كان عندهم من فقه بعلم النفس ما لم يكن عند أي جيلٍ جاء بعدهم، والمقصود بعلم النفس هو تنزيل الكلام على مقتضى حال المخاطب، هذا هو فقه النفس.. أن تضع الكلمة في مكانها، سواء كانت بشدةٍ أو كانت بلطف، كما قال المتنبي :

    ووضع الندى في موضع السيف بالعلى مضرٌ كوضع السيف في موضع الندى

    بمعنى أ، الإنسان الرقيق إذا عاملته بالسيف فهذا مضر، لكن إذا وضعت السيف في مكانه، فحسن وجميل؛ برغم أنه شديد، والشدة في موضعها هي اللطف، كما أن اللطف في موقعه هو كذلك، فأصحاب النبي عليه الصلاة والسلام كانوا فقهاء، يظهر ذلك من سؤال صفوان بن عسال المرادي -وهو أحد أصحاب الرسول عليه الصلاة والسلام- لما رأى زر بن حبيش جاء وقد قطع هذه المسافات لأجل أن يسأل مسألةً، قال: ما جاء بك يا زر ؟ قال: ابتغاء العلم، قال له: (إن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضاً بما يطلب). فهذا هو فقه النفس، أن بشره بالجائزة، فطالب العلم الذي يقطع المسافات الطويلة في سبيل طلب العلم، حين يعلم أن الملائكة تضع أجنحتها له رضاً بما يطلب؛ يهون عليه كل شيء.

    الله تبارك وتعالى جبل الناس على أن يعملوا لأجر، لذلك قال الله عز وجل: إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ [التوبة:111]، تصور الحوار الذي دار بين النبي عليه الصلاة والسلام في بعض المعارك وبين رجل كان يأكل تمرات قال: (مالي عند ربي إن قتلت في سبيله؟ قال: لك الجنة، فرمى بالتمرات وقال: إنها لحياةٌ طويلة حتى آكل هذه التمرات)؛ لأن الذي يفصل بينه وبين الجنة هو أن يموت، فاستكثر هذه الدقائق التي يكمل فيها التمر، ورمى بها وقال: إنها لحياة طويلة حتى آكل هذه التمرات، ثم قاتل حتى قتل.

    لو أن الرسول عليه الصلاة والسلام لما سأله هذا الرجل وقال له: مالي عند ربي إن قتلت في سبيله؟ فقال: ليس لك شيء؛ هل كان يرمي بالتمرات ويستعجل الموت؟ الجواب: لا، إنما لأن هناك نتيجة وجائزة، رمى بهذه التمرات.

    كما جاء رجلٌ إلى عبد الله بن الزبير أيام حربه مع الحجاج بن يوسف الثقفي ، لما ضرب الحجاج الكعبة بالمنجنيق، فجاء رجل كان مشهوراً بالقتال، فقال لـعبد الله بن الزبير : أنا فارسٌ مغوار، وصنعت كذا وكذا، وجعل يعدد له أمجاده، ما تعطيني إذا قاتلت معك الحجاج؟ فقال: أعطيك كذا وكذا من الأموال، قال: أنقدني، فقال له: عندما نرجع، فتولى عنه الرجل وقال: أُراك تأخذ روحي نقداً، وتعطيني دراهمك نسيئة!

    فالله عز وجل جبل الناس على أن يعملوا لشيءٍ.. لأجر، ولذلك جعل الجنة وجعل النار، وجعل يبشر المتقين بالجنان، ويبشر الكافرين بالنار، كل هذا لأنه جبل الناس على أن يعملوا لشيء، وهذا البحث يظهر بشيءٍِ من التأمل في قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (إن قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة، فإن استطاع أن لا تقوم حتى يغرسها فليغرسها).

    (فسيلة) أي: نخلة.

    لماذا قال: (فليغرسها)؟ لأن الإنسان لكونه لا يعمل إلا لأجل هدفٍ، فإنه لا يغرس النخلة عادةً إلا ليأكل منها من يأتي من بعده من أولاده وأحفاده، فلما تقوم الساعة لن يأكل منها أحدٌ، فلربما تجاوب الرجل مع ما هو مجبول عليه، فيرمي هذه الفسيلة، ويقول لنفسه: من الذي ينتفع بها؟ فيرميها، فكأنه عليه الصلاة والسلام قال له: خالف ما جبلت عليه واغرسها.

    وأضرب مثلاً يقرب المقصود من الحديث: أعرف طبيباً غنياً، وكان عنده عيادتان، وعنده عدة عمارات، وتزوج بابنة خالته وكان شديد الحب لها، والله تبارك وتعالى كأنه قضى عليها بالعقم، وهو يريد الولد منها، فدار تقريباً في أكثر دول العالم المتقدمة في الطب، رجاء أن يرزقه الله تبارك وتعالى الولد منها، وفي آخر مرة ذهب بها إلى النمسا، رجع وقد قضي على آخر أملٍ له في الإنجاب، فلما رجع جعل يبيع العمارات، وباع عيادة من عيادتيه.. فلما سئل: لماذا تفعل ذلك؟ قال: ولمن أترك كل هذا؟

    هو لو علم أنه عقيم من أول ما تزوج، أو امرأته عقيم من أول ما تزوج، ما كان عنده ذاك الأمل في هذا البنيان ولا هذه الاستزادة من المال، لكنه كان يؤمِّل يقول: لعل الله تبارك وتعالى يرزقني ويهب لي مولوداً، فلما علم يقيناً أنه لا أمل في ذلك، صار يبيع كل هذا، وصار يستمتع بالمال ويقول: لمن أتركه؟

    إذاً: الإنسان مجبول على حب المكافأة، فـصفوان بن عسال المرادي رضي الله عنه -وهو فقيه عالم بالنفس- بمجرد أن رأى زر بن حبيش قد قطع كل هذه المسافات حتى يسأل عن مسألةٍ، أعطاه الجائزة الذي تهون عليه كل صعبٍ لقيه في سبيل هذه المسألة.

