إسلام ويب

انقلاب القلوبللشيخ : أحمد القطان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • كان النبي صلى الله عليه وسلم أكثر ما يدعو: ( يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك ) مع أنه من شهد الله له بالإيمان والهداية، وضمن له الجنة، وكان صلى الله عليه وسلم يصف تقلب القلب بأنه أشد من تقلب القدر إذا فارت غلياناً، وأكبر دليل على تقلب القلوب قصة عابد بني إسرائيل التي ذكرها الشيخ في محاضرته.

    1.   

    الرسول صلى الله عليه وسلم يسأل ربه الثبات

    إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلاله في النار.

    عباد الله: أوصيكم ونفسي بتقوى الله، حيث أمرنا في كتابه الكريم فقال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102] وأعطانا الضمان النفسي والمعيشي في التقوى، فقال سبحانه: وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ [الطلاق:2-3] وأعطانا الضمان لأولادنا من بعدنا في التقوى والدعوة إلى الله بالقول السديد: وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافاً خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً [النساء:9].

    اللهم إني أبرأ من الثقة إلا بك، ومن الأمل إلا فيك، ومن التسليم إلا لك، ومن التفويض إلا إليك، ومن التوكل إلا عليك، ومن الرضا إلا عنك، ومن الطلب إلا منك، ومن الذل إلا في طاعتك، ومن الصبر إلا على بابك، ومن الرجاء إلا لما في يديك الكريمتين، ومن الرهبة إلا لجلالك العظيم، اللهم تتابع برك، واتصل خيرك، وكمل عطاؤك، وعمَّت فواضلك، وتمَّت نوافلك، وبر قسمك، وصدق وعدك، وحق على أعدائك وعيدك، ولم تبق حاجة لنا إلا قضيتها برحمتك يا أرحم الراحمين!

    اللهم يا من بيدك أزمّة القلوب ونواصيها، نسألك أن تثبت قلوبنا على دينك، يا مصرف القلوب والأبصار صرف قلوبنا على طاعتك!

    أحبتي في الله: أخطر ما يواجهه الإنسان في حياته قضية انقلاب القلوب، والتي كان يستعيذ منها الرسول صلى الله عليه وسلم، وقد ضمن الله له الهداية، والإسلام، والإيمان، والجنة، ومع هذا كان أكثر ما كان يدعو: (يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك) وكانت عائشة تسمعه يدعو بهذا الدعاء في كل حين، فتقول: (يا رسول الله! ما أكثر ما تدعو بهذا الدعاء، قال: يا بنة الصديق ! إن قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء).

    وكان من قسمه إذا أراد أن يقسم بربه، أكثر ما كان يقول: (لا ومقلب القلوب) كان يقسم النبي صلى الله عليه وسلم بهذا القسم الذي يذكر به أمته، أن هذا القلب الذي أعطاه الله فيه الإيمان قادرٌ على أن يسلبه في أي لحظة من لحظات سيئات الأعمال وشرور الأنفس، فالذي يملك أن يعطي قادر على أن يسلب، لهذا كان الله يقول في القرآن: وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ [آل عمران:30].

    1.   

    وصف الرسول صلى الله عليه وسلم لتقلب القلوب

    أحبتي في الله: لنستمع إلى الحبيب صلى الله عليه وسلم وهو يصف هذا القلب بتقلبه، فيقول: (إن القلب يتقلب أشد من تقلب القدر إذا فارت غلياناً) وهو تصوير عجيب، القلب المتقلب كالقدر الموضوع على النار تفور من تحته النار فتحرقه، الماء الذي كان بارداً رقراقاً -يشرب هنيئاً مريئاً- تحول إلى حار حارق، يدور من أسفله إلى أعلاه، بفوران سريع، فلا الذرات تتقارب، ولا الفقاعات تتماسك، ولا يستطيع أحد أن يمسه لشدة فورانه وحرارته، تصوير عجيب! لذلك القلب المنقلب كالقدر الأسود على النار الملتهبة، والماء الفائر الذي لا تستقر فيه ذرة في مكانها.

