إسلام ويب

وعد الله للمؤمنينللشيخ : أحمد القطان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • نصر الله قريب، يفصل بينه وبين المؤمنين أن يقوموا بأمر الله وينصروه، فإذا فعلوا ذلك جاءهم ما وعدهم به ربهم، فتقر به أعين المؤمنين، ويفرح به المحزونون، وتعود للأمة أرض فلسطين. ولقد جاءت هذه المادة لتلقي الأضواء -أيضاً- على صفات اليهود في كتاب الله، من نفاق وتعجيز وكبر، بالإضافة إلى مساوئ تعاملهم مع الأنبياء وإيذائهم وقتلهم.

    1.   

    وعد الله بنصر عباده وتحرير الأقصى

    الحمد لله رب العالمين الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى * وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى * وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى * فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى [الأعلى:2-5] الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، الحمد لله الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ * وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ [الشعراء:78-80] وأصلي وأسلم على قدوتي ومعلمي وحبيبـي وقرة عيني محمد بن عبد الله، اللهم لا تفتنا بعده، ولا تحرمنا أجره، وأوردنا حوضه، واسقنا من يده الشريفة شربة هنيئة باردة لا نظمأ بعدها أبداً.

    اللهم ألف على الخير قلوبنا، وأصلح ذات بيننا، واهدنا سبل السلام، ونجنا من الظلمات إلى النور، اللهم اجعلنا هادين مهديين غير ضالين ولا مضلين، سلماً لأوليائك، حرباً على أعدائك، نحب بحبك من أحبك ونعادي بعداوتك من خالفك، اللهم حرم وجوهنا ووالدينا والحاضرين والمسلمين على النار وأدخلنا الجنة مع الأبرار الأخيار، اللهم استعملنا فيما يرضيك، ولا تشغلنا فيما يباعدنا عنك، واقذف في قلوبنا رجاك واقطع رجاءنا عمن سواك حتى لا نرجو أحداً غيرك، اللهم إنا نسألك تحرير المسجد الأقصى، اللهم إنا نسألك تحرير أرض فلسطين، اللهم أرنا في أعدائك اليهود يوماً أسودا، اللهم أرنا فيهم وفي أعوانهم عجائب قدرتك، يا منـزل الكتاب، ومجري الحساب، ومنشئ السحاب، وهازم الأحزاب، اهزمهم وانصرنا عليهم يا رب العالمين.

    اللهم رحماك بالأطفال اليتامى، والنساء الثكالى، والشباب الحيارى، اللهم رد المسلمين إلى الإسلام رداً جميلا، اللهم إنا نسألك لأمة محمد في مشارق الأرض ومغاربها قائداً ربانيا يسمع كلام الله ويسمعها، وينقاد إلى الله ويقودها، يرفع راية: لا إله إلا الله، ويجاهد أعداء الله، تحت صيحة: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر ولله الحمد.

    أما بعد:

    أيها الأحباب الكرام! إني أحبكم في الله، وقد بلغني أنكم اجتمعتم في الأسبوع الماضي والذي قبله، مع أن اتفاقي مع الذين ينظمون هذا الدرس هو هذا اليوم، ولكن الشوق الذي في قلبي وفي قلوبكم أبى إلا أن تسبقوا الموعد بأسبوعين وذلك من الله؛ لأنه تأليف إلهي وليس تأليفاً بشرياً، أثمن كنز تملكه يا أخي أنك تحبني وأحبك في الله، اتركوهم يملكون الدنيا وما عليها فإن الدنيا لا تساوي عند الله جناح بعوضة، وحبك لي وحبي لك يرشحك لنداء الله على رءوس الأشهاد يوم القيامة: أين المتحابون بجلالي؟ اليوم أظلهم في ظلي يوم لا ظل إلا ظلي.

    والله قال: بجلالي؛ لأن الجلال الواحد للرب الواحد، فهو سبحانه وتعالى الذي يجلس المتحابين في الله على منابر النور، يقول سبحانه عن هذا الكنز: لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ [الأنفال:63] فالحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وإنني لأتقدم بالشكر إلى حضرة إمام هذا المسجد إذ إنني صليت قبله ولم أستأذن منه؛ لأن المحبة والأخوة هي التي جعلتن لي عنده حظوة فأصلي بكم، ولو كان بيننا تكلف لاستأذنت ولتقدمت وتأخرت، ولكن جعفر الصادق رضي الله عنه لما سئل: أي أحب الإخوان إلى نفسك؟ قال: الذي إذا كنت معه كأنني مع نفسي، وقالوا: أي الإخوان أثقل على نفسك؟ قال: الذي إذا كنت معه أتكلف له.

    كما أنني أتقدم بالشكر إلى أمين هذا المسجد وهو المؤذن (والمؤذنون أمناء أمتي) كما يقول صلى الله عليه وسلم: (يبعثون يوم القيامة أطول أعناقاً ويشهد لهم ما سمعهم من شجر أو حجر أو مدر، ويغفر للمؤذن مدى صوته) أيضاً أذنت، لهذا أرجو أن يجعل لي هذا اليوم أؤذن وأصلي بكم، وللإمام والمؤذن سائر أيام الأسبوع.

