إسلام ويب

صحيح البخاريللشيخ : أبو إسحاق الحويني

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن ما نشاهده اليوم من تفلت ديني، وتولية زمام الأمور غير أهلها، وانتشار الجهل في الدين، وإحياء البدع وإماتة السنن لهو مصداق لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما أخبر أن من علامات الساعة ضياع الأمانة، وتوصيد الأمر إلى غير أهله سواء أمر الولاية أو أمر الإفتاء والعلم والدعوة، أو أمر الحكم والقضاء، فبهذا كله ينتشر الفساد والظلم، ويفشو الجهل، وتكثر الفتن، وتقوم الساعة بعد ذلك على شرار خلق الله سبحانه وتعالى.

    1.   

    شرح حديث أبي هريرة في سؤال الأعرابي عن الساعة

    إن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعين به ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

    اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد.

    قال الإمام البخاري رحمه الله:

    باب (من سئل علماً وهو مشتغل في حديثه فأتم الحديث ثم أجاب السائل)

    حدثنا محمد بن سنام قال: حدثنا فليح ح وحدثني إبراهيم بن المنذر قال: حدثنا محمد بن فليح قال: حدثني أبي قال: حدثني هلال بن علي عن عطاء بن يسار عن أبي هريرة قال: (بينما النبي صلى الله عليه وآله وسلم في مجلس يحدث القوم جاءه أعرابي فقال: متى الساعة؟ فمضى رسول الله صلى الله عليه وسلم يحدث، فقال بعض القوم: سمع ما قال، فكره ما قال. وقال بعضهم: بل لم يسمع. حتى إذا قضى حديثه قال: أين أراه السائل عن الساعة؟ قال: ها أنا يا رسول الله! قال: فإذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة، قال: كيف إضاعتها؟ قال: إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة).

    وهذا الحديث رواه الإمام البخاري أيضاً في كتاب الرقاق من حديث محمد بن سنام عن فليح بن سليمان .

    اللطائف الحديثية في سند الحديث

    الإمام البخاري رحمه الله روى هذا الحديث عن شيخين له:

    الشيخ الأول هو محمد بن سنام .

    والشيخ الآخر هو إبراهيم بن المنذر .

    لكن بين رواية الشيخين فرق: الفرق الأول: أن رواية محمد بن سنام عالية، ورواية إبراهيم بن المنذر نازلة، وأشرف أنواع العلو أن يقل عدد الوسائط بينك وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمثلاً: الإسناد فيه عال ونازل، العالي أنك تصعد إلى فوق، ولنفترض أن هذا القلم إسناد، فهذا طرفه الأول، وهذا طرفه الآخر، هنا الإمام البخاري في هذا الطرف، والطرف المقابل صحابي، فالإمام البخاري عندما يقول: حدثني محمد بن سنام ، هنا الإمام البخاري الطرف الأسفل، وهنا في العلو الصحابي على أساس أن الزمان نازل، فالإمام البخاري متأخر، والصحابي هو أعلى طبقة في السند، وينقسم هذا السند إلى فترات زمنية تسمى طبقات، ولنتخيل أن هنا -مثلاً- طبقة، وهنا طبقة، وهنا طبقة، وهنا طبقة، فالإمام البخاري عندما يقول: حدثنا محمد بن سنام ، حدثنا فليح بن سليمان ، وبعد ذلك هلال بن علي ثم عطاء بن يسار ، ثم أبو هريرة ، فهذا اسمه علو كلما صعد إلى فوق.

    السند الأول عندنا فيه محمد بن سنام ، ثم فليح بن سليمان ، وبعده هلال بن علي ، وبعد ذلك عطاء بن يسار ، وبعد ذلك أبو هريرة .. إذاً: بين الإمام البخاري وبين النبي عليه الصلاة والسلام في السند الأول خمسة رجال.

    السند الثاني: قال: حدثنا إبراهيم بن المنذر حدثنا محمد بن فليح قال: حدثني أبي عن هلال بن علي عن عطاء بن يسار عن أبي هريرة .. بينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم ستة.

    فيبقى السند الأول أعلى من السند الثاني؛ لأن البخاري نزل فيه درجة، فأشرف أنواع العلو.. أن يقل عدد الوسائط بينك وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكلما اقتربت من الضوء ومن المصباح كان أفضل، وكان المحدثون يسعون إلى تحصيل هذا النوع من العلو مهما كلفهم من الجهد والمال.

    قيل لـيحيى بن معين في مرض موته: ما تشتهي؟ قال: بيت خالٍ، وإسناد عالٍ، فالإسناد العالي مطمح للمحدثين؛ لأنه يقترب من الرسول عليه الصلاة والسلام، وكانوا يرحلون الفراسخ البعيدة لتحصيل السند العالي، لكن علو الإسناد مشروط بصحته، وإلا فالإسناد الصحيح النازل خير من الإسناد العالي الضعيف، والعلماء أحياناً كانوا يتجاوزون عن هذا الشرط في الأحاديث العالية من باب الإغراب الذي كانوا يعدونه للمذاكرة.

    فالمحدثون كان لهم مذاكرات يأتون فيها بكل غريب وعجيب ومنكر، لأجل أن يغرب بعضهم على بعض، وليس المقصود أن يحتجوا بالحديث في إثبات حكم شرعي، لا. فهذه الأسانيد الغريبة العالية من منح العلم، ما كانوا يحتجون بها في دين الله عز وجل ولا يأخذون منها الأحكام ولا الآداب، إنما كانوا يدللون على حفظهم وعلى رحلتهم وعلى سعة علمهم بمثل هذا النوع من العلم.

    الإمام البخاري رحمه الله أورد هذا الحديث في كتاب الرقاق بالسند العالي، وسنبين لماذا نزل الإمام البخاري في السند الآخر.

    قال: حدثنا محمد بن سنام قال: حدثنا فليح -ثم ذكر حرف الحاء، وهذا الحرف مأخوذ من كلمة (تحويل) فهو فن ابتكره المحدثون يساوي الاختزال في العصر الحديث- وحتى أبين لك كيف اختصر الإمام البخاري السند، أسرده لك بكامله:

    قال: حدثنا محمد بن سنام قال: حدثنا فليح بن سليمان قال: حدثني هلال بن علي عن عطاء بن يسار عن أبي هريرة قال: .. ويسوق المتن كله، وبعد ذلك يبتدئ من جديد فيقول: وحدثني إبراهيم بن المنذر قال: حدثنا محمد بن فليح قال: حدثني أبي قال: حدثني هلال بن علي عن عطاء بن يسار عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال. فحتى يعفي نفسه من هذه الإعادة.. يذكر السند الأول بالمتن، أو يذكر السند الأول كله، وبعد ذلك يذكر السند الثاني بالمتن، وهذا للاختصار، والاختصار في التحويل يبدأ من عند الراوي المشترك في السند.

    فالإمام البخاري اختصر فقال: حدثنا محمد بن سنام حدثنا فليح وحدثنا إبراهيم بن المنذر عن محمد بن فليح عن أبيه. يعني: عن فليح .. فالراوي المشترك فليح ، ولو وضع حرف الحاء في موضع آخر غير هذا الموضع لكان غلطاً. إذاً: أنا لو أريد أن أختصر اختصاراً آخر، سأقول: قال البخاري : حدثنا محمد بن سنام وبعد ذلك أكتب (ح) وبعد ذلك أقول: حدثني محمد بن إبراهيم بن المنذر قال: حدثني محمد بن فليح كلاهما عن فليح قال: حدثني هلال بن أبي ميمونة .

