إسلام ويب

فتن آخر الزمانللشيخ : أحمد القطان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • جاء في السنة أن عافية هذه الأمة جعلت في أولها، وسيصيب آخرها بلاء وأمور منكرة. أي أن في آخر الزمان فتناً مدلهمة، تجب مواجهتها، ومعرفة الطريق إلى الخلاص منها، ومن القائمين عليها، وعلى رأسهم إبليس ومن تبعه من الجن والإنس. وفي هذه المادة -بالإضافة إلى ما سبق- بيان لصور عديدة من فتن آخر الزمان، وأشراط الساعة، وغير ذلك مما يتعلق بهذا الموضوع.

    1.   

    عافية أول الأمة ومصائب آخرها

    الحمد لله رب العالمين حمداً كما ينبغي لأسمائه الحسنى وصفاته العلى ووحدانيته، لربي الحمد كما ينبغي لألوهيته وربوبيته ورحمانيته ورحيميته وملوكته.

    لربي الحمد كما ينبغي لجلاله وجماله وكماله وكلامه.

    لربي الحمد بما خلقنا ورزقنا وأطعمنا وسقانا وشفانا وهدانا وعلمنا وفرج عنا.

    لربي الحمد كما ينبغي لجنته وبره ورضوانه، خلقنا من عدم، وأسبغ علينا وافر النعم، علمنا من جهالة، هدانا من ضلالة، حبب إلينا الإيمان، زينه في قلوبنا، كره إلينا الكفر والفسوق والعصيان، وجعلنا مسلمين، لا نحصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيت على نفسك.

    وأصلي وأسلم على قائدي وقدوتي وقرة عيني محمد بن عبد الله، اللهم لا تحرمنا أجره، ولا تفتنا بعده، وأوردنا حوضه، واسقنا من يده الشريفة شربة هنيئة باردة لا نظمأ بعدها أبداً.

    وأشهد أن لا إله إلا الله شهادة ألقى بها الله، أجدد بها الإيمان وأثقل الميزان وأخسئ الشيطان، وأفك الرهان، أعرف بها دربي، وأدخل بها قبري، وألقى بها ربي.

    عباد الله! أوصيكم ونفسي بتقوى الله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102] .. وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ [الطلاق:2-3] ومن يتق الله يجعل له مخرجاً من كل ضيق، وفرجاً من كل هم، ونجاةً من كل هلاك، وثباتاً من كل فتنة، وصبراً من كل جزع، وأمناً من كل فزع، وستراً من عورة، وإطعاماً من جوع، وسقيا من ظمأ، ويرزقه من حيث لا يحتسب، من حيث بذل الأسباب أو لم يبذلها، فالله هو الرزاق إذا شاء رزق عبده من حيث لا يحتسب، فهو الوهاب الذي يرزق بأسباب وغير أسباب.

    اللهم إنا نعوذ بك من مضلات الفتن ما ظهر منها وما بطن، ونعوذ بك اللهم من مصارع الغفلات، وخواتيم السوء، ونسألك أن تجعل خير أعمالنا خواتيمها، وخير أيامنا يوم لقياك.

    طريق النجاة من الفتن

    أحبتي في الله! إني أحبكم في الله، وهذا الحبيب صلى الله عليه وسلم يبدي لنا حرصه على أمته إلى يوم الدين، فيقول صلوات الله وسلامه عليه: (إنه لم يكن قبلي نبي إلا كان حقاً عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم، وينذرهم شر ما يعلمه لهم، وإن أمتكم هذه جُعل عافيتها في أولها، وسيصيب آخرها بلاء وأمور تنكرونها) ونحن أيها الأحباب في آخر الأمة وليس في أولها، ذهب الأولون السابقون المهاجرون بالخير ونجوا، ونحن في زمان الفتن فليكن شعار كل مسلم منا: اللهم سلم، اللهم سلم، يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك، ويا مصرف القلوب والأبصار صرف قلوبنا على طاعتك.

    وبقية الحديث: (وتجيء فتنة فيرقق بعضها بعضاً) أي: الفتنة اللاحقة ترقق الفتنة السابقة؛ لأنها أعظم منها، معنى هذا أن الناس يزدادون فتناً ولا ينقصون: (يرقق بعضها بعضاً، وتجيء الفتنة فيقول المؤمن: هذه مهلكتي، فمن أحب أن يُزحزح عن النار ويُدخل الجنة؛ فلتأته منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر، وليأتِ الناس الذي يحب أن يؤتى إليه) رواه مسلم والنسائي.

