إسلام ويب

لا تأمنوا مكر اللهللشيخ : أحمد القطان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • في القرآن الكريم وردت الآيات الكثيرة التي تدل على عظمة الله سبحانه وتعالى وجبروته، والتي تحذر عباده من أن يأمنوا مكره؛ لأنه لا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو من أهل الجنة ومن أكمل الناس إيماناً يقول: ( يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك ).

    1.   

    آيات العظمة والجبروت

    الحمد لله رب العالمين، الحمد لله الذي أعز بطاعته المؤمنين، وأذل بمعصيته العاصين، وتاب على المذنبين، وأدخل الجنة من شاء برحمته، وعذب بالنار من شاء بعدله وحكمته، لا يُسأل عما يفعل وهم يُسألون.

    الحمد الذي حبب إلى المؤمنين الطاعات، ورغبهم بالإيمان وزينه في قلوبهم، وفَّق من يشاء إلى هدايته، وخذل من يشاء إلى نفسه الأمارة بالسوء، فهو سبحانه أحكم الحاكمين وأرحم الراحمين ورب العالمين، خلقنا من عدم، وأسبغ علينا وافر النعم بلا حقٍ منا عليه، فهو صاحب الحق والفضل قبل الخلق وبعد الخلق، أطعمنا من جوع، وسقانا من ظمأ، وسترنا من عورة، وشفانا من مرض، وهدانا من ضلالة، وعلمنا من جهالة، وكثر حولنا الأحباب والأعوان والإخوان، يذكِّرونا إذا نسينا، وينبهونا إذا غفلنا، ينصحونا إذا ضللنا، اللهم لا نحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك.

    وأصلي وأسلم على الرحمة المهداة، والسراج المنير، حبيب رب العالمين، البشير النذير محمد، الذي جعل الله شفاعته لأصحاب الكبائر من أمته، وارض اللهم عن الخلفاء الراشدين، والصحابة أجمعين، نشهدك على حبهم فاحشرنا معهم يوم الدين.

    عباد الله: أوصيكم ونفسي بتقوى الله: وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ [الطلاق:2-3]، وأوصيكم بذكر الله فالذكر جزاؤه معجلٌ لا مؤجل: فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ [البقرة:152].

    أيها الأحباب الكرام: إني أحبكم في الله، وأقف معكم ومع آيات العظمة والجبروت لله رب العالمين، أخاطب بها آذاناً واعية، وقلوباً ذاكرة شاكرة: سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى * وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى * الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى [الأعلى:10-12]، إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ [ق:37].

    قال تعالى: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ [الزمر:67].يطوي الله السماوات كالخردلة بيمينه والأرضين السبع ثم ينادي: أنا الملك، أين الملوك؟ أين المتكبرون؟ أين الجبارون؟ ينادي فلا يجيبه أحد.

    وتخيل نفسك يا مسكين! وأنت مخلوق صغير في أرضٍ لا تساوي عند الله جناح بعوضة، خلق الخلق وهو غني عنهم، ثم يطويك ويطويها، فأين حولك وأين قوتك؟ غضب الله غضبة لو لا أن رحمته سبقت غضبه؛ لدمر الله الأرض ومن عليها بسبب هؤلاء الخبثاء، أمريكا وأوروبا والذين من قبلهم والذين من بعدهم، واليهود الذين يقولون: العزير ابن الله.

    استمعوا ماذا يقول الجبار عن هذه الحقيقة في غضبة من غضباته أخرها وأجلها إلى يوم يبعثون، ولولا سبق الرحمة وغلبة الفضل لدمر الأرض ومن عليها والمسيح وأمه جميعاً:

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [المائدة:17].

    لا تجادل: لا تعترض على مولاك، يخلق ما يشاء، والله على كل شيء قدير، الأرض أرضه، والسماء سماؤه، والخلق عبيده، يعذب من يشاء ويغفر لمن يشاء وهو على كل شيء قدير، استمع إليه في عظمته!

