إسلام ويب

قصة حوار مع نصرانيللشيخ : أحمد القطان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن الله سبحانه وتعالى أتم لنا النعمة بإكمال الدين، وأمرنا بنشره وتبليغه للعالمين، وفي هذه المادة يذكر الشيخ بعض المناقشات والمناظرات التي أجراها مع بعض النصارى، والتي تبين مدى احتياج الناس في الغرب إلى تبليغ الدعوة الإسلامية.

    1.   

    مناظرة على متن الطائرة

    الحمد لله رب العالمين، يجلب النعم، ويدفع النقم، ويثبت الإيمان ويرجح الميزان، ويفك الرهان، ويخسئ الشيطان، وأصلي وأسلم على قائدي وقدوتي وقرة عيني وحبيبي محمد بن عبد الله، وارضَ اللهم عن خلفائه الراشدين وأصحابه أجمعين والتابعين ومن دعا بدعوتهم إلى يوم الدين.

    اللهم إني أسألك أن تجعل أطفالنا رجالاً، وشبابنا أبطالاً، وشيوخنا أبدالاً، وأسألك اللهم أن تجمعنا وإياهم في عليين، قرة عين صالحة، وأعمال فالحة، اجعل لنا في ليلتنا هذه، في أولها صلاحاً، وفي أوسطها نجاحاً، وفي آخرها فلاحاً وعتقاً من النار، نسألك إخلاص العمل وصدق النية ونور اليقين، وحلاوة الإيمان وأنس الذكر وبر الصدق وبركة الدعوة وإجابة الدعاء، آمين، آمين برحمتك يا أرحم الراحمين.

    أحبتي في الله: إني أحبكم في الله حُباً خالصاً من قلبي، وأستأنس بالنظر إلى وجوهكم فإن كل وجه منكم له في قلبي ذكراً، وذكريات الأحباب لا تنسى؛ لأنها ذكريات طاعة، يلتقي بها المؤمن تحت ظل العرش يوم ينادي ربنا: (أين المتحابون بجلالي؟ اليوم أظلهم في ظلي يوم لا ظل إلا ظلي) ورب دعوة منكم في ظهر الغيب اندفعت إلى السماء وحلت في موقع الرضا والقبول وجاءت بالتثبيت من الله رب العالمين في مواطن ضعف يتعرض لها الداعية بين الحين والحين، وصدق الله إذ يقول: هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ [الأنفال:62].

    اللهم لا تحرمنا دعاء ونصر وتأييد المؤمنين.

    اللهم أيما عبد أو أمة من أمة محمد يحبنا ويدعو لنا وينشر العلم فثقل ميزانه واجعله برحمتك في الفردوس الأعلى، وأيما عبد أو أمة من أمة محمد اغتابنا أو بهتنا فقد عفونا عنه، اللهم إننا عفونا ما بيننا وبين عبادك فاعف ما بيننا وبينك فأنت أجود وأكرم يا رب العالمين.

    اللهم علمنا كيف نعفو وكيف نغفر، لئن نلقاك يوم القيامة بالعفو خير لنا من أن نلقاك بالخصومة، ألا إننا في حظوظنا لا نعاتب ولا نطالب ولا نخاصم؛ لأن أطيب حياة هي حياة الراضين: من رضي بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد نبياً ورسولاً وجد حلاوة الإيمان وذاق طعم الإيمان، فالإيمان له طعم وحلاوة وطلاوة لا يذوقها إلا الراضين، وإذا لم يرض فعيشته عيشة تعيسة منكوسة.

    لهذا قلوب أهل الجنة يوم القيامة على قلب أيوب؛ لأنه رضي بقضاء الله، فجعل قلوب أهل الجنة راضية كقلب أيوب عليه السلام.

    وبعد هذه المقدمة أيها الأحباب وخيرة الأصحاب من ذوي الألباب! أخبركم عن لقاء في إحدى سفراتي للمؤتمرات الطلابية في أمريكا في الطائرة وأنا فوق السحاب وبرفقة الأخ خلف الرشيدي، حيث التفتُ فإذا برجل يناهز الستين عاماً ونظرت إلى ذلك الرجل في الطائرة وإذا عليه مسوح القسيسين وبيني وبينه الأخ خلف ، فقلت له: ما دينك؟ ما مؤهلك؟

    فقال: أنا بروفيسور متخصص في الأديان، وأنا نصراني.

    - فقلت له: أنا فلان مسلم من الكويت ، والوقت طويل أربع ساعات نستفيد منه أسألك وتجيب.

    - قال: تفضل.

    - فقلت له: أناقشك في دينك الذي أنت تؤمن به وقد أخذت فيه أعلى الشهادات.

    - قال: تفضل.

    - قلت له: هل من الممكن أن تلتقي طبيعتان مختلفتان كطبيعة الإنسان والحيوان فيكون بينهما ذرية وإنتاج؟ على سبيل المثال: أن يتزوج إنسان بقرة، هل تلد هذه البقرة نصف إنسان ونصف بقرة؟

    - قال: مستحيل!

    - قلت: لماذا؟

    - قال: لأن الطبيعة العضوية والتركيب الفسيولوجي للإنسان تختلف عن الحيوان، ولم يحدث في التاريخ أن تم هذا، فوجدنا نصف إنسان ونصف حيوان.

    - فقلت: إذاً: كيف أقنعت نفسك وعقلك وأنت البروفيسور في أمر أشد استحالة من هذا، وسلَّمت أنه حقيقة ثابتة؟

    - قال: كيف؟

    - قلت: ألا تعتقد في دينك أن الله الخالق الذي تختلف صفاته عن صفات المخلوق التقى بمريم وهي مخلوقة وطبيعتها العضوية تختلف اختلافاً كاملاً عن صفات الإله فكان بينهما ولد وهو عيسى؟! المخلوق مع المخلوق، الإنسان مع الحيوان وكلاهما مخلوقان، قلت: إنه مستحيل أن يكون بينهما إنجاب؛ إذاً: فالأمر أشد استحالة أن يكون بين الخالق والمخلوق، فماذا تقول أيها البروفيسور؟

    - فسكت برهة يفكر، وخلف يضحك فقال: هذه هي الإرادة الإلهية. هذا هو جوابه.

    - فقلت: هذا ليس بجواب، أنا أناقشك علمياً وأنت تناقشني روحياً! أنا أريد جواباً علمياً كما أن سؤالي علمي.

    - قال: ليس عندي إلا هذا، هذه هي إرادة الإله.

    - قلت: السؤال الثاني: المعلوم أن الأعلى يحتوي الأدنى وليس الأدنى يحتوي الأعلى، أي: أن الدار الواسعة هذه احتوتنا ولسنا نحن الذين نحتوي الدار؛ لأنها أعلى وأكبر وأوسع، والكرسي لأنه أعلى وسع السماوات والأرض، والسماوات والأرض لا تسع الكرسي، والعرش لأنه أعلى والكرسي أدنى وسع الكرسي والسماوات... وهكذا، وهذا قانون ثابت: أن الأعلى يحتوي الأدنى، أليس هذا قانوناً ثابتاً وناموساً معروفاً؟

    - قال: بلى.

    - قلت: هل يحدث أن يحتوي الأدنى الأعلى؟

    - قال: لا.

    - قلت: إذاً: كيف احتوى رحم مريم وهي الإنسان -الأدنى- ابن الإله وهو الأعلى، ألا تقول: إن عيسى ابن إله أو إله وهذا خلاف في عقيدة النصارى، منهم من يقول إله ومنهم من يقول ابن إله، وابن الإله يعني إله؛ لأن صفات الفرع مأخوذة من صفات الأصل، فكيف المخلوق يحتوي خالقاً؛ لأن من صفات الألوهية الخالقية؟

    فجلس يفكر ثم قال: هذه هي الإرادة الإلهية.

    هذا هو البروفيسور، لكي تعرفون أن قليل العلم في الإسلام يغلب كثير العلم في الباطل: وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً [الإسراء:81] وكما يقول الله: وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ [البقرة:78] بروفيسور لكنه جاهل نصاب محتال غشاش يخدع البشرية وأهل دينه.

    -قلت له: (السؤال الثالث) هي عيسى عليه السلام لاهوت أم ناسوت (أي: إله أم إنسان)؟

    -قال: نصفه لاهوت ونصفه ناسوت.

    أي: أخذ الناسوتية من أمه واللاهوتية من الله، نصفين: نصف إلهي ونصف بشري، ولا أدري كيف يفكر هؤلاء النصارى.

    -فقلت: أكيد؟

    -قال: أكيد.

