إسلام ويب

الترغيب في الزواجللشيخ : محمد حسان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الزواج حصن للمرء من الوقوع في معصية الله تعالى، وقد حث الله عليه، وجعله النبي صلى الله عليه وسلم من سنته، ونهى عن التبتل والانقطاع، كما أن الزواج يحقق رغبة الفطرة، ويشبع الميل البشري مع الحفاظ على العفاف والطهر.

    1.   

    أهمية الزواج

    الحمد لله الذي لم يتخذ ولداً ولم يكن له شريك في الملك وما كان معه من إله، الذي لا إله إلا هو، فلا خالق غيره ولا رب سواه، المستحق لجميع أنواع العبادة، ولذا قضى ألا نعبد إلا إياه، ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ [الحج:62]. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، هو الأول فلا شيء قبله، وهو الآخر فلا شيء بعده، وهو الظاهر فلا شيء فوقه، وهو الباطن فلا شيء دونه، وهو على كل شيء قدير. وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وصفيه من خلقه وخليله، أدى الأمانة، وبلغ الرسالة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين، فاللهم اجزه عنا خير ما جزيت نبياً عن أمته، ورسولاً عن دعوته ورسالته، وصل اللهم وسلم وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه واستن بسنته واقتفى أثره إلى يوم الدين. أما بعد: فمرحباً بكم أحبتي في الله عز وجل، وبعد وقفة طويلة توقفناها مع آلام أمتنا وجراحاتها، وكان لا بد من هذه الوقفة تألماً لآلام المسلمين، وتبصرة للمسلمين بما يدبر لهم في الليل والنهار، وتذكرة للمسلمين بواجبهم تجاه إخوانهم الذين يذبحون ذبح الخراف هنا وهناك، على مرأى ومسمع من الدنيا، وكان لا بد من هذه الوقفة تأدباً بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه البخاري ومسلم من حديث النعمان بن بشير رضي الله عنه أنه صلى الله عليه وسلم قال: (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى). وبعد هذه الوقفة الطويلة نسأل الله جل وعلا أن يشفي جراحات الأمة، وأن يردها إلى إسلامها رداً جميلاً، وأن يقر أعيننا وإياكم بنصرة الإسلام وعز المسلمين، إنه ولي ذلك ومولاه وهو على كل شيء قدير؛ بعد هذه الوقفة الطويلة تعالوا بنا أحبتي في الله لندخل مرة أخرى إلى رحاب سورة الستر والعفاف، إلى رحاب سورة النور، فنحن اليوم على موعد مع الدرس السابع من دروس هذه السورة المباركة، وما زال حديثنا بتوفيق الله جل وعلا عن الضمانات الوقائية التي وضعها الإسلام سياجاً واقياً لأفراده رجالاً ونساءً من الوقوع في الفاحشة والعياذ بالله. إن الإسلام منهج حياة متكامل شامل، لا يقوم أصلاً ولا يقوم أساساً على العقوبة، إنما يقوم على توفير أسباب الحياة النظيفة، ثم يعاقب بعد ذلك من ترك هذه الأسباب الطاهرة النظيفة، وذهب ليتمرغ في الوحل والطين طائعاً مختاراً غير مضطر. ومن بين هذه الضمانات الوقائية التي تحدثنا عنها، والتي وضعها الإسلام سياجاً واقياً لأفراده من التردي والانحلال والوقوع في الفاحشة: أولاً: تحريم النظر إلى المحرمات. ثانياً: تحريم التبرج وفرض الحجاب. ثالثا: تحريم الخلوة بالمرأة الأجنبية والاختلاط بها. رابعاً: الحض على الزواج لمن استطاع إليه سبيلاً، والحض على الصوم لمن لا يستطيع الزواج، والحض على عدم المغالاة في المهور. ونحن اليوم بفضل الله جل وعلا على موعد مع الضمان الرابع الذي يعد من وجهة نظري من أعظم الضمانات الوقائية التي وضعها الإسلام حماية وتأميناً للعلاقة بين الرجل والمرأة؛ لأن الميل الفطري بين الرجل والمرأة ميل عميق في التكوين البشري؛ لأن الله تعالى قد أناط به امتداد الحياة على ظهر الأرض، لذا فهو ميل دائم لا ينقطع ولا ينتهي، ومن أجل ذلك شرع الإسلام الزواج وحث عليه، وجعل الله الزواج من سنن المرسلين، وجعله الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم من سنته، وقال: (من رغب عن سنتي فليس مني).

    الزواج راحة للقلب واستقرار للحياة

    امتن الله علينا بنعمة الزواج فقال سبحانه: وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ [الروم:21] أيها الحبيب!.. أيتها الأخت الكريمة الفاضلة! هل سمعتم هذا الأسلوب الرقيق العذب اللطيف الذي يمتن علينا به القرآن عند حديثه عن الزواج إنه من أعظم النعم التي امتن الله بها على الرجال والنساء على حد سواء، إنها صلة السكن للنفس والقلب، إنها صلة الراحة للجسد والقلب، إنها صلة الاستقرار للمعاش وللحياة: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا) لماذا؟ سكن .. راحة قلب وراحة نفس .. راحة بال وراحة ضمير .. استقرار حياة، واستقرار معاش، وشتان بين علاقة بين رجل وامرأة في الحلال، وبين علاقة بين رجل وامرأة في الحرام. انظروا إلى رجل يعاشر زوجته في عش الزوجية، وبينما هو في هذه العبادة وهذه الطاعة -إن صحت النية فإن الله جل وعلا يأجره على ذلك- بينما هو على هذا الحال يطرق ويقرع عليه بابه، فما الذي يحدث، وما الذي يصير؟ يقوم بمنتهى الأمن والأمان والطمأنينة ليغتسل أو ليرتدي ثيابه، ثم يذهب ليرى من يطرق عليه بابه! وانظر إلى رجل مع امرأة في علاقة محرمة (الزنا) والعياذ بالله، في مكان أياً كان، ثم يطرق عليه الباب أو يسمع صوتاً هامساً في الشارع، أو يسمع حركة بخارج الدار، مستحيل أن يتم هذا اللقاء، وأن يستمر هذا الوضع، بل تراه قائماً مضطراً خائفاً وجلاً، وهذا هو الفرق بين العلاقة في الحلال كما أرادها الله، وكما شرعها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبين علاقة حرمها الإسلام وحرمها رسول الله عليه الصلاة والسلام. (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا) اسمعوا مني هذه الكلمات واحفظوها، أقول: العلاقة الزوجية إن خلت من المودة والمحبة والرحمة أصبحت كالجسد الميت، إن لم يدفن فاح عفنه ونتنه، ودفنه هو الطلاق الذي أثار عليه المستشرقون شبهاً طوالاً عراضاً، وهي رحمة من أعظم رحمات الله جل وعلا. لا بد للحياة الزوجية أن تبنى على الحب وعلى المودة وعلى الرحمة، على الحب الذي دنس واستغل ووضع في غير موضعه! وأصبح يعبر عن الحب بأقبح العلاقات الجنسية القذرة التي أصبح يعلمها لأبنائنا وفتياتنا الإعلام العميل للشيوعية والعلمانية وغيرهما. إن العلاقة الزوجية لا بد أن تبنى على المحبة، ولا بد أن تبنى على الرحمة، ولا بد أن تبنى على المودة.

    1.   

