إسلام ويب

الطريق إلى اللهللشيخ : محمد حسان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الطريق إلى الله طريق واحد، وهو طريق النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضوان الله عليهم، وما سواه من الطرق إنما هي طرق ضلال وغواية عن الصراط المستقيم، والناس في هذا الأمر قسمان: أولهم من ضل عن الطريق وعادى شرع الله وأهله، والآخر من اهتدى إلى الطريق وثبت عليه.

    1.   

    الطريق إلى الله هو طريق الرسول والصحابة

    الحمد لله رب العالمين، الحمد لله الذي لم يتخذ ولداً ولم يكن له شريكٌ في الملك وما كان معه من إله، الذي لا إله إلا هو فلا خالق غيره ولا رب سواه، المستحق لجميع أنواع العبادة، ولذا قضى ألا نعبد إلا إياه: ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ [الحج:62]، عالم الغيب والشهادة الذي استوى في علمه ما أسر العبد وما أظهر، الذي يعلم ما كان وما هو كائن وما سيكون، وما لم يكن لو كان كيف كان يكون: إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [يس:82]، حمداً لك يا من اعترف بفضلك وكرمك كل حاضرٍ وباد، حمداً لك يا من اغترف من بحر جودك وكرمك كل رائح وغاد، حمداً لك يا من نطقت بوحدانيتك الكائنات.

    فالسماء دائماً وأبداً تقول: سبحان من رفعني بقدرته، وأمسكني بقوته، فهو ركني وعمادي!

    والأرض تقول: سبحان من وسع كل شيء علماً ومهد مهادي!

    والبحار تقول: سبحان من بمشيئته أجراني، وأسال عيون مائي لخطَّابي وورَّادي!

    والعارف به يقول: سبحان من دلني عليه، وجعل إليه مرجعي ومعادي!

    والمذنب يقول: سبحان من اطلع علي في المعصية ورآني، فلما رآني سترني وغطاني، ولما تبت إليه تاب علي وهداني.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، هو الواحد الذي لا ضد له، والصمد الذي لا منازع له، والغني الذي لا حاجة له، جبار السماوات والأرض، لا راد لحكمه، ولا معقب لقضائه: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى:11] .. لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ الأنعام:103].

    الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طـه:5]، استوى كما أخبر، وعلى الوجه الذي أراد، وبالمعنى الذي قال، استواءً منزهاً عن الحلول والانتقاص، فلا العرش يحمله، ولا الكرسي يسنده، بل العرش وحملته، والكرسي وعظمته، الكل محمول بلطف قدرته، مقهور بجلال قبضته، فالاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة؛ لأنه تبارك وتعالى كان ولا مكان، وهو على ما كان قبل خلق المكان، لم يتغير عما كان، لا يحويه زمان، ولا يحده مكان، علم ما كان، وما هو كائن، وما سيكون، وما لم يكن لو كان كيف كان يكون: إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [يس:82].

    لا إله غيره، ولا رب سواه، من توكل عليه كفاه، ومن اعتصم به نجاه، ومن فوض إليه الأمر هداه، وصدق الله إذ يقول: أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ [الزمر:36].

    وأشهد أن سيدنا وحبيبنا وعظيمنا وقائدنا ومعلمنا وقدوتنا محمداً رسول الله، اللهم صلِّ وسلم وبارك عليك يا رسول الله صلاةً وسلاماً يليقان بمقامك يا أمير الأنبياء، ويا سيد المرسلين، وأشهد لك يا سيدي -ويشهد معي الموحدون- أنك أديت الأمانة، وبلغت الرسالة، ونصحت الأمة، وكشف الله بك الغمة، وعبدت الله حتى لبيت داعيه، وجاهدت في سبيل ربك حتى أجبت مناديه، وعشت طوال أيامك تمشي على شوك الأسى، وتخطو على جمر الكيد والعنت، تلتمس الطريق لهداية الضالين، وإرشاد الحائرين، حتى علمت الجاهل يا سيدي، وقومت المعوج، وأمَّنت الخائف، وطمأنت القلق، ونثرت أضواء الحق والخير والإيمان والتوحيد كما تنثر الشمس ضياءها في رابعة النهار، فصلِّ اللهم وسلم وبارك عليك يا سيدي يا رسول الله، وجزاك الله عنا وعن الإسلام خير ما جازى الله به نبياً عن أمته ورسولاً عن قومه.

    يا مصطفى ولأنت ساكن مهجتي     روحي فداك وكل ما ملكت يدي

    إني وقفت لنصر دينك همتي     وسعادتي ألا بغيرك اقتدي

    لك معجزات باهرات جمة     وأجلها القرآن خير مؤيدي

    ما حرفت أو غيرت كلماته     شلت يد الجاني وشاه المعتدي

    وأنا المحب ومهجتي لا تنثني     عن وجدها وغرامها بمحمد

    قد لامني فيه الكفور ولو درى     نعم الإيمان به لكان مساعدي

    يا رب صلِّ على الحبيب محمد     واجعله شافعنا بفضلك في غدِ

    اللهم صل وسلم عليك يا سيدي يا رسول الله، صلاةً وسلاماً يليقان بمقامك يا أمير الأنبياء! ويا سيد المرسلين!