    والإمام البخاري نادراً ما يحول، والإمام مسلم أكثر منه تحويلاً، والسبب أن الإمام مسلم رحمه الله يكثر من ذكر الأسانيد للحديث الواحد بخلاف البخاري ، فأول حديث في صحيح مسلم ذكر له أسانيد كثيرة، فمع كثرة الأسانيد يحتاج إلى حرف التحويل، والأسانيد المكررة عند الإمام البخاري قليلة، ليست كما هي عند الإمام مسلم رحمه الله، وهلال بن علي هذا هو هلال بن أبي ميمونة وهو هلال بن أبي هلال ، كل هذه الأسماء الثلاثة إنما هي لرجل واحد.

    مداخلة: فائدة تحويل سند الحديث؟

    الجواب: الله أعلم. مسألة التحويل هذه مسألة فن، الإمام البخاري لم ير حاجة إلى ذلك، لكن أنت لو حولت من بعد محمد بن سنام جاز لك ذلك.. وربما الإمام البخاري لم يحول، لأنه لو حول بعد محمد بن سنام سيكون التحويل قيمته قليلة فهو راوٍ واحد فقط، لأنه إنما نحول إذا كثر عدد الشيوخ فخشينا الالتباس، فهو لو حول من بعد محمد بن سنام يبقى التحويل ليس له تلك القيمة.

    مداخلة: هل هناك فرق بين أدوات التحل؟

    الجواب: بالنسبة لأدوات التحمل: (حدثنا) و(حدثني)، فالعلماء يقولون: إن (حدثنا) تكون من لفظ الشيخ، وذلك إذا قرأ الحديث بنفسه تبقى أنت كمستمع تقول: (حدثنا)، وإذا قرأه رجل على الشيخ وهو يسمع ويقر تقول أنت: أخبرني، لكن هذا مجرد اصطلاح، وقد اتفق العلماء على أنه لا فرق بين (حدثنا) و(أنبأنا) و(أخبرنا)، فكلها بمعنىً واحد.

    ولفظ (حدثنا) بالجمع إذا الشيخ هو الذي قرأ وسمع أكثر من واحد، أما إذا الشيخ حدث رجلاً على انفراده فيقول: حدثني، هذا هو المشهور عند جماهير العلماء.

    ولا فرق عند العلماء ما بين أن يقرأ الشيخ من لفظه، أو أن يُقرأ على الشيخ وهو يسمع، فالقراءة على الشيخ وهو يسمع تُسمى عرضاً، أي: أن التلميذ عرض على الشيخ حديثه فأقره، وحصل خلاف ما بين أهل العراق وأهل المدينة في مسألة العرض والسماع، فكان أهل المدينة يرون أن العرض مثل السماع، وكان أهل العراق يقولون: لا. بل ما كان من لفظ الشيخ يكون أرفع من العرض، فالإمام مالك رحمه الله رد عملياً على أهل العراق بأنه لا يقرأ الموطأ على أحد، إنما يقرأ عليه وهو يسمع؛ ولذلك حديث مالك في صحيح مسلم كله عرض، ما جاء من طريق يحيى بن يحيى عن مالك في صحيح مسلم كله عرض، يقول مسلم : حدثني يحيى بن يحيى قال: قرأت على مالك ، هكذا في صحيح مسلم، يعني: أنه أخذ الحديث عرضاً.

    وقال إبراهيم بن سعد وهو أحد أئمة المدينة: يا أهل العراق! لا تدعون تنطعكم! العرض مثل السماع. وبالغ بعض أهل المدينة وقال: بل العرض أقوى من السماع، لكن العرض كالسماع وإن كان احتمال دخول الوهم في العرض أقوى من دخوله في التحديث المباشر، لأن الشيخ قد يسهو والتلميذ يقرأ عليه، وتدركه سنة أو نحو ذلك فلا ينتبه، فلا شك أن التحديث يمتاز عن العرض بمثل هذا، لكن المشهور والمعروف عند جماهير العلماء أن العرض والسماع كلاهما صيغة واحدة.

    مداخلة: هل الكتابة مع الإجازة أقوى من السماع؟

    الجواب: لا. هذا خطأ بل التحديث أرفع أدوات التحمل، وهو أن يصرح الشيخ بلفظ التحديث، ربما يقول لك: الكتابة أحد أدوات التحمل، والإجازة أحد أدوات التحمل، فإذا اجتمعا هذا مع ذاك يبقى كأنه نور على نور، لا. أقوى صيغ التحمل (حدثني) و(حدثنا) و(أنبأني) و(أنبأنا) و(أخبرني) و(أخبرنا)، وثم (قال لي)، فهي ملتحقة بحدثنا وحدثني، ولفظة (قال لي) أكثر من يستخدمها الإمام البخاري ، يعني: لم أقف لأحد من الأئمة الستة على استخدام هذه العبارة إلا عند الإمام البخاري ذكرها في الصحيح قليلاً، لكنه أكثر منها في كتاب التاريخ الكبير. وأحياناً يروي في التاريخ الكبير حديثاً يقول فيه: قال لي مثلاً قتيبة بن سعيد ، ويكون روى هذا الحديث بعينه عن قتيبة في الصحيح لكنه قال: حدثني قتيبة ، فالعلماء قالوا: إن لفظة (قال لي) عند الإمام البخاري هي بمنزلة: (حدثني)، أو (أنبأني) أو (أخبرني).

    والطحاوي له رسالة اسمها: التسوية بين حدثنا وأخبرنا، يرد فيها على من يفرق بينهما ويقول: إن أخبرنا للعرض وحدثنا للقراءة.

    وأيضاً من أدوات التحمل (عن) وهي من أدوات التحمل التي تحتمل الانقطاع والاتصال، فأنت لو قلت الآن: عن ابن تيمية أنه قال.. أي شخص ممكن يكذبك. وأنا لو قلت الآن: عن ابن تيمية أنه قال .. هل يمكن لأحد أن يقول: كيف رويت عن ابن تيمية ولم تسمع منه؟ لا. فبيني وبين ابن تيمية قرون، ومع ذلك قلت: عن ابن تيمية فتبقى لفظة (عن) صيغة من صيغ الانقطاع لكن فيها نوع اتصال.

    لذلك قال العلماء: إن المدلس لا يقبل منه ما عنعنه؛ لأن (عن) في الأصل صيغة انقطاع، والمدلس أصلاً إنما ينفذ إلى غرضه من هذه الكلمة، لكن تقبل العنعنة من الراوي العدل الذي لم يدلس مع المعاصرة البينة عن شيخه.

    1.   

    الفوائد الفقهية والأصولية من الحديث

    استحباب عقد مجالس التحديث

    عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: (بينما النبي صلى الله عليه وسلم في مجلس يحدث القوم جاءه أعرابي..) قلنا: إن هذا فيه دليل على استحباب عقد مجالس التحديث لأن النبي عليه الصلاة والسلام كان يعقد المجالس لتعليم أصحابه..

    استحباب الرحيل في طلب العلم

    وقوله (جاءه أعرابي) فيه دلالة على استحباب الرحلة في طلب العلم.. والأعرابي: هو من يسكن البادية، يعني: ليس من أهل الحضر.. فالرسول عليه الصلاة والسلام يعقد المجلس لأصحابه وهذا الأعرابي رحل من بلده إلى الرسول عليه الصلاة والسلام ليسأله عن أمر جلل، والرحلة في طلب الحديث أشهر من فعلها هم المحدثون، وأكثر من (95%) من الذين رحلوا من مكان إلى مكان إنما هم أهل الحديث، وتبقى (5%) لأهل الفقه وأهل اللغة، وسائر الذين يطلبون فنون العلم الأخرى.