    حسن السؤال نصف العلم

    فقال له: (إن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضاً بما يطلب)، فقال له زر : (إنه قد حك في صدري شيءٌ في المسح على الخفين)، وفي هذا دليلٌ على مشروعية أن يسأل المرء إذا حاك في صدره شيء، أن يسأل أهل العلم، ولا يسأل أي إنسان له سمت العالم، إنما يسأل أهل العلم.. فقصة حديث الرجل الذي قتل تسعة وتسعين نفساً، لما أراد أن يتوب، قال: دلوني على أعلم أهل الأرض، فدلوه على راهب.. فلما سأله: إني قتلت تسعة وتسعين نفساً؛ ألي توبة؟ قال له: لا، فقتله، وفي بعض طرق الحديث قال: (فدلوه على راهب عابد) ومن أخطر ما يقع فيه اللبس عدم التفريق بين العالم وشبيه العالم، فكثير من الناس لا يفرقون بين العالم الحق وبين من يتزيا بزي العالم؛ فيحدث الخلط، فهذا شد رحاله إلى الصحابي الجليل وسأله سؤالاً، وهذا السؤال دل على فقه زر بن حبيش حيث قال فيه: (إنه قد حك في صدري شيءٌ في المسح على الخفين) قال له: (وكنت امرأً من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم فهل عندك عنه شيء؟) نِعمَ السؤال..! ما قال له: ما رأيك في هذا الموضوع؟ أو أنت ما ترى من فتوى؟ وكما قال القائل: ومن طلب البحر استقل السواقيا.

    مباشرةً رفع المسألة إلى الرسول عليه الصلاة والسلام، قال: (هل عندك عنه شيءٌ؟) وكما قيل قبل ذلك: حسن السؤال نصف العلم؛ لأن العلم عبارة عن سؤال وجواب، فإذا أحسن الرجل السؤال خرج الجواب حسناً على مقتضى السؤال، وعادةً تجد أكثر الفتاوى التي تخرج من العلماء الأعلام لا توافق الفتوى الصحيحة، والسبب في ذلك أن السؤال لم يكن صحيحاً.

    ونحن نقف على فتاوى لبعض العلماء، فنتعجب كيف أفتوا بذلك، لكننا نقف على جواب العالم، ولا نقف على السؤال الذي وُجِّه إليه، وعادةً يكون في الجواب من الخلل بقدر ما يكون في السؤال من الخلل؛ لأن الجواب مع السؤال كالصدى مع الصوت.

    وقديماً ذكروا أن صبياً خرج إلى الغابة يصطاد.. فبينما هو يصطاد إذ صرخ، فلما صرخ رجع له صدى الصراخ، فظن أن ولداً آخر في الغابة يغيظه، فقال له: من أنت؟ فرجع له الصوت: من أنت؟ قال: قل لي: من أنت؟ فرجع الصدى: قل لي: من أنت؟ فأخذ غصناً وجعل يبحث عن هذا الولد الذي يحاكي صوته ليضربه، فلما تعب فقال له: إنك حقاً قبيح، فرجع له الصوت: إنك حقاً قبيح، فزاد في غيظه، فجعل يبحث عن هذا الولد، فلما يئس أن يجده رجع إلى أمه كسيف البال حزيناً، فلما رأته حزيناً قالت: ما لك يا بني؟ فحكى لها القصة، فتبسمت الأم، وقالت: يا بني إنه لم يكن شيءٌ مما ذكرت، ذلك صدى صوتك، ولو قلت حسناً لسمعت حسناً!

    وتعني بذلك حين قال له: إنك حقاً قبيح، فرجع له صدى الصوت: إنك حقاً قبيح، فهو لو قال كلمة جيدة، لرجعت له الكلمة الجيدة أيضاً.

    فكذلك الجواب مع السؤال كالصدى مع الصوت تماماً، فإذا خرج السؤال سيئاً خرج الجواب على مقتضى سوء السؤال.

    أما زر بن حبيش فقد سأل سؤالاً يدل على علمه، وهو أنه يرفع السؤال بأن يطلب دليلاً: (وكنت امرأً من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم فهل عندك عنه شيء؟)، وكذلك كان جميع علمائنا بحمد الله تبارك وتعالى، كما أنهم ويتبرءون من مخالفة النبي صلى الله عليه وآله وسلم أحياءً وأمواتاً.

    1.   

    تبرؤ الأئمة الأربعة من مخالفة الحديث الشريف

    وما أجمل ما ذكره بعض المعاصرين -وقد توفي منذُ نحو أربعين سنة- في أرجوزة له لطيفة اسمها: أرجوزة المهدي، أو أرجوزة الهدى، فذكر الكلام المنقول عن علماء المسلمين الأربعة في تبرئهم من مخالفة النبي عليه الصلاة والسلام، فقال رحمه الله:

    وقول أعلام الهدى لا يعمل بقولنا بدون نص يقبل

    فيه دليل الأخذ بالحديـث وذاك في القديم والحديث

    قال أبو حنيفة الإمام لا ينبغي لمن له إسلام

    أخذاً بأقوالي حتى تعرضـا على الكتاب والحديث المرتضى

    ومالك إمام دار الهجرة قال وقد أشار نحو الحجرة

    كل كلام منـه ذو قبـول ومنه مردود سوى الرسول

    والشافعي قال إن رأيتم قولي مخالفاً لما رويتم

    من الحديث فاضربوا الجدارا بقولي المخالف الأخبارا

    وأحمد قال لهـم لا تكتبـوا ما قلته بل أصل ذاك فاطلبوا

    فانظر مقالات الهداة الأربعة واعمل بها فإن فيها منفعة

    لقمعها لكل ذي تعصـب والمنصفون يكتفون بالنبي

    صلى الله عليه وآله وسلم! بل قال في هذه الأرجوزة -برغم أنه حنفي المذهب-:

    واعجب لما قالوا من التعصب أن المسيح حنفي المذهب

    يعني: وصلت المسألة لدرجة الاعتقاد أن المسيح عليه السلام حين ينزل سوف يحكم بالمذهب الحنفي، بناءً على خرافة أن المسيح عندما ينزل لا يجد شيئاً من الإسلام إلا فقه أبي حنيفة رحمه الله، وهذا موجود في صندوق في نهر جيحون، ثم يذهب ليبحث عن هذا الصندوق حتى يتسنى له أن يحكم بالإسلام.