    أما بعد: فيا أيها الأحباب! أحباب الحبيب المصطفى محمد صلى الله عليه وسلم! تعالوا بنا لنطوف سوياً في روضة القرآن الكريم، لنتعرف اليوم على الطريق الصحيح، فإن موضوعي اليوم مع حضراتكم بعنوان: الطريق إلى الله عز وجل، أين الطريق إلى الله عز وجل؟ خاصة وأن كثيراً من الناس اليوم قد التبست عليه الأمور واختلطت، وتشعبت به الأهواء، وكثرت من حوله الفتن، وكثرت بين يديه وأمام عينيه الفرق والجماعات، وهو في حيرة، أين هو؟ بل وأين الطريق؟ إن الطرق أمامه قد تشعبت، وإن الفرق أمامه قد اختلفت وتكاثرت وتباينت، الكل ينتصر لرأيه، والكل ينادي لمنهجه وفكره، حتى وصل الأمر إلى حد التصادم والنزاع، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

    فتعالوا بنا لنضع النقط اليوم على الحروف، لنتعرف على الطريق، أين الطريق الذي يوصلنا إلى الله جل وعلا في وسط هذا الركام الهائل من الأفكار والفلسفات والمبادئ؟

    يقول صاحب ظلال القرآن -حتى تتعرفوا على الحقيقة- يقول الشيخ سيد قطب رحمه الله: إن الدنيا كلها بمبادئها وأفكارها وفلسفاتها ومناهجها إن لم تكن مرتبطة بمنشئها الأول، وقدوسها الأجل الأعظم وهو الله جل وعلا، فإنما هي في ضلال وضلال، إن الطريق هاهنا واضح وبين، وإن الطريق هاهنا بين.

    الطريق إلى الله -أيها الأحباب- هو طريق واحد لا اعوجاج فيه ولا انحراف، لا اختلاف فيه ولا تباين.

    الطريق حدده النبي صلى الله عليه وسلم، وحدد مراسمه من بلغ عن ربه جل وعلا، فقال فيما ذكره الله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم: وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [الأنعام:153]، انتبهوا معي -أيها الأحباب- إلى دقة التعبير القرآني في هذه الآية: وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ [الأنعام:153] لو انتبهتم معي للدقة القرآنية لوجدتم أن الله في هذه الآية قد وحد الطريق وأفرده: وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مفرد وطريق واحد، وجمع الله السبل والطرق؛ لأن الطرق المتعددة إنما هي طرق الشيطان والأهواء والضلال، وحد الله الطريق إليه وجمع السبل؛ لأن الطريق إلى الله واحد وواضح: وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً [الأنعام:153] بالإفراد، فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ [الأنعام:153] بالجمع؛ لأن الطرق متعددة ومتنوعة كلها بدع وأهواء وضلالات، لا صدق ولا إخلاص ولا ابتغاء لمرضاة الله عز وجل فيها، إن الطريق الذي يسلكه ويبتغي فيه القرب من الله إنما هو طريق واحد، إنما هو طريق النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضوان الله عليهم أجمعين.

    ولقد ورد في الحديث الصحيح الذي خرجه الإمام أحمد في مسنده ، والإمام النسائي في سننه ، من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم خط خطاً بيده -رسم على الأرض خطاً مستقيماً- ثم قال: هذا صراط الله مستقيماً، وخط خطوطاً عن يمينه وعن شماله، ثم قال: وهذه سبل جلس على كل سبيل منها شيطان يدعو إليها) على كل هذه الطرق المتفرقة والمتنوعة شيطان، يدعو الشيطان إلى حزبه وفكره ومنهجه ومبادئه، وصراط الله مستقيم واضح بين.

    وهذا مأخوذ من قول الله جل وعلا في سورة البقرة: اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [البقرة:257]، لو نظرتم في هذه الآية أيضاً لوجدتم أن الله قد جمع الظلمات وأفرد النور، اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ.. ، جمع ظلام وجمع ظلمة، ظلمات البدع، والأهواء، والدنيا، والشياطين، والطواغيت في هذه الأرض؛ لأن الطاغوت له في كل عصر لغة، وله في كل عصر لسان، وله في كل عصر منهج، بل ألف ألف لسان، يتنوع ويتشكل بتشكل العصور والأزمان، والأماكن والأوقات.

    اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ [البقرة:257] الله جمع الظلمات ووحد النور؛ لأن مصدر النور واحد هو الله نور السماوات والأرض، أو كما قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: [ليس عند ربكم ليل ولا نهار، نور السماوات والأرض من نور وجهه]، أو كما قال الله جل وعلا: اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [النور:35].

    إذاً: الظلمات متعددة، والطرق متنوعة، ولكن طريق النور هو طريق الحق وهو طريق واحد، هو طريق النبي صلى الله عليه وسلم، وهو طريق أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، من سلك هذا الطريق فقد سلك الطريق الحق إلى الله الحق، ومن شذ عن هذا الطريق فقد شذ إلى طرق الشيطان، وإلى سبل الغواية والضلال والعياذ بالله: اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [البقرة:257].

    1.   

    تحذير الله ورسوله للمؤمنين من الفرقة والخلاف

    يا أيها الأحباب! إن الطريق إلى الله واحد وواضح ونير، لا لبس، ولا غبش ولا غموض، ولا اعوجاج، ولا انحراف فيه، ولا التفات عنه، ولذلك فإن النبي صلى الله عليه وسلم حذر من الفرقة والاختلاف والتباين، وقال في الحديث الصحيح الذي خرجه الإمام أحمد والإمام القرطبي ، وصححه الألباني في صحيح الجامع، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (افترق أهل الكتاب على اثنتين وسبعين ملة، وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة، كلهم في النار إلا فرقة واحدة، ما أنا عليه وأصحابي) إذاً الطريق لا لبس فيه، إن الطريق واضح، فلم هذه الاختلافات والفرقة، ولم هذه الأحقاد، ولم هذا التنازع والتباين؟

    أيها الأحباب! يا من صدقتم في حبكم لله! ويا من أخلصتم في دعوتكم لله جل وعلا! ويا من صدقتم في حبكم لرسول الله صلى الله عليه وسلم! لا تتفرقوا ولا تختلفوا ولا تتباينوا، اجتمعوا على قلب رجل واحد، فإن أعداء الإسلام يخططون لنا وللإسلام ليل نهار، ولكننا نحن المسلمين نحن الموحدين نحن المؤمنين نحن الدعاة إلى هذا الدين اختلفنا فيما بيننا، اختلفنا على أمور فرعية لا تسمن ولا تغني من جوع وتركنا الأصول، وكلنا جميعاً موحدون ومؤمنون ومسلمون، لا إله لنا إلا الله، ولا كتاب لنا إلا كتاب الله، ولا زعيم لنا إلا ابن عبد الله صلى الله عليه وسلم، فلم هذه الأحقاد والاختلافات والنزاعات؟

    سبحان الله! لا فرق بين أخ سلفي وبين أخيه من جماعة التبليغ، ولا فرق بين هذا وبين أخيه من جماعة الإخوان، ولا فرق بين هذا وبين أخيه من جماعة أنصار السنة، كلنا جميعاً نقول: لا إله إلا الله، كلنا جميعاً نقول: محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا منهج لنا إلا القرآن، ولا شرع لنا إلا شرع النبي عليه الصلاة والسلام، فلم هذه الفرقة أيها الأحباب، وأعداء الإسلام والله لا ينامون ليل نهار؟ ما من لحظة إلا وهم يخططون لهذا الدين، إلا وهم يدبرون لهذا الدين، إلا وهم يخططون لتشويه صورة هذا الإسلام، وأعداء الإسلام كثيرون، وكلكم يعرف من هم أعداء الإسلام، لا يقر لهم قرار، ولا يهدأ لهم بال وصوت الله أكبر يرتفع ليل نهار في كل المساجد، فلا تختلفوا -أيها الأحباب- فإن الطريق إلى الله واضح وبيّن وكله نور!

    1.   

    أقسام الناس في الطريق إلى الله تعالى

    إن الناس على الطريق إلى الله قسمان: وهذا التقسيم ليس لي، وإنما هو تقسيم لأستاذنا ومعلمنا الإمام ابن القيم رحمه الله جل وعلا وأسكنه فسيح جناته، وطيب الله ثراه، وقدس الله روحه بقدر ما قدم للإسلام ولدين الإسلام وللمسلمين، ماذا يقول الإمام ابن القيم ؟

    انتبهوا حتى تعرفوا أين أنتم، هل أنت على الطريق أم أنت بعيد عنه، وبالرغم من ذلك فلقد زين الشيطان إليك عملك، وخدعك إبليس عليه لعائن الله، وقال لك: تمسك فإنك على الطريق، ولكن لو دققت في حقيقة أمرك، ولو فتشت في حقيقة سعيك لوجدت سعيك ممن قال الله فيهم: الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً [الكهف:104]، ولا حول ولا قوة إلا بالله، فتحرى الدقة أيها الأخ الكريم، وانتبه معي جيداً لتتعرف أين أنت، هل أنت على طريق الله أم أنت بعيد عن الطريق؟

    القسم الأول: قسم قد ضل عن طريق الله وأعلن العداء لشرعه

    يقول الإمام ابن القيم : الناس قسمان: قسمُ قد ضل الطريق عن الله جل وعلا، بعد وانصرف عن الطريق الحق، ضل الطريق إلى الله سبحانه وتعالى، قسم أعلن العداء لله، وأعلن الحرب على شرع الله رجالاً ونساءً، رجال يقولون: إن في شرع الله التخلف والتأخر، وإن في النقاب الرجوع إلى الوراء: ما هذا التخلف والتأخر والتنطع؟ إن النقاب تخلف، وإن الحجاب تأخر.. وهكذا، وامرأة أخرى صرخت على صفحات الجرائد، وعبر شاشات التلفاز والإذاعات، تقول: أتريدون أن نرجع إلى عصر الناقة والحصان؟ أتريدون منا أن نرجع إلى الوراء؟ أتريدون منا أن نرجع إلى عهد الأعراب الذين عاشوا في الصحراء؟ إننا في القرن العشرين، إننا في عصر الصاروخ والطائرة والصعود إلى القمر، فلا رجعة ولا عودة إلى الوراء، وعرت عن صدرها وذراعيها، وكشفت عن ساقيها، وكأنها تقول بلسان الحال والمقال: يا رب! غير شرعك ودينك، فإن شرعك لم يعد يتفق مع مدنية القرن العشرين.

    هؤلاء الناس ضلوا عن طريق الله، وأعلنوا العداء لله ولشرع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسخروا من الموحدين والمتوضئين! استهزءوا بهم في كل زمان ومكان، ووصفوهم بأنهم إرهابيون، ومتنطعون، ومتشددون، هل من تمسك بكتاب الله إرهابي؟! هل من تمسك بدين محمد صلى الله عليه وسلم متشدد ومتنطع؟ هذا الذي وضع المسك بدلاً من رائحة السيجارة والتدخين، والذي وضع المسواك في فمه بدلاً من السيجارة والعياذ بالله، هؤلاء إرهابيون، هؤلاء متنطعون، هؤلاء متشددون؟!

    أيها الموحدون! أيها المؤمنون! أيها المتمسكون بدين حبيبكم محمد صلى الله عليه وسلم! لا تضلوا عن الطريق، ولا يغرنكم من بعد عن الطريق، مهما كثر عددهم، فإن الحق واضح، ورسول الله كان وحده يدعو إلى الله جل وعلا، فلا تغتروا بكثرة المبتدعين، وكثرة المفتونين، واعلموا أن نبيكم وحبيبكم محمد كان وحده في الميدان يدعو إلى الله وحده، فثبته الله جل وعلا، وثبت معه المخلصون من هذه الأمة، الذين دعوا إلى الله جل وعلا، فنقلهم الله بتمسكهم بكتاب الله وسنة رسول الله من رعاة للغنم إلى قادة وسادة لجميع الأمم.

    فهذا الصنف الذي أعلن العداء لله، وهذا الصنف الذي ضل عن طريق الله، وأعلن الحرب على شرع الله، وأعلن العداء للمتوضئين الذين أشرقت وجوههم بأنوار الإيمان والطاعة، الذين سجدوا لله في الليل، وهؤلاء بين الخمور وبين شاشات التلفاز، وأمام أشرطة الفيديو، والمغنيات والقينات والخينات والعياذ بالله.

    فيا أيها المتوضئون! اثبتوا، واصبروا، واعلموا أن النصر حليفكم بإذن الله جل وعلا: وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ [الأنبياء:105]، إن النصر للإسلام والله، وإن النصر لدين الله، لا تخافوا على الدين أبداً، فإن الذي تولى حفظ الدين هو الله: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [الحجر:9]، لا نحذركم ولا نخوفكم على الدين، وإنما الحذر علينا نحن المسلمين وأصحاب الدين من هذه الفرقة، ومن هذه الاختلافات؛ لأن الدين محفوظ بعناية الله وقدر الله سبحانه!

    وقد ذكرت لكم أن مدرساً تربى على الشيوعية والوجودية والإلحاد: دخل ذات يوم على تلامذته في الفصل، وأراد أن ينفث سموم هذه العقيدة العفنة في عقول هؤلاء الصغار، فوقف أمامهم وأشار إليهم وهم صغار العقول، وقال لهم: يا أولاد! هل ترون هذه السبورة!

    قالوا: نعم.

    قال: إذاً السبورة موجودة.

    تروني؟

    قالوا: نعم.

    قال: إذاً أنا موجود.

    أترون الدرج الذي أنتم قاعدون عليه؟

    قالوا: نعم.

    قال: إذاً الدرج موجود.

    أنتم ترون ربنا؟

    قالوا: لا.

    قال: إذاً غير موجود، لا وجود لخالق، إذاً هذا الكون كله من عرشه إلى طرفه لا خالق له.

    سبحان الله! يا أعرابي! يا من عشت في الصحراء! يا من لم تدخل إلى جامعة من الجامعات! ويا من لم تدرس في كلية من الكليات! يا من لم ترتحل في جنبات الأرض بحثاً عن علم، أو جرياً وراء فكر، أو فلسفة زائفة، أو منهج خداع.

    أيها الأعرابي البسيط! بالله عليك بماذا تعرفت على الله؟ وما الدليل على وجود الله؟

    قال لهم: البعرة تدل على البعير، وأثر السير يدل على المسير، وسماء ذات أبراج، وأرض ذات فجاج، وبحار ذات أمواج، أفلا يدل كل ذلك على اللطيف الخبير؟! سبحان الله! هذا الرجل المشرك الملحد الوجودي الشيوعي، يقول لهم: لا وجود للخالق، سبحان الله العظيم! وإذ بالله تبارك وتعالى الذي تكفل بحفظ دينه ينطق صبياً وطفلاً صغيراً من هؤلاء الصغار، ينطقه الله ويؤتيه الحكمة: وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً [البقرة:269]، فقام تلميذٌ أراد أن يقلد أستاذه.

    مشى الطاووس يوماً باختيال     فقلد مشيته بنوه

    فقال علام تختالون قالوا     لقد بدأت ونحن مقلدوه

    وينشأ ناشئ الفتيان منا     على ما كان عوده أبوه

    فقام التلميذ مقلداً لأستاذه، ووقف أمام أستاذه ونظر إلى زملائه من التلاميذ، وقال لهم: يا أولاد: أنتم ترون عقل الأستاذ؟ قالوا: لا، قال: إذن عقله غير موجود، مجنون ابن مجنون، هذا حفظ الله لدينه، إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [الحجر:9]، عهد أخذه الله على نفسه، فلا تخافوا على هذا الدين، ولكن الخوف علينا نحن المسلمين إذا ما ضيعناه، وإذا ما فرطنا فيه، وإذا ما ألقينا كتاب الله وشرع رسول الله وراء ظهورنا، هنا يخشى علينا من الضياع والضلال: (يوشك أن تتداعى عليكم الأمم كما تتداعى الأكلة إلى قصعتها، قالوا: أومن قلة نحن يومئذٍ يا رسول الله؟ قال: كلا، ولكنكم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل -زبد لا قيمة له ولا نفع فيه- وليوشكن الله أن ينزع المهابة من قلوب عدوكم، وليقذفن الله في قلوبكم الوهن، قيل: وما الوهن يا رسول الله؟ قال: حب الدنيا وكراهية الموت).

    فيا أيها الأحباب! صنفٌ قد ضل عن الطريق وأنتم تعلمونه جيداً، أعلن العداء لله، وأعلن الحرب على شرع الله، وأعلن العداء للدعاة، وصب الإيذاء والعذاب صباً على كل من دعا إلى هذا الدين، هذا الصنف تحركه الشياطين، والأهواء والشهوات، ألم تقرأ قول الله جل وعلا: أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزّاً [مريم:83]، تدفعهم الشياطين إلى المعاصي دفعاً، وإلى الضلال دفعاً، وإلى جهنم دفعاً، نؤزهم أزاً إلى الضلال والمعاصي والهلاك، هذا هو الصنف الأول؛ بعد عن الله فبعد الله عنه، وويل لمن بعد الله عنه: وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى [طـه:124]، هذه هي النتيجة، من أعرض عن الله أعرض الله عنه، ومن أعرض الله عنه فهو في ضلال.

    نعيش في هذا الضنك والضيق، نقص في الأموال والثمرات والمياه والكهرباء والاقتصاد .. لا رخاء اقتصادي، ولا أمن، ولا أمان، لماذا؟ لأننا أعرضنا عن الله، وأعلنا العداء على الله، والحرب على شرع الله جل وعلا، فماذا تنتظرون؟ ماذا تكون النتيجة؟ هذا الضنك والضيق والضلال والبعد، وهذه الأزمات والمشاكل والظلمات التي نعيش فيها، هذه نتيجة حتمية لكل من أعرض عن منهج الله، هذه نتيجة حتمية لكل من شذ وأعلن الحرب على شرع الله: فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً [نوح:10] ما هي النتيجة؟ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَاراً * مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً [نوح:11-13] ما لكم لا تعبدون الله حق العبادة، ما لكم لا توحدون الله حق التوحيد، ما لكم لا تصطلحون مع الله، ما لكم تعلنون الحرب على شرع الله، وعلى منهج الله، وعلى كتاب الله، النقاب تخلف، وشرع الله تأخر؟

    لا إله إلا الله، فهذا الصنف أيها الأحباب ضل عن الطريق، وبعد عن الله فبعد الله وأعرض عنه، فهو يعيش في حسرة، لا أمن ولا أمان ولا رخاء ولا استقرار، وإن نعمة الأمن والأمان، ونعمة الاستقرار والرضا، إنما هي نعمة عظيمة، انتبه أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ [الرعد:28]، نعمة الطمأنينة ونعمة الرضا، لا ينعم بها إلا المؤمن الذي اطمأن قلبه بذكر الله، والذي كان مع الله فكان الله معه.

    وكما يقول سيدنا قتادة : من كان مع الله كان الله معه، ومن يكن الله معه فمعه الفئة التي لا تغلب، ومعه الحارس الذي لا ينام، والهادي الذي لا يضل، والقوة التي لا تذل.

    القسم الثاني: قسم عرف الطريق إلى الله وثبت عليه

    الصنف الثاني: صنف عرف الطريق وثبت عليه -أسأل الله أن نكون أنا وأنتم منهم- لأن نعمة الثبات -أيها الأحباب- من أجل النعم، أسأل الله أن يثبتني وإياكم على طريق الله، وأن يتوفاني وإياكم على التوحيد الخالص.

    من الناس في الصنف الثاني من عرف الطريق إلى الله وثبت عليه، فهو يجاهد نفسه ويجاهد شيطانه وهواه ودنياه على أن يظل في هذا الطريق، ولكن الكل يختلف عن الآخر، كلنا يختلف في قدر عبادته، وكلنا يختلف في قدر طاعته، هذه فطر الله في خلقه، فلا تختلفوا ولا تتفرقوا ولا تتحاقدوا، واعلموا بأن فطرة الله في خلقه أن يكون هذا التباين والاختلاف، هذا سيد عمله العلم، لا يزال عاكفاً على العلم حتى يسلك من هذا الطريق إلى الله، وهذا سيد عمله الصلاة، وهذا سيد عمله تلاوة القرآن، وهذا سيد عمله قيام الليل، وهذا سيد عمله الصيام، وهذا سيد عمله إغاثة اللهفات، وتفريج الكربات وأنواع الصدقات، وهذا سيد عمله الحج والاعتمار، وهذا سيد عمله الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة إلى الله.

    إذاً: فالكل يختلف بقدر ما منَّ الله به عليه من عطاء، كلنا يتباين في مقدار القرب والبعد عن الله، وكلنا يتباين في مقدار القربات والطاعات إلى رب الأرض والسماوات، وهذه فطرة الله في خلقه، وهذه سنة الله في خلقه.

    ولذلك فإن الإمام ابن القيم رحمه الله يقسم هذا الصنف الثاني إلى ثلاثة أقسام، ما هي؟

    قسم ظالم لنفسه، وقسم مقتصد، وقسم سابق بالخيرات بإذن الله، وذلك مأخوذ من قول الله في سورة فاطر: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ [فاطر:32].

    إذاً: الناس يتفاوتون في الطريق إلى الله، ظالم لنفسه، يعصي ويذنب ويرجع ويتوب، هذا هو حاله، (كل بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون) إلا أنه لا يصر على المعصية، فهذا في رحمة الله بإذن الله.

    الظالم لنفسه؛ فرط كثيراً في الزاد الذي يبلغه، والمقتصد زاده يبلغه إلى الطريق بالكاد، والسابق بالخيرات زاده كثير، وربحه وفير، هؤلاء هم الأبرار والمقربون، وهذه الأصناف جميعاً بإذن الله في رحمة الله جل وعلا، وإن كان العلماء كما ذكر ابن القيم قد اختلفوا في الظالم لنفسه على فرقتين: فهناك طائفة من العلماء قالت: إن الجنة للصنفين الآخرين، للمقتصد والسابق بالخيرات، أم الظالم لنفسه فإن غلبت حسناته سيئاته فهو من أهل الجنة، وإن غلبت سيئاته حسناته فهو من أهل النار، وصنف آخر قال: بأن الظالم لنفسه من الكفار، ولكن الإمام ابن القيم رجح مع طائفة من رجحوا بأن الأصناف الثلاثة في رحمة الله بإذن الله جل وعلا؛ لأن الله تعالى قال في بداية الآية: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ [فاطر:32].

    إذاً: هؤلاء جميعاً الذين وضعوا أيديهم وأرجلهم على الطريق بإذن الله هم جميعاً في جنة الله وفي رحمته.

    ولقد ذكر عبد الله بن مسعود رضي الله عنه في هذه الآية ما ذكر الإمام ابن كثير أنه قال: هذه الأمة يوم القيامة أثلاث: ثلث يدخلون الجنة بغير حساب، وثلث يحاسبون حساباً يسيراً، وثلث يحبسون في المحبس يوم القيامة ثم يتجاوز الله عنهم -نسأل الله أن نكون منهم!- وذكر الإمام الطبراني عن أبي الدرداء رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية: ( فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ [فاطر:32] فقال: أما السابق بالخيرات فيدخل الجنة بغير حساب، وأما المقتصد فيحاسب حساباً يسيراً، وأما الظالم لنفسه فيدخله الله الجنة برحمته) وفي رواية أخرى للنبي صلى الله عليه وسلم في الطبراني أيضاً، قال: (وأما الظالم لنفسه فيحبسه الله ويحاسبه فيظل في كرب وضيق وهم وبلاء، ثم بعد ذلك يتجاوز الله عنه، ويدخله الجنة برحمته).

    وهنا أيها الأحباب أتذكر حديثاً للنبي المصطفى صلى الله عليه وسلم، هذا الحديث خرجه الإمام مسلم في صحيحه ، وهو مروي عن عبد الله بن مسعود ، بشراكم يا أمة الحبيب! بشراكم يا من وضعتم أرجلكم على الطريق! وبشراكم يا من عرفتم طريق الله! يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إن آخر رجل من أمتي يدخل الجنة، رجل يمشي على الصراط مرة ويكبو مرة، وتسفعه النار مرة) وبعدما يتخطى الصراط -فيما معنى الحديث- ويعبر الصراط، وينجيه الله من نار جهنم، يلتفت إليها وينظر إلى حرها ونارها وهو يقول: تبارك الذي نجاني منكِ، ثم يقول: الحمد لله! والله لقد أعطاني الله ما لم يعط أحداً من الأولين والآخرين، وهو آخر الناس: فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ [آل عمران:185]، وهو آخر الناس، وقبله بزمان هناك من دخل بدون حساب، وهناك من دخل منذ زمن بعيد، ولكنه لما رأى النار وهول النار، يقول: الحمد لله الذي أعطاني ما لم يعط أحداً من الأولين والآخرين.

    وهنا حينما يعبر ويقترب من الجنة، يرفع الله له شجرة من شجر الجنة، شجرة يقول عنها النبي صلى الله عليه وسلم: (يمشي في ظلها الراكب خمسمائة سنة) شجر في الجنة غرسها الله بيديه لأوليائه، فيرفع الله له شجرة جميلة عظيمة، وهنا ينادي العبد على الله، ويقول: يا رب! فيقول الله عز وجل: ماذا تريد؟ فيقول العبد: يا رب! قربني من هذه الشجرة؛ لأستظل بظلها، وأشرب من مائها، ولقد كانت تسفعه النار، إلا أنه عنده من الأمان، يا رب! ادنني. قربني من هذه الشجرة استظل بظلها وأشرب من مائها، فيقول الله عز وجل له: عبدي! يا ابن آدم! هل إن أعطيتكها وقربتك إلى هذه الشجرة لتستظل بظلها وتشرب من مائها، هل ستسأل شيئاً من ذلك؟ يقول: لا وعزتك، وماذا أسأل؟! لقد كنت سأقع في النار، وهأنت يا رب بفضلك ورحمتك نجيتني من النار، وهأنذا سأستظل بشجرة من شجر الجنة لا أسألك شيئاً بعدها يا رب.

    فيقربه الله عز وجل منها، فيستظل بظلها ويشرب من مائها، وبعد ذلك يرفع الله له شجرة ثانية هي أحسن من الأولى، وبنص الحديث قال النبي صلى الله عليه وسلم: (وربه يعذره لأنه يرى ما لا صبر له عليه! وبعد فترة يقول له: يا رب! يقول له: نعم، يقول له: يا رب! قربني إلى هذه الشجرة الثانية -هذه جميلة جداً، وأحسن من الأولى بكثير- استظل بظلها وأشرب من مائها، فيقول الله: يا ابن آدم! ألم تعط العهود والمواثيق؟ يقول: شجرة اشتقت إليها، فيقربه الله عز وجل، فيستظل بظلها ويشرب من مائها.

    ويمكث فترة، فيرفع الله له شجرة أخرى على باب الجنة، فينظر إليها فيشتاق، فيقول: يا رب! قربني إلى هذه الشجرة، وعزتك لن أسأل شيئاً بعد ذاك، فيقول: يا ابن آدم! ما أغدرك. ألم تعط العهود والمواثيق على ألا تسأل غير الذي سألت؟ يقول: يا رب! وعزتك لن أسأل بعد ذلك شيئاً، فيقربه الله عز جل).

    وهنا إذا ما اقترب إلى الشجرة الثالثة، التي هي على باب الجنة، ماذا يحدث؟ يستمع إلى أصوات أهل الجنة، وينظر إلى هذا النعيم المقيم.. الجنة، أنتم الآن في مجلس كله نقاء وكله حنان، فأنت في سعة وصدرك يتسع، فما بالك إن منّ الله عليك بمكان في بيتك كله سرور وكله راحة، لا شيء فيه يعكر عليك صفوك، تجلس في سعادة، فما بالك إن كنت في جنة الله جل وعلا، أو كما قال الشيخ الشعراوي بارك الله فيه، يقول حينما ذهب إلى قصر من قصور الضيافة في أمريكا ، واستقبل في هذا القصر العجيب، وأخذ الناس من حوله يلتفتون إلى هذا البناء والمعمار والتشييد، فأراد الشيخ أن يلفتهم إيمانياً إلى الله، فقال لهم: أيها الناس! هذا إعداد البشر للبشر، فما بالكم بإعداد رب البشر، ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.

    ولذلك لما وصفها علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال:

    واعمل لدار غد رضوان خازنها     والجار أحمد والرحمن بانيها

    قصورها ذهب والمسك طينتها     والزعفران حشيش نابت فيها

    أنهارها لبن مصفى ومن عسل     والخمر يجري ريحقاً في مجاريها

    والطير تجري على الأغصان عاكفة     تسبح الله جهراً في مغانيها

    فمن أراد أن يشتري الدار في الفردوس     يعمرها بركعة في ظلام الليل يحييها

    شجرة في الجنة على باب الجنة، يسمع أصوات أهل الجنة ونعيم أهل الجنة، فيقول: (يا رب! فيقول الله له: لبيك. ماذا تريد؟ فيقول: يا رب! أدخلني الجنة، فيقول الله عز وجل: عبدي! فيقول: نعم يا رب! فيقول الله له: ما الذي يرضيك مني؟! عبدي! ألا تحب أن أعطيك الدنيا ومثلها معها؟!

    وهنا يقول العبد: يا رب! أتهزأ بي وأنت رب العالمين؟! وهنا ضحك عبد الله بن مسعود ، فقال عبد الله بن مسعود : لماذا لا تسألوني مم أضحك؟ فقالوا له: مم تضحك؟ قال: أضحك لأن النبي صلى الله عليه وسلم حينما حدث بهذا الحديث ضحك، فقالوا له: لم تضحك يا رسول الله؟ قال: أضحك لضحك رب العزة.

    لأن العبد حينما يقول: يا رب، أتهزأ بي وأنت رب العالمين، يضحك الله منه، ويقول له: لا يا عبدي! لا أهزأ بك، ولكني على ما أشاء قادر).

    فيا أيها الأحباب! اطمئنوا؛ فإن الظالم لنفسه والمقتصد والسابق بالخيرات بإذن الله كلهم في رحمة الله وجنة الله.

    إذاً: فلتعلموا أن قصدي من هذا الكلام أن الناس متفاوتون، وأن الناس مختلفون، كلٌ على حسب فهمه، وكل على حسب عقله، وكل على حسب إيمانه، وكل على حسب طاعته، وكل على حسب قربه، فلا تختلفوا، ولا تتهموا هذا ولا ذاك، ولا تتحاقدوا ولا تتنابذوا: وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا [آل عمران:103].

    أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه.

    1.   

    الحب في الله بين عباده المؤمنين

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، اللهم صلِّ وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين.

    أما بعد: فيا أيها الأحباب! تعالوا بنا لنعاهد الله من اليوم، ونعاهد رسول الله من الساعة أن نتحاب في الله، وأن ننسى المسميات، وأن ننبذ الأحقاد جانباً، وأن يعانق بعضنا بعضاً، وأن نرجع إلى هذا الرباط القوي والمتين، هذا الرباط الذي ضيعناه؛ إنه رباط الحب في الله.

    أيها الأحباب! اتركوا الخلافات والمسميات والأفكار على اختلافها، ولكن تعالوا بنا نتحد ونتفق ونجتمع ونعتصم، نضع أيدينا جميعاً في يد كل من يدعو إلى الله جل وعلا أياً كانت جماعته، وأياً كانت طريقته بشرط أنه يدعو من كتاب الله ومن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، طالما هذا هو منهجه وطريقه، فلا تختلفوا ولا تتحاقدوا ولا تتنابذوا، واجتمعوا واعتصموا، هيا بنا نجرب الحب في الله والبغض في الله، فمن أحب لله وأبغض لله، وترك لله، وأعطى لله ومنع لله، فهذا هو الذي قد استكمل الإيمان، كما قال سيد المؤمنين محمد صلى الله عليه وسلم.

    أيها الأحباب! اعلموا جميعاً أن الناس يختلفون، وأن الناس يتفرقون ويجتمعون، وأن الناس يتفاوتون في العقول والأذهان، ويتقاربون ويتنافرون، فلا يغرنكم الشيطان ولا يبذر بيننا بذور الفتن والأحقاد والأهواء.

    والله الذي لا إله غيره، لقد ورد في الحديث الصحيح الذي رواه أبو داود والترمذي عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: دخل علينا أبو بكر الصديق يوماً وقد شمر عن ثيابه حتى ظهرت ركبته وهو يجري، فقال أبو بكر: (يا رسول الله! قال: ماذا تريد يا أبا بكر ؟ قال: يا رسول الله! لقد كان بيني وبين أخي عمر بن الخطاب شيئاً -أي: شيئاً من الخلاف، وعدم اتحاد الرأي، وعدم الألفة في أمر من الأمور- فندمت على هذا الخلاف، وذهبت إلى عمر بن الخطاب ، وسألته أن يغفر لي فأبى) لله درك يا صديق!

    أبو بكر الصديق يذهب لـعمر ، ويسأله أن يغفر له زلته وخطأه واختلافه معه في الرأي، يقول أبو بكر: فذهبت إليه يا رسول الله، وقلت له: يا عمر ! لقد ندمت على ما بيننا، وأسألك أن تغفر لي، فأبى عمر ، فحزن النبي صلى الله عليه وسلم، وقال: (يغفر الله لك يا أبا بكر ، يغفر الله لك يا أبا بكر ، يغفر الله لك يا أبا بكر ) ثلاث مرات، دعاء من النبي صلى الله عليه وسلم- فندم عمر بن الخطاب وجاء مسرعاً - هذا هو الحب! لا جفاء؛ لأن المؤمن الصادق لا يحقد أبداً، ولا يبغض أخاً له في الله أبداً، ولا يغتاب أخاً له في الله أبداً، هذا هو المؤمن الصادق في إيمانه وفي حبه لله ولرسول الله صلى الله عليه وسلم- فندم عمر بن الخطاب ، وذهب مسرعاً إلى أبي بكر في بيته فلم يجده، فجاء مسرعاً إلى رسول الله فوجد النبي وقد تغير وجهه ولونه، فقال: يا رسول الله! أما كنت قد ظلمت مرتين، سامحني يا رسول الله، فغضب النبي صلى الله عليه وسلم وقال: (ويلكم يا عمر ! لقد كذبتموني فصدقني أبو بكر، وواساني بنفسه وماله، فهلا تتركوا لي صاحبي؟!).

    أبو بكر وعمر الصحابيان العظيمان الجليلان يختلفان، ولكن سرعان ما يعود الود، وترجع الألفة، ويرجع الحب! إن الحب في الله يزيل كل خلاف، إن الحب في الله يزيل كل بغض، إن الحب في الله يزيل كل حقد، فتعالوا بنا نجرب الحب في الله، نجرب التجمع والاعتصام والألفة والوحدة؛ لأن فيها النصر لديننا، والعز لكتاب ربنا وسنة نبينا صلى الله عليه وسلم.

    فيا أيها الأحباب! يقول الله تعالى: وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً [آل عمران:103]، فأتلفوا أيها الأحباب، ولا تتخالفوا وتتفرقوا، واعملوا بأن الطريق إلى الله واضح وبين، هو الكتاب وسنة النبي صلى الله عليه وسلم: (تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبداً: كتاب الله وسنتي).

    وأختم موضوعي بحديث العرباض بن سارية رضي الله عنه الذي خرجه الإمام الترمذي وقال: حديث حسن صحيح، قال رضي الله عنه: (وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم موعظة بليغة ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب، حتى قلنا: كأنها موعظة مودع، فأوصنا يا رسول الله، فقال صلى الله عليه وسلم: أوصيكم بتقوى الله، وأوصيكم بالسمع والطاعة وإن تأمر عليكم عبد حبشي، فإنه من يعش منكم من بعدي فسيرى اختلافاً كثيراً -فرق وجماعات ومسميات ومناهج وأفكار ومبادئ وطواغيت! كل يدعو لمنهجه، وكل يدعو لمبدئه، وكل يدعو لفلسفته- فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة).

    أسأل الله سبحانه أن ينجيني وإياكم من فتن الشيطان وأهوائه، وأن يثبتني وإياكم على طريق الرحمن، وعلى طريق النبي عليه الصلاة والسلام.

    اللهم استرنا ولا تفضحنا، وأكرمنا ولا تهنا، وكن لنا ولا تكن علينا.

    اللهم أغننا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمن سواك.

    اللهم لا تدع لأحد منا في هذا المقام العظيم وفي هذا الجمع الطيب ذنباً إلا غفرته، ولا مريضاً بيننا إلا شفيته، ولا ديناً على أحد منا في الدنيا ولا في الآخرة إلا أديته، ولا هماً إلا فرجته، ولا ميتاً إلا رحمته، ولا عاصياً إلا هديته، ولا حاجة هي لك رضا ولنا فيها صلاح إلا قضيتها يا رب العالمين.

    اللهم اجعل جمعنا هذا جمعاً مرحوماً، وتفرقنا من بعده تفرقاً معصوماً، ولا تجعل فينا ولا منا شقياً ولا محروماً، اللهم اهدنا واهد بنا واجعلنا سبباً لمن اهتدى، اللهم لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا، اللهم ثبتنا على طريق الإيمان، اللهم ثبتنا على طريق الرحمن، اللهم ثبتنا على طريق نبيك عليه الصلاة والسلام.