    من أراد أن يزحزح عن النار، والنار لها جذب وشهيق، والزحزحة صعبة، لا يطيقها إلا ملائكة بأمر الله رب العالمين: فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ [آل عمران:185] ما النجاة؟ قال: النجاة أن تأتيه منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر، ولو على حساب المال والوظيفة والأرض، وعلى حساب كل متاع زائل من أمتعة الدنيا، إن نجا إيمانك بالله واليوم الآخر، فأنت من الناجين يوم القيامة إن شاء الله.

    ويقول صلى الله عليه وسلم (وليأتِ الناس ما يحب أن يؤتى إليه) يعني: انظر إلى حقوق الناس عندك فأدها، كما أنك تطالب بأدب واحترام ما لك عند الناس، فلا تكن أنانياً تأخذ ما لك وتمنع ما لغيرك؛ لأن الجزاء من جنس العمل، وهذا كلام عام يسير تحت مظلته كل مسلم، وليزن كل إنسان نفسه بين حق يطالب به، وواجب يدفعه إلى الآخرين.

    سرايا إبليس لفتنة الناس

    يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (إن عرش إبليس على البحر، فيبعث سراياه) سراياه: أعوانه من الجن، والجن أيضاً يستعينون بالإنس، شياطين الإنس والجن، سرايا، جنود، كتائب، فيالق، فصائل، مخابرات، كلها من شياطين الجن: (فيبعث سراياه فيفتنون الناس، فأعظمهم عنده أعظمهم فتنة) أي: المقرب عنده هو أعظمهم فتنة للناس، ثم يبين الرسول صلى الله عليه وسلم موازين عظمة الفتن، فيقول: (يجيء أحدهم فيقول: فعلت كذا وكذا- أي من الفتن- فيقول له إبليس: ما صنعت شيئاً، ثم يجيء أحدهم فيقول: ما تركته حتى فرقت بينه وبين امرأته فيدنيه منه ويلتزمه، ثم يقول: نعم أنت، نعم أنت) رواه مسلم .

    إذاً أعظم فتنة تقوم بها سرايا إبليس هي زعزعة الأسرة، والتفريق بين الرجل وأهله؛ لأن الأسرة إذا تزعزعت تهدم بناء المجتمع، فوحدة المجتمع وقوته بالأسر المتماسكة على دين الله وسنة محمد صلى الله عليه وسم، فإذا تخاصم الزوجان وشبت النار بينهما وتصايحا وتنافرا وتهاجرا، جاء الشيطان يوقدها عليهما ولم ينقذهما إلا العودة إلى كتاب الله وسنة نبيه، فإن لم يعودا إلى حكم الله فهو الدمار، ليس لهما فقط، بل للمجتمع، بل للأمة كلها.

    لهذا الشيطان يعرف من أين تكون المصائب العظام، وما ظهر الأبناء العاقون إلا يوم أن فقدت الأم والزوجة دورها الحقيقي بتلبس من الشيطان، جاءت نساء الدنيا يخدمنها، جاءت الخادمات براً وبحراً وجواً وتخلت الزوجة والأم عن رسالتها المقدسة، فالطفل لا يرى من أمه إلا ما يسوؤه، يرى الزجر والنهر، والضرب والمعاقبة، ويرى من الخادمة الإطعام والسقيا، والتنظيف والتلبيس، والهدهدة والنوم والحمل، تحمله لكي تشتري له ما لذ وطاب، فإذا غابت الأم لا يعبأ، وإذا سافرت الخادمة يبكي، هذا مدخل عظيم ومعنى جسيم من معاني هذا الحديث، لا تظن أن هذا الحديث يعني فقط تلك الخصومة الساذجة التي تحدث بين الزوج والزوجة، لا، ما من بيت إلا ويكون فيه خصومة، ولكن يوم أن تفقد الأم دورها والزوجة دورها فتصبح الخادمة هي التي تقدم للزوج طعامه وتنظف فراشه، وتعتني ببيته، وتبخر ملابسه، وتبتسم في وجهه، حتى لا يستطيع أن يقول ما كان يقوله لزوجته عندما تطبخ الطعام: ما أجمل هذا الطعام! لا يستطيع؛ لأن الخادمة هي التي طبخته، ولو قال: ما أطيبه! لغارت الزوجة، ولقامت معركة لا تبقي ولا تذر.