    فيمكن أن يكون في بلدك اثنين أو ثلاثة من الفقهاء تتخرج عليهم، وتكون فقيهاً (100%)، وتأخذ ما عندهم، لكن في الحديث قد لا تجد. لماذا؟ لأن الأسانيد فرقت ووزعت بسبب رحلة الصحابة إلى الأمصار، وتركهم المدينة ومكة، فانتقل هؤلاء الصحابة ومعهم حديث كثير عن النبي عليه الصلاة والسلام، ففي كل بلد طلاب علم يسمعون عن شيوخ البلد، فكل واحد من هؤلاء معه من الأسانيد ما ليس مع الطرف الآخر، فلذلك وزعت الأسانيد كلها في صدور مئات بل ألوف من طلاب العلم في مختلف الدنيا، فهذه الرحلة اختص المحدثون بها لحاجتهم إليها بسبب تفرق الأسانيد في البلاد، وبذل المحدثون جهداً عظيماً كبيراً في سبيل جمع كل هذه الأحاديث من صدور طلاب العلم الذين أخذوا عن العلماء، والخطيب البغدادي له كتاب اسمه: الرحلة في طلب الحديث، ذكر فيه نماذج من رحيل الصحابة إلى النبي عليه الصلاة والسلام، ومن رحيل التابعين إلى الصحابة، ومن رحيل العلماء إلى المشايخ في البلاد الأخرى، فمجيء الأعرابي يدل على الحرص على طلب العلم، وأنه كلما بدا لك سؤال يستحب لك أن ترحل إلى العالم الذي يشفيك.

    وقصة شعبة بن الحجاج في سبيل التثبت من حديث واحد مشهورة، ذكرها ابن حبان في كتاب المجروحين، وذكرها الخطيب البغدادي في كتاب الكفاية، وهي مشهورة، وقد نوه بها الحاكم النيسابوري في المستدرك في آخر حديث (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي) بعدما روى هذا الحديث وذكر له طرقاً كثيرة، نوه برحلة شعبة بن الحجاج رحمه الله إلى طلب هذا الحديث الواحد، أراد أن يقول: إنني تعبت واستقصيت جمع طرق هذا الحديث، ولا مانع من ذلك؛ فقد فعل شعبة مثل هذا، فرحلة شعبة بن الحجاج رحمه الله استغرقت منه نحو شهرين أو ثلاثة في سبيل التثبت من حديث واحد، فعن نصر بن حماد الوراق قال: كنا بباب شعبة نتذاكر السنة؛ فقلت: حدثني إسرائيل عن أبي إسحاق عن عبد الله بن عطاء عن عقبة بن عامر الجهني أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من توضأ ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله فتحت له أبواب الجنة الثمانية، يدخل من أيها شاء) قال: وبينما أنا أحدث بهذا الحديث خرج شعبة من الدار فسمعني فلطمني ودخل الدار، وكان معه عبد الله بن إدريس ، قال: فجلست أبكي فدخل شعبة الدار ثم خرج فوجدني أبكي، فقال عبد الله بن إدريس: إنك لطمت الرجل، قال: إنه مجنون، إنه لا يدري ما يحدث، إني سألت أبا إسحاق السبيعي عن هذا الحديث.. قلت له: حدثك إبراهيم بن سعد ؟ فغضب وأبى أن يخبرني، فقال لي مسعر بن كدام وكان جالساً مع أبي إسحاق : يا شعبة ! إبراهيم بن سعد حي بالمدينة .. إن أردت أن تستثبت فارحل إلى المدينة واسمع الخبر من إبراهيم بن سعد .

    وشعبة بصري من أهل البصرة، قال شعبة : فخرجت من سنتي إلى الحج ما أريد إلا الحديث..

    فقال: فلقيت مالكاً في الحج قلت له: حج إبراهيم بن سعد ؟ قال لي: لا. ما حج العام، قال: فقضيت نسكي وتحللت وانحدرت إلى المدينة، فدخلت على إبراهيم بن سعد ، فقلت له حديث الوضوء سمعته من عبد الله بن عطاء ؟ قال: لا. قلت: ممن سمعته؟ فذكر أنه سمعه ممن -أدركني سوء الحفظ- قال: حدثني زياد بن مخراق قال: فانحدرت إلى زياد بن مخراق فقلت له: حديث الوضوء سمعته من عبد الله بن عطاء ؟ قال: ما هو من حاجتك، قلت له: لابد، قال: لا أحدثك حتى تذهب إلى الحمام وتغتسل وتغسل ثيابك ثم تأتيني، قال: فذهبت فاغتسلت وغسلت ثيابي وأتيته، فقلت له: حديث الوضوء، قال: حدثني شهر بن حوشب ، قلت: عمن؟ قال: عن أبي ريحانة عن عبد الله بن عطاء عن عقبة بن عامر ، فقال شعبة : حديث مرة مكي! ومرة مدني! ومرة بصري.. لا أصل له، والله لو صح هذا الحديث لكان أحب إلي من أهلي ومالي.

    وهذا الحديث صحيح.. لكن من غير الطريق الذي أنكره شعبة ، والحديث إنما صح عن عقبة بن عامر عن عمر بن الخطاب ، كما رواه الإمام مسلم في صحيحه، لكن الذي يقرأ هذه القصة عن شعبة بن الحجاج لا يتصور أنه بذل ثلاثة أشهر من عمره في سبيل أن يتأكد من حديث واحد فيه مثل هذه الفضيلة، وهو يقول: (والله لو صح هذا الحديث لكان أحب إلي من أهلي ومالي). فالحمد لله رب العالمين أنه قد صح هذا الحديث.

    فالعلماء كانوا يسافرون هذه الأشهر الطويلة في سبيل التثبت من لفظة واحدة، يأتي من بعدهم لا يشعر بقيمة الجهد الكبير الذي بذلوه.

    ومن أمثلة الرحلة أيضاً في طلب العلم أو في طلب الحاجة: ما رواه الشيخان البخاري ومسلم من حديث أنس رضي الله عنه قال: (بينما النبي صلى الله عليه وسلم يخطب الجمعة إذ جاءه أعرابي فقال: يا رسول الله! هلك الزرع والضرع، ونفقت الماشية فادع الله أن يسقينا، قال: فرفع النبي صلى الله عليه وسلم إصبعه إلى السماء وقال: اللهم اسقنا.. اللهم اسقنا.. اللهم اسقنا، قال أنس : وكانت السماء مثل الزجاجة -يعني: ليس فيها سحابة- قال: فما إن دعا صلى الله عليه وسلم حتى تكاثر الغمام في السماء، وما نزل من على المنبر إلا والمطر يتحدر من على لحيته، وخرجنا إلى بيوتنا نخوض في الماء، وظللنا لا نرى الشمس جمعة، قال: وفي الجمعة التي بعدها وبينما النبي صلى الله عليه وسلم يخطب الجمعة، إذ جاءه هذا الأعرابي فوقف على الباب وقال: يا رسول الله! هلك الزرع والضرع ونفقت الماشية فادع الله أن يحبس عنا الماء، فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: أشهد أني عبد الله ورسوله، اللهم حوالينا لا علينا، اللهم على الآكام والضراب ومنابت الشجر، قال: فكان على المدينة شمس وحول المدينة مطر).

    وكذلك ما رواه البخاري من حديث أبي هريرة أيضاً أن رجلاً جاء يسأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الإيمان والإحسان والإسلام، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يجلس بين أصحابه، فلم يكن تميز عنهم فكان الجائي يجيء فيسأل عنه أين محمد؟ فجاء أعرابي فسأل عنه، فقالوا له: هذا الرجل الأبيض المتكئ، فذهب إليه وقال: يا بن عبد المطلب! قال: قد أجبتك، فسأله عن الإيمان والإسلام والإحسان، فقالوا له: يا رسول الله! لو اتخذنا لك منبراً، قال: إن شئتم، ومن هنا اتخذوا له منبراً كان يجلس عليه ليتميز فلا يحتاج السائل أن يسأل عنه إذا جاء، بل إذا وجده يجلس على هذا المكان المرتفع عرف أن هذا هو رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    الرفق بالسائل خصوصاً إذا كان جاهلاً

    قال هذا الأعرابي: (متى الساعة؟ فمضى رسول الله صلى الله عليه وسلم يحدث)، هذا فيه إعراض من النبي عليه الصلاة والسلام، لماذا؟ لأن السؤال غير عاجل، هذا سؤال ما له كبير قيمة، أن تعرف متى الساعة، لذلك صرف النبي صلى الله عليه وسلم الرجل إلى ما ينفعه، وهذا فيه من الأدب أنه ينبغي على الشيخ أن يرفق بالسائل، لأنه قد يكون جاهلاً، أو قد يكون من الذين لا يحسنون السؤال، فيعلمه إحسان السؤال، فالرسول عليه الصلاة والسلام ما أجابه إنما سأله، فرد على السؤال بسؤال، كأنما قال له: السؤال الذي ينبغي أن تطرحه ليس الذي ذكرت بل الذي أنا أذكره، والذي ينبغي أن تهتم به.

    وروى الإمام مسلم عن أبي رفاعة (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخطب فدخل رجل فقال: رجل غريب يريد أن يتعلم دينه، فنزل النبي صلى الله عليه وسلم من على المنبر وجلس على كرسي وأدنى هذا الرجل وجعل يعلمه ما يلزمه من دينه، وبعد أن انتهى صعد المنبر فأكمل خطبته)، فهذا رجل متعجل لا يدري شيئاً عن دينه، فربما إذا أقيمت الصلاة لا يدري كيف يصلي، فالإجابة هنا عاجلة بخلاف الرجل الذي يقول: متى الساعة؟

    فينبغي للعالم أن ينظر إلى سؤال السائل إذا كان الرجل متعجلاً فليعجل له بالجواب فهذا أرفق، وإذا كان السؤال يحتمل التراخي أقبل على شأنه وعلى كلامه ثم بعد ذلك لا يضره إن هو رجع له مرة أخرى. لماذا؟ لتحاشي حصول مضرة من تأخير الجواب.

    فهو يقول هنا: متى الساعة؟ فأقبل النبي صلى الله عليه وسلم يحدث، فالناس الذين يسمعون النبي صلى الله عليه وسلم انقسموا إلى فريقين، جماعة قالوا: سمع ما قال، فكره ما قال، وجماعة قالوا: بل لم يسمع.

    أما الفريق الأول الذي قال: سمع فكره، عرفوا من عادة النبي صلى الله عليه وسلم أنه إذا كره الشيء لا يجيب، مثل الحديث الذي رواه البخاري ومسلم أيضاً أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله فرض عليكم الحج فحجوا، فقال رجل: أكل عام يا رسول الله؟ فسكت ولم يجبه، -حتى كرر الرجل المسألة أكثر من مرة- فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ذروني ما تركتكم، إنما أهلك من كان قبلكم كثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، وفي اللفظ الآخر قال: لو قلت نعم لوجبت ولما أطقتم..)

    فالرسول عليه الصلاة والسلام كان إذا كره السؤال لا يجيب، لكن يضاف إلى عدم الإجابة شيء آخر هو الذي جعل الفريق الآخر يقول: لم يسمع، أنه عليه الصلاة والسلام كان إذا كره لم يجب ويحمر وجهه، يظهر عليه علامات الكراهة، فعدم احمرار وجه الرسول عليه الصلاة والسلام أغرى طائفة أخرى فقالوا: لم يسمع، لأنه لو سمع وكره ما قال لتغير وجهه عليه الصلاة والسلام كما هي عادته، وكذلك فإن الفريق الآخر غلب حسن الخلق؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام لم يكن من عادته أن يهمل من يريده، لاسيما إذا كان الرجل من البادية، رحل وجاء من مسافة بعيدة، فقالوا: لا. لم يسمع، لأن حسن خلقه صلى الله عليه وسلم في استقبال الغريب يمنعه ألا يجيبه، فالأولون غلبوا ما رأوه من عادته عليه الصلاة والسلام أنه كان إذا كره لا يجيب، لاسيما أن هذا السؤال وجه إلى النبي عليه الصلاة والسلام ولم يجب على السائل.

    (حتى إذا قضى حديثه وأكمله، قال: أين أراه السائل عن الساعة؟ فقال: ها أنا يا رسول الله! قال: إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة)

    1.   

    من علامات الساعة: ضياع أمانة الدين

    إن الأمانة اسم عام لكل تكليف كلفناه ربنا تبارك وتعالى أو الرسول عليه الصلاة والسلام.. كما في قول الله عز وجل: إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا [الأحزاب:72] فالأمانة هي كلمة: لا إله إلا الله بتكاليفها، هذه هي التي أشفقت السماوات والأرض والجبال عن حملها..

    وفي حديث حذيفة قال: عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الأمانة نزلت في جذر قلوب الرجال).

    الجذر الذي هو الأصل، أي: أن تعظيم حرمات الله عز وجل إنما يكون محله القلب، وهذا يصدقه قول ابن عمر وقول حذيفة أيضاً: (تعلمنا الإيمان ثم تعلمنا القرآن) فهذا الإيمان هو الأمانة، وعادة لا ينشط الرجل إلى فعل ما أمره الله عز وجل إلا والإيمان رائده، فالذي يفرط في أوامر الله عز وجل خائن، إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة، ليس المقصود بالأمانة أن يعطى رجل آخر مبلغاً من المال فيأكله.. لا، هذا لون من ألوان الخيانة، لكن أعظم الخيانة أن يخون الرجل ما أمره الله عز وجل بحفظه لاسيما العقد الأول الذي أنت وقعت عليه، ووقعه كل إنسان على وجه الأرض، فخانه أكثر الناس.. قال تبارك وتعالى: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا [الأعراف:172] هذا هو التوقيع، شهدوا لله عز وجل بالوحدانية، أعظم الأمانة خيانة توحيدك، فكل البشرية جميعاً شهدوا على أنفسهم ووقعوا هذا العقد، قالوا: بلى شهدنا، فقال الله عز وجل لهم: أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ [الأعراف:172]، أي: إنما أشهدتكم حتى لا يقول قائل: إني غافل عن هذا.

    هل أحد منا يذكر هذه المراجعة؟ لا أحد على الإطلاق يذكر هذه المراجعة؛ لأن الله عز وجل إنما فعل ذلك ونحن في عالم الأرواح، كما في الحديث الصحيح الذي يفسر هذه الآية أن الله تبارك وتعالى مسح ظهر آدم فاستخرج من ظهره كل نسمة هو خالقها إلى يوم القيام، ثم خاطبهم في عالم الأرواح -في عالم الغيب- جعل لهم أرواحاً وخاطبهم.. ألست بربكم؟ قالوا: بلى شهدنا أنك ربنا، قال: أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ [الأعراف:172] فلما لم يذكر العباد هذا الميثاق أرسل الله عز وجل الرسل تذكر العباد بهذا الميثاق إذ جزاء العقاب والثواب إنما هو مرهون ببعثة الرسول. قال تعالى: وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا [الإسراء:15] وأخطأ من زعم أن هذا الميثاق حجة على كل العباد، ولا يعذر بالجهل بسبب هذا، أن الكل أقر في عالم الغيب أن الله عز وجل هو ربهم.. لا. بل العذاب والثواب كله مرهون ببعثة الرسول عليه الصلاة والسلام، ثم بوصول البيان والبلاغ، قال تبارك وتعالى: لِأُنذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ [الأنعام:19] فمن بلغته النذارة انقطعت حجته، وانقطع عذره، أما إذا بعث الرسول عليه الصلاة والسلام ومع ذلك لم يصل كلامه إلى إنسان معين، فهذا الرجل يعذر بجهله حتى تقوم عليه الحجة الرسالية التي يكفر تاركها.. فأجل الأمانة التوحيد.. لذلك حفاظك على توحيدك أمانة، وتفريط الإنسان في معرفة التوحيد خيانة لهذه الأمانة.

    من ضياع الأمانة: ضياع الأحكام والفرائض

    كلمة: (إذا ضيعت الأمانة) لفظ عام يشمل دين الله تبارك وتعالى كله، يعني: إذا ضيع دين الله عز وجل فانتظر الساعة، وقد ورد في أحاديث كثيرة أن من علامات الساعة ضياع الصلاة، وضياع الحكم، فأنت ترى أن ثلث الأمة لا يصلي مثلاً وربما أكثر من الثلث، والصلاة فرض عين على كل إنسان ومع ذلك هؤلاء لا يصلون.

    حتى أن صلة بن زفر راجع حذيفة بن اليمان في هذا الصنف من الناس.. يقول حذيفة (إنه في آخر الزمان يكون قوم لا يدرون ما الصلاة ولا الزكاة ولا الحج)، ولا يدرون شيئاً من أوامر الله عز وجل، إنما يقولون: لا إله إلا الله، -هذه الكلمة كما لو كانت كلمة تراثية أو شيء موضوع في متحف- ما معنى لا إله إلا الله؟ قالوا: لا ندري إنما أدركنا آباءنا يقولوها فنحن نقولها.. يعني: هم ورثوا لا إله إلا الله فهم يقولونها كما قالها أسلافهم، لكن لا يدرون شيئاً عن مقتضياتها.

    وبكل أسف فهذا هو الفرق بين الوارث والعامل، الذي ورث الكتاب ليس كالذي تلقى الكتاب وناضل من أجله، هناك فرق.. فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ [الأعراف:169] هناك فرق بين من قاتل على تنزيل آيات الكتاب، وبين من ورث الكتاب، فرق كبير جداً.. الذين ورثوا الكتاب يأخذون عرض هذا الأدنى ويقولون: سيغفر لنا، فانظر الربا مثلاً المعصية الوحيدة التي ذكر الله عز وجل فيها الحرب: فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ [البقرة:279]، ومع ذلك فهناك أحد المفتين جاءه رجل فقال: والله أنا مضطر أن أقترض بالربا ولا أجد أحداً يقرضني إلا بالربا، فهل تجد لي مناصاً وخلاصاً من إثم الربا؟ قال: نعم. هو يعطيك مثلاً المائة بمائة وعشرة، أنت تقول: هذا ربا، لكن تتخلص من الربا، قل: لله علي أن أعطيه عن كل مائة عشرة، فصار نذراً واجب الوفاء -فهذا لعب بالشرع-، يقول له: أنت العب واجعله نذراً، وقل: لله علي أن أعطيه عن كل مائة عشرة، فصار النذر في حقك فرضاً، إذاً: أنت في هذه الحالة تؤدي ما افترضته على نفسك وليس هذا من الربا بسبيل.

    لو كان هذا من الصحابة الذين تلقوا الكتاب هل ممكن يهون عليه أن يفعل هذا؟ أبداً. لا يمكن، وأنت اعتبر بسيرة أبي ذر رضي الله عنه في الصحيحين لما بعث النبي عليه الصلاة والسلام فأرسل أبو ذر أخاه يسأل عن هذا الرسول وما صفته؟ وماذا يقول؟ وما رسالته؟ ونحو ذلك، فذهب وسمع وبعد ذلك رجع إلى أبي ذر وقال: وجدته يأمر بمكارم الأخلاق، ويدعو لعبادة الله، قال له: ما شفيتني، ثم ركب أبو ذر راحلته ورحل إلى الرسول عليه الصلاة والسلام.. ودخل مكة وإذا أهلها أشد حرباً على النبي عليه الصلاة والسلام وعلى أصحابه، فـأبو ذر رأى الأوضاع سيئة وأنهم يضطهدون أتباع النبي صلى الله عليه وسلم فأحب أن يتخلص من العنت والمشقة، فأراد أن يسأل عن النبي عليه الصلاة والسلام دون مشاكل، قال: فتضعفت رجلاً منهم قال: أسأله لأنه لن يعمل شيئاً حتى لو غضب مني، فهو ضعيف لا يستطيع أن يدخل معي في مبارزة ولا قتال، أتعرفون! هذا الضعيف وضعوه فخاً، أي واحد يدخل مكة ويسأله عن النبي عليه الصلاة والسلام يشير إشارة فقط فيأتي كل كفار قريش فيضربونه.

    فـأبو ذر يقول: فتضعفت رجلاً منهم؛ لأن الضعيف مأمون الغائلة غالباً، قال: فقلت له: أين ذلك الصابئ الذي يدعو إلى كذا وكذا؟ فقال ذلك الرجل: الصابئ الصابئ.. قال: فانقلب علي القوم بكل مدرة وعظم، هذا جاء بلحي بعير، والثاني جاء بعظمة حمار، قال: وانهالوا علي جميعاً، فما تركوني إلا وقد جعلوني نصباً أحمر، والنصب التمثال إذا سكب عليه دم، أي: أن الدماء سالت منه بسبب الضرب الذي هم ضربوه، قال: فمشيت إلى زمزم، وليس له إلا ماء زمزم يشرب منها، هو طعام وشراب، قال: حتى تكسرت عكن بطني ولم أجد على كبدي سخفة جوع، صار ذو كرش، وزال أثر الجوع تماماً من على كبده.

    فالمهم عندما خرج مر عليه علي بن أبي طالب وكل منهم ينظر إلى الآخر ولا يكلم الآخر، ثم في اليوم الثاني جاء علي بن أبي طالب فجعل يقول له: أما آن للغريب أن يعرف مثواه، يعرض عليه الكلام، حتى أمن لـعلي بن أبي طالب فسأله عن النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: اتبعني.. امش خلفي، فإذا خفت عليك جلست كأنني أصلح نعلي. يعني: إذا قعدت كأني أصلح نعلي فاستمر في المشي كأنك لا تعرفني.

    وبعد ذلك أخذه علي بن أبي طالب ومضى خلفه حتى ذهب إلى النبي عليه الصلاة والسلام، وأسلم أبو ذر وسمع آيات القرآن، فأخذته الحمية ورجع مرة أخرى إلى المسجد الحرام وقال: والله لأصرخن بها بينهم، وصرخ بها بينهم في المسجد الحرام، فانهالوا عليه مثل المرة الأولى، وما خلصه إلا العباس مثلما خلصه في المرة الأولى، وقال: ويلكم! ألا تعلمون أنه من غفار وأن طريق تجارتكم يمر من غفار.. فأنتم إذا قتلتموه وقفت لكم غفار بالمرصاد، وقطعوا عليكم الطريق، وأخذوا التجارة منكم. فلما ذكر لهم ذلك سكتوا وكفوا عنه.

    فمثل أبي ذر هل من الممكن أن تهون عليه آية من آيات الكتاب فيحرفها لمأرب شخصي أو لعرض من أعراض الدنيا؟ هذا مستحيل، لذلك الفرق بين الذي أنزل عليه الكتاب والذي تلقاه وورثه كبير جداً، وأنت اعتبر في الدنيا بالرجل المكافح الذي جمع ماله حال شبابه، وكان قبل ليس له مال، بدأ من الصفر وجعل يجتهد في جمع المال، ولا يمكن أن هذا الرجل ينفق المال بسفه، كل مسألة ومشروع يريده يعمل له دراسة جدوى؟ هل هو أفضل أم الفلوس أفضل، ودائماً تجده حكيماً في التصرف والنفقة، حتى جمع ألوفاً وملايين ثم مات، وورث ابنه هذا المال، فلو أنفق المال كله في ضحوة من نهار ما ذرف عليه دمعة واحدة، ولو المال كله احترق لا يبكي عليه.. لماذا؟ لأنه ما جمع هذا المال، ولا تعب عليه.

    من ضياع الأمانة: التلاعب بالقرآن وتحريف آياته

    كان عمر بن الخطاب يشدد غاية التشديد في الذي يلعب بمعنى آيات القرآن.. ليس بالقرآن.. أنت تعرف أن ابن عربي في تفسيره آيات القرآن، ليس المعنى فقط، بل الآيات نفسها، فهو يقول في قول الله تبارك وتعالى: مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ [البقرة:255] معناها ليس كما تفهمون ولا تقرءون، هذه فيها إشارة إلى الذل في العبادة، ما هو مفهومها؟ قال: من ذل ذي يشف عِ. يعني: (من ذل) من الذل.. (ذي) اسم إشارة إلى النفس، أي: من ذل نفسه يشف من الشفاء (عِ) فعل أمر من وعى أي: عِ هذا الكلام.. ويعتبر هذا تفسيراً.

    هذا عمر بن الخطاب كاد أن يقتل صبيغ العراقي ضرباً بسبب مسألة ليست كهذه؛ فإنه كان يسأل عن معنى (الذاريات ذرواً) والذاريات: هي الريح، وصبيغ العراقي ما كان يسأل عن (الذاريات ذروا) لأنه يجهل معنى هذا اللفظ، لا. العرب كانوا يفهمون القرآن، لكن صبيغاً أراد شيئاً آخر غير المعنى اللغوي، وهذا ما فهمه أبو موسى الأشعري ، لذلك أرسل إلى عمر بن الخطاب وقال له: إن هنا رجلاً يسأل عن معنى (الذاريات ذرواً) فقال عمر : ابعثه إلي. وبعد ذلك قال له: أرسله لي على إكاف بعير، وانتبه أن تبعثه على بردعة لينة طرية، إنني أريدك أن تكسر عظمه في الطريق، والإكاف نوع من الخشب فإذا قفز البعير وهو ماشٍ يكسر عظمه في الطريق، وهذا نوع من العقوبة العاجلة.

    فأرسل إليه صبيغ العراقي ومعه رسول، ولما جاء صبيغ العراقي كان عمر بن الخطاب قد جهز الجريد الأخضر فأول ما دخل قال له: صبيغ العراقي !! تعال.. فسحبه وجعل يضربه بالجريد الرطب الثقيل المؤلم، فظل يضربه إلى أن أدمى ظهره، ثم تركه يومين أو ثلاثة حتى بدأ الجرح يخف ثم جاء به وضربه مرة أخرى حتى أدمى ظهره، ثم تركه، وبعد ثلاثة أو أربعة أيام جاء به كذلك لكي يضربه.. قال له: يا أمير المؤمنين! إن كنت تريد أن تقتلني فاقتلني قتلاً جميلاً، يعني: أموت مرة واحدة وانتهى الأمر، وإن كنت تريد أن تداويني فقد والله برئت.

    ثم إن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أرسل لـأبي موسى الأشعري وقال له: لا أحد يكلمه، ولا يسلم عليه، فطال عليه ذلك فشكا إلى أبي موسى الأشعري ما يجد من الوحشة -فلا أحد يكلمه، ولا أحد يسامره- فأرسل أبو موسى الأشعري إلى عمر يخبره أن الرجل قد تاب وحسنت توبته، فأذن بالكلام معه.

    فانظر إلى الصحابة كيف كانوا يعظمون القرآن؛ ولذلك لم يحدث التفسير الباطني ولا التفسير بالإشارة إطلاقاً على عهدهم أبداً، وهذا اللعب بآيات القرآن والضياع التي الأمة المسلمة تجرعته في القرون التي أتت بعد ذلك سلم منه عصر الصحابة لشدة حرصهم، وفي نفس الوقت حزمهم بالنسبة للقرآن، انظر في صحيح البخاري في كتاب الحدود ستجد أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: (لقد رجم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورجم أبو بكر ورجمت، وأخشى أن يطول بالناس زمان فيقول قائلهم: لا نجد الرجم في كتاب الله، فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله، ولولا أن يقول الناس زاد عمر في كتاب الله -هذا رواه البخاري وغيره، لفظ البخاري لا أحفظه فربما زدت شيئاً من الروايات الأخرى- لكتبته على حاشية المصحف).. انظر التوقي! لولا أن يقول الناس زاد عمر في كتاب الله لكتب حكم الرجم على حاشية المصحف، فحفاظاً على القرآن لم يكتب عمر رضي الله عنه هذا الذي ذكره، وكان حكم الرجم آية تتلى ثم رفعت كلها.. فكان الصحابة حريصين غاية الحرص..

    فالرجل صبيغ لما قال: (والذاريات ذرواً) قصد نفس المعنى الذي قصده عمر كما رواه البخاري وغيره من حديث أنس (أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قرأ مرة (وفاكهة وأباً) ثم قال: الفاكهة قد عرفناها فما الأب؟! ثم رجع إلى نفسه وقال: إن هذا لهو التكلف يا عمر وما عليك أن لا تدريه) نحن نعرف (الأب) وعمر يعرفه قبلنا كذلك، (الأب) هو العشب، وَفَاكِهَةً وَأَبًّا *مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ [النازعات:31-32]، فالأب -الذي هو العشب- طعاماً للأنعام، لكن عمر بن الخطاب لم يقصد مطلق اللفظ من أنه لا يدري ما معنى (الأب)، الصحابة كانوا عرباً أقحاحاً، والقرآن نزل بلغتهم.. لكن عمر قصد شيئاً زائداً على المعنى المعروف لديه.. يعني: أصله أين؟ وكيف البذرة تلقح؟ والرياح تأخذ ماذا؟ قصد الكلام هذا الذي الآن هم يدرسوه ويسمونه: الإعجاز العلمي للقرآن، ما هو أصل نبات (الأب)، عمر بن الخطاب قصد هذا المعنى، وصبيغ العراقي قصد (والذاريات ذرواً) مثل عمر في تفسير (الأب)، لذلك أنكر عليه عمر بن الخطاب وعاجله بهذه العقوبة.

    فالصحابة كانوا يبجلون القرآن ويكبرونه ويحافظون عليه، إنما الذين ورثوا الكتاب بعد ذلك هان عليهم القرآن، يعني: انظر إلى ابن عربي وتفسيره لقوله: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ * خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ [البقرة:6-7]، صح عن ابن عباس أنه قال: (إن الله عز وجل أنزل آيتين في المؤمنين، وآيتين في الكافرين، وثلاث عشرة آية في المنافقين.. فبعدما ذكر ربنا سبحانه وتعالى المؤمنين: الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاة وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ [البقرة:3]، ذكر الكافرين، ابن عربي قال: لا. الآيتين هذه.. (إن الذين كفروا ..) نزلت في أهل الورع الذين هم أفضل المؤمنين، وقال: إن معنى (الذين كفروا..) أي: كفروا إيمانهم وغطوه.. لأن أصل الكفر التغطية، وسمي الكفر كفراً لأنه يغطي الإيمان، وسمي الزارع كافراً؛ لأنه يغطي البذرة في بطن الأرض ويواريها كقوله تعالى: كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ [الحديد:20] فالكفار هنا هم الزراع، وسميت الكفور كفوراً، لأن الكفور هي البيوت التي كفرتها الأشجار فغطتها عن العيون، أشجار متكاثفة فتغطي البيوت عن السائر، فسميت كفوراً لأجل ذلك.

    فقال: (إن الذين كفروا..) أي: غطوا إيمانهم حتى لا يحبط بالرياء والسمعة.. سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون.. تهددهم بالناس أو لا تهددهم بالناس لا يصدقون هذا التهديد.. لماذا؟ لأنهم في معية الله.. ختم الله على قلوبهم فلا يدخلها غيره -بالشمع الأحمر- وعلى سمعهم.. فلا يسمعون إلا منه.. وعلى أبصارهم غشاوة.. يعني: لا يرون غيره، ولهم عذاب عظيم من المخالفين.

    انظر! إذا جاز للإنسان أن يفهم الكلام بهذه الصورة لا يبقى حق على وجه الأرض، لماذا؟ لأن كل حق يمكن أنك تقدر محذوفاً وينقلب إلى باطل.. فمثلاً لو أن شخصاً يقول: لا إله إلا الله.. فأي إنسان ممكن أن يقدر أي تقدير ويضيع هذه الكلمة، فلو قال: لا إله إلا الله ولم يقدر (لا إله بحق إلا الله عز وجل) وقال: لا إله إلا أن يأذن الله يحط أي تقدير، الكلام كله يضيع.. الدين كله يضيع عندما نقول: الذين كفروا إيمانهم، ولهم عذاب عظيم من المخالفين، وختم على قلوبهم فلا يدخلها غيره.. ولذلك تفسير الإشارة كله لعب بهذه الطريقة.

    فالقرآن كان عند الصحابة أعز عليهم من أن يفعلوا به هذا الفعل، ولذلك انظر الآية: فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا [الأعراف:169] يرتكبون الموبقات ويقولون: سيغفر لنا.

    أحد المقرئين الكبار في عام (65) تقريباً زار مصر رئيس يوغسلافيا جوزف تيتو ، فشخص من الجماعة القراء يمازحه ويقول له: أنت اسمك ورد في القرآن، تيتو الله أعلم هل يرد على الجنة أو لا. فيقوم يقول: وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا [الإسراء:85].

    وهذا شخص كان يمتحن طلبة في القرآن قال لأحدهم: أنا سأسألك سؤالاً واحداً في القرآن، اذكر لي الآية التي فيها ثلاث (لمون) -أي: ليمون- في القرآن؟ ولو أجبت عن هذا السؤال سأعطيك الدرجة النهائية.. طبعاً الطالب حافظ، لكنه عصر دماغه لكي يعثر على الآية فلم يعرف يأتي بها نهائياً، وفشل الآخر أنه يأتي بهذه الآية.. ويقوم الفالح يقول له: وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ [النساء:104].

    من ضياع الأمانة: تصدر أهل الجهل للفتوى والعلم

    هل الصحابة كانوا يفعلون مثل هذا؟! لا. القرآن عند الصحابة كان غالياً.. هذه هي الأمانة.. أن تعظم كلام الله عز وجل الذي أنت تأخذ منه الأحكام والآداب، الذي هو رائدك إلى الجنة، فإذا وجدت مثل هذه الخيانات في شتى المجالات، في الأحكام الشرعية، وفي التوحيد، وفي الآداب، وفي السلوك وفي مثل هذه الأشياء فاعلم أن الساعة قد اقتربت.. (إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة).

    فاللفظ مجمل.. -وأغلب الإشكال يأتي من الإجمال- فلم يقنع هذا الرجل بهذا الإجمال فكرر السؤال مرة أخرى يستفسر، فقال هذا الأعرابي: (كيف إضاعتها؟ قال: إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة).

    إذاً: كل شيء من الخلاف سببه كلام الجاهل في غير فنه، ولله در من قال من علمائنا: لو سكت من لا يعلم لقل الخلاف، فمثلاً لو أن شخصاً في زماننا لا نشهد له بالعلم ألف كتاباً، وأتى فيه بأقوال شاذة. ثم مر عليه خمسمائة عام فعثر على الكتاب شخص وقال لك: وجدنا مخطوطة لأحد أئمة الإسلام، وأخرج المخطوط وحققه، هذا الشخص الذي هو كان عندنا في زماننا لا يساوي فلساً، بعد خمسمائة سنة سيبقى شيخ الإسلام.. الإمام العالم العلامة، الحبر الفهامة، البحر، قوي العارضة، شديد المعارضة، ألقاب يضعونها لهؤلاء، فيقوم هذا الرجل الذي ما كان يساوي شيئاً فيصير حجة بعد الزمن الطويل، لماذا؟ لأن كل يوم يمر علينا العلم يتناقص، والرسول عليه الصلاة والسلام قال: (من أشراط الساعة أن يرفع العلم، وأن يكثر الجهل، ويكون للقيم الواحد خمسون امرأة).

    فهناك مناسبة ما بين كثرة الجهل والنساء، لماذا؟ لأن العلم هذا تبع الرجال، والجهل يكثر في أواسط النساء جداً أكثر من الرجال بألف درجة، فمن كثرة الجهل بأحكام الشرع أصبح لهذا الرجل خمسون امرأة، يعني: الحكم الشرعي أن الرجل له أربع حرائر فقط، لكنه من شدة الجهل بالأحكام -فهذا أحد المعاني في الحديث- أن الرجل يتزوج خمسين امرأة بسبب الجهل، لأن الكل جاهل والعلم رفع.

    والمعنى الثاني: أن هذا يدل على قلة الرجال حتى أن الرجل الواحد تلوذ به خمسون امرأة، فيطعمهن ويرعاهن لعدم وجود من يقوم بحال النساء في ذلك الزمان.

    فالرسول عليه الصلاة والسلام يقول: (إذا وسد الأمر إلى غير أهله)، فهذا الزمان عندما ترى مفتياً جاهلاً يتصدر للإفتاء للعوام، كم سيحصل من الشر المستطير بسبب فتوى هذا المفتي، ولا نقصد بهذا المفتي أنه لابد أن يكون له منصباً رسمياً لا. أي رجل تصدى للإفتاء، والعلماء عندما يقولون: (مذهب العامي مذهب مفتيه) ليس المقصود مفتي البلد، بل مذهب المفتي الذي سأله السائل، فعندما يأتي جاهل يفتي في دين الله عز وجل وهو لم يحط بالمسألة علماً يضل الناس، والسلف كان لهم كلمة تقال: (إذا زل العَالِم زل بزلته عَالَم).

    ومن أكبر وسائل الإضلال عدم التمييز ما بين العالم وشبيه العالم، مثل العالم الجاهل كشخص يلبس فروة أسد وهو جبان، فهو أخذ سمت الأسد ورسمه، لكنه ما أخذ قوة قلبه ولا شجاعته، كذلك المدعون للعلم يلبسون العمامة والزي الذي هو زي العلماء، لكن ليس عندهم علم تحت هذا الزي!

    فهذا يذكرني بقصة لطيفة جداً ذكرها أصحاب الأدب، ذكر أبو الفرج الأصفهاني في كتاب الأغاني عن شاعر من طبقة الشعراء الصعاليك، لقبه تأبط شراً ، هذا لقبه المشهور به، واسمه ثابت بن جابر .. وهذا الشاعر أحد ثلاثة من أشهر طبقة الشعراء الصعاليك منهم الشنفرا صاحب اللامية الرائقة الجميلة الذي أولها:

    أميطوا بني أمي صدور مطيكم فإني إلى قوم سواكم لأميل

    وفي هذه اللامية بيت جميل آخر يقول:

    وفي الأرض منأى للكريم عن الأذى وفيها لمن خالف الخِلى متحول

    فـالشنفرا أحد الشعراء الصعاليك، وتأبط شراً أيضاً أحد الشعراء الصعاليك، لقب بهذا اللقب لأنه كان يمشي في طريق فوجد الغول على هيئة خروف، فأخذه ووضعه تحت إبطه، فلما ذهب به إلى أهله، قالوا له: يا ثابت ! قد تأبطت شراً، فنفضه فإذا هو الغول، يعني: قصة خرافية، المهم أن تأبط شراً كان قصيراً ونحيفاً وذميماً، ولكنه كان مرعباً مثل الأسد المفترس، الناس كلها تخاف منه، فقابله رجل ثقفي أحمق، فقال: بم ترعب الرجال يا ثابت وأنت ذميم وضئيل؟

    قل لي: ما هو السر الذي معك حتى ترعب به الكل؟ قال له: ليس هناك سر أبداً، إنما اسمي هو الذي يرعبهم، عندما ألقى الرجل، أقول له: أنا تأبط شراً ؛ فينخلع قلبه، فآخذ منه ما أريد.. قال له: بهذا فقط! قال له: بهذا فقط.

    ففكر الثقفي قليلاً ثم قال له: هل تبيعني اسمك..؟ فقال تأبط شراً : بكم..؟ فقال الثقفي: بهذه الحلة الجديدة -وكان قد اشتراها في ذلك الوقت- وباسمي، وهو كان يكنى بـأبي وهب قال له: أعطيك القميص هذا الجديد وأعطيك اسمي كذلك، قال له: موافق اخلع، خلع الثقفي القميص الجديد، وتأبط شراً قام فخلع ثيابه وأعطاها للشنفرا، وبعد ذلك تأبط شراً قال له: أنت من اليوم تأبط شراً ، وأنا أبو وهب، فبعد هذه المبادلة كتب تأبط شراً ثلاثة أبيات إلى امرأة الثقفي الأحمق يقول فيها:

    ألا هل أتى الحسناء أن حليلها تأبط شراً واكتنيت أبا وهــب

    فهبه تسم اسمي وسماني اسمـه فأين له صبري على معظم الخطب

    وأين له بأس كبأسي وسورتي وأين له في كل فادحة قلبـــي

    هو أخذ اسمي، لكن هل أخذ قلبي؟ هل أخذ جرأتي وثباتي على الأحداث؟ لا. ليس المعنى أني أعطيته اسمي أنه أخذ الشجاعة والقوة التي هي رأس المال.

    وهذا الرجل الذي أخذ لقب تأبط شراً ، قام وظهر على مجموعة من الناس وأخذ يقول لهم: أنا تأبط شراً ، هل يتصور أنه ممكن يقولها كمثل ثابت بن جابر ؟

    لا. لأنه يقول لهم: أنا تأبط شراً، وهو في نفسه خائف، لماذا؟ لأن قلبه ضعيف، فالقوة قوة القلب وليست قوة العضلة، ولذلك قوة العضلات تستمد من القلب فأحياناً تجد الرجل الثابت القوي عندما تعطيه خبراً كالصاعقة يسقط على طوله، لماذا خانته رجلاه ولم تحمله عضلاته؟ لأن قلبه ضعيف، فقوة العضلة أصلاً منبعثة من قوة القلب.. فهذا ثابت بن جابر كانت عنده جرأة وشجاعة يدخل مباشرة على الرجل فيقول: أنا تأبط شراً ، فينخلع قلبه.

    فمن أكبر الأشياء التي تهدد العلم عدم تمييز العوام بين العالم وشبيه العالم، فيأتي العامي يذهب إلى شبيه العالم يظنه عالماً، فيسأله وقد وسدت الفتوى إلى غير أهلها بسبب ضياع الأمانة.

    وهذا الرجل الذي قتل تسعة وتسعين نفساً، أول ما سأل سأل على أعلم أهل الأرض، قالوا: نعرف فلاناً عمامته كبيرة وكل ما يقف في الصلاة يبكي هذا أحسن واحد عندنا، وهذا الرجل كان عابداً ولم يكن عالماً، فأول ما ذهب إليه سأله، قال له: قتلت تسعة وتسعين نفساً، قال: لا توبة لك. فقتله فأكمل به المائة، وبعد ذلك دُلَّ على راهب عالم، فقال له: قتلت مائة نفس هل لي من توبة؟ قال: نعم. ومن يحجب عنك باب التوبة، اخرج إلى أرض كذا وكذا وأفتاه بالفتوى الصحيحة.

    إذاً: فالعوام الذين دلوه على الراهب لا يعرفون الفرق بين الراهب العالم وبين الراهب العابد، بسبب اشتباه الأزياء واشتباه السمت.

    فمن جملة توسيد الأمر إلى غير أهله أن يسأل الناس من له سمت العالم، ولكن ليس بعالم في الحقيقة، فكم من الشر المستطير يكون إذا وجد في بلد من البلدان خمسة عشر واحداً من هؤلاء المتصدرين للإفتاء. سيضلون الناس، لماذا؟ لأن الأمر وسد إلى غير أهله.

    فتوسيد الأمر إلى غير أهله تضييع للأمانة، فإذا كان الأمر كذلك فمن علامات الساعة أن يرفع العلم، وأن يكثر الجهل، والرسول عليه الصلاة والسلام قال: (لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض الله الله) وفي اللفظ الآخر عند الإمام أحمد قال: (حتى لا يقال في الأرض: لا إله إلا الله) يصل الجهل بالبشرية أنها ترجع إلى عبادة اللات والعزى كما رواه الإمام مسلم في صحيحه، ولا يعرفون الله.

    تقوم الساعة على هؤلاء الذين لا يعرفون شيئاً من دين الله تبارك وتعالى، بسبب أن الأمر وسد إلى غير أهله على سائر العصور، تراكمت هذه النقائص وهذه المحن شيئاً فشيئاً حتى وصلنا إلى الجهل المطبق..

    نسأل الله تبارك وتعالى أن ينفعنا وإياكم بما علمنا، وأن يعلمنا ما جهلنا.

    وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.