    أما أحبابي من أرض فلسطين وأرض مصر والشام والعراق والوافدين عموما؛ لأنني أرى وجوهاً كلها تقول: لا إله إلا الله، جنسيتها التوحيد وهويتها الإسلام وشعارها:

    نحن الذين بايعوا محمدا     على الجهاد ما بقينا أبدا

    وافتخارها:

    أبي الإسلام لا أب لي سـواه     إذا افتخروا بقيس أو تميم

    شهادة الله ببركة أرض فلسطين

    أيها الأحبة! لا أكتمكم حبـي لأرض فلسطين ، وقد عشت معها لحظة لحظة بروحي ودمي؛ لأنها أرضٌ مباركة، شهد الله لها بالقرآن: سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ [الإسراء:1] وحول المسجد الأقصى فلسطين كلها، فبركة الله تحل بها، واليهود شيء طارئ أمام أمر الزمان والحق والخير كما كان الصليبيون من قبل عرضاً طارئاً يمر لا قيمة ولا وزن له؛ لأن الله هو الحق، والله حي لا يموت، والله يقول لنبيه وهو عند الكعبة وحيداً فريدا: وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ [الفرقان:58].

    نصر الله لنا مرتهن بنصرنا للحق

    فلا نيأس من رحمة الله، ولا نيأس من نصر الله: أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ [البقرة:214] مهما طال ليل الظالمين وازداد مكرهم، واحلولكت ظلماته: إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ [هود:81] والكفار يستعجلون الله العذاب، والله يقول: وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ [الحج:47] يوم واحد كألف سنة، إذاً لا نستعجل نحن، وإنما كلفنا أن ننصر الحق، وأن ننصر الله، فإذا نصرناه في أنفسنا وأهلنا وفي كل شيء أراده منا؛ حقق وعده، ونصر عبده، وهزم الأعداء وحده، سبحانه وتعالى!

    أيها الأحبة الكرام! أبدأ هذا الدرس بوعد الله وأتفاءل بهذا الوعد: فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيراً [الإسراء:7] هذا وعدٌ من الله والله لا يخلف الميعاد، والذي نفسي بيده ليدخلن المؤمنون الموحدون يوم لا يبقى إلا شعار الإيمان والتوحيد في الميدان، ويتبروا ما علوا اليهود تتبيرا، وليصلين قائد المؤمنين بالمؤمنين لا يخاف على وجه الأرض إلا الله، ثقوا بوعد الله.

    كما أنني أوجه إلى أخواتي المسلمات من هذه الأرض الطيبة اللواتي يستمعن إلي الآن هنا وفي العمارات وفي كل مكان، ومن خلال التسجيل، أقول: بوركت تلك الأرحام التي تدفع الموحدين مهما عظمت مؤامرات الاستئصال والإبادة، من يطيق أن يحارب كلمة كن فيكون؟ إن أرحامكن تدفع الموحدين بإذن الله وقدرة الله، والله لا يستطيعون أن يحاربوا أرحاماً تخلق بإذن الله رب العالمين أبداً ولو لم يبقَ إلا امرأة واحدة فالله قادرٌ على أن ينصر دينه.

    أيها الأحبة! أقول هذا الكلام لأجبر القلوب المنكسرة، لعلمي أن ما من فرد أمامي أراه كبيراً كان أو صغيراً إلا وقلبه مكسور ومجروح وله عزيز أو حبيب بعيد أو قريب استشهد أو خطف أو أسر أو مثل به.

    أيها الأحبة! افرحوا بما عندكم من الدين، ومن الإيمان: قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ [يونس:58] وثبت الله أخانا يوسف العظم شاعر الأقصى يوم أن يقول وهو ينظر إلى مثل هذه الوجوه:

    فلسطيني .. لأرفع راية الأقصى     ورب البيت يحميني

    ولكـن دون أوهـام لـجيفارا ولينين     فعلم الغرب يتعسني وعلم الشرق يشقيني

    أرتل آية الكرسي أتلو ربع ياسينِ .. فلسطيني

    ليكن هذا شعارنا أيها الأحباب الكرام، وبعد هذه المقدمة أقول لكم: إن دروسنا هذه دروس منهجية نبدؤها مع تاريخ يهود، تعقد مؤتمرات كثيرة، مؤتمرات تبين الصراع بين العرب واليهود، ولكن يؤسفني كثيراً أنني حضرت بعض هذه المؤتمرات فلم أجد استشهاداً كثيراً لكتاب الله وسنة رسوله، ولا يوجد دستورٌ ولا بحثٌ ولا تقرير فصل عن اليهود كما فصل كتاب الله، آية واحدة من كتاب الله أفضل من ألف مؤتمر.