    النهي عن التبتل والرهبانية

    أمر الإسلام بالزواج، وحث النبي صلى الله عليه وسلم عليه، ونهى عن التبتل والرهبانية، وجعل هذا الزواج بهذه الأصول وتلك الضوابط من سنته، ففي الحديث الذي رواه البخاري ومسلم من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: (جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم يسألون عن عبادته -أي عن عبادة رسول الله- فلما أخبروا عنها كأنهم تقالوها -أي: كأنهم تقالوا عبادة النبي عليه الصلاة والسلام- فقالوا: وأين نحن من رسول الله وقد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر؟! فقال أحدهم: أما أنا فإني أصلي الليل أبداً، وقال آخر: وأنا أصوم الدهر ولا أفطر، وقال آخر: وأنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبداً، فلما جاء النبي صلى الله عليه وسلم قال: أنتم الذين قلتم كذا وكذا -وفي رواية الإمام مسلم : فلما بلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم قام وقال: ما بال أقوام يقولون كذا وكذا..). صاحب الأخلاق عليه الصلاة والسلام يقول: ( أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟) أي: هل أنتم الذين قلتم: أنا أصلي الليل أبداً، وأنا أصوم النهار أبداً، وأنا أعتزل النساء فلا أتزوج؟ قال: (أما والله إني لأخشاكم لله، وأتقاكم له، ولكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني!). النبي عليه الصلاة والسلام حث الشباب المسلم على أن يغض بصره، وعلى أن يحصن فرجه بهذه النعمة العظيمة نعمة الزواج، وحث غير القادر على الصيام، فإنه خير سياج وخير وقاية وأعظم ضمان، ففي الحديث الذي رواه البخاري ومسلم من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه صلى الله عليه وسلم قال: (يا معشر الشباب! من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء) أي: وقاية من الوقوع في الفاحشة والمعصية، إذا ما راقب الله جل وعلا، واتقى الله عز وجل، وعلم أن الله يعلم سره ونجواه: إذا ما خلوت الدهر يوماً فلا تقل خلوت ولكن قل علي رقيب وصدق الله جل وعلا إذ يقول: مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا [المجادلة:7] أي: معهم بعلمه، معهم بقدرته، معهم بإحاطته، معهم بإرادته جل وعلا، ولا تجعلوا معية الله في الأماكن معية الذات حتى لا تقعوا فيما وقع فيه أهل الحلول والاتحاد وأهل التشبيه تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً، لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى:11]،0لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [الأنعام:103] إذا ما خلوت الدهر يوماً فلا تقل خلوت ولكن قل علي رقيب يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ [غافر:19]. ( فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ) أي: فمن لم يستطع باءة الزواج ومئونة الزواج ( فعليه بالصوم فإنه له وجاء ).

    1.   

    الحض على عدم المغالاة في المهور

    حض الإسلام -تيسيراً للزواج- على عدم المغالاة في المهور، وإن المشكلة الآن أضحت ضخمة كبيرة بصورة لا ينبغي أن نغمض عنها أعيننا، وأحمل الآباء والأمهات مسئولية جريمة هذه الكثرة الكاثرة من شباب الأمة الذي لا يستطيع الزواج، وهذه الكثرة الكاثرة من فتيات الأمة اللائي فاتهن ركب الزواج، أحمل هذه الجريمة برمتها الآباء والأمهات، إلى الآباء الذين وقفوا وقفة تعنت وتشدد أمام مغالاتهم في المهور، وأمام إسرافهم في النفقات والتكاليف، وكأنهم يريدون لعش الزوجية أن يتحول في أول أيامه إلى معرض تعرض فيه أرقى وأحدث ما تنتجه المصانع الإيطالية والأمريكية من أثاث! ما هذا يا عباد الله! اتقوا الله أيها الآباء! واتقين الله أيتها الأمهات! اتقوا الله في شباب الأمة الذي فتح عليه باب شر مستطير، وباب فتنة خطير كبير، إن الشاب في هذه الأيام يقضي زهرة عمره وأحلى أيام شبابه في الجمع لتكاليف الزواج، وإذا ما من الله عليه بجمع القليل ليحصن نفسه ويعف فرجه، يكون قد تجاوز الخامسة والثلاثين من عمره، فإنا لله وإنا إليه راجعون! وارجعوا إلى الإحصائيات فاقرءوها لتبكوا دماً بدل الدمع على حال شباب أمتنا، وعلى حال فتياتنا اللائي يصرخن بالليل والنهار، ويقضين الليل يشتكين إلى الله ظلم العادات القبيحة التي حالت بينهن وبين ما تتمناه كل فتاة، وتسعد به كل أنثى. والله الذي لا إله غيره لو وصلت المرأة إلى أرقى الدرجات، وبلغ أبوها من الغنى ما بلغ فلن يغني عنها شيئاً، إن الفتاة لا تريد الغنى ولا تريد الجاه عند أبيها، بقدر ما تريد زوجاً تقياً نقياً يصون عرضها، ويحصن فرجها، ويستر عورتها، ويتقي الله فيها. فاتقوا الله أيها الآباء! وارحموا شباب الأمة المساكين، ارحموا عجز الشاب، وارحموا ضعفه، وارحموا فقره. وإن من الله عليك بالمال ورأيت شاباً تقياً نقياً فما الذي يحول بينك وبين أن تذهب إليه لتعرض عليه ابنتك، أو أنك أكثر حياء من أمير المؤمنين عمر؟! ذهب عمر يعرض ابنته حفصة رضي الله عنها على عمالقة الصحابة وأتقيائهم رضي الله عنهم! إذا منّ الله عليك بالمال ورأيت شاباً صالحاً، فاذهب إليه، ولا تستحي، اذهب إليه وقل له: يا بني! هل لك في فتاة تتقي الله؟ هل لك في فتاة تحافظ على فرض الله؟ هل لك في فتاة تصون عرضك وتصون شرفك؟ اعرض عليه ابنتك، ولا تستحي أيها الأب الكريم فأنت لست مخلداً، إنما الذي سيبقى لابنتك هو زوجها.

    1.   

    المعتبر في الزوج الخلق والدين لا المال والجاه

    روى الإمام الترمذي وابن ماجة والحاكم في المستدرك وصححه، وصححه أيضاً الإمام السيوطي في الجامع الصغير أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا جاءكم من ترضون خلقه ودينه فزوجوه، إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد عريض)، والله لقد وقعت الفتنة ووقع الفساد العريض، يوم أن وقف الأب أمام المتقدم لابنته يقول: ما ثمنك؟ ما قيمتك؟ ولم يقل: من أنت؟ ما دينك؟ ما حالك مع القرآن؟ ما حالك مع الصلاة؟ ما حالك مع الله؟ أصبحت هذه الأسئلة لا وجود لها، بل يتقدم الشاب فيسأله عن عرض الدنيا الزائل، وعن حطام الدنيا الفاني، أصبح لا يسأل عن الدين، ووالله إن من تقدم بماله لفتاتك أيها الأب، ولابنتك أيتها الأم، والله الذي لا إله غيره -وأقسم بالله غير حانث- إنه سيعامل ابنتك كما ينظر إلى الريال والدولار، وإذا ما قضى منها نهمته، وشهوته ستتحول عنده إلى سلعة، لا تختلف شيئاً عن أي قطعة أثاث اشتراها بماله، وربما امتن عليها بغناه في يوم من الأيام قال رجل: ( يا حسن! إن لي ابنة، فلمن أزوجها؟ قال: زوج ابنتك لمن يتقي الله، فإن أحبها أكرمها، وإن أبغضها لم يظلمها ) . أيها الآباء.. أيها الأخيار.. أيها الأحباب! هذه نصحية شاب من أبنائكم، ونصيحة ابن من أبنائكم: إذا جاءك من ترضى عن خلقه ودينه فقدم إليه ابنتك، واعرض عليه ابنتك، ولا تستحي أن يقال: إن فلاناً قد باع ابنته لفلان، هذا كلام العادات القبيحة الجاهلة، ورحم الله الإمام ابن القيم حيث قال: ما عادى الرسل إلا العادات. إي والله، ما عادى الرسل إلا العادات، أي: ما وقف حجر عثرة في طريق الرسل إلا العادات، إنا وجدنا آباءنا كذلك يفعلون، هذه تنظر لابنة فلان فتقول: ابنة فلان قدم لها من المهر كذا وكذا، وقدم لها من الأثاث كذا وكذا، وأنا لا أقل عنها في شيء، وهذا ينظر إلى فلان، وهذه الأم تنظر إلى ابنة فلانة، ما هذا يا عباد الله؟! ووقف الشاب المسكين تائهاً حائراً بين هذه التيارات القبيحة من العادات، ووقفت البنت مسكينة حائرة تشكي أمرها إلى الله، وتشكي حالها إلى الله، ووالله لولا حياء فتياتنا، ولولا حياء أخواتنا، ولولا حياء بناتنا؛ لصرخن في وجوهنا في الليل والنهار، وقلن لنا: ارحموا عجزنا، وارحموا ضعفنا، واستروا عوراتنا، ماذا تصنع البنت إلى أبيها، ماذا تصنع البنت إلى أمها؟! هل تريد لابنتك أن تقضي عمرها في بيتك أم تريد لابنتك أن تقضي عمرها في فراشك؟! والله ما لهذا خلقت، وما لهذا وجدت، بل ما وجدت إلا لتكون في بيت زوجها، وإلا لتكون في عش الزوجية؛ لتباهي الأمم ولتباهي الدنيا بنسلها الذي تربيه على كتاب الله وعلى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    أيسر النساء مهراً أعظمهن بركة

    روىالإمام أحمد في مسنده، وفي إسناد هذا الحديث عيسى بن ميمون قال عنه الإمام البخاري: منكر الحديث، وبقية رجال الإسناد ثقات، وروى الحديث من طريق آخر الإمام ابن حبان ، وقال: حديثه حسن، من حديث عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن أعظم النكاح بركة أيسرهن مئونة) خفف ولا تسرف (يسروا ولا تعسروا، وبشروا ولا تنفروا)، وهذا الحديث رواه البخاري ومسلم . فيسروا على عباد الله، ارحموا شباب الأمة يرحمكم الله، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء، ارحموا الشباب والفتيات، يسروا لهم أمر الزواج، وخففوا عليهم عبء الزواج، أما تعلمون أن رسولكم صلى الله عليه وسلم قد زوج رجلاً بما معه من القرآن، بوب الإمام البخاري باباً في كتاب النكاح في صحيحه بعنوان: باب التزويج بالقرآن وبغير صداق، انظروا إلى فقه البخاري، ورحم الله من قال: فقه البخاري في تراجمه، يترجم الباب بهذا العنوان: باب التزويج على القرآن وبغير صداق، وروى في هذا الباب حديث سهل بن سعد رضي الله عنه قال: (جاءت امرأة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله! إني وهبت نفسي لك) امرأة وهبت نفسها لرسول الله، وهذا أمر خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم وحده دون غيره من سائر الأمة، قال: (فقامت المرأة قياماً طويلاً، فقال رجل: يا رسول الله! زوجنيها إن لم يكن لك بها حاجة، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: هل معك شيء تصدقها ؟) أي: تقدمه لها صداقاً، (قال: لا، ليس معي إلا إزاري) سبحان الله! (فقال النبي عليه الصلاة والسلام: لو أعطيتها إزارك جلست لا إزار لك، التمس شيئاً) أي: ابحث عن شيء آخر تقدمه لها. (فذهب الرجل فلم يجد شيئاً، فرجع إلى النبي عليه الصلاة والسلام، فقال له النبي: التمس ولو خاتماً من حديد، فقال الرجل: لم أجد شيئاً)لم يجد حتى خاتماً من حديد يقدمه صداقاً لهذه المرأة إذا تزوجها. فقال له النبي عليه الصلاة والسلام (هل معك شيء من القرآن؟ قال: نعم. معي سورة كذا وكذا، سور يسميها)، أتدرون ماذا قال له رسول الله عليه الصلاة والسلام؟! قال: (قد زوجتكها بما معك من القرآن) . هذا هو إسلامنا، هذا هو ديننا، إنه التخفيف، إن المرأة ليس لها في هذا الوجود إلا أن تجلس وأن تعيش مع زوج يتقي الله ويعينها على طاعة الله، ويأخذ بيدها وتأخذ بيده إلى مرضاة الله جل وعلا، لا أن تجلس مع أبيها، ولا أن تجلس مع أمها، إذا ما بلغت سن زواجها وسن إحصانها وسن إعفافها.

    قصة ابن المسيب في تزويج ابنته

    ولا ينبغي أن ننسى هذا المشهد المهيب، هذا المشهد الكريم، وأزفه إلى الآباء والأمهات، إنه مشهد زواج بنت سيد التابعين سعيد بن المسيب ، عاصر كثيراً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يعترف معظم علماء الحديث بمراسيل أحد أكثر من اعترافهم بمراسيل سعيد بن المسيب ، كما قال أحمد وغيره. سعيد بن المسيب كانت له فتاة، أتدرون من خطبها لابنه، خطبها أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان ، لولده الوليد ، أي نسب وأي شرف! أمير المؤمنين يخطب فتاة لولده، إنها زيجة يحرص عليها كل الناس، ولكن من ملأ الإيمان قلبه، وملأ التقى جوانحه، يريد أن يقدم ابنته لرجل صالح تقي نقي يراقب الله فيها، ويتقي الله فيها، ولو كان فقيراً لا يملك من حطام الدنيا شيئاً، ورفض سعيد بن المسيب أن يزوج ابنته للوليد بن عبد الملك بن مروان ، وغضب عليه عبد الملك بن مروان بسبب ذلك، فلما أبى سعيد بن المسيب جلده مائة سوط. ارجعوا إلى سير أعلام النبلاء للإمام الذهبي في المجلد الرابع تحت عنوان: تزويجه ابنته، ضربه مائة سوط في يوم بارد، وأبى سعيد بن المسيب أن يقدم فلذة كبده وثمرة فؤاده للوليد بن عبد الملك بن مروان ، وقدمها لطالب علم في حلقته فقير متواضع، إلا أنه وجد فيه التقى، ووجد فيه الصلاح والفلاح، قدمها لـكثير بن أبي وداعة رحمه الله، والقصة أوردها الإمام أبو نعيم في الحلية، وأوردها الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية، وأوردها ابن خلكان في وفيات الأعيان، وأوردها الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء من طريق أحمد بن عبد الرحمن بن وهب ، وعلى الرغم من أن كثيراً من علماء الجرح والتعديل قد ضعف أحمد هذا إلا أن الإمام مسلماً رحمه الله تعالى قد احتج به على ضعفه، وقد وثقه غير واحد كـابن أبي حاتم وغيره. يقول كثير بن أبي وداعة : كنت ممن يجلس في مجلس سعيد بن المسيب ففقدني أياماً، فسألني: أين كنت؟ فقلت: لقد توفيت أهلي، أي: ماتت زوجته وكان متزوجاً، فما قال: لن أزوجها لرجل قد تزوج قبل ذلك. قال: أين كنت؟ قال: لقد توفيت أهلي فانشغلت بها، أي: ماتت زوجتي فانشغلت بها، فقال سعيد : هلا أخبرتنا فشهدناها معك، ثم قال سعيد بن المسيب : هل استحدثت امرأة أخرى، أي: هل تزوجت غيرها؟ فقال له كثير بن أبي وداعة : يرحمك الله يا أبا محمد ! ومن يزوجني ولا أملك من الدنيا إلا درهماً أو درهمين! وفي رواية: إلا درهمين أو ثلاثة! فقال له سعيد : أنا أزوجك، قال: أوتفعل؟ قال: نعم، يقول: فقام سعيد فحمد الله عز وجل وأثنى عليه وصلى على رسول الله، وزوجني ابنته على درهمين! يقول كثير : فانطلقت إلى بيتي وأنا لا أعلم ماذا أصنع من الفرح، ثم صليت المغرب وعدت إلى داري وكنت صائماً، وقدمت العشاء وكان خبزاً وزيتاً، وبينما أنا جالس أفكر فيمن أستدين منه، وإذا ببابي يقرع، فقلت: من؟ قال: سعيد ! يقول: ففكرت في كل أحد اسمه سعيد إلا سعيد بن المسيب ، فإنه منذ أربعين سنة لم ير إلا بين مسجده وبيته، ففتحت الباب، فإذا به سعيد بن المسيب فقلت: أبا محمد! وظننت أنه قد فكر في شيء آخر وغير رأيه، فقلت: يا أبا محمد هلا أرسلت إلي فآتيك؟ فقال سعيد بن المسيب : لا، أنت أحق أن تؤتى، ثم قال سعيد : يا كثير ، لقد فكرت في أمرك: رجل عزب وقد زوجتك، فكرهت أن تبيت الليلة وحدك، وإذا بابنته واقفة في طوله من خلفه، فأخذها بيده ودفعها إلى دار كثير بن أبي وداعة ، فأغلق الباب وانصرف، يقول كثير : فسقطت المرأة من الحياء! كن على حياء! يقول: فخشيت أن ترى الخبز والزيت، فجعلته وراء الشعلة -أي: وراء الضوء حتى لا تفتن لأول مرة بعيشته- وصعدت إلى سطح منزلي فناديت على جيراني، فجاءت زوجة من نساء الجيران فدخلت إليها لتؤنسها، ولما علمت أمي بذلك جاءتني وقالت: وجهك من وجهي حرام يا كثير إن مسستها قبل ثلاثة أيام، يقول كثير بن أبي وداعة : فتركتها ثلاثة أيام حتى جهزوها وأعدوها، فدخلت عليها فإذا هي من أجمل النساء، ومن أعلمهن ومن أحفظهن لكتاب الله، وأعلمهن بسنة رسول الله، وأعرفهن بحق الزوج، فغبت معها ولم أخرج إلى مجلس سعيد بن المسيب شهراً كاملاً، وبعد شهر خرجت إلى سعيد ، فلما انفض المجلس اقترب مني وقال: كيف حال هذا الإنسان؟ قلت: بخير حال، بحال يسر الصديق ويسيء العدو، فقال لي سعيد : خذ عشرين ألف درهم لتستعين بها على حياتك! بالله عليكم بأي شيء نعلق! وماذا نقول، رحم الله من قال: رغيف خبز واحد تأكله في زاوية وكوز ماء بارد تشربه من صافية وغرفة نظيفة نفسك فيها هانية وزوجة مطيعة عينك عنها راضية وطفلة جميلة محفوفة بالعافية اختارك الله لها حتى تكون داعية خير من الدنيا وما فيها وهي لعمري كافية ما هذا! إنه الإسلام يا عباد الله! هذا هو ديننا: ( يسروا ولا تعسروا، وبشروا ولا تنفروا ) اللهم إني قد بلغت، اللهم فاشهد يا رب العالمين. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه من كل ذنب، إنه هو الغفور الرحيم.