    كم من سنوات التخلف التي عاناها المسلمون بسبب عدم وقوفهم عند النص الشرعي، لو أننا تبنينا هذا السؤال الذي سأله زر بن حبيش رحمه الله لـصفوان بن عسال المرادي، لقل الخلل، لو أنا نقول: ماذا قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم في المسألة الفلانية؟ بدلاً من أن نقول: ما فتوى العالم الفلاني في المسألة الفلانية؟ لقل الكلام، ولسقطت كثير من الأقوال التي لا دليل عليها من الكتاب والسنة.

    لقد أحسن زر بن حبيش جد الإحسان بذاك بقوله لما قال في سؤاله: (وكنت امرأً من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فهل عندك عنه شيء؟) أي: في المسح على الخفين، فقال له: (أمرنا صلى الله عليه وآله وسلم إذا كنا سفْراً -أو مسافرين- ألا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن، إلا من جنابة، لكن من غائطٍ أو بولٍ أو نوم) أي: لكن لا ننزع الخف من غائط أو بولٍ أو نوم.

    1.   

    طالب العلم يتحمل التعب والهوان في طلب العلم

    وطالب العلم إذا ظفر بعالم فليستكثر، طالب العلم الذكي إذا ظفر بعالم يستكثر من السؤال، فما بالك إذا كان هذا العالم هو صاحب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وطلبة العلم كانوا يتجرعون الهوان أحياناً في استفادة مسألة من المشايخ، فقطعوا مسافات طويلة جداً وقد لا يظفرون.

    جاء رجلٌ إلى الأعمش رحمه الله وقال: يا أبا محمد .. أنا رجلٌ فقير اكتريت حماراً بدينار لأسألك مسألة، فقال له الأعمش : اكترِ حماراً بدينارٍ آخر وارجع، وأبى أن يجيبه.

    وجاء رجلٌ إلى يحيى بن معين وقال له: يا أبا زكريا أنا مستعجل، أنا ذاهبٌ إلى بلدي، حدثني حديثاً أذكرك به. قال: اذكرني إذ طلبت مني فلم أفعل، وأبى أن يعطيه. بل اشتُهر عن الأعمش رحمه الله أنه كان شديداً جداً على الطلبة، لدرجة أنه كما قال الخطيب البغدادي في "كشف أصحاب الحديث" روي أن الأعمش اشترى له كلباً، مجرد أن يسمع وقع أقدام أصحاب الحديث اقتربوا من الدار يطلق عليهم الكلب، انظر حين يجري أحد كـشعبة بن الحجاج وسفيان الثوري ، هرباً من الكلب، ثم إذا ما الكلب رجع، رجعوا مرةً أخرى إلى بيت الأعمش ، لا يملون أبداً، قال الخطيب في الرواية: حتى ذهبوا إليه ذات يوم فلم يخرج إليهم، فدخلوا الدار فلما رآهم الأعمش بكى، قالوا: ما يبكيك يا أبا محمد ؟! فقال لهم: قد مات الذي كان يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر (الذي هو الكلب)..

    وجاءه رجل مرة من سفر، وقال له: يا أبا محمد .. حديث كذا وكذا ما إسناده؟ فأخذ بحلقه ولصقه في الحائط، وقال: هذا إسناده.

    وكان إذا حدّث رحمه الله لا يحب أحداً أن يجلس بجواره، فجاء رجلٌ من الغرباء، ولا يعرف طبع الأعمش ، فجلس بجواره، فأحس به الأعمش وكان كفيفاً، فلما أحس به، صار يقول: حدثنا.. ويبصق عليه، فلان.. ويبصق عليه، قال: حدثنا.. ويبصق عليه، وهم جميعاً يحذرونه أن يتكلم؛ لأنه لو تكلم لقطع الأعمش مجلس التحديث، فكان طلاب العلم يلقون الهوان، والمشايخ بطبيعة الحال ما كان قصدهم الإذلال لمجرد الإذلال، بل كانوا يقصدون كسر الكبرياء والشموخ الذي عند التلميذ، لأن التلميذ إذا جاء إلى الأستاذ وهو يستحضر نسبه ويستحضر أسرته.. فإنه لا يفلِح أبداً، بل يجب أن يتزيا بزي التلميذ طالما أنه تلميذ.

    1.   

    تواضع الإمام الشافعي وإجلاله لأهل العلم

    الإمام الشافعي رحمه الله، كان بلا شك عند جميع العلماء أفضل من محمد بن الحسن الشيباني ، فـمحمد بن الحسن الشيباني ليس مجتهداً مطلقاً، حيث كان ينتسب إلى مذهب أبي حنيفة ، أما الشافعي فقد كان مجتهداً مطلقاً، ومع ذلك لمّا أراد الشافعي رحمه الله أن يأخذ فقه أهل العراق ذهب إلى محمد بن الحسن الشيباني ، وجلس أمامه بسمت تلميذ، حتى أن الشافعي -وقد كان يخالف كثيراً من فتاوى محمد بن الحسن - من أدبه أنه لم يبادر بالاعتراض على الأستاذ، لكن إذا قام محمد بن الحسن الشيباني ناظر التلاميذ، وأظهر لهم أنه أخطأ في المسألة؛ لأن فتواه مخالفة للحديث، ويسوق الأسانيد المتكاثرة بأن المسألة خطأ ومخالفة للأثر، فكانوا لا يجدون جواباً، وكان الشافعي يظهر عليهم كل مرة، فشكوا ذلك إلى محمد بن الحسن فعندها قال له: محمد بن الحسن : إنه بلغني أنك تعترض، وأنك قلت كذا وكذا، فناظرني، فقال له الإمام الشافعي : إني أجلُّك عن المناظرة..! لاحظ الأدب! قد يكون التلميذ في يوم من الأيام أعلم من شيخه أو أستاذه، لكن لا يحمله ذلك على أن يهضم حق شيخه الذي فتح ذهنه على طلب العلم، مهما كان حجم أستاذه ضئيلاً، فالنبلاء يحفظون الجميل، فقال له: لابد لك من ذلك، فناظره الشافعي فظهر عليه؛ لأن الشافعي كان عنده الاهتمام بالحديث والأثر أكثر من أهل العراق.