    فالله هو الذي خلقهم، ويعلم سرهم وجهرهم، ومحمد صلى الله عليه وسلم درس هذا القرآن فعرف حقيقة يهود، وعلم كيف يتعامل معهم من منطلق القرآن والسنة، ويوم أن نبتعد عن هذا الكتاب العظيم لا نستطيع أن نفهم يهود ولو أننا كنا قريبين منهم في مكان واحد وعلى كرسي واحد وعلى طاولة واحدة ما لم نحط بهذا التفصيل الإلهي الذي قاله الخبير العليم العلي القدير سبحانه وتعالى.

    ثم أيها الأحباب، مجلسي هنا خليفة لأستاذي وشيخي الذي طالما اجتمعتم حوله وشنفتم آذانكم بالاستماع إلى خطبه الشيخ الفاضل المدافع عن الأقصى أبي أنس عبد المنعم أبو زنط ثبته الله وأيده الله ونصره الله، وأسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعله لسان حق هناك في الأرض المباركة.

    1.   

    كتاب الله أدق مرجع لحقائق اليهود

    أيها الأحبة الكرام! نعود إلى آي كتاب الله لنستمع ماذا يقول الله عن اليهود، إن الله سبحانه وتعالى من صفاته أنه حكم عدل فيوم أن ذكر اليهود أول ما ذكر بهم إيجابياتهم، فقد ذكر أنه أنعم عليهم، وأنهم كانوا الموحدين في الأرض، وأن أمة موسى أمة عظيمة كبيرة ... إلى آخره.

    وهذا جمال الإسلام في اعتداله، ليس فيه إفراط ولا تفريط، فلما جاءت رسالة محمد وعرضت على اليهود فردوها، ذكر الله حقائق عنهم ما كانت العرب تعرفها، وقد عاش العرب بجوار اليهود سنين طويلة في جزيرة العرب.

    النفاق من صفات اليهود

    لنستمع ماذا يقول الله عن اليهود: أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ * وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا [البقرة:75-76] لاحظ النفاق، لاحظ الوجه، هذا وجه خاص لصنف خاص، إذا جاء المؤمن الموحد يتحول اليهودي إلى حالة الضعف ليس في حالة القوة، إذا كانت الصولة والجولة بيد الإسلام والمسلمين، يأتيك اليهودي بوجه وديع كوجه الحمل، وبخطوات أرانب وبذلة ومهانة واستكانة، ويبدي لك إعجابه بالقرآن والسنة، ويظهر لك كثيراً من حكم الإسلام، فكم درس الإسلام وتفنن في دراسته، الله يقول هذه الحقيقة يوم أن يكونوا ضعفاء مستذلين: وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلا تَعْقِلُونَ [البقرة:76].

    قصور معرفة اليهود بالله

    عجيب! هذه الآية تبين خلقاً سرياً من أخلاق اليهود، والله الذي نفسي بيده لو اجتمعت الزعامات العربية على أن تعرف هذا الخلق السري ما عرفته حتى تدرس القرآن، هذا الخلق السري تقول عنه الآية: إن اليهود عندهم عقيدة، أنهم إذا جهروا بالشيء وفوقهم السماء يعتقدون أن الله يسمعه، وإذا أسروا فيما بينهم وتناجوا وفوقهم سقف أو كانوا في مؤتمر أو كان الكلام سراً أو كان في مكان في تحت كواليس أو سراديب فإن الله لا يعلم ذلك.

    عجيب! إن كل المؤتمرات التي عقدت والمعاهدات التي أبرمت، ما دام سقف المؤتمر يحجب عن السماء، إذاً الله لا يعلم بكذبهم وخداعهم وغشهم وكل أمر من أمورهم، هذه حقيقة تذكرها هذه الآية.

    الحقيقة الثانية: أنهم لا يريدون إعطاء أي مستمسك حقاً كان أو باطلاً بيد المسلمين أبدا، بل يريدون استئثار النصيب الأوفى والأوفر لهم، استمع ماذا يقول الله، يقول: لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ [البقرة:76] هل ربهم الآن لا يعلم؟ هل سيفاجأ الله يوم القيامة بهذه الحجة؟ لا، لكن يعتقدون أنهم لو علموهم الحجج التي وردت بالتوراة الصحيحة سيأتي المسلمون يوم القيامة عند الله، ويقولون: تعلمنا كذا وكذا وكذا فخانوا ونقضوا فخذ الحق لنا منهم، فلهذا هم يقولون: لا تعلموهم أن هناك جنة وأن هناك ناراً، وأن محمداً مذكور في التوراة وفي الإنجيل، وأنه الرسول الصحيح الذي يأتي بعد عيسى، لا تذكروا لهم ذلك مخافة أن يحاجوكم عند ربكم.

    معنى هذا أن ربهم لم يسمعهم؛ لأنهم مختفون تحت السقف، اسمع ماذا يقول الله: أَفَلا تَعْقِلُونَ * أَوَلا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ [البقرة:76-77] لا يعلمون أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون، حتى هذه اللحظة لا يعلمون.