    ولعل قائلاً يقول: لماذا لا يهدي الله كل الخلق؟ الله يعلم من العباد ما لا يعلم العباد بعضهم من بعض، فالله سبحانه وتعالى يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، وأنت ما لك من العبيد إلا المظاهر، أما المخابر فهي لله، فكم تمنينا وتمنينا أن يهدي الله فلاناً وعلاناً، ولكن الله يعلم منه ما لا نعلم منه، استمع ماذا يقول الله في هذه الآيات العظيمة: وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ [السجدة:13] استمع إليه في عظمته: (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ [هود:118-119].

    وإذا بك ترى الناس في اختلافهم في دنياهم أحزاباً وفرقاً وشيعاً، يتخاصمون في الأرباب، والآلهة، يعبدونها من دون الله، والله قادرٌ على جمعهم وتحطيم كل خلافهم، لكن الله ذو حكمة لا يضع الخير إلا في مكانه ولا يضع الشر إلا في مكانه، فهو العزيز الحكيم، أنزل الكتب وفصل فيها تفصيلاً، وأرسل الرسل واصطفاهم واختارهم من خيرة خلقه، فما أصبح للمخلوق عند الله عذرٌ يوم القيامة أبداً.

    1.   

    محاسبة الله لعباده يوم القيامة

    استمع إليه سبحانه وهو يسأل أحد أنبيائه ورسله، وتخيل نفسك يا مسكين أنك أنت المسئول في حظرة الإله، العرش من فوقك يحمله ثمانية ملائكة، والله قد استوى عليه، واصطفت الرسل أمام ربهم ومولاهم يسألهم واحداً واحداً أممهم، وهذا أحد الأنبياء يسأل: وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ [المائدة:116] انظر إلى الوجل والخوف الذي يكون عليه نبيٌ رسول فما بالك من دون الأنبياء والرسل، يبدأ بالتسبيح والتقديس لله رب العالمين وقد أدى الرسالة وبلغ الأمانة وتحمل المؤامرة، مؤامرة القتل والصلب، وأنجاه الله منها، وصبر وأوذي في الله.

    ماذا ستقول يا مسكين لو أوقفك الله وسألك عن مالك: يا عبد الله! من أين اكتسبته؟ فيم أنفقته؟

    كيف ستحرر الجواب لله رب العالمين؟ السؤال الآن مطروح عليك فأجب، يسألك عن علمك ماذا عملت به؟

    هؤلاء الأنبياء يسألون، فماذا نقول عند السؤال؟

    يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُوا لا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ المائدة:109].

    ومحمد صلى الله عليه وسلم يبكي وتنهمر دموعه على لحيته، وهو يستمع إلى آياتٍ في سورة النساء يتلوها ابن مسعود رضي الله عنه وأرضاه: وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ وَكَانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيماً * إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً * فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيداً * يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً [النساء:39-42]. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (حسبك يا ابن مسعود حسبك الآن) يقول: [فالتفت إليه فإذا عيناه تذرفان الدموع على لحيته].

    وينـزل عليه جبريل فيتلو عليه قوله تعالى قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً [الأنعام:65] فيصرخ صلى الله عليه وسلم مجيباً لهذه الفقرة العظيمة، عذابٌ نازل من السماء فيه تدمير، النيازك الشهب، المجرات، الأشعات المحرقة الهالكة المدمرة، جنود الله التي لا ترى من الجراثيم والفيروسات والميكروبات، فيجأر محمد صلى الله عليه وسلم فيقول : (نعوذ بوجهك! نعوذ بوجهك! نعوذ بوجهك!) فيقرأ جبريل عليه السلام: أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ فيقول : (نعوذ بوجهك) فيقول: أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً [الأنعام:65] وإذا الجماعة الواحدة جماعات، والصف الواحد ممزق، الأمة الواحدة على قلب رجل واحد، أمم، أحزاب، فرق، اختلاف، تناحر، اغتيال، تدمير، هتك أعراض، سفك دماء، ولا يقيهم من الله أحد: أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ [الأنعام:65] زعزعة الأمن بهذه المعاصي.