    ثم تناظروا في الماء المطلق، فقال له الشافعي رحمه الله بعد انتهاء البحث: (إنكم لتقولون في الماء قولاً) انظر لكلام الشافعي ، والحقيقة أنه قال كلمة شديدة في محمد بن الحسن الشيباني ، ولكنه صاغ الكلمة في أسلوب جميل، تسمعونه فلا تشعرون أنه طعن فيه، قال له: (إنكم لتقولون في الماء قولاً لعله لو قيل لعاقل: تخاطأ، فقال بقولكم، لكان قد أحسن التخاطؤ).

    لاحظ، قد تظن أن الكلمة رقيقة، وهي في منتهى الشدة، ملخصها أنه قال له: إنكم لتقولون في الماء قولاً، لو قيل لعاقلٍ: ادَّعِ الجنون، فمثّل دور المجنون، لما فعل أحسن من قولكم في الماء، لاحظ فإنه كلام شديد جداً.

    وكان محمد بن الحسن الشيباني سميناً بديناً، فكان الشافعي يقول: (ما أفلح سمين قط إلا محمد بن الحسن)، وكان يقول: (إن العلم يُزيل الدهن( لأن المعتاد أن طالب العلم الجيد يكثر من السهر، ومن كثرة استغراقه في الطلب باستمرار يضمر، لكنه مازال محتفظاً بهذا السمن، فمعنى ذلك أنه يأكل جيداً وينام جيداً، وهذا ينافي ما كان عليه العلماء، كما روى مسلم في صحيحه عن يحيى بن أبي كثير قال: ( لا يستطاع العلم براحة الجسد)، وطالب العلم يحتاج إلى قوة أكثر للجسد حتى يتحمل روحه الفتية التي تحرمه النوم.

    1.   

    شدة حب الصحابة للنبي صلى الله عليه وسلم

    وفي غزوة الخندق أصاب الصحابة جوع كما في الحديث، فذبحوا داجناً، وعجنوا كف طحين، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم باللحم، فجيء به فبصق فيه وبارك.. ثم قال: أين عجينكم؟ فجيء به، فبصق فيه وبارك، قال جابر : فأقسم بالله لقد أكلوا حتى تحولوا وتركوه، وكانوا ألف رجل، وإن البرمة لتغط باللحم كما هي، وإن العجين ليخبزُ كما هو.

    الشاهد قول جابر : لقد رأيت شيئاً ما لي عليه صبر، مع أنه أيضاً كان جائعاً، لكن من شدة حبه نفى جوع نفسه لما رأى الجوع في وجه الرسول عليه الصلاة والسلام.

    وفي صحيح مسلم من حديث عبد الرحمن بن شماسة المهري رحمه الله قال: دخلنا على عمرو بن العاص وهو في سياقة الموت، فلما رآنا حول وجهه إلى الجدار وبكى طويلاً، فقال ابنه: يا أبت! ألم يبشرك النبي صلى الله عليه وآله وسلم بكذا وكذا؟ قال: فالتفت إلينا وقال: (لقد رأيتني على أطباقٍ ثلاث) أي: مررت في حياتي بثلاث مراحل: (لقد رأيتني وما أحدٌ أشد بغضاً إلي من النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ولا أحب إلي من أن أكون استمكنت منه فقتلته، فلئن متُّ على هذا الحال لكنت من أهل النار، فلما أسلمت جئت النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقلت: يا رسول الله ابسط يدك فلأبايعك، فبسط يده، فقبضت يدي، قال: مالك يا عمرو ؟ فقلت: أردت أن أشترط، قال: تشترط ماذا؟ قلت: أشترط أن يغفر لي، قال: أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله، وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها، وأن الحج يهدم ما كان قبله؟ قال: فوالله ما كان أحدٌ أحب إلي قط من النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ووالله ما كنت أملأ عينيّ منه إجلالاً له، ولئن سئلت أن أصفه لكم لما أطقت ذلك، لأنني ما كنت أملأ عيني منه إجلالاً له، فلو متُ على هذا الحال، لرجوت أن أكون من أهل الجنة) من كثرة هيبة النبي صلى الله عليه وسلم وإجلاله لم يملأ عينيه من النظر إلى وجهه.

    فلذلك حين سمع الصحابة رضوان الله عليهم قوله عليه الصلاة والسلام: (المرء مع من أحب)، طاروا فرحاً، لأنه المحبوب الأعظم في البشر، فما كانوا يحبون أحداً أكثر منه، ولذلك أنس بن مالك قال كما سمعتم: فما فرحنا بعد إسلامنا كفرحنا بهذا؛ لأنهم جميعاً كانوا يحبون النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فآفة الآفات عندنا أننا لا نعظم النبي عليه الصلاة والسلام التعظيم الواجب، دعك من أصحاب الدعاوى، فأسهل شيءٍ أن يدعي المرء أنه يحب الرسول عليه الصلاة والسلام.

    مرةً جمعني مجلس برجل كان يدخن، فقلت: يا أخي.. أما تعلم أن التدخين حرام؟ فأخذ نفساً عميقاً وأخرجه من خياشيمه، ثم قال لي: يعني ليس مكروهاً فقط؟ فقلت له: هب أنه مكروه.. ما يحملك على أن ترتكب مكروهاً؟ ثم بدأ يناقش وهو يدخن دون احترام، بدلاً من أن يطفئ السيجارة حتى يقتنع أحدنا بكلام الآخر أو على الأقل احتراماً لمن يخاطبه.

    وفي الحقيقة فإنا نجد هذه الأفعال كثيراً؛ لأننا لم نوقر النبي عليه الصلاة والسلام ذاك التوقير الواجب الذي كان ظاهرةً ملفتة في جيل الصحابة رضوان الله تبارك وتعالى عليهم.

    نسألُ الله أن يجعلنا وإياكم من محبي النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وأن يرزقنا حبه، وحب من يحبه.

    أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، واعذروني إذا كنت قد أطلت عليكم، فإن الكلام في محبة الرسول عليه الصلاة والسلام ذو شجون.

    1.   

    الأسئلة

    نبذة عن طلب الحويني للعلم

    السؤال: نرجو من فضيلتكم إعطاءنا نبذة مختصرة عن كيفية طلبكم للعلم؟

    الجواب: والله لا تؤاخذوني في فتح الجواب عن هذا السؤال، لأن أخاكم ليس بذاك، يعني ما حصّل شيئاً يذكر حتى يمكن أن يقول: أنا..! فأنا أعترف بقصوري وقصور باعي وتطفلي علي هذا العلم، وأمثالي لو كان موجوداً في زمن علم لما صلح إلا لأن يحمل إبريق الشيخ، لكن نحن بكل أسف صرنا في زمانٍ نتفاضل فيه بالجهل، بينما كان أسلافنا يتفاضلون بالعلم، فكن يقال: فلان أعلم من فلان، نحن الآن نقول فلان أخف جهلاً من فلان، فأنا أستحيي أن أتكلم لأني ما عندي شيء يستحق الذكر، إنما إذا أردتم أنكم تبحثُوا عن حياة شيخٍ أو رجل يستحق الذكر، فعليكم بالشيخ محمد ناصر الدين الألباني ومن جرى مجراه في هذه الحلبة؛ لأنهم أهلٌ لأن يحتذوا، إنما أنا مثلكم، لا فرق بيني وبينكم إلا أنني أجلس في هذه المنصَّة وأنتم تحتها!.

    لابد لطلب العلم من الهمة والمثابرة

    السؤال: ما رأيكم بمن يقول: لن أطلب العلم حتى ألتحق بالجامعة، وهناك سأتفرغ وأهتم وأجد وأجتهد؟

    الجواب: الذي يظن أن الدراسات الجامعية تؤهله لأن يكون عالماً أو طالب علم فهو مخطئ، إن الكتب الجامعية لا يمكن أن تخرِّج نصف طالب علم، ولا ربع طالب علم، إذا رأيتم طالباً على مستوى عال في بعض هذه الجامعات، فاعلموا أن هذا من جهده في المقام الأول، وأنه خرج عن حيز الدراسة.

    فالذي يؤجل طلب العلم إلى أن يدخل الجامعة ضيع أحلى سنوات العمر وأفضلها، وكما يقال: التعلم في الصغر كالنقش على الحجر.

    وأنت لا تضمن أن تكون بصحتك عند دخولك الجامعة، ولا تضمن أن تكون خالياً من المشاكل والمشاغل إذا وصلت إلى الجامعة، ابدأ الآن في طلب العلم، حيث أن الله تبارك وتعالى أفاء عليك بالوقت، وأفاء عليك بالراحة، ووسائل المواصلات المريحة، وأفاء عليك بالمال، فتستطيع أن تشتري الكتب، وأفاء عليك بالمواصلات الحديثة كالهاتف والفاكس وهذه الأشياء، وبدلاً من الرحيل إلى الشيخ في أقصى بلاد الدنيا، تستطيع أن ترفع الهاتف وتكلِّم الشيخ، أسلافنا ما كانوا كذلك.

    دعوني أحكي لكم قصة لـشعبة بن الحجاج رحمه الله.. أراد أن يتأكد من حديثٍ واحد. وهذه القصة مذكورة في مقدمة كتاب المجروحين لـابن حبان ، ورواها الخطيب البغدادي أيضاً في كتاب الكفاية من طريق نصر بن حماد أبي الحارث الوراق ، قال: كنا بباب شعبة نتذاكر السنة، فقلت لهم: حدثني إسرائيل عن أبي إسحاق السبيعي عن عبد الله بن عطاء عن عقبة بن عامر الجهني أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (من توضأ ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية)، قال: فما أن انتهيت من الحديث حتى خرج شعبة من الدار فلطمني فدخل، وكان معه عبد الله بن إدريس ، قال: فقعدتُ أبكي، فخرج شعبة فوجدني أبكي، فقال: هو بعد يبكي؟ فقال عبد الله بن إدريس : إنك لطمت الرجل، قال: إنه مجنون، إنه لا يدري ما يحدِّث به، ثم استقبل شعبة الحديث يسرده -سيحكي قصته مع هذا الحديث- قال: (إني سألت أبا إسحاق : هل سمعت هذا الحديث من عبد الله بن عطاء )، ولعلكم تعلمون أن أبا إسحاق السبيعي كان يدلِّس، والمدلِّس يعمد إلى شيخه أو إلى شيخ شيخه فيحذفه، وينظم الرواية بالعنعنة، وكان شعبة شديد النكير على هؤلاء المدلسين، وكان يعلم أن أبا إسحاق السبيعي مدلس، وهو القائل كما صح عنه: كفيتكم تدليس ثلاثة، وذكر منهم أبا إسحاق السبيعي .

    (فلمّا سمع أبو إسحاق السبيعي كلمة شعبة غضب، وأبى أن يجيب)، فإذاً لابد أنه دلِّس في السند؛ فطالما أنه أبى أن يجيب فيكون قد دلّس؛ لأنه لو كان سمع حقاً لبادر، وقال: سمعت. فقال مسعر بن كدام -وهو إمامٌ ثقة كبير القدر-: يا شعبة .. عبد الله بن عطاء حيٌ بمكة -إذا أردت أن تتأكد فاذهب إلى مكة- وشعبة أين؟ شعبة في البصرة، أهي مسافة قصيرة؟!! شعبة في البصرة، وعبد الله بن عطاء في مكة، قال شعبة : (فخرجت من سنتي إلى الحج ما أريد إلا الحديث)، قال: (فلما ذهبت إلى مكة دخلت على عبد الله بن عطاء ، فإذا رجلٌ شاب فقلت له: حديث الوضوء هل سمعته من عقبة بن عامر ؟ قال: لا، إنما حدثنيه سعد بن إبراهيم ، ..... وسعد بن إبراهيم هذا مدني.. يسكن في المدينة، قال: فذهبت إلى مالك -الإمام المشهور- فسألته عن سعد بن إبراهيم فقال لي: ما حج العام -إذاً سيكلِّفه رحلة إلى المدينة- قال: فقضيت نسكي وتحللت وانحدرت إلى المدينة، فقابلت سعد بن إبراهيم .. قلت له: حديث الوضوء سمعته من عقبة بن عامر ؟ قال له: لا، من عندكم خرج -أي: من البصرة-، قلت: من حدثك؟ فقال: زياد بن مخراق ، فقال شعبة : حديثٌ مرةً مكي، ومرةً مدني، ومرة بصري، دمِّر عليه لا أصل له. قال: وانحدرت إلى زياد في البصرة وأنا كثير الشعر وسخ الثياب، فقلت له: حديث الوضوء سمعته من عقبة بن عامر ؟ قال: ما هو من بابتك، قلت له: فما من بُد، هذه حاجتي، قال له: لا أحدثك حتى تذهب إلى الحمام فتغتسل وتغسل ثيابك ثم تأتيني، فذهب واغتسل وغسل ثيابه وجاء، قال: حديث الوضوء سمعته من عقبة بن عامر ؟ قال له: لا، سمعته من شهر بن حوشب ، وشعبة كان سيئ الرأي في شهر بن حوشب ، قال: شهر بن حوشب عمن؟ قال: عن أبي ريحانة عن عقبة بن عامر ، لاحظ كم رجلاً سقط من الإسناد؟ سقط سعد بن إبراهيم ، وسقط زياد بن مخراق ، وسقط شهر بن حوشب ، وسقط أيضاً أبو ريحانة ، أربعة سقطوا، مما يبيِّن لك خطورة التدليس، فقال شعبة رحمه الله: (حديثٌ صعد ثم نزل، دمِّر عليه لا أصل له، والله لو صح هذا الحديث لكان أحب إليّ من أهلي ومالي)، وطبعاً هذا الحديث صح، لكن من طريق آخر غير الطريق الذي وقع لـشعبة .

    فهذا مثال.. رحلة من شعبة بن الحجاج يطوف فيها على بلدان وتعلمون المسافات الشاسعة بين تلك البلدان وبعضها؛ لأجل أن يتأكد من حديثٍ واحد، قد يصيب بعض طلبة العلم المتخصصين الكسل أن يدير قرص الهاتف حتى يتّصِل بالشيخ الفلاني، يسأله مسألة في علم الحديث أو علم الفقه، انظر إلى الهمم!!.. كان ابن الجوزي يقول: (إنما البكاء على خساسة الهمم) المسألة ليست قلة إمكانات أبداً، أي كتاب مهما كان تستطيع أنك تشتريه، إن لم تستطع أن تشتريه تستطيع أن تصوِّره في الحال، تصور لو أننا في زمن ابن حجر ، وأردت أن تنسخ فتح الباري، وكلفت ناسخاً ينسخه لك، تريد أشهراً لنسخه، أما الآن فأنت تستطيع أن تصوِّره في ليلة واحدة، لو وقفت وقفة رجل حازم، وعندنا من الكتب ما لم يكن عند كثير من هؤلاء، ومع ذلك لا نعلم منها شيئاً، هذا بسبب ماذا؟ بسبب التأخر في طلب العلم، تأخر زمان طلب العلم كلما قلت الهمم، والذي يؤجل طلب العلم إلى أن يدخل الجامعة الإسلامية أو غيرها من الجامعات، فليستبشر خيراً أنه لن يكون الذي يحلم، لن يكون ذلك. لو أنفقت في طلب العلم عمرك كله من وقت أن نطقت إلى أن تموت، ولو عمِّرت عمر نوح عليه السلام لمُتَّ مليئاً بجهلك، تموت وأنت جاهل فهناك مسائل أنت ما عرفتها.

    ابن جرير الطبري رحمه الله، دخل عليه بعض أصحابه يعوده في مرض الموت، فتذاكروا مسألة أظنها في الفرائض، فدعا ابن جرير الطبري بقرطاس ودواة وقلم، وأراد أن يكتبها، فقال له صاحبه: أفي هذا الحال؟ أي: رجل يعاني من مرض الموت، قال له: أَخرُج من الدنيا وأنا عالمٌ بها، خيرٌ من أن أخرج منها وأنا جاهل بها، مع أنه لن يكون عنده من الوقت ما يستطيع أن يفيد غيره بذلك، لكن هي محبة لطلب العلم، الذي يحب طلب العلم يُغلب على حبه، فلا يضيع شيئاً من وقته، وأخيار العلماء كانوا حريصين على الوقت وعلى طلب العلم أشد الحرص وأعظمه.

    فأنا أنصح هذا السائل إن كان عنده حب للعلم، أن يبدأ من الآن، وكفاه ما ضاع من عمره، فلا ينتظر حتى يضيع سنوات أخرى هو أحوج ما يكون إليها، والله أعلم.

    مداخلة: إن الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة من أعلى الجامعات الإسلامية، تخرج ما يربو على الألف أو الألفين سنوياً، ولكن كأنهم في خبر من يبحث عن الدنيا ويبحث عن المادة، ولا تسمع منهم إلا القليل القليل الذين فادوا وأفادوا واعتمدوا على الله تبارك وتعالى.

    تقسيم البدعة إلى بدعة مفسقة ومكفرة

    السؤال: هل تقسيم البدعة إلى بدعة مفسِّقة وبدعة مكفِّرة تقسيمٌ صحيح؟ وما هو الدليل على هذا التقسيم؟ حيث يقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (كل بدعة ... إلخ

    الجواب: بالنسبة لتقسيم البدعة إلى بدعة مفسِّقة وبدعة مكفرة صحيح، فلا مشاحة في الاصطلاح؛ لأن الفسق والكفر كلاهما من الضلال، فلا تعارض أصلاً، (كل بدعةٍ ضلالة)، فالضلال كلمة جامعة للفسق والكفر، إذاً لا تعارض، إنما الحقيقة الحكم على شخصٍ ما بأن بدعته مفسِّقة أو مكفِّرة، وهذا يكون بالنظر إلى ذات البدعة نفسها، يعني: هل تخرِجه من الملة أم لا؟ فمثلاً قد يبتدع رجلٌ بدعةً، وينسبها إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ويقول: أنا أعلم أنها ليست من الشرع، لكنني أضيفها مثلاً إلى الشارع أو نحو ذلك، فهذا قد يفسَّق، وقد يئول الأمر به إلى الكفر.

    فأنا أعتقد أن واقع كل إنسان هو الذي يفرق ما بين إذا كان كفَر -أي: خرج ببدعته التي ابتدعها من الشرع- أم ما زال ينتسب إلى الشرع ولكنه فسَق؟

    أنا أعتقد أنه لا يوجد حد فاصل تستطيع أن تجعله قانوناً ما بين البدعة المفسقة والبدعة المكفرة، بل الملابسات التي تحيط بذات الشخص هي التي تجعله يلتحق بهذا القسم أو ذاك.. والله أعلم.

    فقه الواقع

    السؤال: هل نحن ملزمون بتعلم فقه الواقع؟

    الجواب: فقه الواقع كان يسمى على ألسنة العلماء القدامى بفقه النفس الذي أشرت إليه قبل في الدرس، فهو هنا مجمل، والجواب: ليس الإنسان ملزماً بتعلم فقه الواقع، كما أنه ليس ملزماً بتعلم كل شيءٍ في الشرع، بل هناك أشياء هي فرائض الأعيان التي لا يجوز للمسلم أن يجهلها، فيما يتعلق بالتوحيد، وفي عبادته ونحو ذلك، هناك فرائض الأعيان وهناك فرائض الكفايات، فإذا كان كثير من علوم الشرعية -ومنها فقه الواقع- من فروض الكفايات فمن الذي يقول: نحن ملزمون جميعاً أن نتعلمه؟! لكن هذا إذا تعلمه جماعة سقط عن الباقين، وأنا ما أريد أن أخوض كثيراً في المسألة لاسيما كلمة (في الواقع) الآن إذا أطلقوها، يطلقها الذي سيسأل على معرفة واقع المسلمين الآن بالنسبة لأعدائهم، ولا أظن أحداً من أهل العلم يقول أن هذا الباب ليس مهماً، بل هو بابٌ مهم، لكن الاشتغال به عما هو أولى هو الذي يجعل المسألة فيها نظر، إنما ليس المسلمون جميعاً ملزمين بتعلم فقه الواقع؛ لأنه من فروض الكفايات، إذا علمه جماعة سقط عن الباقي.. والله أعلم.

    حكم تكفير من أنكر معلوماً من الدين بالضرورة

    السؤال: هل لابد من إقامة الحجة على من أنكر شيئاً معلوماً من الدين بالضرورة، وكذلك الذي يصدر منه كفرٌ بواح؟

    الجواب: المعلوم من الدين بالضرورة لا نحتاج إلى إظهار الحجة عليه، لأن معنى (معلوم من الدين بالضرورة) أنه ليس هناك جهلٌ به. نحن مثلاً في ديار تنتسب إلى الإسلام، ما هناك أحدٌ قط يجهل أن الصلاة من فرائض الإسلام، هذا أمر معلوم من الدين بالضرورة.

    لكن إقامة الحجة واجبة في المسائل التي لا تعلم من الدين بالضرورة، لأنها قد تخفى.. مثل مسألة التشبه بالمشركين، قد توجد بعض أشياء يُنازع أن فيها تشبهاً بالمشركين، بسبب جهل المتشبه حيث يقول: لا، لا يوجد دليل على أنها من التشبه، فحينئذٍ نثبت أن هذا من التشبه، ونقيم عليه الحجج، لماذا؟ لخفاء معنى التشبه على هذا الإنسان، فإذا أقمنا الحجة التي يكفر تاركها، وتبين لنا أن هذا الإنسان معاند يريد برأيه أن يطعن في نحر النص؛ فلك أن تحكم عليه بما يناسب الحال.

    لكن إذا كان الأمر معلوماً من الدين بالضرورة -وأنا أركِّز على هذه الكلمة (معلوماً من الدين بالضرورة)- فإقامة الحجة ليست بواجبة، بخلاف ما إذا كان خفياً أو يحتاج إلى بحث، فهذا يجب فيه إقامة الحجة قبل التكفير.. والله أعلم.

    حكم إقامة الحد من آحاد الناس

    السؤال: ما حكم المرتد؟ وهل فعلاً يجوز لغير الحاكم إقامة الحدود؟ يرجى توضيح المسألة، وما هو القول المشهور في ذلك؟

    وما تقول في من يقول: إذا سب الرجل النبي صلى الله عليه وسلم أمامي أَقتله، أو إذا سجد لغير الله أَقتله؟

    الجواب: بالنسبة لإقامة الحد ونحن نتكلم عن الواقع. إقامة الحد في الأصل إنما تكون للسلطان ولذي الشوكة أو من ينيبه هذا هو المشهور في كتب أهل العلم، والمسألة مرتبطة بالمصالح والمفاسد، فإذا غاب السلطان، فهناك لفيف من أهل العلم يجوِّزون لأحد الرعية أن يقوم بالحد، بشرط أن لا يترتب عليه مفسدة أعظم من المصلحة الناجمة من إقامة الحد.