    من الذي فرق بينهما؟ إنه الشيطان بحيله ومكره، فتخرج عندنا أجيال يعقون الأباء والأمهات، ناهيك إذا كبروا وتخرجوا واستلموا قطاع المسئولية، ماذا سيفعلون؟! الذي لا يحترم أباه ولا يوقر أمه ماذا تنتظر منه للناس؟! لا يحترم أحداً، ولا يرعى ذمة، مات ضميره الإيماني، لا يخاف ناراً ولا يرغب بجنة، لهذا الشيطان التزم هذا العسكري الإبليسي على صدره، وقال: نعم أنت، نعم أنت.

    الرسول صلى الله عليه وسلم يقمع فتنة العداء

    يقول الرسول صلى الله عليه وسلم، وهو يقمع الفتنة ويحافظ على وحدة الصف: (من حمل علينا السلاح فليس منا) رواه الشيخان والترمذي . من حمل علينا السلاح ليزعزع الأمن، لينصب الأفخاخ والمتفجرات لكي يهرق الدم الحرام، الذي شهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، يبرأ منه محمد صلى الله عليه وسلم، فماذا نقول لتلك الحروب الدائمة التي تستمر سنيناً طوالاً يتخرج من بين أزيزها أجيال لا تعرف إلا الأشلاء والدماء، أين هم من هذا الحديث؟

    محمد يتبرأ من كل من حمل السلاح ضد مسلم؛ لأنه لا حياة بلا أمن، ولا استقرار بلا إيمان، الأسواق تغلق، الحضارة تذهب، الازدهار يفنى وتصبح لقمة الخبز أعسر ما يكون، وجرعة الماء لا يطيقها الإنسان ولا يستطيعها، وهذه لبنان شاهدة، تجري من تحتها الأنهار، وتعلق فوقها الثمار، والناس يموتون في جبالهم جوعاً من الحرب، لتكن لنا فيها عبرة، من حمل السلاح علينا فليس منا.

    فتنة اندراس الدين

    يقول الرسول صلى الله عليه وسلم حقيقة مؤلمة في أحاديث الفتن عن زمن يأتي على الناس يفقدون فيه أعز ما يملكون وهو كتاب الله، يفقدون فيه الطاعات والعبادات، نسأل الله أن يحفظنا فلا ندرك ذلك الزمان، وأن يعمر بيوتنا وقلوبنا ومساجدنا بالإيمان، قال صلى الله عليه وسلم: (يدرس الإسلام كما يدرس وشي الثوب) يدرس أي: يفنى يتلاشى، وشي الثوب: الألوان الموجودة في الثوب حتى يصبح الثوب قديماً، تنمحي الألوان، الإسلام ينمحي هكذا، ثم يقول: (حتى لا يُدرى ما صيام ولا صلاة ولا نسك-أي: حج- ولا صدقة-أي: زكاة- ويسرى على كتاب الله تعالى في ليلة فلا يبقى في الأرض منه آية).

    ليلة واحدة ويا لها من ليلة مشئومة على البشرية؟ يبات الناس فيها بين الخمور والزمور والمؤامرات، والمكر والخداع والنصب والاحتيال، ثم يصبحون ولا يوجد من بينهم لا في الصدور ولا في المصاحف آية واحدة.

    بقية الحديث: (وتبقى طوائف من الناس الشيخ الكبير والعجوز يقولون: أدركنا آباءنا على هذه الكلمة (لا إله إلا الله) فنحن نقولها) يقول راوي الحديث: تنجيهم من النار، حديث صحيح على شرط مسلم .

    إذاً لا يبقى للبشرية إلا كلمة التوحيد (لا إله إلا الله) تنجيهم من النار.

    1.   