    -قلت له: أي الجانبين فيه صُلب؟ ألا تزعمون أنه صُلب والصليب الذي تعلقونه على صدوركم وتقدسونه دليل على ذلك؟

    -قال: بلى.

    -قلت: الجانب الناسوتي أم الجانب اللاهوتي؟

    عرف أن هذا السؤال فيه حيلة فجلس يفكر، أخذها فما من مفر.

    -قال: الجانب الناسوتي.

    قال هذا؛ لأنه ليس من الممكن أن يقول: الجانب اللاهوتي، وليس من المعقول أن يكون إله ويقتل، إذاً: هذا ليس إله، ودينكم هذا كله كذب.

    -فقال: الجانب الناسوتي.

    -قلت: إذاً الجانب اللاهوتي فيه مجرم خائن غشاش عميل.

    -قال: كيف؟

    -قلت: لأنه من صفات اللاهوتية أنه يعلم ما يكون وقد علم بالمؤامرة بأن الجانب الناسوتي سيقتل فخبأ عنه وأخفى عنه ولم يخبره حتى قتل، فهو خائن مجرم عميل، هل يكون لاهوتاً وفيه هذه الصفات؟

    -فأخذ يفكر.

    - قال: هذه هي الإرادة الإلهية.

    -قلت: السؤال الرابع: رجل له سبعة أولاد، ستة منهم مجرمون سفاحون عاصون لا يطيعون أباهم، يعصونه بالليل والنهار، والسابع مطيع سميع مؤدب مهذب إلى أبعد حد، فأراد هذا الوالد أن يسامح أبناءه المجرمين وأن يغفر لهم؛ فأعلن: إذا أردتم عفوي ومغفرتي فاقتلوا أخاكم السابع؛ أكفر خطاياكم، فماذا تسمي هذا الأب؟

    -قال: هذا مجنون، يقتل ابنه المطيع السميع حتى يعفو عن إخوته الأشقياء المجرمين!

    -قلت: هذا هو ربك الذي تعبده، أليس في العقيدة النصرانية أن الله اطلع إلى العباد فرآهم مذنبين فلما أراد تكفير خطاياهم أنزل ابنه وأمر بصلبه؛ لكي يكفر خطايا البشر؟

    -قال: صحيح.

    -قلت: إذاً: الصفة التي جعلتها لهذا الأب أنه مجنون انطبقت على إلهك الذي تعبده، فكيف يكون إلهاً يأمر بذبح ابنه البار من أجل تكفير خطايا الخاطئين؟ هذا إله مجنون وليس له عقل وأنت الذي حكمت بذلك.

    فلم يجد له جواباً فسكت؛ لأنه ألغى عقله وأصبح مقلداً (100%) يتلقى من القساوسة والأساتذة والرهبان ما يملونه عليه وهو يطيع طاعة عمياء دون أن يفكر أن هذا حق أو باطل، وترى جمال الشريعة الإسلامية والقرآن يقول: قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي [يوسف:108] والقرآن يردد دائماً وأبداً: قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [البقرة:111] لا تقل: أغمض عينيك وضع المسدس على رأسك وقل: سمعنا وأطعنا.. لا: لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ [البقرة:256] والآيات في هذا المعنى كثيرة كثيرة، فإذا نجح الإنسان في إيمان القمة أصبح بعد ذلك يسمع ويطيع لله ولا يسأل عن الحكمة؛ لأنه يثق بأن ربه عدل حكيم لا يضع الأمر إلا في مكانه ولحكمة، لا أنها طاعة عمياء.. لا، يسميها الإسلام طاعة على بصيرة وطاعة على عقيدة، وهذا البروفيسور عنده طاعة عمياء.

    -السؤال الخامس -ما تركته حتى تجرد تماماً وتعرى وصار وهو يلبس ملابس القسيسين وفوق هذه البدلة أصبح عارياً- قلت له: ما عقيدة اليهود والنصارى والإسلام في عيسى؟

    -استحى أن يذكر عقيدة اليهود، فقلت له: أنا أقولها، اسمعها: اليهود تعتقد أن عيسى عليه السلام ابن زنا، وأن يوسف النجار عشيق لمريم الصديقة عليها السلام، وليس فقط عيسى بل كل الأنبياء، في التلمود والتوراة المحرفة ما هم إلا معشراً -والعياذ بالله- من أحط خلق الله، هكذا يصورون الأنبياء وهذا هو خلق اليهود مع الأنبياء بل مع الله سبحانه وتعالى، والقرآن يشهد بذلك: وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا [المائدة:64] وقال: اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ [آل عمران:181] إلى آخر هذه الكلمات: أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً [النساء:153].