    وأنا أتصور أن مسألة الكلام في جواز إقامة الحد لآحاد الرعية ليست مربط الفرس، إنما مربط الفرس مسألة تقدير المصالح والمفاسد، كثيرٌ من الذين يرون إقامة الحد لآحاد الرعية لا يقدرون المصالح والمكاسب كما ينبغي.

    لكن سنفترض مجرد افتراض: لو أن آحاد الرعية أقام الحد على رجلٍ بعد إقامة الحجة عليه، وهذا الرجل أصر على ذلك، فاستطاع أن يقيم عليه الحد بغير حدوث مضرةٍ أعظم من إقامة الحدِ جاز له، لكن الواقع يقول: إن إقامة الحد على أي إنسان في ظل الظروف الحالية التي نحن نمر بها يكون فيه من المفسدة ما هو أعظم من قتل هذا الإنسان، أو من جلده أو نحو ذلك.

    لذلك أنا في اعتقادي وقناعتي بما أراه من الواقع الآن أن إقامة الحد لآحاد الرعية فتح باب لشر عظيم، لذلك إذا غلبت المفسدة على المصلحة يجب أن يتوقف.

    بالنسبة للسؤال الآخر: إذا سب رجلٌ النبي صلى الله عليه وآله وسلم فإن الذي عليه جماهير العلماء أنه يقتل ولو تاب، وتفصيل هذه المسألة في كتاب "الصارم المسلول على شاتم الرسول".

    وهذه المسألة تختلف عن مسألة السجود لغير الله، قد يجهل الإنسان أن السجود لغير الله تبارك وتعالى من الكفر، كما حدث لـمعاذ رضي الله عنه، حين جاء فسجد بين يدي النبي عليه الصلاة والسلام، فقال: ما هذا؟ قال: رأيتهم يسجدون لأساقفتهم، فأنت أولى أن يسجد لك، فقال عليه الصلاة والسلام: (لو كنت آمراً أحداً أن يسجد لأحدٍ، لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها). فمسألة السجود لغير الله تختلف عن مسألة سب الرسول عليه الصلاة والسلام.

    هناك ثلاثة أشياء يكفر مرتكبها ولا يعذر فيها بالجهل: سب الله تبارك وتعالى، وسب دين الله عز وجل، وسب الرسول عليه الصلاة والسلام، لأن هذه الثلاثة: توقير الله عز وجل، وتوقير الرسول عليه الصلاة والسلام، وتوقير الدين؛ لا تحتاج إلى علم؛ فنقول: إنه جاهل؛ فنحتاج أن نعلمه أن الله عز وجل لا يجوز له سبه، وكذلك النبي عليه الصلاة والسلام، فإذا سب رجلٌ النبي عليه الصلاة والسلام، فهذا يقتل ولو تاب؛ بخلاف الرجل الذي سجد للصنم، أو سجد للقلم.. فقيل له: إن هذا شركٌ، أو إن هذا كفرٌ فتب منه، فقال: تبت، فلا قتل عليه أبداً؛ لأنه كان يجهل، بخلاف ما إذا سب فقال: تبت، العلماء يقولون: لا تقبل توبته حفاظاً على جناب الرسول عليه الصلاة والسلام؛ لأنه إذا فتحنا هذا الباب فيمكن لأي إنسان أن يسب ثم يقول: أنا تُبت، وهو لم يتُب في الحقيقة.. فيسب، ويقول: أنا تُبت..! فحينئذٍ تضيع هيبة الرسول عليه الصلاة والسلام، مع كثرة السب، فحمايةً لجنابه عليه الصلاة والسلام يقتل، فلو تاب حقاً، نفعه ذلك بينه وبين الله، أما إذا لم يتب فقد قتل وسيلقى جزاءه عند ربه، فهناك فرق ما بين المسألتين، والله أعلم.

    نصيحة للشيخ حول التخصص في طلب العلم

    السؤال: أجد في نفسي الميل إلى تعلم علم واحد فقط من علوم الشريعة الإسلامية، أما تعلم العلوم الأخرى، فلا أميل إليها؟

    الجواب: العلوم تتبعض وتتجزأ، لكن عادةً علوم الشريعة قنوات بعضها يؤدي إلى بعض، فإذا تعلم الرجل نوعاً واحداً فقط من العلم، وجهل الباقي فأنا أظن أنه سوف يكون عنده شيء من مزلة الأقدام في ذلك العلم، لكن هو يتبحر في ذلك العلم الذي يحبه، ويكون له مشاركات في العلوم الأخرى، يعني لا أتصور مثلاً رجلاً يتعلم الفقه، ويجهل علم المصطلح تصحيحاً وتضعيفاً، وإلا فعلم الفقه كله قائم على افتراض صحة الحديث، فإذا لم يكن عنده خبر بصحة الحديث من ضعفه، فيستطيع المخالف له أن يهدم دليله، وأن يهدم له حكمه بادعاء ضعف دليل المسألة، وحينئذٍ لا يجد بين يديه دليلاً.

    ولذلك أنا لا أظن أن هناك رجلاً يستقيم له الأمر في أي علم إلا إذا ضرب بسهم وافر في علم الحديث، لأنه كما يقول أرباب العلوم: علم الحديث علمٌ خادم، والعلوم الأخرى مخدومة، فعلم الحديث ومصطلحه هو مهيمن، فمثلاً: لو أن هناك إنساناً مرفهاً لا يستطيع أن يعيش بغير خادم، فمرض خادمه، فقد يموت من الجوع، فهو لا يستطيع أن يصنع لنفسه طعاماً؛ لأن الخادم هو الذي يفعل له كل شيء، فإذاً حياة هذا الإنسان إنما هي بالخادم، فلو مات الخادم، أو ذهب وتركه؛ فهذا الإنسان لا يساوي شيئاً، كذلك علم الحديث.. كل علم يحتاج إلى هذا العلم، فأنا أنصحه إذا كان العلم الذي يميل إليه، بخلاف علم الحديث، فله ذلك، لكن لابد من أن يضرب بسهمٍ في علم الحديث حتى يضمن سلامة أدلته، والله أعلم.