    معنى أن اليهود أميون

    ثم يقول سبحانه: وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ [البقرة:78] فيهم أميون كثير، هذه الآية عندما يقول الله: أميون، ليس معناها أنهم لا يعرفون القراءة والكتابة، ليس معناها أن إسرائيل الآن ليس فيها تقدم تكنولوجي، ليس معناها أن عدد العلماء الباحثين في دولة يهود المزعومة عددهم اثنا عشر ألف باحث وعالم تقني، ليس معناها أن الطلبة الذين يتخرجون من الثانويات عندهم لكي يلتحقوا بمعاهد التكنولوجيا والتقنية ثلاث أضعاف طلبة العالم العربي كله، ليس معنى هذه الآية أن منتجات التصنيع للسلاح وغير السلاح تصدرها إسرائيل كل عام وتأخذ عملة صعبة مقدارها مليارا دولار، وتعتبر ببحوثها وعلومها الآن تعادل علوم روما والمكسيك .

    إذاً ماذا تعني هذه الآية؟ الآية حددت (أميون في الكتاب) أميون في القرآن، أميون في الحق الذي أنزل عليهم؛ لأن العلم المعتبر عند الله هو العلم الذي ينفع يوم القيامة، أما التفنن في علوم الدنيا إن سخرت من أجل الدين والخير فالحمد لله، وإن سخرت في طريق الشر فهي وبال ونقمة يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا، فالله سبحانه قال: وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ * فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ [البقرة:78-79]

    هل أصبح هذا الخلق يختص به يهود أم انتقل إلى بعض علماء المسلمين؟ انتقلت العدوى من اليهود إلى بعض علماء المسلمين فأخذوا يشترون بآيات الله ثمناً قليلا بالفتاوي ذات البلاوي التي تبرر انحرافات الظالمين، ويعطونها لباساً شرعياً بالدليل من كتاب الله وسنة رسوله، يبيع أحدهم دينه بعرض من الدنيا قليل، واستمر هذا الداء يستأصل ويزداد في بعض علماء المسلمين، ابتداءً من عام 48م حتى عام 84م وعامنا هذا الجديد أصبح في ازدياد لا في نقصان.

    بل أصبح الذي يتعاهد مع اليهود قد بلغ قمة الإيمان.

    عدم اندماج اليهود مع المجتمعات الأخرى

    ثم ماذا يقول الله سبحانه؟ استمعوا أيها الأحباب الكرام: وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَماً [الأعراف:168] عجيب! هذه الآية تذكر حقيقة عجيبة، والذي عاش في فلسطين يوم أن كانت فيها أسر يهودية حقيرة كان يعرف حقيقة هذه الآية أن الأسرة التي تتكون من ثلاثة أفراد زوج وزوجة وابن أمة مستقلة تأبى أن تتسيب أو تتميع أو تتنازل عن أي مبدأ يهودي، بل لها كيانها الخاص، ومنهجها الخاص، وأسرارها، وطلاسمها، وهمهماتها.

    ... الحاجة والضرورة الماسة أنه يمد يده إلى الآخرين إلا أن توراته المحرفة وتلموده الحاقد هو شعاره أينما كان وأينما حل، بل والله لو أن الله أدخلهم الجنة لتشبثوا بباطلهم ورفضوا جنة الله، والله يذكر هذه الحقيقة، الدولة الشيوعية في الاتحاد السوفيتي أصدرت تقريراً أيام برجنيف الذي مات، ماذا يقول التقرير؟

    لقد استطعنا أن نصهر جميع القوميات عندنا في الاتحاد السوفيتي لكي تتبنى النظرية الماركسية، ولكننا نعترف بعجزنا وانهزامنا أمام القومية اليهودية، فقد بذلنا كل وسعنا على أن نجعلها تنصهر في أيدلوجيتنا، ولكننا لا نستطيع مما جعلنا نشجع الهجرة بعد الهجرة، وندفعهم لكي نتخلص منهم؛ لأننا أحسسنا أنهم أمة داخل أمة في جميع الظروف والأحوال.

    هذا الحقيقة يقولها القرآن: وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الْأَرْضِ [الأعراف:168] في كل الأرض، في كل الدول أُمَماً [الأعراف:168] أمة مستقلة، وترى اليهودي الخبيث الماكر يأتي وهو عامل بسيط، لكنه أممي يعتز بشخصيته، يعتز بدينه، يعتز بمبدئه الباطل يضعه في اعتباره دائما، ويأتي وهو عامل بسيط حارس أو فراش أو كناس في شركة، ثم احسب له لا يمر عليه خمسة عشر عاماً إلا وهو مدير الشركة التي كان فيها، كيف استطاع ذلك؟ أهو بذكاء خارق أم أنه يمسك عصاً سحرية يسحر بها الناس؟ لا، إن الذي وصله إلى هذا هو الانتماء، وأزمتنا اليوم هي أزمة انتماء، فالمسلم اليوم -مع الأسف الشديد- عنده أزمة انتماء، لا يحيا الأممية التي عاشها يهود، إن المذابح عبر التاريخ التي صبت عليهم بسبب مكرهم وخبثهم وغلظ أكبادهم وتآمرهم على الأمم التي يعيشون فيها، ما زادتهم إلا انتماءً وتمسكا.

    فكان يأتي ويدخل في المؤسسة وفي الشركة، وشعاره: الغاية تبرر الوسيلة، فإن كان هذا يحتاج إلى نساء؛ أحضر له، وإن كان ذاك يحتاج إلى خمر؛ يسر له، وإن كان هذا يريد ربا؛ قدم له، ويتلون على جميع الحبال، ويعطي كل واحد وجهاً ولا ينسى وهو في هذا الطور أنه يهودي وأن عنده مهمة، وأن عنده رسالة وأن في رقبته قضية، لماذا؟ لأن الله يقول عن هذه الحقيقة الخفية: وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَماً [الأعراف:168].

    الشعب الأمريكي فيه أمة يهود تعيش هناك، الشعب الألماني فيه أمة يهود تعيش هناك، مع الأسف الشديد انظر إلى المسلمين في أمريكا وفرنسا ، تجد أنهم أشد الناس إقبالاً على الخمور في الملاهي، بل إن هناك ملهى في لندن اسمه ملهى مكة لا يمتلئ إلا بأبناء الخليج، وبعضهم يسمع في هذا الملهى اسطوانة فيها سورة الرحمن بترتيل عبد الباسط عبد الصمد ، ويقوم اليهود والداعرات من الإنجليز يرقصن تحت الدخان الأزرق على المسرح على أنغام سورة الرحمن وما تتحرك في واحد منهم حمية أو غيرة على دينه.

    دولة اليهود دينية

    واليهودي تحت ضغط الفقر والقهر لا ينسى أنه أمة ينتمي فيها إلى يهود: وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَماً [الأعراف:168] وحتى الآن مع الأسف الشديد نخادع أنفسنا أن دولتهم ليست دولة دينية، إنما هي دولة تستطيع أن تقول عنها أنها علمانية، تستطيع أن تقول عنها أنها ثورية، ويأبى الباحثون أن يقولوا إنها دولة توراتية تلمودية دينية، وهم يعلمون أن الأرض عندهم اسمها أرض الميعاد، وأنهم شعب الله المختار، والحائط حائط مبكى، والدولة اسمها: إسرائيل، أي: عبد الله على اسم نبيهم إسرائيل عليه الصلاة والسلام، وهو بريء منهم، وأسماء وزراء الحرب، ليس عندهم وزراء دفاع؛ لأنهم لا يدافعون إنما يحاربون، وزراء الحرب ثلاثة كلهم تبدأ أسماؤهم بموسى، اسم النبي موسى، وحتى الآن لا نعترف أن دولتهم دينية!

    لماذا؟ لأن الكنيسة حاربت الدين في أوروبا فقلدناهم وتبرأنا من ديننا الحق، وأبينا أن نعترف للعدو الذي يوم أن دخل عام (67م) في القدس أخذوا يرقصون الدبكة، ويقولون: محمد مات خلف بنات، هذا يوم بيوم خيبر، ما شتموا قائداً ولا زعيماً ولا رئيسا؛ لأنهم يعلمون أن الحروب التي كانت من 48م إلى 84م لم تكن حروباً حقيقية، إنما الحروب الحقيقية هي التي خاضها محمد وأتباع محمد، لهذا كانت الشتيمة بعد نهاية المعركة توجه إلى محمد وأتباع محمد صلى الله عليه وسلم.

    متى يأتي الزمان علينا على جميع المستويات لنعلم هذه الحقيقة التي نستحي منها: وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَماً [الأعراف:168]؟ ودليلي على ذلك: أمة سوداء مغمورة مسحوقة جائعة هناك في القارة الأفريقية، ثيابها بالية، ريحتها نتنة تنتابها الأمراض، يقتلها الجوع، وجوهها مثل التراب والرماد، قام اليهود بتشكيل جسر جوي عبر دول عربية وغير عربية، وأحضروهم كلهم بكامل الصحة والعافية واللباس والطعام، يستخدمون جميع التغطيات الإعلامية التي تثير الغبار حول هذا الجسر الرهيب، ولما علم الخبر تعرض وزير الإعلام اليهودي الذي صرح دون أن يستأذن إلى محاكمات ومحاسبات وكاد أن يقدم استقالته.

    وهم الآن يحاولون نقل أو نقلوا -لكن إعلامنا مع الأسف الشديد يغطي الكرة والأفلام ويغطي الدب لالان الذي مات في اليابان - لعلهم نقلوا اليهود الهنود، وهؤلاء عندما يقومون في المستعمرات والعنابر التي يربون فيها أولئك النشء تربية دينية، وعالمنا العربي والإسلامي ياويله! ما يلتقي متدين مع متدين إلا ويقولون: خذوه فغلوه، ماذا فعلنا؟ قال: يتآمرون للإطاحة بنظام الحكم، ثلاثة! أربعة! لا شك أن هؤلاء الثلاثة يملكون خاتم سليمان الأسطوري الذي يحرك الجن ويسير السحاب ويرفع البساط ويزلزل الجبال، لكنها مأساة الأمة مع الأسف الشديد، ونقلوا أمة يهود السوداء وأمة يهود الهنود، سيربون أولئك تربية خاصة، ويبقى اليهودي الأصيل الذي جاء من أوربا هو الذي يملك العقل التقني، ويأتي اليهودي الشرقي لكي يمسك التدريب العسكري، ويأتي اليهودي الأسود والهندي لكي يدخل الرصاص في جسده، ويظل اليهودي الأصيل هو الذي يحتفظ بدولة الميعاد.

    ولكن هل يشعر اليهود بهذه الطبقية؟ لا، لا يشعرون بهذه الطبقية وإن كانت خفية، لماذا لا يشعرون؟ لأنهم يرون أمة تعيش بينهم ومن حولهم أذل منهم، فهذا عزاؤهم، أنا وأنت وكل عربي هو عزاء اليهودي المظلوم هناك في إسرائيل، عندما يقارن حاله بحالي وحالك وحال كل مسلم في العالم العربي يعلم أنه يعيش ملكاً على وجه الأرض.

    وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَماً [الأعراف:168] الحمد لله نحن هنا في هذا البلد في متنفس، ولولا علمي بهذا المتنفس ما قلت هذا الكلام، لكن أنا أتحدى أن يقال هذا الكلام في أي بلد آخر، لا يصل صاحبه ولا الحاضرين إلى بيوتهم، ومن رحمة الله علينا وعليكم أننا نملك البيان الذي وهبه الله لنا الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الْأِنْسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ [الرحمن:1-4].

    1.   

    تعامل اليهود مع أنبيائهم

    ثم يبين الله سبحانه وتعالى خلقاً عجيباً، المتتبع لمواد الميثاق الذي حدث في كامب ديفد يتعجب من تعنت اليهود، ويتفننون في لوي العبارات والكلمات لصالحهم حتى أصبح بطرس غالي يصيح في الصحف والإذاعات أيها العالم! إننا نتمسك بجميع البنود في هذه المعاهدة ولم نخالف منها بنداً واحدا ويؤسفنا أن اليهود لم ينفذوا بنداً واحداً مما فيها، وقد سمعتم بالأخبار هذا التصريح كلكم، لماذا؟ ما السر؟ لأن بطرس غالي لم يدرس القرآن، فيعلم أن من طبيعة اليهود تعجيز الناس، وحصرهم حتى يصلوا إلى المرحلة التي يحسون أنهم عاجزون ويستسلمون.

    طلب اليهود من موسى أن يروا الله جهرة

    وقد حاولوا مع موسى عليه السلام، خطة التعجيز مارسها اليهود مع موسى عليه السلام، وموسى ليس أنا ولا أنت، موسى عليه السلام قوي بإيمانه وبجسده وبتوكله، ومع هذه لم ينجح من تعجيزهم، ما الآية التي تبين أن من عقيدة وخلق اليهود تعجيز الناس وحصرهم ووضع الأغلال في أعناقهم؟ وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ [البقرة:55].

    هذه هي الآية التي لم يذكر المفسرون عن هذا الخلق شيئا، أن من أخلاقهم تعجيز الناس فالذي طالب موسى بأن يأتي بالإله لكي يراه اليهود، حتى يعلنوا إيمانهم فمن باب أولى أنهم يطلبون التعجيز ممن هو دون موسى في أي زمان وأي مكان، وإلا كان يكفيهم أن يقولوا آمنا بالرب الذي تدعو إليه، كما قال المسلمون: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ [البقرة:285].

    لا، فشعار اليهود التعجيز، لهذا قالوا: سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ [البقرة:93] والقرآن عندما يقول: وأشربوا، أي: هذا العجل الغليظ، حتى الكلمة غليظة، في الشعيرات الدقيقة في القلب أدخلوا العجل، لهذا يقول القرآن: وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ [البقرة:93] أي: أن قلوبهم تشربت العجل، لهذا الله يقول عن هذه الحقيقة: وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً [البقرة:55] ثم استمع إليهم والله يبين أنه عندما تريد أن تعالج هذا الصنف لا تعالجه بمعاهدة ولا بإغراء مادي ولا بالاستسلام والتنازل من أجل بعض المكاسب، لا تعالجه بتدويل القضية والاعتماد على هيئة الأمم، لا تعالجه بحث المنظمات وحقوق الإنسان ولجان الإغاثة واليونسكو، لا، علاجه ذكره القرآن، تريد أن يتأدب اليهودي؟ انظر كيف أدبهم الله على يد موسى: وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ [البقرة:54].

    علامة صدق توبة اليهودي

    إذاً لا نقبل توبة يهودي إلا إذا أمسك البندقية بيده وقتل يهودياً آخر معارضاً لنا ولقضيتنا، لا نثق بكلام اليهودي بأنه معنا، مع الأسف الشديد الثوريون التقدميون اليساريون الذين يعاضدون كل ثورة على وجه الأرض إلا ثورة محمد يتعاطفون مع الحزب الاشتراكي الإسرائيلي اليهودي هناك، لماذا؟ لأننا في نفس الخط والأيدلوجية، القرآن يقول: إذا أردت أن تعرف أن اليهودي صدق بتوبته وأنه يريد أن يتعايش معك تعايشاً سلمياً فليحمل السلاح ضد من يعارض هذا المبدأ وليقتله، هذا الذي قبله الله منهم، قال للذين لم يعبدوا العجل: لا أقبل توبة الجميع لا الذي عبد، ولا الذي لم يعبد الذي لم ينكر، بل احملوا السلاح وائتوا إلى الذي لم يتب واقطعوا رأسه، عند ذلك يقبل الله توبة القاتل.