    من الذي دمر عاداً ثم قال في نهاية التدمير ونبيهم ورسولهم يجري بقليل ممن آمن، والغبار خلفه يعصف، والملائكة تنفخ سبعة أيام: سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً [الحاقة:7] وتحول العمالقة كأنهم أعجاز نخلٍ خاوية، ثارت رءوسهم، وقعرت أجوافهم، وسقطوا على الأرض، نصفهم في التراب ونصفهم فوقهم الجنادل والحجارة لم يبق إلا آثارٌ وأطلالٌ هم فيها؟ من قال في نهاية التدمير: أَلا بُعْداً لِعَادٍ قَوْمِ هُودٍ [هود:60]؟

    ومن قال في نهاية تدمير قوم صالح: أَلا بُعْداً لِثَمُودَ [هود:68]، وتدمير قوم شعيب: أَلا بُعْداً لِمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ [هود:95]؟

    من القائل في تدمير الحضارات التي سادت ثم بادت؟

    أين اليونان؟ أين الإغريق؟! أين البابليون؟! أين الآشوريون؟! أين المجوس؟! أين الأكاسرة؟! أين القياصرة؟! أين الملوك؟! أين الجبارون؟! أين الجحافل؟! أين الكتائب؟! أين المواكب؟!

    قال الله عنها: وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ [هود:102].

    1.   

    الحذر من تقلبات القلوب

    أيها الأحباب: لا نأمن مكر الله، ولنحذر مكر الله في مجاري الأنفاس، واحذروا من تقلبات القلوب، إنما الأعمال بالخواتيم، فوالله لقد قصم ظهور الصالحين قوله تعالى: وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ [الأنعام:110]، (وإن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة، حتى لا يبقى بينه وبينها إلا قرابة ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها).

    أيها الأحباب الكرام: احذروا من تقلبات القلوب، وخطرات الأنفاس، إن القلب أشد تقلباً من الريشة في مهب الريح، ومن القدر إذا ثارت غلياناً، واعلموا أن قلوب جميع العباد بين إصبعين من أصابع الرحمن، كان يستغيث به من غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فيقول: (يا مقلب القلوب! ثبت قلبي على دينك، ويا مصرف القلوب والأبصار! صرف قلوبنا على طاعتك).

    احذروا! فوالله إن الإنسان لتمر به الخطرة فينساق معها ولا يدري أيقبض فيها أم لا، والله ضرب في نوم الإنسان للموت مثلاً، التاجر عندما ينام ماذا يرى في منامه؟

    يرى البيع والشراء، والشاب الأعزب عندما ينام ماذا يرى في منامه؟ يرى أنه يتزوج، والجائع يرى أنه يأكل، والخائف يرى أنه مؤمَّن، وهكذا من أصر على معصية وتقلب قلبه فيها فسيكون أعجز ما يكون عند انتهاء الأجل وقبض الروح، هو الآن في قوته ولا يملك قلبه ولا نفسه، فكيف سيكون يوم أن تنزل الملائكة وملك الموت ينادي روحه؟

    لهذا على العاصي أن يبادر بالتوبة الآن ما دام أنه قوي، ومثل الذي يؤخرها ويسوفها كمثل الذي يأتي إلى شجرة في وسط الطريق يريد أن يقطعها ليسلم المارة من الأشواك، فجاءها وحاول نزعها فعجز عنها عند أول نزعة فقال: أتركها هذا العام إلى العام القادم فأقلعها بعد ذلك وهيهات! هيهات! إن الضعيف يصير قوياً، والقوي يصير ضعيفاً، وستشتد الشجرة فإن عجزت عنها الآن فكيف بها بعد عام، هذا حال الذي يسوف التوبة، ويؤخرها، سيأتي يومٌ عليه يريد أن يتوب فلا يستطيع، يريد أن يرجع إلى الله فلا يجد طريقاً: صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ [البقرة:18].

    بادروا بالاستغفار عباد الله: وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [النور:31].

    اللهم اجعل خير أعمالنا خواتيمها، وخير أيامنا يوم لقائك، يوم لا ينفع مالٌ ولا بنون إلا من أتى الله بقلبٍ سليم، اللهم ما نحن بشيء ولا منا شيء، ولا بنا شيء، هذا فضلك وبرك وجودك وإحسانك علينا، لو فاحت ذنوبنا ما جلس عندنا أحد، إن يمُدح فينا شيء إنما يمدح جميل سترك وبرك وإحسانك، لك الحمد في الأولى، ولك الحمد في الأخرى، لا نحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك، اجعل جمعنا هذا جمعاً مرحوماً، ولا تجعل من بيننا شقياً ولا محروماً.

    أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه.

    1.   

    من أهوال يوم القيامة

    الحمد لله رب العالمين، الحمد لله ذي الملكوت والجبروت والكبرياء والعظمة، الحمد لله ملك الملوك، وكل الملوك عنده عبيد، الحمد لله الذي لا يحمد على مكروه سواه، الحمد لله الذي رأى أهل الجنة فضله فابتدءوه بالحمد، فقالوا: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ [الزمر:74] ولا يزال الله في الجنة يصعدهم درجات درجات، وفضلٌ منه ورحمات، فلما رأوا أن فضله دائم، ونعيمه قائم، لا ينقطع ولا يزول، فكما بدءوا بالحمد انتهوا به: وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [يونس:10].

    وصلى الله على محمد النبي الرسول، اللهم لا تحرمنا أجره، ولا تفتنا بعده، وأوردنا حوضه، واسقنا من يده الشريفة شربة هنيئة باردة لا نظمأ بعدها أبداً، برحمتك يا أرحم الراحمين!

    أما بعد:

    عباد الله: استمعوا إلى الجبار وهو يقول إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ * لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ * خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ [الواقعة:1-3].

    فكم من مخفوض في الأرض مرفوعٍ عند الله، وكم من مرفوعٍ في الدنيا مخفوضٍ عند الله، فاحذروا الخافض الرافع، إنما يرتفع الناس بالطاعات: أُولَئِكَ عَلَى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [البقرة:5] وإنما ينخفض الناس بالمعاصي: فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا * وَلا يَخَافُ عُقْبَاهَا [الشمس:14-15].

    أيها الأحباب الكرام: من القائل: وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ * وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ * عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ [التكوير:12-14]؟!

    من القائل: إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ * وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ * وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ * وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ * عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ [الانفطار:1-5]؟

    من القائل والإنس والجن والملائكة عنده صامتين ساكتين خاشعين: لا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَاباً [النبأ:38] يوم أن تنقطع الأماني، وتطيش الأحلام، وتصبح أماني الكافرين أن يكونوا تراباً.. يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَاباً [النبأ:40] من الذي سيفجر جبال الأعمال؟!

    أكثر الخلائق ستأتي بأعمال كالجبال من الحسنات بيضاء، وسيأتون في طياتها رياءً ومدحاً وثناءً وشركاً فيفجر الله أعمالهم كلها ولا يبالي: وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً [الفرقان:23] قال صلى الله عليه وسلم : (لأعلمن أقواماً من أمتي يأتون يوم القيامة بحسنات كأمثال جبال تهامة بيضاء يجعلها الله هباء منثوراً، أما إنهم إخوانكم، ومن جلدتكم، ويأخذون من الليل كما تأخذون، لكنهم أقوام إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها) هذا داؤهم وهذا نظرهم، نظروا إلى الله في خلوتهم فجعلوه أهون الناظرين إليهم، ونظروا إلى الخلق في مراقبتهم فقدموا لهم الخشوع والخضوع وتزينوا أمامهم بالطاعات، عمروا ظاهرهم، وخربوا بواطنهم، فدمر الله أعمالهم يوم القيامة وهم بأمس الحاجة إليها: يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ [الشعراء:88-89].