    وقالوا عن داود: بأنه رأى زوجة قائده العسكري تتسبح وهي عريانة فعشقها، ثم طلبها منه فلم يرض، فأرسل إلى الجبهة وأرسل من يغتاله ثم أخذ زوجته وفعل بها الفاحشة، وكل نبي من أنبياء الله مسطرين له فاحشة وزنا.

    -أليست هذه هي عقيدة اليهود؟

    -قال: بلى.

    -قلت: هذا تفريط إلى الوحل، وعقيدة النصارى إفراط؛ حتى أصبح عيسى إله يعبد، ونحن المسلمون وسط، لا نقول كما يقول اليهود، ولا نقول كما يقول النصارى: إنه إله وابن إله لكن نقول: إنه عبدٌ ورسول، أليس هذا هو الوسط الذي يستقبله العقل البشري؟ كيف اقتنعت أنت أنه الله أو ابن الله؟ كيف اقتنع اليهود أنه بهذه الدرجة من الانحطاط، لكن من السهولة أن أنا أقتنع وأنت أنه عبد وأنه رسول الله، فكلنا عبيد وهو لم يأت بشيء جديد، هو رسول وهناك من أرسله وهو الله كما أرسل سائر الرسل من قبله ومن بعده: رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ [آل عمران:144] ليس بدعة، فهو مثل الذي قبله ومثل الذي بعده لكن لم يكن قبله إله وبعده إله، قال: أنا ابن الله!

    فلم يتقبلها وسكت ولم يعقب ولم يعلق.. فقلت له: الحق واحد لا يتعدد وأنا بديني كمسلم ضامن لهذا الحق (100%) وأنت كنصراني أو يهودي لا ضمان لك إذ يفوتك نصيبان من الحق فأنت في شك منه؛ لأنك لا تؤمن إلا بعيسى ولعل الحق مع موسى فيفوتك ومع محمد فيفوتك، واليهودي لا يؤمن إلا بموسى وقد يكون الحق مع عيسى ومع محمد، أما أنا فنبيي قبل محمد آمنت به موسى وعيسى وآخر نبي هو محمد صلى الله عليه وسلم، فأنا ضامن لهذا الحق ولا يفوتني؛ لأنه لا توجد أديان سماوية -الآن- على وجه الأرض إلا هذه الثلاثة: اليهودية والنصرانية والإسلام وباقي الأديان هذه كلها من وضع البشر، فأنا ضامن لهذا الحق لا يفوتني إذا جئت يوم القيامة وكان مع عيسى فأنا من أتباعه، وإن كان مع موسى فأنا من أتباعه، وإن كان مع محمد فأنا من أتباعه، لكن أنت إذا جئت يوم القيامة والحق مع عيسى ومحمد أو مع موسى ومحمد أين تذهب؟ ليس هناك جواب..

    وظللت أناقشه حيث اضطر في النهاية أن يتنازل عن أصل أصيل، إذ بدأت أحصره في زاوية حرجة عن عيسى، كيف صار ابناً لله داخل مخلوق؟ هل انفصل من الذات الإلهية؟ أم أنه خلق بالأمر الإلهي؟

    فظل محتاراً إلى أن قال: خلقته الكلمة الخالقة، والكلمة الخالقة من الله ومن صفاته، وكل ما ينبثق منها فهو إله.

    -فقلت له: أنت قلت خلقته الكلمة الخالقة وقد ناقضت نفسك؛ لأن كلامك أصبح فيه خالق ومخلوق ولا ثالث بينهما لأنك قلت: خلقته الكلمة الخالقة، فتبين أن الخالقة هي الكلمة وأن المخلوق التي خلقته هو عيسى، ومادام مخلوقاً فهو ليس إله.

    ووقع في (مطب) رهيب، وصار خلف يضحك عليه، كيف يظهر التناقض دون أن يشعر؟ خلقته الكلمة الخالقة وكيف يكون إله والكلمة خلقته؟ إذاً: هو مخلوق، لهذا القرآن تحدى كل الناس وعلى رأسهم العرب في قضية الخالقية: أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ [الطور:35].