    ثم يبين أنه أشد من تقلب الريشة في مهب الريح، وهو تصوير عجيب! فالريشة لا تملك من أمرها شيئاً بعد انقلابها في الريح، يسوقها التيار حيث اتجه وحيث شاء، وهكذا أصحاب القلوب المنقلبة، تعصف بها الأهواء، وتسحبها التيارات، وتركبها البدع، فلا إرادة لها، بل هي دائماً تسير هكذا حيث يسير التيار، توافق كل زاعق وناعق، والرسول صلى الله عليه وسلم يوصي أمته بالمبادرة قبل انقلاب القلوب، فماذا يقول؟

    يقول: (بادروا بالأعمال فتناً كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمناً ويمسي كافراً، ويمسي مؤمناً ويصبح كافراً، يبيع دينه بعرض من الدنيا).

    أرأيتم المدة الزمنية في انقلاب القلوب؟ هو في صباحه مؤمن وإذا به في مسائه كافر، باع الدين كله بعرض من الدنيا قليل.

    أحبتي في الله: وهذا ربنا ينادي فئة المؤمنين الذين عمر قلوبهم الإيمان قبل الكافرين، فماذا يقول لهم في هذا النداء الإلهي الخالد؟

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ [الأنفال:24] أرأيتم الرهبة؟ إما الاستجابة لله وللرسول لما يحيينا، أو يكون بينك وبين قلبك حائلاً، تريد بعد ذلك أن تعود إلى القرآن فلا تستطيع، تريد أن تعود إلى الإيمان فلا تستطيع، تحس أن هناك حاجزاً وحجاباً بين القلب وبين الإيمان.

    1.   

    قصة عابد بني إسرائيل

    أحبتي في الله: وهذه قصة عابد بني إسرائيل التي تذكرها كتب السير، لقد كان من أعبد الناس، جلس في صومعته لا يخالط العالم، اعتزل شرورهم، وجاءه أخوان معهم أخت لهم قد أصيبت بمس من الجن، فقالوا له: اقرأ عليها، لعل الله أن يشفيها على يديك، وكانت جميلة حسناء، فقام فقرأ عليها فشفيت، فكان إذا تركها عاد إليها الشيطان، وإذا رقاها خرج منها، فتركها أخواها عنده ليعالجها، فجلس هو في صومعته، وجلست البنت في غرفة بعيدة عنه.

    وفي يوم من الأيام قال له الشيطان: ما يضرك؟! انزل واجلس على مدخل الصومعة والمغارة وهي عند الباب تحدثها وتحدثك، تذكرها بالله، وبالآيات، وبالنصائح.

    وفي اليوم الثاني، قال: قدم لها الطعام بيدك، وفي اليوم الثالث، قال: اجلس بجوارها عند الباب، وفي اليوم الرابع، قال: ادخل معها في الداخل، ولما اختلى بها، وقع بها فحملت منه، فتورط وخشي الفضيحة إذا ولدت؛ فجاءه الشيطان، قال: لم أنت خائف؟ اقتلها هي وجنينها، وادفنها، ولا يعلم بك أحد، وإذا جاء أخواها، فقل: جاء الشيطان فتلبسها فهلكت، فأطاع ذلك العابد الشيطان، وخنقها، وقتلها وجنينها، ودفنها بعيداً عن المغارة.

    فجاء أخواها، قالوا: أين أختنا؟ قال: تلبسها الشيطان وذهب بها، فجاء الشيطان للأخوين في المنام، وقال: أختكم فحَش بها العابد، وحملت وخنقها وهي في المكان الفلاني، فذهبا فحفرا المكان، وجاءا إلى العابد، وعرضوه إلى الصلب، فجاء الشيطان وقال له: ماذا تقول؟

    لا يملك تخليصك من هذا الشنق وهذا القتل غيري، تطيعني؟ قال: أطيعك، قال: اركع واسجد لي، فركع وسجد له، فلما سجد له، وأشرك بالله تولى عنه الشيطان وهو يضحك، وتركه يشنق كافراً ملحداً زانياً، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم!

    أرأيتم خطورة الأمر؟ بدايتها خطوة واحدة من خطوات الشيطان، ثم إذا هو في الدرك الأسفل مع الشيطان، والله سبحانه وتعالى يذكر في القرآن عن هذا الصنف من الناس: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ [الأعراف:175-176].

    أُمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يقص القصص من هذا النوع على أمته لعلهم يتفكرون، ولا أنسى تلك القصة التي حكاها لي (النوخذة) البحري عيسى العثمان متعنا الله ببقائه عن أحد البحارة معه في سفينته، كان يؤذن لهم، ويؤمهم في الصلاة، وإذا وصلوا إلى بلاد الهند والسند لا ينـزل إلى الناس ولا يخالطهم، وإنما يتعبد الله على ظهر السفينة، حتى يعود البحارة بعد ذلك من ترفيههم إلى السفينة، فيعودون مرة ثانية إلى الكويت .

    وفي يوم من الأيام بينما هو في محرابه على ظهر السفينة، جاءه شيطان من الإنس قال له: لماذا أنت جالس على ظهر السفينة؟ تعال وانزل، لا تذهب إلى أماكن اللهو، ولكن خالط الناس، هناك أسواق، وهناك حدائق، وهناك حيوانات في الحدائق، تعال وانظر ومتع نفسك، تحتك الماء وفوقك السماء، ألست بشراً؟

    فنزل معه وأطاعه، وترك العزلة، ولم يكن يوماً خالط الأشرار، فذهب به إلى السوق، ورأى المعاصي بعينيه فاستهان بها، ثم ذهب به إلى بيوت البغاء، وقال له: لا تدخل، قف في الخارج، فلما دخل هذا الرجل، وسمع ضحكهم نظر من ثقب الباب؛ فرأى أمراً عجباً، فدفع الباب ودخل، ثم دخل دخولاً لم يخرج بعده.

    وعاد البحارة إلى السفينة، والناس يسألون أين المؤذن؟ أين الذي يؤمنا؟ أين الذي ينادينا في الفجر؟ قالوا: إنه هناك في بيت البغاء، فذهبوا إليه، وصاح بهم: مالكم ومالي، دعوني هذه دنياي، وهذه حياتي، لقد مضى عمري في تعاسة وانتكاسة، والآن عرفت طعم الحياة، فحملوه على أكتافهم وهو يصرخ: اتركوني .. اتركوني .. حتى قذفوه على ظهر السفينة وانطلقت به عبر أمواج البحار، ولكنه أضرب عن الطعام والشراب، حتى نحل جسمه، واصفر وجهه، ومرت عليه أسابيع حتى هزل، وفي ليلة من الليالي جاءه ربان السفينة، قال: ويحك! لا صلاة ولا أذان، ولا طعام ولا شراب، أي بشر أنت؟ قال: إنك لا تدري ماذا حدث لي؟ إن قلبي هناك مع البغايا ليس عندكم، وانظر ماذا حدث لي، فكشف عن عورته فرأى أعضاءه التناسلية يتناثر منها الدود، عند ذلك تركه وانصرف وقد أصابه الغثيان مما رأى، وفي جوف الليل ووقت السحر، وقت استغفار العاصين والعباد، سمعوا صرخة عظيمة، فتقافز البحارة من نومهم، وإذا هو يعض على خشب السفينة وقد فاضت روحه ومات أسوأ ميتة، فلفوه ورموه في البحر لكي تأكل بقيته أسماك البحار، يا لها من نهاية تعيسة! لمن انقلب قلبه ذلك الانقلاب الرهيب، نسأل الله سبحانه وتعالى العافية.

    من أجل ذلك كان الله في القرآن يوصينا جميعاً بأن ندعو بهذا الدعاء العظيم الرباني: رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ [آل عمران:8] وضرب الله لنا مثلاً بقوم موسى الذين أنعم الله عليهم وفضلهم على العالمين، ضرب المثل في انقلاب القلوب، وليس انقلاب قلب واحد، إنما هو انقلاب قلوب أمة كاملة بالإجماع، انقلاب رهيب، يقول الله عنه في كتابه الكريم: فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ [الصف:5] فتبين السبب في هذا الانقلاب: الإدمان على الفسق، والخمر، والزنا، والربا، والفواحش، والتآمر، والخيانة، والإصرار على الذنب والكبيرة، هذا هو الفسق، الله سبحانه وتعالى عاقبهم، فكان عقاب المعصية معصية بعدها: فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ [الصف:5].