    أي: أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ليس موجوداً: ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [النحل:125] وجادلهم بالمعاهدات والصلح والمواثيق، لا، إنما عند الله هنا في هذه الآية يبين الله سبحانه وتعالى: فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ [البقرة:54] يقول المفسرون: فقام اليهود وحملوا سيوفهم، وجاءوا إلى أولادهم وآبائهم وأرحامهم فقطعوا رقابهم عند ذلك تاب الله عليهم.

    هزل اليهود في مواطن الجد

    سبحانه العليم الخبير! يعلم قلوبهم ونفسياتهم وأخلاقهم، ثم استمع ماذا يقول الله: وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُوا حِطَّةٌ [البقرة:58] حطة أي: اغفر لنا وحط خطايانا وذنوبنا، فأعطانا الله خلقاً جديداً من أخلاق اليهود أنها تضحك في بيت العزاء، وتنكت وتهزل في مواقف الجد، وتمزح وتسخر وتستهزئ في مواطن الهدوء والرزانة، لهذا لا تعجب عندما رفعت مشاريع السلام ودعي إليها بيريز لكي يحضر، فقال: وما يمنعني أن أحضر إلى تلك العاصمة وقد اشتهر أهلها بحسن الضيافة إن وجودي هناك نوع من اللذة والاستمتاع، وإنني على استعداد أن ألتقي مع الذين يحملون مكبرات الصوت لا مع الذين يحملون المسدسات. الله أكبر! كلام مبطن باستهزاء وسخرية ومسح وكل شيء، كأن القضية عنده نزهة وسياحة، مصير أمة وشعب يذبح ملايين من المشردين في العالم، وناس حتى الآن تئويهم الخيام من خلال ست وثلاثين سنة، ينيط قضيتهم بمتعة ينتقل فيها من ملهى إلى ملهى ومن مائدة إلى مائدة، ومن كأس إلى كأس، ولماذا لا يحضر ما دامت هذه هي القضية وهذه هي الضيافة وهذا هو الحل؟

    إن الله يبين هذه الحقيقة، يقول موسى: ذنوبكم كثيرة إذا دخلتم هنا قولوا اللهم حط عنا الذنوب، حتى يبارك الله بدخولكم، ماذا فعلوا؟ بدل السجود أخذوا يزحفون على مقاعدهم يزحفون كالقرود، وبدل من أن يقولوا: حطة، أي: حط الذنوب، قالوا: حنطة شعيرة، حنطة شعيرة، حنطة شعيرة، وهم يقفزون مثل القرود، أين نحن من هذا الخُلق الذي يبينه القرآن: وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّداً نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئَاتِكُمْ سَنَزَيِدُ الْمُحْسِنِينَ * فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزاً مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَظْلِمُونَ [الأعراف:161-162].

    محبة اليهود لأصناف المأكولات

    ثم استمع ماذا يقول الله: وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا [البقرة:61] عندما نمر نحن على هذه الآية نتذكر أن شعب اليهود شعب بطيني أكول لا هم له إلا أن يسعى وراء المقبلات والتوابل، ولا يستغني عنها لكي يفتح الشهية، هذا الذي نفهمه، وموسى عليه السلام رد عليهم، قال: أتتركون المن والسلوى وتطلبون هذه الأمور، انزلوا أي مصر من الأمصار، أي: أي ريف من الأرياف عند الفلاحين تجدون هذه الأمور كلها، هذا أقصى ما نفهمه من الآية.

    لكنني أنا أفهم منها فهماً آخر، أن اليهود عندما ينزلون في أرض يصبح بينهم وبين تراب الأرض علاقة وارتباط، ومنتجات اليهود الآن من المحاصيل تجوب العالم كله، من الخضراوات والفواكه يدخلون عليهم سنوياً خمسة وأربعين مليون دولار، وأصبحت المنتجات للخضراوات والفواكه والحوامض شيء رهيب لا يطاق، سخروا التقنية الأمريكية كلها وركبوها تركيباً عجيباً، حتى أصبحت الشجرة تنتج أضعاف أضعاف ما كانت تنتجه.

    ونحن في بلادنا العربية الأنهار تجري، والآبار من النفط تجري، تجري من تحتهم الآبار، وتجري من تحتهم الأنهار، ولا نزداد إلا فقراً وجوعاً واستيراداً واستهلاكا، لماذا؟ لماذا لا نرتبط بالأرض؟ لماذا لا ندع الكسل، لقد كان الفلاح يأخذ مسحاته البسيطة، مسحاة (تكنولوجي) ولكن ليس تكنولوجياً أمريكياً ولكن تكنولوجي دعاء يرفقه بـ"توكلت على الله" وإذا ضرب قال: باسم الله، وإذا نزع قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، فكانت المحاصيل لكثرتها تحرق، أو توضع علفاً للأغنام والمواشي، وأصبحت الآن الأرض بالجرافات الهائلة الشيوعية والأمريكية تجرف، ولكن البذرة تبور وتفسد وتموت؛ لأن بذرة التوحيد في القلوب فسدت، ففسدت معها: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ [إبراهيم:28] أصبحت الأرض بورا.

    إننا نريد من خلال هذه الدروس، ولعلمي أن هذه الدروس تجوب العالم، أن ينبعث المسلمون والعرب انبعاثاً جديدا، بل أطالبهم بأن يعودوا إلى كل البحوث التي أنتجتها المؤتمرات، مؤتمر زراعي وصناعي وتربوي وتكنولوجي تقني وفني، مؤتمرات لو تعدون المؤتمرات والبحوث المرصوصة ستبنون منها جبالاً، نريد أن ننفذ لا يكفي أن نخطط، المواد الخام موجودة عندنا أضعاف أضعاف ما عند اليهود، لكن سوء في التخطيط وسوء في التنفيذ، نأكل نصيب يومنا بحرمان غدنا، وأمتنا أول آية نزلت: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ [العلق:1].. يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ [المجادلة:11].

    بيان كبرهم وأثره في تعاملهم مع الأنبياء

    ثم استمع ماذا يقول الله سبحانه وتعالى، وأختم بهذه الآية الكريمة: أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ [البقرة:87] هذه الآية تنبئ عن حقيقة أن اليهودي بطبعه ذليل إلا إذا أصبح الصولجان بيده، فإذا صار الصولجان بيده ثم جئته بما لا يهوى، أي: بما لا يوافق هواه تحول إلى متكبر متغطرس مغرور إلى أبعد حد، والذي يلاحظ اللقطات والصور التي كنا نراها في الجرائد من سنة (1980م) إلى (1985م) الصور التي جاءتنا من البيت الأبيض، والصور التي جاءتنا من وكالات الأنباء من جميع أنحاء العالم بدون أن نقرأ الكلمات نشاهد هذا الكبر وهذا الغرور من خلال الصور.

    والذي نفسي بيده نرى الطرف الآخر في الذل والمهانة، ونرى طرف اليهود في العز والغرور والكبر بحركات بإشارات بلقطات حتى مسألة الاحتضان فيها كبر، ثم عد إلى التصريحات التي يصرحون بها، واستمع ماذا يقولون؟ تجد عجبا، والدروس القادمة إن شاء الله عندما نبدأ نستعرض برتوكولات اليهود، ثم بعد ذلك نستعرض قضية فلسطين من بدئها من أيام السلطان عبد الحميد رحمه الله، الذي صاح بأعلى صوته في وجه يهود الدونما وصهيون، عندما قالوا له: نحن على أتم استعداد على أن نبني لك الجامعات في تركيا ، لكي نحل عندك الأزمة الثقافية، ونحن على استعداد أن نؤدي عنك ديونك المتراكمة وأن نحل الأزمة الاقتصادية وأن نجعل لك راتباً سنوياً بالملايين بشرط أن تعطينا أرض فلسطين أو بعض أرض فلسطين .

    فصاح بوجههم: إن أرض فلسطين أُخذت بالدم الإسلامي وهي أرض الله لعباد الله، لا يحق لي ولا يحل لي ولا أريد أن يكتب التاريخ عني أنني بعت أرضاً مسلمة لا يحق لي ملكها، إن أرض فلسطين للمسلمين الفلسطينيين، قالوا: إذاً نُطيح بك، قال: إذا أطحتم بي فخذوا أرض فلسطين .

    أيها الإخوة! تذكرها الآية: أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ [البقرة:87] ليس زعيماً أو قائداً أو رئيساً، بل رسول وهم يعلمون أنه رسول: بِمَا لا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ [البقرة:87] والذي يتآمر على قتل رسول، وهو يعلم أنه رسول لا يعبأ بعامة الشعوب، لهذا لا تتعجب من حرب الإبادة التي يتعرض لها الفلسطينيون عبر القضية وعمرها، والآن في جنوب لبنان يتعرض الناس هناك إلى حرب إبادة والتكتيم الإعلامي، والمدد العربي والإسلامي مقطوع، ويبدأ الطفل بحجارته يحارب، والمرأة بقارورة الزيت تقاتل، والشيخ بعكازه يضرب اليهودي على وجهه ثم يتلقى طلقات الرشاش في صدره، حتى لا يبقى ذرة من الضمير العربي والضمير الإسلامي.

    أيها الإخوة! أيها الأحبة! أسأل الله سبحانه وتعالى أن ينصرنا ولا ينصر علينا، وأن يمكر لنا ولا يمكر علينا، اللهم إنا نسألك نصرك المؤزر المبين لجندك وأوليائك المجاهدين في كل أرض يذكر فيها اسم الله، وما ذلك على الله بعزيز، اللهم إنا ندرأ بك في نحور أعدائنا، ونعوذ بك اللهم من شرورهم.