    استمعوا -أيها الأحباب الكرام- إلى خطابٍ موجه إلي وإليكم، وإلى الجن، وهل نستحق نحن أن يقول الله فينا يوم القيامة سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثَّقَلانِ [الرحمن:31] ومن يتحمل أن يقول الله له: سأفرغ لك يوم القيامة.

    من القائل أيها الأحباب: وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيّاً [مريم:71]؟ فكان الصحابة يبكون ويقولون: علمنا أننا على النار واردون ولم نتيقن أننا منها ناجون، وفيهم المبشرون بالجنة، وأهل بدر، وأصحاب الرضوان، وبيعة الشجرة، وأصحاب الفتح، وأعلن الله رضاءه عنهم رضي الله عنهم ورضوا عنه، وكل شخص منهم يقول: يا ليتني تبنة! يا ليتني بعرة! يا ليتني شعرة! يخافون مكر الله في الخواتيم، إنما الأعمال في الخواتيم عباد الله.

    1.   

    شروط التوبة والحث على كثرة الاستغفار

    استمعوا -أيها الأحباب- والله يشترط شروط التوبة على التائبين، كثيرٌ من الناس يظن أن الجنة وكالة بلا بواب، قال تعالى : وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى [طه:82] أربعة شروط، يعجز عن كل شرط منها الثقلان إلا بتوفيق الله، تاب ولا يتوب إلا بتوفيقه، ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا [التوبة:118] ولا يهدي إلى الإيمان إلا هو، وعمل صالحاً، ولا يحبب العمل الصالح للعبد إلا هو، ثم اهتدى فاستمر على الهداية إلى أن يلقى الله.

    استمعوا -أيها الأحباب الكرام- إلى ذلك المسكين الذي يلطخ نفسه بالذنوب ولا يبالي، لا تنظر إلى صغر ذنبك ولكن انظر إلى عظمة من تعصيه، لا تنظر، إلى نعمة تظنها صغيرة أو حقيرة، ولكن انظر إلى عظمة ربك الذي أهداها إليك وذكرك بهذه النعمة، إن مثل الموغل في الذنوب كمثل ذلك الذي خرج يوم العيد بثوبٍ جديد وهو يسير في الوحل في مستنقع الماء والطين، فهو يجمع ثيابه ويمشي بحذر حتى لا تنـزل على ثوبه قطرة، ولكنه إذا انزلق ووقع في الطين بعد ذلك لا يبالي، سيخوض في الطين والماء خوضاً، هذا مثل العاصي في أول معصية، فإذا لم يتب خاض في الذنوب خوضاً، وقد كان الناس وثوبه جديد يسلمون عليه ويحتضنونه على الصدور، فلما تلطخ بالذنوب والمعاصي ابتعدوا عنه كما يبتعدون عن المتلطخ بالطين والأوحال، لا يسلم عليه إلا من تلطخ بالطين والأوحال مثله.

    عباد الله: تذكروا هذا جيداً فجددوا التوبة، وأكثروا من الاستغفار حتى تأتوا يوم القيامة وقد امتلأت صفحاتكم بالاستغفار، وصاحبوا من يخوفكم، ولا تصاحبوا من يبشركم بالأمان، صاحبوا من يخوفكم حتى يلحقكم الأمن عند الله، ولا تصاحبوا من يؤمنكم بالذنوب حتى يدركم الخوف عند الله ولا منجى إلا بتوفيقه.

    عباد الله: إن الله لا يسأل المذنبين عن ذنوبهم، ولا العاصين عن معاصيهم، إنما يسأل الصادقين عن صدقهم، الصادق الصديق يوقفه الله فيسأله لا عن ذنبه وإنما عن صدقه، ماذا أراد بهذا الصدق، السلطان أم الله رب العالمين؟ لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ [الأحزاب:8].

    أيها الحبيب! تخيل نفسك وأنت في الخلق عند الله: وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْساً [طه:108] أين موقعك؟

    وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْماً [طه:111] أين أنت والله سبحانه وتعالى يقول للذين يعبدون ويوحدون ويصومون ويصلون: فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ [الأعراف:99]؟!