    ونحن نأخذ العبرة من حادثة البقرة في سورة البقرة، بنو إسرائيل قتلة لا يعرفون السلام، يقتلون الأنبياء والأبرياء، وفي يوم من الأيام قتلوا نفساً بريئة، ثم علموا القاتل، فادارءوا فيها، وخبأ كل فرد منهم الجريمة في قلبه، كما يفعلون الآن مع يهود العرب في مؤتمراتهم، يخططون لإبادة الشعب الفلسطيني، ويضمرون ذلك في قلوبهم، ويرفعون مشاريع وقرارات خلاف الواقع الذي في قلوبهم، من أجل ذلك لم يأت يوم تتقدم فيه القضية الفلسطينية، أو يكون فيها حلاً، أو يكون فيها سلاماً؛ لأن الله يعلم ما انطوت عليه القلوب من خبث.

    أحبتي في الله: لما ادارءوا في قتل هذا البريء، ماذا فعل الله بهم؟ أمرهم أن يذبحوا بقرة، فأخذوا يستهزئون بموسى عليه السلام، حتى شدد الله عليهم فذبحوها، ثم قال: وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ * فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ [البقرة:72-73] ولكنهم لم يعقلوا، أخذوا قطعة من لحم البقرة، وجاءوا إلى جثة القتيل وضربوها باللحم الميت المذبوح، ضربوا ميتاً بميت، فأحيا الله القتيل وجلس، قالوا له: من قتلك؟ قال: قتلني فلان بن فلان -ونبيهم موسى يسمع- ثم عاد ومات مرة ثانية، فلم يؤمنوا، وضلوا يعقدون قلوبهم على القتل والجريمة، فبماذا عاقبهم الله؟

    ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً [البقرة:74] أرأيتم العقاب؟

    قسوة أشد من قسوة الحجارة.

    وهكذا -أحبتي في الله- تراهم دائماً وأبداً، تصل بهم المسألة أن يشربوا في قلوبهم العجل، عجل ضخم دخل في أنياط وشعيرات القلوب، عقوبة من الله رب العالمين.

    1.   

    الحذر من خبيئة السوء في القلب

    أحبتي في الله: ليحذر الإنسان من خبيئة السوء في القلب، يتجمل الإنسان في العلانية بالدين أمام الناس، وإذا خلا بالله رب العالمين جعل الله أهون الناظرين إليه، قال صلى الله عليه وسلم: (لأعلمن أقواماً يأتون يوم القيامة بحسنات كأمثال جبال تهامة بيضاء، يجعلها الله هباءً منثوراً، ألا إنما هم إخوانكم، ومن جلدتكم، ويأخذون من الليل كما تأخذون، غير أنهم إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها).

    هذا هو الداء الخفي، خبيئة سيئة انطوت عليها القلوب ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم! علاجها أن تقطع دابرها، وأن تستأصل سببها وموردها ومصدرها، نعم. إذا كان القلب مبتلى بحب الربا فلا علاج له إلا بقطعه، وإذا كان القلب يهوى الغناء فلا علاج له إلا بقطعه، أحرق أشرطة الغناء وأشرطة الفيديو التي فيها الرقص والغناء، لكن يأتيك الشيطان ويقول لك: لا تحرقها، استفد منها، سجل عليها أشياء مفيدة، ثم بعد ذلك إذا تركت ولم تكسر كما حطم موسى العجل الذهبي، وكان بإمكان موسى أن يأخذ هذا الذهب فيبيعه في سوق الذهب، ويأخذ المال يشتري به السلاح للجهاد، ولكنه حرقه ونسفه في اليم نسفاً، لكي يستأصله من جذور القلوب.

    فالذي يحب الغناء عليه أن ينقطع عنه، والذي يعشق الأفلام الخليعة في الفيديو عليه أن يُكسِّر هذه الأفلام ويحرقها، الذي يهوى العزف على العود لا علاج له إلا أن يكسر هذه الآلة ويقطع دابرها، والذي يحب الجلوس مع النساء وهي أشد فتنة تواجه أمة محمد، ولا يوجد ألذ ولا أحلى ولا أجمل من الجلوس في حضرة النساء، من هذه كلمة، ومن هذه ابتسامة، وقد يأتيك الشيطان، يقول: مرهن بالمعروف وانههن عن المنكر لعل الله أن يهديهن، ثم يكون والعياذ بالله في يوم من الأيام لا دين له: (أخوف ما أخاف على أمتي فتنة النساء، ما تركت فتنة أضر على الرجال من النساء) هكذا يخبر الرسول صلى الله عليه وسلم.

    أحبتي في الله: ولنا في سليمان عليه السلام عبرة، لقد كان يحب الخيل حباً عظيماً، فعرضت عليه الخيل بطوابيرها وألوانها، تضرب بسنابكها الأرض، تسير بخيلاء، والذي يعشق الخيل يعرف حقيقة ما أقول، وفاتته صلاة العصر، فماذا فعل؟ كسر دابر هذه الهواية التي ألهته عن طاعة الله، فأمر بإعادة الخيل إليه مرة ثانية بعد أن صلى، ثم أمر بقطع رقابها كلها، وتركها سبيلاً لمن يريد أن يأكلها؛ لأن لحم الخيول يؤكل.

    أحبتي في الله: أرأيتم كيف قطع دابر هذه الجرثومة الخبيثة التي كادت أن تودي بدينه؟ والرسول صلى الله عليه وسلم يبين لنا هذه الحقيقة، فيدع الله: (يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك) وصدق الله إذ يقول في كتابه الكريم: وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ [التوبة:115] ورحم الله الخليفة المهدي، كان يهوى تربية الحمام الذي فتن به كثيرٌ من الناس، لهم ديوانية تباع فيها بالآلاف، وتركوا زوجاتهم وأولادهم والمساجد وصلاة الجماعة من أجل هذا الحمام.

    كان المهدي جالساً؛ فدخل عليه أحد المحدثين -رواة الحديث- ثم وجد بيد الخليفة حمامة أصيلة يقلبها، فقال له الخليفة: حدثنا، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا سبق إلا في نصل أو خف أو حافر أو جناح) يريد أن يداهن الخليفة حتى يقبض منه الثمن، ولكن الخليفة يحفظ الحديث، قال: كذب على رسول الله من أجل حمامة، اذبحوا حمامي كله ولا تبقوا منه واحدة كرامة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وهكذا تعالج الأمور.

    أحبتي في الله: نسأل الله سبحانه وتعالى أن يثبت قلوبنا على الإيمان، وأن يحفظنا على الإسلام، هو ولي ذلك والقادر عليه، أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه.

    1.   

    إذا استغنى العبد عن ربه استغنى الله عنه

    الحمد لله رب العالمين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    اعلموا -عباد الله- أن الله غني حميد، إذا استغنى العبد عن ربه، فالله يستغني عن العبد، وهذه حقيقة يذكرها الله في كتابه الكريم فَكَفَروا وَتَوَلَّوْا وَاسْتَغْنَى اللَّهُ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ [التغابن:6] واعلموا -أيها الأحبة- أنه ما من مسلم على وجه الأرض إلا وإيمانه وإسلامه فضل من الله رب العالمين، وإنها نعمة إذا لم نعرف قيمتها أزالها؛ لأن كفران النعم يزيلها.

    إذا كنت في نعمة فارعها     فإن المعاصي تزيل النعم

    ودوام عليها بشكر الإله     فإن الإله سريع النقم

    أيها الأحبة: لا ننظر إلى صغر الذنب، ولكن ننظر إلى عظمة من نعصيه.

    أيها الأحبة: استمعوا ماذا يقول الله عن هذه الحقيقة: وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً [النور:21] ويقول في هذا الانقلاب الخطير للقلوب: وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ [الأنعام:110].

    ثم يبين الله سبحانه وتعالى أن هذا الإنسان بعد انقلاب قلبه يريد أن يعود مرة ثانية، ولعل إخوانه المؤمنين ينادونه لكي يعود، ولكنه لا يستطيع: قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُنَا وَلا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا [الأنعام:71] ولكنه لا يستطيع؛ لأن الله سبحانه وتعالى يقول في كتابه الكريم: مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً [البقرة:17] انظر إلى هذا النور المنبثق من الإيمان، يشبهه الله سبحانه وتعالى بمن كان في الصحراء في الظلام تائهاً، ثم أشعل النار فأنارت حوله كل شيء: مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لا يُبْصِرُونَ * صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ [البقرة:17-18] يريدون أن يرجعوا ولكن لا يرجعون، صم بكم أغلقت منافذ الاستقبال عندهم فلا تستقبل الحق بعد ذلك أبداً، فهم لا يرجعون.

    أحبتي في الله: استمعوا ما يقوله الله عن هذه الحقيقة: فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ [الأعراف:101] ويقول سبحانه: قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآياتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ [الأنعام:46] الحذر من هذه المعصية.

    قوم صالح كم منهم عقر الناقة؟ الذي عقر الناقة فرد واحد فقط، شقيهم، ولكن الله أخذ الجميع؛ لأنهم تواطئوا على المعصية ولم يتناهوا، عاقر الناقة فرد، والذين دمروا شعب وأمة كاملة.

    1.   

    صفات أصحاب القلوب المريضة

    أحبتي في الله: وهذا القرآن يحذرنا هذا التحذير العام: وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ [الأنفال:25] والقرآن ينعي إلينا فئة من الناس في عهد النبي صلى الله عليه وسلم كانت فقيرة مسلمة مؤمنة غنية بربها، غنية بإيمانها، ولكن في يوم من الأيام ضاقت ذرعاً بالفقر ولم تعجبها حياة الفقراء، فأخذت تعاهد الله وتناجيه في صلاة الليل، إن أعطيتنا .. إن أغنيتنا؛ لنصدقن ولننفقن، ولنجاهدن ولنعملن، ويقسمون على ذلك، فلما أغناهم الله تولوا عنه، وعن دينه، ولم يوفوا بعهودهم، كما يفعل كثيرٌ من الزعماء في زماننا هذا، عندما يريد ويخطط للانقلاب على خصمه، تراه يبث الوعود والعهود، فإذا وصل سمعت إلى الخطابات الرنانة التي سيصلح بها ويجري الأنهار، ويسبغ على العباد والبلاد من الخيرات والأرزاق، فإذا تمكن وتولى سعى في الأرض ليفسد فيها.

    نعم. هذه صفات أصحاب القلوب المريضة، قال تعالى: وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ *فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ * فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكَذِبُونَ * أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ [التوبة:75-78].

    أحبتي في الله: الحذر الحذر نوجهه إلى أولئك الذين لا يتحاكمون إلى القرآن، فالله سبحانه وتعالى قادر على أن يسلب منهم الإيمان؛ لأنهم اشتروا الكفر، ومناهج الكفر، يخبر الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم أن هذا الصنف من الناس لا يريد الله له الخير لا في الدنيا ولا في الآخرة: يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظّاً فِي الْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْأِيمَانِ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [آل عمران:176-177] وناهيك عن مخلوق صغير يتردد ما بين عذاب عظيم وعذاب أليم.

    اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك، اللهم يا مصرف القلوب والأبصار صرف قلوبنا على طاعتك، ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب.

    اللهم يا من بيدك أزمّة القلوب ونواصيها صرف قلوبنا على طاعتك، اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا، ونور صدورنا، وجلاء حزننا، وذهاب همنا وغمنا، اللهم ذكرنا منه ما نسّينا، وعلمنا منه ما جهلنا، وارزقنا تلاوته آناء الليل وأطراف النهار، برحمتك يا أرحم الراحمين!

    اللهم ثبتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، رحماك رحماك يا رب الأرض والسماء، رحماك رحماك بقلوبنا المسلمة، بقلوبنا المؤمنة، اللهم كما أحسنت لنا الابتداء فأحسن لنا الانتهاء، فلا تسلب منا الإيمان عند اللقاء يا أرحم الراحمين!

    إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي؛ يعظكم لعلكم تذكرون، فاذكروا الله يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون.