إسلام ويب

خطبة العيدللشيخ : أحمد القطان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن حياة المؤمن بالله مليئة بالأفراح، ليس في دنياه فقط، بل وفي أخراه أيضاً، فهو ينتقل بين الأفراح، وليس ذلك إلا لمن عمل الصالحات. وفي هذه الخطبة ذكر الشيخ حفظه الله هذه الأفراح المتتابعة سواء كانت في دنياه، أو بعد موته في قبره وفي أرض المحشر إلى أن يحصل الفرح الأكبر برؤية الله جل وعلا في الجنة. ثم ذكّر الشيخ أهل الإسلام بما يعانيه أبناء لهم في أراض مغتصبة من يتم وبؤس ومعاناة.

    1.   

    أفراح أهل الإيمان

    إنَّ الحمد لله، نحمده ونستعينه، ونستهديه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    أما بعد: فإن أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار،.

    الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر كبيراً، والحمد لله كثيراً، وسبحان الله وبحمده بكرةً وأصيلاً، لا إله إلا الله وحده، أنجز وعده، ونصر عبده، وأعزَّ جنده، وهزم الأحزاب وحده، الله أكبر الله أكبر ولله الحمد.

    عباد الله: أوصيكم ونفسي بتقوى الله، حيث أمرنا في كتابه الكريم: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102] الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، اللهم تقبل منا صيامنا وقيامنا ودعاءنا، اللهم اجعلنا من عتقاء رمضان، وحرم وجوهنا ووالدينا على النار، وأدخلنا يوم القيامة من باب الريان، وأحل علينا في جنتك الرضوان، ونسألك لذة النظر إلى وجهك، والشوق إلى لقائك، في غير ضراء مضرة، ولا فتنة مضلة، ونسألك اللهم أن تجبر القلوب المنكسرة، اللهم إنا نسألك أن تجبر القلوب المنكسرة التي فقدت الحبيب، القلوب التي فقدت الولد، القلوب التي فقدت الأرض، القلوب التي فقدت العرض، القلوب التي تبكي على المقدسات.

    اللهم أدخل السرور على قلوبهم بتحرير المسجد الأقصى وبتحرير أرض فلسطين ، وبانتصار المؤمنين على الروس، وبانتصار الفليبينيين على الصليب، اللهم إنا نسألك نصرك المؤزر المبين، لجندك وأوليائك المجاهدين، في كل أرض يذكر فيها اسم الله.

    أيها الأحباب الكرام: بارك الله لكم في عيدكم هذا، عيد الفطر، عيد الفرحة، فرحة الانتصار على الشيطان في رمضان، فرحة الانتصار على النفس والهوى في رمضان، فرحة لقاء الله يوم القيامة ومعك الصيام ورمضان والقرآن، تشهد لك، إن حياة المؤمنين كلها أفراح في أفراح، وصدق الله إذا يقول: قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ [يونس:58].

    فافرحوا في عيدكم، وافرحوا في هدية ربكم التي ساقها إليكم في نهاية هذا الشهر العظيم، وأبشروا عباد الله بهدية الله الكبرى يوم أن يدخلنا بإذنه الجنة إن شاء الله، فينظر إلى عباده نظرة فيقول: أُحِلُّ عليكم رضواني ولا أسخط عليكم أبداً.

    أفراح المؤمن في دنياه

    أيها الأحباب الكرام: إن حياة المؤمنين كلها أفراح في أفراح، إن المسلم يحيا في دنياه على نور الإيمان وعلى نور القرآن، راضياً بما قسم الله، راضياً بما حكم الله، وصدق الرسول صلى الله عليه وسلم عندما قال: (ذاق حلاوة الإيمان من رضي بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد صلى الله عليه سلم نبياً ورسولاً).

    نعم.. إنها أفراح المؤمنين، إنها أفراح المسلمين تعمر القلوب والبيوت، فالحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، كيف لا نفرح ونحن نرى من بني الإنسان من تغتاله شياطين الجن والإنس وأهل الإيمان والإسلام والقرآن ثابتون بفضل الله على الدين والحق واليقين لا يتزحزحون، الإيمان في قلوبهم كالجبال الراسيات؟! وصدق الحبيب صلى الله عليه وسلم عندما يصف مبيت المؤمن، فيقول عنه: (من بات آمناً في سربه، معافىً في جسده، عنده قوت يومه؛ فكأنما حِيزت له الدنيا بحذافيرها).

    أيها الأحباب الكرام: صدق الحبيب صلى الله عليه وسلم عندما قال: (طوبى لمن هدي إلى الإسلام وكان رزقه كفافاً وقنع به) إنها السعادة بالإيمان، ليست بالأموال، ولا بالأرصدة ولا بالسيارات الفاخرة، ولا بالعمارات، إنما بكلمة "لا إله إلا الله محمد رسول الله" وبصيحة: الله أكبر، الله أكبر ولله الحمد، وصدق الشاعر إذ يقول وهو يصف حياة الداعية المسلم وهو بين أهله في بيته المتواضع:

    خبز رقيق واحد      تأكله في زاويه

    وكوز ماء بارد      تشربه من راويه

    وغرفة نظيفة      نفسك فيها هانيه

    وزوجة مطيعة      عينك عنها راضيه

    وطفلة صغيرة      محفوفة بالعافيـه

    ومورد للرزق لا      تعرفه الحراميه

    واختارك الله له      حتى تكون داعيه

    في مسجد بمعزل      عن الأذى في ناحيه

    تَدرس فيه مصحفاً      مستنداً بساريه

    معتبراً بمن مضى      من العصور الخاليه

    خير من الساعات في      ظل القصور العاليه

    تعقبها عقوبة      تصلى بنار حاميه

    فهذه وصيتي مخبرة عن حاليـه

    وصية من مشفق      فهي لعمري كافيه

    نعم ورب الكعبة، إنها كافية لمن رضي بقضاء الله وبما رزقه الله.

    أفراح المؤمن عند الموت وبعده

    أيها الأحباب: أنتقل بكم مع أفراح المؤمنين، يقول صلى الله عليه وسلم: (إذا أحب الله عبداً استعمله، قلنا: وما استعمله يا رسول الله؟ قال: ييسر له عملاً صالحاً يقبضه عليه) وتذكر معي الصالحين فهذا قبضه الله راكعاً، وذاك ساجداً، وذاك معتمراً، وذاك حاجاً، وهذا مسبحاً، وهذا مزكياً، وهذا يعمل في سبيل الله، وذاك مجاهدٌ في سبيل الله، (إذا أحب الله عبداً استعمله قالوا: وما استعمله؟ قال: ييسر له عملاً صالحاً يقبضه عليه) لهذا نحن ندعوه قائلين: اللهم اجعل خير أعمالنا خواتمها، وخير أيامنا يوم لقائك.

    أيها الأحباب: إذا كان العبد في إدبار من الدنيا وإقبال من الآخرة، وجاءت اللحظة الحاسمة، رأى ملائكة الرحمة على مد البصر، وملك الموت عند رأسه ينادي روحه بهدوء: اخرجي أيتها الروح الطيبة، اخرجي إلى روح وريحان ورب غير غضبان. فتزل روحه كما تزل قطرة الماء من فم القربة، فيأخذها ملك الموت ليسلمها إلى ملائكة الرحمة وبيدها كفن من الجنة، فتلفها ملائكة الرحمة وتصعد بها إلى السماء الدنيا، ولها رائحة كأطيب ريح مسك على وجه الأرض، فتقول ملائكة السماء الدنيا: روح من هذه الطيبة؟ فتقول: روح فلان بن فلان. بأحب الأسماء التي كان ينادى بها في الدنيا.

    فتفتح له أبواب السماء وتشيعه ملائكتها إلى السماء السابعة إلى عرش الرحمن، فيسمعون الرحمن يقول: أي ملائكتي! اعلموا أني رضيت على عبدي، فأفرشوه من الجنة، وأروه مكانه في الجنة، واجعلوا روحه في عليين. فتنزل الملائكة بالروح ليسأل في القبر، والروح تقول: عجلوا به عجلوا به إلى خير يوم مذ ولدته أمه. فإذا وضع في القبر واللحد، امتد القبر مد البصر، وجاءه في القبر رجلٌ حسن الثوب حسن الريح حسن الوجه، فيقول له: من أنت؟ إن وجهك الوجه الذي يأتي بالخير. فيقول الرجل له: أنا لا أفارقك أبداً أنا عملك الصالح. يؤنسه في قبره، فينتقل المسلم من فرحة إلى فرحة، من فرحة الدنيا إلى فرحة البرزخ.

    وتأتي ملائكة فيسألونه: من ربك؟

    يقول: ربي الله الذي لا إله إلا هو.

    ما دينك؟

    ديني الإسلام.

    من الرجل الذي بعث فيكم؟

    هو عبد الله ورسوله صلى الله عليه وسلم.

    عند ذلك يقولان له: انظر إلى شمالك فيرى نافذة إلى النار. يقولون: كان هذا مكانك لو كفرت بالله، فتغلق، فيزداد فرحة على فرحة، ثم يقال: انظر إلى يمينك؛ فينظر، فيرى نافذة إلى الجنة يأتيه من روحها وريحانها، أزهارها وثمارها وأنهارها وحورها فيفرح، يقولان: هذا مكانك في الجنة. فيصيح مستعجلاً: رب أقم الساعة، رب أقم الساعة! رب أقم الساعة! لأذهب إلى أهلي ومالي!! فتقول الملائكة له: ليس الآن، نم في قبرك نوم العروس. فتمر عليه مرحلة البرزخ كصلاة ظهر أو كصلاة عصر.

    أفراح المؤمن في أرض المحشر

    ثم يبعثه الله يوم القيامة، ويؤمنه من الفزع الأكبر -وإنما تقوم القيامة على شرار الناس والعياذ بالله- فإذا ما بعثه الله وكان له أخ في الله ولو كان صغيراً أو كبيراً -فإذا لم يوجد فزوجته يعتبرها أختاً له في الإسلام ويحافظ على هذه الأخوة- يناديه الله على رءوس الأشهاد في المحشر في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، الشمس فوق الرءوس لا طعام ولا شراب ولا ظل ولا جلوس، يقول: أين المتحابون بجلالي؟ اليوم أظلهم في ظلي يوم لا ظل إلا ظلي. فيقوم الموحدون المتآخون يظلهم الله تحت ظل العرش، وما أدراك ما العرش! السماوات والأرض والكرسي كحلقة في فلاة عند العرش، والموحدون تحت ظل العرش ينقلهم الله من فرحة إلى فرحة، وتمر عليه مرحلة البرزخ الطويلة المديدة كصلاة ظهر أو كصلاة عصر.

    وينتقلون إلى حوض الحبيب صلى الله عليه وسلم، أكوابه بعدد نجوم السماء، كم عدد نجوم السماء؟ لا يعلم عددها إلا الله، المجرة التي نحن فيها -مجرة درب التبانة- فيها ملايين النجوم، الشمس نجم من نجومها، وهناك ملايين المجرات في السماء الدنيا والسماوات السبع لا يعلم النجوم التي بها إلا الله.

    حوض الحبيب يصب فيه ميزابان من ذهب من نهر الكوثر في الجنة، ماؤه أبيض من اللبن، وأحلى من العسل، وأبرد من الثلج، تزدحم الخلائق عليه يمدون أيديهم ليستقون منه، ويأتي المنافقون ليشربوا فتذودهم الملائكة كما تذاد الإبل، فيقول صلى الله عليه وسلم: هؤلاء أصحابي. ما كان يعلم أنهم منافقون أو مرتدون، فتقول الملائكة: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، إنهم ارتدوا عن دينهم القهقرى. فيقول: سحقاً سحقاً وبعداً بعداً. ومن شرب من هذا الحوض شربة لا يظمأ بعدها أبداً.

    وأنا أقول إلى القادة الزعماء: هذه فرصتكم، توبوا إلى الله وعودوا إلى الله وحكِّموا شرع الله، وانصروا دين الله وعباد الله، وإلا بأي وجه ستلقون محمداً عند حوضه، أتظنون أن الذي لا يحكم بكتاب الله وسنة رسوله، ولا يحل الحلال ولا يحرم الحرام، يقول له محمد عند الحوض: أهلاً وسهلاً ومرحباً خذ من يدي واشرب أم يقول له: بعداً وسحقاً، إن الفرصة أمامنا من جديد لكي نجدد التوبة رغبة بذلك الموقف.

    وينقلهم الله من فرحة الحوض إلى فرحة الميزان، تنصب الموازين فتأتي (لا إله إلا الله) لا يرجح معها شيء، ولو كانت الذنوب تسعةً وتسعون سجلاً والسجل مد البصر فإن لا إله إلا الله لا يرجح معها شيء، فيزداد العباد فرحة بلا إله إلا الله، لهذا كان عليه الصلاة والسلام يقول: (إن الإيمان في القلوب ليخْلَق ...) أي: يصبح قديماً (كما يخلَقْ الثوب فجددوا إيمانكم بلا إله إلا الله) وكان يوصي أصحابه فيقول: (قولوها قبل أن تحجزوا عنها) أي: قبل أن تمنعوا عنها.

    وأصحاب القبور الآن يحتاجون إلى هذه الكلمة، يقول أحد الصالحين: كنت يوماً أمر على أهل القبور أدعو لهم، أقول: اللهم آنس وحشتهم، وارحم غربتهم، واغفر زلتهم، وذات يوم مررت عليهم وكنت متعباً، فتوليت خارج المقبرة وصليت ركعتين ثم نمت، وإذا بي أرى في المنام أهل القبور يخرجون، قد انخرطت أكفانهم واشعثت وجوههم وشعورهم، وقالوا: يا أخانا! أين دعاؤك الذي كنت تدعو به لنا كل يوم، إننا معشر أهل القبور نحتاج إليه فهو يؤنسنا، أمثلك من ينام؟ إن ركعتيك اللتين ركعتهما الآن لتساويان عندنا -أهل القبور- الدنيا وما عليها.

    نعم أيها الإخوة: إنهم في دار جزاء وأنتم في دار عمل، فالبدار البدار قبل أن ينقطع النفَس.

    أفراح أهل الإيمان بجنة ربهم

    أيها الأحبة: وينقل الله المؤمنين إلى فرحة جديدة، إلى الصراط، الصراط الممدود فوق جهنم يعبرونه مع الحبيب صلى الله عليه وسلم، وشعار الأنبياء يومها: "اللهم سلِّم سلِّم" سلم من؟

    سلِّم الأمم المؤمنة الموحدة "اللهم سلِّم سلِّم" ويعبر صلى الله عليه وسلم الصراط ويعبر معه الناس مسرعين، ومنهم من يحبو فتخطفه الكلاليب.

    ثم إذا وصلوا عند باب الجنة نقلهم الله إلى فرحة أخرى، يمسك النبي صلى الله عليه وسلم بحلقة باب الجنة فيقعقها فيقول رضوان خازن الجنة: من؟ فيقول: محمد. يقول: لك أمرت أن أفتح، فتفتح أبواب الجنة الثمانية فيزدادون فرحة إلى فرحة، والملائكة تستقبلهم: وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ * هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ * مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ * ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ * لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ [ق:31-35].

    وما أدراك ما المزيد! يطلع الله على أهل الجنة وهم في نعيمها، فيقول: أي عبادي هل أرضيتكم؟ فيقولون: نعم يا رب، وكيف لم ترضنا وقد أعطيتنا ما لم تعط أحداً من خلقك؟! فيقول: أُحلُّ عليكم رضواني فلا أسخط عليكم أبداً: وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ [التوبة:72].

    ثم يرفع الله الحجاب عن وجهه الكريم، فينظرون إلى وجه الله في جنات النعيم، فينسون كل شيء من حولهم، ويستمتعون بالنظر إلى وجه الرحمن الرحيم، الذي طالما توجهوا إلى وجهه في الصلاة فقالوا: وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفاً مسلماً وما أنا من المشركين، قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين.

    الآن ينظر إلى الله الذي طالما ركع له وسجد، وقام له وقعد، ودعاه وأناب إليه واستغفره، جاع في النهار وقام في الليل وجاهد، وبذل المال والنفس والنفيس، إنه الآن يلقى الله: مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ [العنكبوت:5-6] هذه حقيقة أيها الأخوة: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ [القيامة:22-23].

    نعم إنها نعمة لا تقدر بثمن: إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ * تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ * يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ * خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ * وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ * عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ [المطففين:22-28] وإلى التنافس أيها الأحباب، إلى التنافس في الصالحات، فلو استطعت ألا يسبقك إلى الله أحد فافعل، رحم الله عبداً أدى فرضه، وصان عرضه، وزكى ماله، وربى عياله، وبكى ذنبه، وعرف دربه، واشتاق إلى لقاء ربه: (من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه).

    اللهم إنا نسألك لذة النظر إلى وجهك، والشوق إلى لقائك، في غير ضراء مضرة، ولا فتنة مضلة، اللهم زدنا فرحاً على فرح، ونوراً على نور، وإيماناً على إيمان، وأقر أعيننا برؤيا وجهك الكريم، ورؤيا وجه الحبيب محمد في الفردوس الأعلى، صلى الله عليه وسلم، ورؤيا الأنبياء الصالحين والرسل، يا أرحم الراحمين، ادعوا الله وانتم موقنون بالإجابة، أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه.

    1.   

    عيد يعود على أيتام المسلمين

    الحمد لله رب العالمين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح لهذه الأمة، اللهم لا تفتنا بعده، وأوردنا حوضه.

    أيها الأحباب: هذا يوم عيد، ولكن كيف يكون عيد اليتيم الذي ينتظر ليلة العيد، والده الذي كان يعود إليه محملاً بهدايا العيد وثياب العيد الجديدة، وينتظر اليتيم ليلة العيد والده فلا يأتي، أيتام في لبنان ، أيتام في فلسطين ، أيتام في أفغانستان والفليبين ، أيتام في آسام ، أيتام شعوب العالم العربي، لا والي لهم، لا نصير لهم، إنهم أيتام واليتيم ليلة العيد ينكسر قلبه، وتدمع عينه، إنك تراه وهو ينظر إلى الأطفال وهم يفرحون ويمرحون ينتظرون الوالدة وقد عادت من السوق محملة بالثياب وهو ينتظر ماذا؟ لا ينتظر أحداً؛ لأن أمه هناك مدفونة في التراب، يتذكر تلك الساعة التي رآها وقد دفنت في التراب بعد انفجار قنبلة، أو قصف طائرة، أو اجتياح طاغوت، ويظل اليتيم مكسور القلب، دامع العين.

    ويأتي الإسلام العظيم ليمسح على رأس اليتيم مسحة، فيصيح القرآن صيحته الخالدة: فلا اقتحم العقبة، أيها المسلم! بينك وبين الجنة عقبة، لا تدخل الجنة إلا بعد اقتحامها فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ * فَكُّ رَقَبَةٍ * أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ * يَتِيماً ذَا مَقْرَبَةٍ * أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ [البلد:11-16] هذه التي تقتحم بك العقبة وإلا فالعقبة كئود لا يعبرها إلا من آوى اليتامى، قال صلى الله عليه وسلم: (أنا وكافل اليتيم في الجنة كهاتين، وجمع بين السبابة والوسطى) ويقول: (إذا أردت أن يلين قلبك، وتقضى حاجتك، وينسأ لك في أثرك -أي يبارك لك في عمرك وولدك- فامسح على رأس اليتيم وأطعمه من طعامك).

    نعم أيها الأحباب الكرام، إذا لبسنا الجديد ورأينا أولادنا يفرحون ويلعبون، فلنتذكر أيتام إخواننا المسلمين، ولنتبرع لهم ولنتصدق لكي تنجبر القلوب، ولنعلم أننا نرزق بضعفائنا، ورب دمعة كفكفتها وأدخلت السرور على قلبه هي التي ترجح ميزانك عند الله.

    أيها الأحباب الكرام: أدعو فأمنوا من قلوب خاشعة وعيون دامعة: اللهم لا تدع لنا ذنباً إلا غفرته، ولا هماً إلا فرجته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا ميتاً إلا رحمته، ولا ضالاً إلا هديته، ولا تائباً إلا قبلته، ولا مؤمناً إلا ثبته، ولا عسيراً إلا يسرته، ولا سوءً إلا صرفته، ولا عيباً إلا سترته وأصلحته، ولا مسافراً إلا حفظته، ولا غائباً إلا رددته، ولا مجاهداً إلا نصرته، ولا عدواً إلا قصمته، اللهم آت أنفسنا تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها.

    اللهم إنا نسألك الجنة وما قرب إليها من قول أو عمل، ونعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول أو عمل، اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معاصيك، ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا، ومتعنا بأسماعنا وأبصارنا وقواتنا ما أبقيتنا، واجعله الوارث منا، واجعل ثأرنا على من ظلمنا، وانصرنا على من عادنا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا، ولا تسلط علينا بذنوبنا من لا يخافك فينا ولا يرحمنا، يا أرحم الراحمين.

    اللهم أمن روعاتنا، واستر عوراتنا، واغفر زلاتنا، واقبل حسناتنا، واجعلنا في الفردوس الأعلى، اللهم استرنا فوق الأرض، واسترنا تحت الأرض، واسترنا يوم العرض يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ [الشعراء:88-89]. اللهم إنا نسألك بعلمك الغيب، وقدرتك على الخلق، أحينا ما علمت الحياة خيراً لنا، وتوفنا إذا علمت الوفاة خيراً لنا.

    اللهم إنا نسألك خشيتك في الغيب والشهادة، ونسألك كلمة الإخلاص في الرضا والغضب، ونسألك القصد في الفقر والغنى، ونسألك نعيماً لا ينفد، ونسألك قرة عين لا تنقطع، ونسألك الرضا بعد القضاء، ونسألك برد العيش بعد الموت، ونسألك لذة النظر إلى وجهك، والشوق إلى لقائك، في غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة.

    اللهم زينا بزينة الإيمان، واجعلنا هداة مهتدين، اللهم أصلح أولادنا، اللهم أصلح بناتنا، اللهم أصلح زوجاتنا، اللهم ألحقهم بنا في الندي الأعلى، اللهم إنا نسألك أن تجعلهم عقباً صالحاً لا ينقطع، اللهم نجحهم في حياتهم، اجعل لهم في أول عمرهم فلاحاً، وفي أوسطه صلاحاً، وفي آخره نجاحاً وعتقاً من النار، برحمتك يا أرحم الراحمين.

    ونسألك اللهم أن ترحم موتانا وموتى المسلمين، اللهم آنس وحشتهم، وارحم غربتهم، واغفر زلتهم، واقبل حسنتهم، واجعلهم في الفردوس الأعلى، وإذا صرنا إلى ما صاروا إليه فارحمنا برحمتك الواسعة، واجعل قبورنا روضة من رياض الجنة، أمدنا بالروح والريحان والنور والإيمان برحمتك يا أرحم الراحمين.

    اللهم إنا نسألك بعزك وذلنا إلا رحمتنا، وبقوتك وضعفنا إلا قويتنا، وبغناك عنا وفقرنا إليك إلا أغنيتنا، هذه نواصينا الخاطئة بين يديك، لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك، عبيدك سوانا كثير، وليس لنا رب سواك، نسألك مسألة المسكين، ونبتهل إليك ابتهال الخاضع الذليل، وندعوك دعاء الخائف الضرير، دعاء من خضعت لك رقبته، ورغِم لك أنفه، وفاضت لك عيناه، وذل لك قلبه، يا أرحم الرحمين، يا من يجيب المضطر إذا دعاه، ويكشف السوء اكشف ما بأمتنا من سوء.

    اللهم حرر المسجد الأقصى وأرض فلسطين ، وحرر اللهم أرض أفغانستان وكل أرض يذكر فيها اسم الله، ونسألك لأمتنا قائداً ربانيا يسمع كلام الله ويسمعنا، وينقاد إلى الله ويقودنا، ويحكم بكتاب الله وتحرسه، اللهم من أراد بنا وبهذا البلد وبلاد المسلمين سوءً فأشغله في نفسه، ومن كادنا فكده، واجعل تدميره في تدبيره، اللهم اجعلنا في ضمانك وأمانك، وبرك وإحسانك، احرسنا بعينك التي لا تنام، واحفظنا بركنك الذي لا يرام، وارحمنا بقدرتك علينا، ولا نهلك وأنت رجاؤنا، يا أرحم الراحمين.

    اللهم إنا نسألك العافية في الجسد، والإصلاح في الولد، والأمن في البلد، برحمتك يا أرحم الراحمين: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [النحل:90] اذكروا الله يذكركم واشكروه على نعمه يزدكم، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ، وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3007962617

    عدد مرات الحفظ

    720547850