    لهذا قضية الخالقية من أعظم الأدلة سطوعاً وقوةً في إثبات وجود الله رب العالمين: أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ * أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ [الواقعة:58-59] لم يأتِ أحد يدعي أنه هو الذي يخلق هذا الماء المهين الذي يتكون منه ذلك الإنسان أبداً وارصد التاريخ لترى.

    جاء من يقول بسخافة وغباء: أنا أحيي وأميت. وهو النمرود ، قال له إبراهيم: دعني أنظر كيف تحيي الموتى؟ فأتى باثنين مسجونين وقال لأول واحد منهما: حكمت عليك بالإعدام قتلاً ثم عفوت عنك. انظر.. أحييته، وقال للثاني: اقتلوه.. أمته. وإبراهيم عليه السلام لما رأى هذه السذاجة وهذا الغباء لف معه لفة عجيبة، قال: إذا أنت إله بحق وليست هذه فقط من خواص الإله، ولم يقل له ما هذا الكلام الباطل الذي تقوله! لم يناقشه في هذه القضية، بل قال له: إذاً أنت إله ومن صفات الإله أنه يأتي بالشمس من المشرق فأتِ بها من المغرب؛ فبهت الذي كفر!

    لاحظ أن إبراهيم لم يناقشه في قضية المعنى الذي طرحه النمرود في قضية الإحياء والإماتة بل فوتها له قال: الآن أنت زعمت أنك أنت إله تحيي وتميت لا بأس، ربي وإلهي يأتي بالشمس من المشرق إلى المغرب وأنت إله أحييت وأمت فأتِ بها من المغرب؛ فبهت الذي كفر.

    وهذا أسلوب عجيب في إقامة الحجة التي تنتهي بأن الإنسان يبهت ويحار فلا يجد جواباً: أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ [الواقعة:59].

    فقال هذا المسكين في المطب الأخير: خلقته الكلمة الخالقة. إذاً ابن الله مخلوق وهو يعترف بلسانه أنه مخلوق للكلمة الخالقة!

    وفي النهاية بعد حديث طويل قال: أما أنا فإني أطلب منك أن تأتي فأعقد لك مجمعاً كنائسياً في الكنيسة، وسآتي لك بالعلماء والقساوسة ليناقشوك في هذه الأمور ويبحثون معك فهم متخصصون.

    قلت: أنت بروفيسور في الأديان وأنت أكثر منهم علماً، ولكنني قلت له: ما جئت لكم، إنما جئت إلى مؤتمر إسلامي وهذه أمانة أنت تحملها إذا وصلت إلى هذا المجمع الكنائسي، اطرح هذه الأسئلة وهذه الأجوبة ثم حكم عقلك إن كان لك عقل، وانتهى هذا اللقاء.

    1.   

    إسلام أحد الطباخين الأمريكان

    حدث حدث عجيب وغريب في مؤتمر رابطة الشباب المسلم العربي، هذا الحدث العجيب منذ سنة أو سنتين وهو: أن أحد الطباخين الأمريكان السود في نهاية المؤتمر بعد أن خطبت الجمعة في الناس وقف وأعلن إسلامه، فسألوه: لمه يا هذا؟

    قال: لقد كنت أراقبكم طوال أيام المؤتمر فرأيت منكم الأعاجيب! نحن في هذه الأيام في كرسمس الاحتفال بميلاد عيسى نكون أقذر الناس وأوسخ الناس، نتجرد من قيمنا وأخلاقنا، نشرب الخمور والمخدرات ونقع في الزنا والفاحشة ونتحلل من أدنى القيم، حتى إننا نرمي العلب والزجاجات والسجائر والقاذورات في الطرقات، وأنتم لكم أسلوبكم الخاص بالاحتفال بعيسى -يظن أننا مجتمعين ومحتفلين بعيسى- بحيث أنكم لا ترمون القاذورات على الأرض وتصافحون أنفسكم وتبتسمون وتقولون كلمات أنا لا أفهم معناها، لكن أجد أثرها في وجوهكم منها: السلام عليكم، وجزاك الله خيراً، سبحان الله -يحفظها يرددها كما سمعها ولا يفهم معناها- فقلت: إن الذي فعل بكم هذا لا شك أنه أمر عظيم، فسألت: قالوا: هذا هو الإسلام، وهذا هو الدين، ولقد أحببت هذا الدين الذي أنتم فيه. وأشد أمر أعجبني فيكم أنكم أنتم هنا في هذا المؤتمر آلاف قد تصلون إلى خمسة آلاف وليس معكم صديقة واحدة، كيف تصبرون على النساء في هذا اليوم وفي هذه العطلة؟! خمسة آلاف وليس معكم صديقة واحدة ونحن لا نصبر عن الصديقات في هذه الأيام، كل واحد منا له اثنتين وثلاث وأربع، هذا أمر عجيب!!

    والله يا إخوان ما دعاه أحد إلى الإسلام ولا كان الشباب يفكرون بأن الطباخ هذا سيصبح مسلماً، ولو كانوا يفكرون لتقدم إليه أحدهم وشرح له الإسلام ودعاه إليه، ولكن الدعوة بالقدوة وهي أعظم أسلوب من أساليب الدعوة، وكثير من البلاد أصبحت شعوبها مسلمة بأسلوب القدوة، مثل إندونيسيا ماليزيا وكثير من الدول لم يدخلها المجاهدون بالسيوف ولكن دخلها مجموعة من التجار يحسنون المعاملة والأخلاق وكانوا قرآناً متحركاً بين الناس وترجمة للسيرة النبوية في السلوك، فدخل الناس في دين الله أفواجاً.

    ولو أن المسلمين والعرب وبالأخص أهل الجزيرة العربية ؛ لأن الغربيون والأمريكيون لهم نظرة خاصة للجزيرة العربية لأنها مهبط الوحي ومنبع الرسالة، لو أنهم التزموا بدينهم دون أن يدعو أحد إلى الإسلام مجرد الالتزام من خلال المشاهدة والقدوة سيدخل الناس في دين الله أفواجاً.

    لو أن سفراء الدول العربية والإسلامية التزموا بالشريعة حجَّبوا نساءهم ولم يشاركوا في احتفالات الخمور إلى آخره لدخل الناس في دين الله أفواجاً؛ لأن السفير يغطى إعلامياً، ويظهر في التليفزيون والصحف، فعندما يشاهد له برنامجاً خاصاً وهو لا يشرب الخمر ولا يأكل الخنـزير ولا يعري نساءه ولا يرقص ولا ولا..؛ لأنه مسلم سيعلم الناس بأن هذا هو الدين العظيم: (اتق الله حيثما كنت).

    1.   

    نظرة الغرب للعرب والمسلمين

    لقد حز في نفسي كثيراً ما يشوهه العرب والمسلمون من خلال الممارسات الدنيئة الفردية التي غالباً ما يربط الغربيون بينها وبين هذا الدين فيقولون: لو كان في دينهم خير لكان هم أول من ينتفع بهذا الخير، وأن هذا الفسق والفجور نتاج هذا الدين، هذا هو الربط الآثم الذي ضلل الناس، ولا أنسى تلك اللحظة التي ذهبت مع شباب الدعوة ودخلنا أحد المطاعم وإذا بصاحب المطعم وهو أمريكي لما رأى أشكالنا سمراء وعلم أننا من العرب وبالأخص من الجزيرة العربية وهذه المنطقة منطقة الخليج قال وهو يقدم ألبوماً من الصور: إن هذه ليلة الاحتفال بميلاد عيسى الكرسمس (هابي كريس ميس) وأنا أعرض عليكم كرفاناً جديداً ونساءً حسناوات ومشروباً فاخراً والليلة بألف دولار..

    فقلت لهم: فهموه بأنه ليس كل المسلمين والعرب لا تفهم، هؤلاء الذين يفعلون ذلك غير مسلمين، وهم قد تحللوا من دينهم كما تحلل كل الأمريكيين والأوربيين من دينهم، هل أنتم الآن متمسكون بـالنصرانية ؟

    قال: لا.

    قلت: إذاً هذه النصرانية الآن التي تركتموها أنتم تريدون أن تنقلونها إلى أفريقيا عن طريق التبشير لو كان فيها خير لكنتم أنتم أولى بها، لكن عندما علمتم أنها فاشلة معكم، ذهبتم تبحثون لها عن بيئة أخرى لعلها تنجح فيها فأنفقتم الملايين؛ لكي تصدروها إلى الجائعين والعرايا والمرضى وتستغلون حاجتهم؛ لكي يعلقوا الصليب، ولا تظن أن كل أسمر موجود يريد ما تعرضه أنت، نحن مسلمون والذي يشرب الخمر ويركب هذا الكرفان مع النساء ليس مسلماً، افهم هذا.

    ولأول مرة أرى أمريكياً يخجل ويصبح وجهه أحمراً!

    قال: ما كنت أعلم أن أحداً من العرب أو من الخليج أو الجزيرة عنده هذا الأمر، كنت أظن أنهم كلهم سواء، لا يأتون إلى هنا إلا لهذا، وإنما فعلت ذلك -وأنا آسف- من باب إكرامكم وأوفر عليكم الوقت والجهد. ولأول مرة يفهم هذا الخنـزير بأن هناك شيء اسمه إسلام واسمه مسلمون وأن هذا حرام؛ لكثرة ما بذل المسلمون من ماء وجوههم ودينهم على موائد القمار والدخان الأزرق وأفخاذ الغواني.

    وفي هذا المؤتمر الأخير الذي حضرته ألقيت محاضرة في النساء لمدة ساعتين ونصف وكانت هناك امرأة أمريكية يترجم لها، وبعد ذلك أسلمت بفضل الله رب العالمين وانشرح صدرها للإسلام، أمريكية بيضاء لها عقل هداها عقلها بفضل الله فكان نور على نور.

    ولا أنسى ذلك السلام الغريب العجيب الذي دخل به علينا أمريكي اسمه عمر -على ما أظن- فقال: السلام عليكم معشر الظالمين.

    فقلت وقال الإخوة: نستغفر الله، نستغفر الله، أهذا هو سلام الإسلام؟

    قال: لا. ولكن تقصيركم في تبليغ دعوة الله التي هي للعالمين جعلت أمي وأبي يموتان على الكفر ويدخلان النار، جلستم مع نسائكم في بلادكم تأكلون ملأ بطونكم، وتنامون ملأ عيونكم، وتضحكون ملأ أفواهكم ونحن تحرقنا النيران في بلادنا هذه ولا يصلنا من أمر ديننا الذي كلفتم بتوصيله إلينا يوم أن قال: إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ [يوسف:104] للعالمين أي العرب؟

    قلنا: لا.

    قال: فلماذا لم توصلوه إلينا، أليست هي أمانة؟ لو نحن حملناه لأوصلناه إليكم، إذاً: أنتم معشر الظالمين.

    كانت كلمة لم نجد لها جواباً لما نرى في قلبه من الحرارة والحزن والألم.

    1.   

    مناقشة العجوز سائقة (التاكسي)

    ولا أنسى تلك اللحظة العجيبة ونحن برفقة فضيلة الشيخ/ عمر الأشقر في إحدى المطارات ونحن ننتقل (بالتاكسي) إلى مقر المؤتمر، ولعل الأخ خلف كان معنا، حيث أن سائقة التاكسي وهي امرأة عجوز عمرها يناهز ستين عاماً، وتعجبنا كيف أن هذه العجوز تعمل هذا العمل الشاق حيث والله لم تأذن لنا بأن نضع حقائبنا بأيدينا وإنما هي هذه العجوز حملت الحقائب ووضعتها في صندوق السيارة وأنا دقيق الملاحظة لهذه الأمور، فلما ركبنا السيارة سألناها: أليس عندك أولاد، أليس عندك بنات يخدمونك؟! فكان الجواب صاعقاً، إذ كنا نتوقع أنها تقول: أنا عندي أولاد وأنا عندي بنات لكنهم عاقين وتركوني وأنا أعيش لنفسي، وهذا هو الجواب الروتيني الذي نسمعه دائماً، هناك في أمريكا الأم لا قيمة لها ولا توقير.

    لكن الجواب كان أخطر من ذلك.

    قالت: على كبر سني اعلموا أنني لا أعمل في سواقة هذا (التاكسي) حباً في العمل، ولكنني أتصيد المسافرين الغرباء من غير ديني حتى آخذ منهم المعلومات وأعرف تراث الدول وأبحث عن الحق، هذا أفضل لي من كتاب أقرأه أو تليفزيون أشاهده، وسألتنا فقالت: ما دينكم؟

    قلنا: ديننا الإسلام.

    وبدأت تسوق سواقة عجيبة في المنعطفات وفي صعود الجسور ومع هذا عقلها على كبر سنها مشدود وفضيلة الشيخ عمر الأشقر يجيبها على كل سؤال تطرحه إلى أن وصلنا إلى الفندق وقالت: أنا سأجمع بناتي وسأجمع أولادي وأبلغهم هذا الكلام العظيم عن يسوع عليه السلام وعن هذا الدين الذي تؤمنون به وسأخبرهم، أليس عندكم شيء؟

    قال الأخ خلف : نحن عندنا كتاب يتكلم عن المسيح في الإسلام باللغة الإنجليزية خذيه.

    فأخذت هذا الكتاب وأبدت شكرها وأعطتنا عنوانها وتليفونها وقالت: أنا على استعداد في نهاية المؤتمر أن آتيكم وأوصلكم بلا مقابل إلى المطار.

    هذا الحدث مع من؟ ليس مع رئيس دولة ولا مع الكونغرس ولا مع بروفيسور ولا مع عبقري ولا مستشرق..لا، هذا حدث مع سائقة (تاكسي) عجوز! لكي أبين لكم أن قليلاً من هذا الدين كثير في النفوس والفطر التي هيئها الله سبحانه وتعالى لتقبل الحق، وما علينا إلا أن نسعى ونبذر هذه البذر ويباركها الله رب العالمين.

    1.   

    قصة يوسف إسلام مع أحد الشباب

    لا تظنون أن الأخ الفاضل المغني الإنجليزي " استيفن " الذي صار اسمه الإسلامي " يوسف إسلام " لا تظنون أن الذي دعاه أو هداه بروفيسور أو من كبار العباقرة.. لا. إنما جاءه شاب بسيط متواضع وكلمه كلمتين لكن بهاتين الكلمتين قذف الله فيه الرضا والقبول، فتحول من مغنٍ مدخوله اليومي في اليوم مليون ريال، كان ملك الغناء بلا استثناء، بل إن صوره فقط في الإعلانات والصحف والمجلات تدخل عليه الملايين غير الغناء وغير الإسطوانات، فتجرد من ذلك كله وأطلق لحيته ولبس لباس الإسلام وأخذ يدعو إلى لله. وأذكر أنه دخل إحدى الشقق لأحد الشباب العرب فوجد صوره كلها تملأ الجدران وديكور بيته من صور هذا المغني. قال له: أتحب هذا؟

    قال: نعم، هذا قدوتي ليس في الدنيا مغنٍ مثله، اسمع اسمع.

    قال: لا. قبل أن أسمع، هذا هو أنا!

    قال: مستحيل.

    قال: مستحيل؟ تفضل وأخرج الهوية بلا لحية، انظر هذا أنا.

    قال: ما الذي جعلك هكذا؟

    قال: أنا دخلت في الدين الذي خرجت أنت منه. ولم يتمالك ذلك الشاب إلا أن يخر باكياً ويحس بحقارة نفسه. هذا العربي الذي نزل القرآن بلسانه أصبح أمام هذا الأعجمي الذي لا يعرف حرفاً من اللغة كالبعوضة أو كالذبابة؛ فتاب إلى الله رب العالمين.

    وصدق الحبيب صلى الله عليه وسلم عندما يقول: (لئن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم).

    أيها الأحبة الكرام.. هذه خواطر سريعة لأثر الإسلام في لقاء عابر، في سؤال عابر، في نظرة عابرة، في كلمة عابرة، ولكن إذا حلت بها البركة وحل بها الخير وجدت آثارها، وصدق الرسول صلى الله عليه وسلم إذ يقول: (ومن الناس من جعله الله مفتاحاً للخير مغلاقاً للشر، يجري الخير على يديه إلى يوم القيامة).

    اللهم إنا نسألك فعل الخيرات وترك المنكرات وحب المساكين، وأن تغفر لنا وترحمنا، وإذا أردت بعبادك فتنة فاقبضنا إليك منها غير مفتونين.

    اللهم لا تدع ضالاً إلا هديته، ولا تائباً إلا قبلته، ولا عسيراً إلا يسرته، ولا سوءاً إلا صرفته ولا عيباً إلا سترته وأصلحته، ولا مسافراً إلا حفظته، ولا غائباً إلا رددته، ولا مجاهداً في سبيلك إلا نصرته، ولا عدواً إلا قصمته.

    اللهم وافتح بهذه الدروس آذاناً صماً، وعيوناً عمياً، وألسنةً بكمىً وقلوباً غلفاً، وانشرها في العالمين، رحم الله عبداً بلغها وأوصلها وبلغها كما سمعها، إن الله سبحانه وتعالى قدير وبالإجابة جدير، ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.

    أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم؛ فاستغفروه.