    استمعوا إليه وهو ينادي: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ * وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ [الأنفال:24-25].

    واذكروا يا أهل الكويت، يا أهل النعم يا من تجبـى إليكم الثمرات من كل مكان: وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [الأنفال:26].

    فاشكروا الله، واحمدوا الله، واثنوا على الله.

    اللهم عز جاهك، وجل ثناؤك لا إله إلا أنت، من هنا من على منبر الدفاع عن المسجد الأقصى، أوجه رسالة إلى جميع الملوك والسلاطين، أقول لهم: توبوا إلى الله رحمة بكم، توبوا إلى الله.. توبوا إلى الله .. توبوا إلى الله .. قبل أن ينادي ملك الملوك: لِمَنْ الْمُلْكُ الْيَوْمَ [غافر:16]، فلا يجيب منكم أحد، ولا يتكلم منكم أحد، ردوا الأموال المنهوبة، احقنوا الدماء المسكوبة، عدلوا الأوضاع المقلوبة، توبوا إلى الله، لا تتآمروا على مقدساته ولا أوليائه، ولا عبيده وخلقه، ما دمتم أحياء فالفرصة أمامكم، وهو القائل لرءوس الكفر من أمثالكم: قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ [الأنفال:38] والله قادرٌ على ذلك لا إله إلا هو، وباب التوبة مفتوح، فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يهدي من ضل منا إلى توبته، اللهم ألف على الخير قلوبنا، وأصلح ذات بيننا، واهدنا سبل السلام، ورد المسلمين إلى الإسلام رداً جميلاً، اللهم إنا نسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى، والصدق والإخلاص والمعافاة، والعمل النافع، والعمل الصالح.

    اللهم اجعل الدنيا بأيدينا، ولا تجعلها في قلوبنا، وارزقنا منها ما تقينا به فتنتها، واجعل حظنا الأوفر والأكبر يوم لقائك، اللهم إنا نسألك بعزك وذلنا بين يديك إلا رحمتنا، وبقوتك وضعفنا إلا قويتنا، وبغناك عنا وفقرنا إليك إلا أغنيتنا، هذه نواصينا الخاطئة بين يديك، لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك، عبيدك سوانا كثيرٌ كثير وليس لنا ربٌ سواك، نسألك مسألة المسكين، ونبتهل إليك ابتهال الخاضع الذليل، وندعوك دعاء الخائف الضرير، سؤال من خضعت لك رقبته، ورغم لك أنفه، وفاضت لك عيناه، وذل لك قلبه، يا أرحم الراحمين! يا من يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء! اكشف ما بأمتنا من سوء.

    اللهم عليك باليهود وأعوانهم، والصليبيين وأنصارهم، والشيوعيين وأشياعهم، أحصهم عدداً، ولا تغادر منهم أحداً.

    اللهم من أراد بنا والإسلام سوءاً فأشغله في نفسه، ومن كادنا فكده، واجعل تدبيره تدميره، اجعلنا في ضمانك وأمانك، وبرك وإحسانك، احرسنا بعينك التي لا تنام، واحفظنا بركنك الذي لا يرام، وارحمنا بقدرتك علينا، ولا نهلك وأنت راجاؤنا يا أرحم الراحمين!

    نعوذ بك اللهم أن نذل في سلطانك، أو نُقهر أو نُضطهد أو نُعذب أو نفتن أو نشهر أو نفتضح والأمر إليك وحدك لا شريك لك، استرنا فوق الأرض وتحت الأرض، ويوم العرض، يا رب العالمين! هذا الدعاء ومنك الإجابة، وهذا الجهد وعليك التكلان، ندفع بك في نحور أعدائنا، ونعوذ بك من شرورهم، أنت ملاذنا ومعاذنا ونصيرنا وحسبنا ومولانا فنعم المولى ونعم النصير.

    إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن المنكر والبغي؛ يعظكم لعلكم تذكرون، فاذكروا الله يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.