    1.   

    قصة شريح مع زوجه

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وزد وبارك عليه، وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد: وأخيراً أيتها الأخت الفاضلة الكريمة! أزف إليك هذه القدوة، أزف إليك هذه القدوة بعدما حدثنا الآباء، وتحدثنا مع أمهاتنا الفضليات الكريمات، أزف إليك هذه القدوة يا بنت الإسلام.. يا أصل العز! ويا أصل الشرف! يا من أغظت أعداء الإسلام بحجابك وتمسكك بدينك والتزامك، يا درتنا المصونة! ويا لؤلؤتنا المكنونة! أزف إليك هذه القدوة لتتحدثين بها بين يدي أبيك وأمام أمك إذا ما تقدم إليك الرجل الصالح، تكلمي وتحدثي، فخلقك العزم، وبلسانك الحلم, ولا تستحي أن تعرضي قضيتك بين يدي أبيك وبين يدي أمك. هذه القدوة يزفها إلينا التاريخ، إنها زوج شريح القاضي، الذي ولاه عمر بن الخطاب قضاء الكوفة فمكث فيه ستين سنة، وضرب بعدله المثل، له ترجمة طويلة في سير أعلام النبلاء للإمام الذهبي في المجلد الرابع. يمر عليه الشعبي يوماً، والشعبي هو أعلم التابعين كما قال زيد عن مكحول : أعلم التابعين الشعبي . يقول: التقى شريح بـالشعبي فقال الشعبي لـشريح : كيف حالك يا شريح ؟ قال بخير حال، قال: كيف حال أهلك؟ أي كيف حال زوجك؟ فقال شريح : والله يا شعبي ! منذ عشرين سنة لم أر من زوجي ما يغضبني قط، قال الشعبي : سبحان الله! وكيف ذلك؟! قال شريح : يا شعبي منذ أول ليلة دخلت فيها على زوجتي رأيت بها جمالاً نادراً وحسناً باهراً فقلت: أصلي ركعتين شكراً لله! يعترف لله بالفضل، ما قال: أقوم لأبحث عن كأس خمر، أو عن شريط قذر نجس، أو عن فيلم أقضي الليلة معه، لا، بل قال: أقوم أصلي ركعتين شكراً لله عز وجل. يقول شريح : فلما صليت وسلمت رأيت زوجتي تصلي بصلاتي وتسلم بسلامي أي: أنها دخلت معه في الصلاة لله جل وعلا، فلما انتهينا، وانفض الأهل والأحباب، مددت يدي نحوها، فقالت: على رسلك يا أبا أمية ! اسمعوا ماذا تقول هذه المرأة، وماذا تقول هذه الزوجة في ليلة بنائها: على رسلك يا أبا أمية ، ثم قالت: أحمد الله وأستعينه وأستغفره، وأصلي وأسلم على رسول الله، وبعد: أبا أمية ! إني امرأة غريبة عنك، لا علم لي بأخلاقك، فبين لي ما تحب فآتيه، وما تكرهه فأتركه. أبا أمية ! لقد كان لك من نساء قومك من هي كفؤ لك، ولقد كان لي من رجال قومي من هو كفؤ لي، أما وقد قضى الله أمراً كان مفعولاً فاصنع ما أمرك الله به: فَإمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ [البقرة:229]، وأقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولك. الله أكبر! يقول شريح : فأحوجتني والله إلى الخطبة في ذلك يا شعبي ، فجلست وقلت: أحمد الله وأستعينه وأستغفره وأصلي وأسلم على رسول الله وبعد: فإنك قلت كلاماً إن ثبت عليه يكن حظك، وإن تدعيه يكن حجة عليك. أما إني أحب كذا وكذا، وأكره كذا وكذا. قالت: فما تحب من زيارة أهلي؟ قال: ما أحب أن يملني أصهاري، قالت: فمن تحب من جيرانك أن يدخل دارك، قال: بنو فلان قوم صالحون، وبنو فلان قوم سوء، وما رأيت من حسنة فانشريها، وما رأيت من سيئة فاستريها. يقول شريح : فبت معها بأنعم ليلة، ومكثت عشرين سنة، والله لم أعتب عليها في حياتي إلا مرة واحدة، وأشهد الله أني كنت لها ظالماً! قلت: يا لها من عيشة هانية، يا لها من عيشة هانية راضية، وهكذا تكون المرأة الصالحة التي تراقب الله جل وعلا في زوجها، وتتقي الله تبارك وتعالى في بعلها، هذا هو الزواج، وهذا نداء للآباء ونداء للأمهات ونداء للفتيات ونداء للشباب. أسأل الله جل وعلا أن يحصن فروجنا، وأن يحصن فروج شباب أمتنا، وفتياتنا وبناتنا، إنه ولي ذلك ومولاه، اللهم حصن فروجنا، اللهم حصن فروجنا، اللهم ارفع عنا الغلاء والوباء، اللهم ارفع عنا الغلاء والوباء، اللهم يسر لشباب الأمة زواجاً يعفوا به أنفسهم، ويسر لفتيات الأمة زواجاً يعففن به أنفسهن، أنت ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.