    صور من فتن المعاصي

    فتنة استحلال المعاصي

    لقد بين صلى الله عليه وسلم صورةً من صور فتن ذلك الزمان: أناس في فصل الربيع يذهبون في رحلة عند جبل، لا تدري لعله في منتجع ربيعي، يشربون فيه الخمر ويزنون ويغنون ويرقصون ويلبسون الحرير وتعزف على رءوسهم العيدان، وفي هذه الأثناء أثناء الدخان الأزرق والرقص يأتي فقير له حاجة في المنتجع الربيعي في رحلة الصيد والقنص عند أكل لحم الضأن المشوي، فيمد يده يريد حاجة .. يريد لقمة .. يريد درهماً؛ فيطردونه، أزعجهم قطع لحظة الأنس يطردونه: تعال غداً، غداً عندما نستيقظ وقت الضحى وقد ذهبت سكرة الخمر ونحن نمشي تحت الجبل فوق الأعشاب الخضراء، لكي نهضم اللحوم ونعمل "الريجيم" ونستعد لحفلة أخرى، تعال نعطيك حاجتك، يقول الحديث: (الله في تلك الليلة يبيتهم) معنى يبيتهم: أي يجتاحهم بمصيبة وبلاء عظيم، من صور هذا البلاء يرفع الله الجبل الذي هم تحته في مخيمهم ويدكه عليهم، والذي يفر وينجو -وهم قسمٌ منهم- يحولهم قردة تتسلق الأشجار، والقسم الآخر خنازير، ويظلون قردة وخنازير بهذه الصورة إلى يوم القيامة.

    تصوير عجيب لزمن الشر، قال صلى الله عليه وسلم: (ليكونن من أمتي قوم يستحلون الحر) الحر: أي الزنا، يستحلونه: حلال، الزنا الآن في كثير من القوانين والمحاكم: حلال، إذا زنى الرجل بالمرأة وجاءت وقيل لها في فصل القضاء: أأنتِ راضية؟

    قالت: نعم.

    وقيل لزوجها: أمتنازل أنت عن حقك؟

    قال: نعم، تحولت من جريمة الزنا إلى واقعة يفصل فيها القضاء بالبراءة للأطراف الثلاثة، ويهدر فيها حق الله وحق المسلمين والشرف والفضيلة، هذا الذي يعنيه الحديث، فيصبح الزنا حرية شخصية لا يستطيع أحد أن يحاسب عليها (يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف) وفي رواية: (يشربون الخمر يسمونها بغير اسمها) مشروبات روحية، على سياق: دروس روحية، الدروس الروحية والإيمانية هذه الدروس عن اليوم الآخر التي تزيد الإيمان، فدخلوا الخمر مع الدروس الروحية فأصبحت مشروبات روحية.

    قال: (والمعازف) المعازف هي: الآلات، آلات الطرب: العود والبيانو والقيثار والمزمار (ولينـزلن أقوامٌ إلى جنب علم) علم: أي جبل، يخيمون في منتجع ربيعي (تروح عليهم سارحة لهم) تروح أي: تأتي في وقت المساء، السارحة هي: الإبل، يحبون شرب حليب الإبل وحليب الغنم، ومنظر السارحة عند المغرب إذا جلس في الخيمة أو بيت الشعر واتكأ وشرب القهوة ووضع البخور الفاخر وجاءت الإبل والأغنام منظر جميل، لكن لا يدري نهاية تلك الليلة كيف تكون، نهاية الخمر والزمر وسلب الأموال.

    قال صلى الله عليه وسلم: (ولينزلن أقوام إلى جنب علم تروح عليهم سارحة لهم فيأتيهم رجل فقير لحاجة، فيقولون له: ارجع إلينا غداً فيبيتهم الله، ويضع العلم، ويمسخ آخرين قردة وخنازير إلى يوم القيامة).

    زمن الفضائح

    الزمن الذي ذكره الحديث الماضي زمن تدمير، يأتي بعده زمن الفضائح لا يخفى شيء على الإنسان، أي: لا يوجد محتال إلا ويُكشف، ولا زوجة خائنة إلا تُفضح، ولكن لا كرامة للناس ولا نخوة ولا حمية، قال صلى الله عليه وسلم: (والذي نفسي بيده لا تقوم الساعة حتى تكلم السباع الإنس) السباع: أي الأسود والنمور والذئاب، وحوش الطير والحيوان تكلم الإنسان ويكلمها (وحتى يكلم الرجل عذبة سوطه) طرف السوط الذي يضرب به البهيمة يبدأ يتكلم، الآن في اليابان توجد عجائب من التقنية والتكنولوجيا حتى أن الإنسان ليعجب! (حتى يكلم الرجل عذبة سوطه، وشراك نعله، وتخبره فخذه بما أحدث أهله بعده) رواه الترمذي .

    هذه هي الفضيحة، إذا جاء الرجل في الليل، يتكلم فخذه أو فخذ أهله بما فعل أهله من الزنا، كل الخيانات الزوجية تفضح، ولكن ماذا يقول: لا يعترض، يعتبر هذه ثقافة جنسية، وحرية للمرأة، من حقها أن تمارسها -كما يقول الشيوعيون- مع أي ذكر تريد؛ لأن مشاكل العالم والحروب قامت على امتلاك الجنس والمال، فإذا جعلنا الجنس مشاعاً والمال مشاعاً انحلت كل الحروب، هكذا تقول الشيوعية، لعنها الله ومن أسسها.

    أحبتي في الله! ويقول صلى الله عليه وسلم: (لا تقوم الساعة حتى يتقارب الزمان فتكون السنة كالشهر والشهر كالجمعة والجمعة كاليوم، ويكون اليوم كالساعة، والساعة كضرمة من النار) شعلة من النار شبت وانطفأت، هذه مدة الساعة، رواه الترمذي .

    كثرة الذهب في آخر الزمان

    يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (لا تقوم الساعة حتى يحسر الفرات عن جبل من ذهب) الفرات الذي في العراق ، يخرج فيه جبل شاهق كله من ذهب، ولكن على كبره وعظمه لا خير فيه، يقتتل الناس على هذا الجبل، أهل الجزيرة العربية ومن حولها عندما يسمعون به تدور بينهم حروب طاحنة للاستيلاء على هذا الجبل، يقول عليه الصلاة والسلام: (فيقتل عليه، فيقتل من كل مائة تسعة وتسعون، فيقول كل رجل منهم: لعلي أكون أنا فأنجو) رواه الشيخان.

    أيها الأحبة الكرام! إن القليل مع البركة كثير، وإن الكثير دون البركة لا خير فيه، فاحصروا الحلال، وإلا فإن هذا الجبل الضخم سيكون مهلكة لمن يريده؛ لأنه لا بركة فيه، وكم من جبال من الأموال بالمليارات ذهبت بين عشية وضحاها.

    اللهم بارك لنا في أموالنا وفي أولادنا، ونعوذ بك اللهم من مضلات الفتن، نسألك اللهم حسن الاعتقاد، وإخلاص العمل وصلاح النية وبرد الرضا ونور اليقين وحلاوة الإيمان وبركة الدعوة وإجابة الدعاء، آمين.

    أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

    1.   

    أشراط أخرى لقيام الساعة

    ظاهرة تمني الموت في آخر الزمان

    الحمد لله رب العالمين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين.

    عباد الله! وهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يعطينا صورة أليمة لذلك الزمان المنتظر بصورة رجل يسير بئيساً كئيباً حزيناً مهموماً لا أهل له ولا مال ولا وطن، ويمر حين يمر على المقابر فإذا رأى القبر ألقى بنفسه على القبر، ووضعه على صدره وتمرغ على ترابه ولثمه وقال: يا ليتني صاحبك، يا ليتني أكون أنا الذي فيك، يقول النبي: (وما ذلك من الدين، ولكن من شدة البلاء) قال صلى الله عليه وسلم: (والذي نفسي بيده لا تمر الدنيا حتى يمر الرجل بالقبر فيتمرغ عليه، ويقول: يا ليتني مكان صاحب هذا القبر، وليس به الدين فإنه ما به إلا البلاء) رواه مالك والشيخان.

    براعة التصوير النبوي لكثرة الذهب

    ويصور صلى الله عليه وسلم صورة عجيبة لكثرة الذهب، الآن الناس في أسواق البورصة وأسواق الأوراق المالية العالمية وأسواق الذهب، لو رأيتموها في اليابان وأمريكا وفي غيرها لوجدتم عالماً غير عالمكم، أجهزة إلكترونية، وأجهزة ضخمة حاسبة، وناس، وواضع كرت على أذنه اليمين وكرت على أذنه الشمال، وكرت في يده اليمين وكرت في يده الشمال، ويبدأ بحركات وإشارات، يبيع ويرفع وينزل، وتلفون عن يمينه وتلفون عن شماله، وأوراق تطير وتنزل على الأرض، والأرض مفروشة بالأوراق، وضجيج كأنه حشر من حشر يوم القيامة، هذا كله من أجل ارتفاع بنس وانخفاض بنس، ارتفاع دولار وانخفاض دولار، ارتفاع سعر الذهب، وانخفاض سعر الذهب، في هذا الصخب في يوم من الأيام تفاجئ البشرية أن الكرة الأرضية كلها تحولت إلى ذهب.

    يلتفت الإنسان عن يمينه وإذا إسطوانات وأعمدة مثل أعمدة المسجد هذه تخرج من الأرض واقفة من ذهب، في أول الأمر يهجم الناس، وإذا القضية أصبحت أكثر من تراب!

    لماذا الذهب غالٍ؟

    لأنه معدن نادر.

    لكنه أصبح الآن معدناً مشاعاً في كل مكان، عند ذلك يتركه الناس ويغلقون هذه الأسواق الصاخبة ويمر المجرم الذي قتل من أجل هذا الذهب فتكون له حسرة، ويمر الذي قطع أرحامه لأنهم فقراء؛ فيتحسر، ويمر اللص بكف واحدة وقد قطعت اليمين؛ لأنه سرق الذهب، ويمر ويمر وتكون حسرة عامة للبشرية إذ فقد الذهب قيمته، بل يكون التراب أغلى من الذهب لكي تقوم عليه الزروع.

    قال صلى الله عليه وسلم: (تقيئ الأرض) انظر إلى التعبير النبوي. التقيؤ هو: الغثيان بخروج الطعام من الإنسان بسبب المرض، كأن الأرض مريضة بسبب وجود هذا العفن البشري، فالأرض لا تخرج لهم شيئاً نافعاً، قال صلى الله عليه وسلم: (تقيئ الأرض أفلاذ أكبادها مثل الإسطوان من الذهب والفضة فيجيء القاتل فيقول: في هذا قتلت، ويجيء القاطع، فيقول: في هذا قطعت رحمي، ويجيء السارق، فيقول: في هذا قُطعت يدي، ثم يدعونه فلا يأخذون منه شيئاً) رواه مسلم والترمذي .

    تدافع أهل المسجد للإمامة

    يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (إن من أشراط الساعة أن يتدافع أهل المسجد الإمامة، فلا يجدون إماماً يصلي بهم) يدخلون الناس المسجد تقام الصلاة، ينتظرون أحداً يتقدم، لا يتقدم أحد، يأتون إلى أكبرهم سناً: تقدم! أنت أكبرنا سناً، فيقول: لا أعرف الصلاة، تقدم! أنت خريج الجامعة .. عندك دكتوراه، فيقول: لا أحفظ الفاتحة، أنا جئت دخلت المسجد من أجل يراني الوزير فيعطينـي علاوة، فيقف الناس بدون إمام، ثم ينصرفون ويخرجون.

    أين وزارات الأوقاف؟ لا توجد وزارات أوقاف وشئون إسلامية، توجد وزارات توقيف وسجون ومعتقلات ومشانق، قال صلى الله عليه وسلم: (إن من أشراط الساعة أن يتدافع أهل المسجد الإمامة فلا يجدون إماماً يصلي بهم) صححه المنذري .

    تحول أرض العرب إلى مروج وأنهار

    يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (لا تقوم الساعة حتى تعود أرض العرب مروجاً وانهاراً)رواه الشيخان.

    الجزيرة العربية القاحلة تعود أنهاراً تجري، أي: ليس هناك داعٍ للذهاب إلى البيت الأبيض، ونقول له: أعطنا قمحاً أو صناعة أو تكنولوجيا، أو يا قطب يا متجمد! تعال نسحب جبلاً ثلجياً حتى نزرع فيه، لا، يكرم الله المسلمين في الجزيرة حتى تتفجر أنهارٌ من باطن الأرض، وعلماء الجيولوجيا يقولون: إن أرض نجد الآن تحتها محيطات من الماء العذب، ولو حدثت انكسارات في طبقة الأرض السفلى لتحولت تلك المياه إلى أنهار متفجرة تعود الأرض بها مروجاً وأنهاراً.

    ارتكاب أصناف محددة من المعاصي علامة للساعة

    ويقول صلى الله عليه وسلم، ولعل هذه الصورة يوجد من رائحتها ودخانها في زماننا هذا: (إذا اتخذ الفيء دولاً) الفيء: أي أموال المسلمين، الميزانيات التي لا تذكر، هناك دول اقتصادها قائم على نفط، ولكن لا تسمع لها ميزانية ولا تدري أين يذهب فيء هذا النفط، هذا أخذ باخرة، وهذا باخرتين، وهذا أخذ له بئراً، وهذا بئرين، قال صلى الله عليه وسلم: (إذا اتخذ الفيء دولاً، والأمانات مغنماً) دولاً، أي: أن فئة تتداوله، والأمانة مغنماً، أي: إذا أعطي أمانة .. مسئولية .. إدارة .. مديرية .. إذا أعطي هذه الأمانة اتخذها مغنماً، كثرت عنده العمارات والأسهم والشركات، من أين لك هذا؟ من هذه الأمانة.

    (والزكاة مغرماً) الزكاة غرم، لا يزكي أحد، مغرم: أي خسارة، يا ابن الحلال! أخرج الزكاة، فيقول: كم زكاتي؟ زكاتك ألف دينار، أموالك بالملايين، عندك مائة ألف دينار، أخرج منها ألفين وخمسمائة، يقول: ألفين وخمسمائة! كم خبزة فيها؟ وكم خروفاً؟!

    والله قالها، وسمعتها!! فمحق الله أمواله فأصبح يبيع سيارة زوجته، وما بقيت له الخبزة ولا الخروف.

    (والزكاة مغرماً، وتُعلم العلم لغير الدين) يتعلمون العلم للشهادة .. للوظيفة .. للشهرة، كي يكون نجماً ساطعاً، كي يذكر في الصحف، لكي يأخذ شهادة نوبل.

    (وتعلم العلم لغير الدين، وأطاع الرجل امرأته وعق أمه) أي: يطيع امرأته في الباطل ويعق أمه في الحق، وإلا طاعة المرأة في المعروف عبادة.

    (وأدنى صديقه وأقصى أباه) صديقه تعال سافر على حسابي معي، يلهو ويزهو، ويطرد أباه المسكين حتى يلقاه في مأوى العجزة، زوروا مأوى العجزة واسألوا كل عجوز هناك: كم ولداً لك؟ فيبكي دماً، ثم يخبرك بأولاده الأغنياء.

    (وأدنى صديقه وأقصى أباه، وظهرت الأصوات في المساجد) يدخل الناس المساجد لا يسبحون ولا يصلون ولا يذكرون، إنما للعراك والشجار والجدل والبيع والشراء وتصبح المساجد أسواقاً.

    (وظهرت الأصوات في المساجد، وساد القبيلة فاسقهم، وكان زعيم القوم أرذلهم، وأكرم الرجل مخافة شره، وظهرت القينات والمعازف وشربت الخمور، ولعن آخر هذه الأمة أولها) يلعنون أبا بكر وعمر وعثمان وأمهات المؤمنين رضي الله عنهم أجمعين، ويصبح هذا اللعن شعاراً، ويُكفر الصحابة، ولا ينهاهم أحد، ولا يحاسبهم أحد.

    بقية الحديث ماذا يحدث؟ قال: (فليرتقبوا عند ذلك ريحاً حمراء وزلزلةً وخسفاً ومسخاً وقذفاً وآيات تتابع كنظام بال انقطع سلكه فتتابع) رواه الترمذي .

    أي: عندما يكون ذلك تظهر الصور الكئيبة، توقعوا زلزلة!

    خسفاً أي: الأرض تنخسف!

    مسخاً أي: يتحول الناس إلى بهائم وحيوانات!

    قذفاً أي: تأتي من السماء شهب ونيازك وآيات أخرى لم يذكرها تتابع كالعقد الذي ينقطع وتتبع الخرزة الخرزة الأخرى!! هكذا تتابع الفتن والبلايا.

    إذاً النجاة أين تكون؟ النجاة تكون في الاصطلاح مع الله، والالتزام بالدين، والحكم بالدين، والتربية على العقيدة، والثبات على الإيمان، لا نجاة إلا بهذا الطريق، فقوله حق: وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى [النجم:3-4].

    اللهم إنا نسألك الثبات في الأمر، والعزيمة على الرشد، نسألك فعل الخيرات وترك المنكرات وحب المساكين، وأن تغفر لنا وترحمنا، وإذا أردت بعبادك فتنة فاقبضنا إليك منها غير مفتونين، واهدنا لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم، اللهم حرر أرض فلسطين والمسجد الأقصى، وانصر المجاهدين، ونسألك يا أرحم الراحمين لأمتنا قائداً ربانياً يملأ الأرض عدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً، اللهم اجعل شتاتنا جمعاً، وضعفنا قوة، وذلنا عزاً، وهزيمتنا نصراً، وخوفنا أمناً، ويأسنا رجاء، وقنوطنا رحمة، برحمتك يا أرحم الراحمين.

    إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ؛ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ، فاذكروا الله يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ.