إسلام ويب

الفجر الجديدللشيخ : أحمد القطان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • أدار الشيخ هذه المحاضرة على محور أن الإنسان يحيا الحياة ليحقق أملاً منها وليغتنمها للآخرة، وأن المسلمين لما تركوا هذا الأمر حل محل كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم الأغنية والقصة التافهة. وقد كان التلاعب بأفكارهم من قبل الأعداء هو السبب الرئيس لما نراه من جاهلية يحياها قسم كبير من أفراد الأمة الإسلامية.

    1.   

    فضل الذكر وأهميته في استثمار الصحة والفراغ

    الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وصفيه وخليله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح لهذه الأمة.

    اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا، اللهم ومتعنا بأسماعنا وأبصارنا وقواتنا ما أبقيتنا، واجعله الوارث منا، واجعل ثأرنا على من ظلمنا، وانصرنا على من عادانا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا تسلط علينا بذنوبنا من لا يخافك فينا ولا يرحمنا، يا أرحم الراحمين.

    اللهم اجعلنا لجميع المسلمين هينين لينين سمحين حبيبين قريبين، اللهم اجعلنا لجميع المسلمين كالأرض الذلول يطؤها الكبير والصغير، وكالسحاب يظل البعيد والقريب، وكالمطر يسقي من يحب ومن لا يحب، اللهم اجعلنا لجميع المسلمين ولجميع الناس مبشرين وميسرين، ولا تجعلنا معسرين ومنفرين، برحمتك يا أرحم الراحمين، اجعل جمعنا هذا جمعاً مرحوماً، ولا تجعل من بيننا شقياً ولا محروماً.

    اللهم انصر المجاهدين، وأكرم الشهداء، وثبت الغرباء، وفك المأسورين من إخواننا المسلمين، ونسألك اللهم أن ترد المسلمين إلى الإسلام رداً جميلاً، وحد أمرهم، واجمع صفهم، واغفر ذنبهم، واجبر كسرهم، وحقق بالصالحات آمالنا وآمالهم، واختم بالطاعات أعمالنا وأعمالهم.

    نسألك اللهم تحرير الأقصى وفلسطين ، وارزقنا فيه صلاة طيبة مباركة، عليك باليهود وأعوانهم، والصليبيين وأنصارهم، والشيوعيين وأشياعهم، اللهم أرنا فيهم عجائب قدرتك، اللهم أيما عبد أو أمة من أمة محمد على الحق فثبته على الحق وزده، ومن كان منهم على باطل وهو يظن أنه على الحق فرده إلى الحق رداً جميلاً.

    اللهم من ظلمنا أو بهتنا فإنا قد عفونا عنه، اللهم إنا قد عفونا ما بيننا وبين عبادك فاعف ما بيننا وبينك، إنك أنت أجود وأكرم يا أرحم الراحمين.

    أصلح أزواجنا وأولادنا وجيراننا وأرحامنا، ونجحنا في دروسنا، واجعل لنا في أول هذا العام صلاحاً، وفي أوسطه فلاحا، وفي آخره نجاحاً وعتقاً من النار.

    واغفر اللهم لكل من علمنا علماً ينقلنا من الظلمات إلى النور، ومن الجهل إلى العلم، اللهم اغفر له وارحمه إنك على ذلك قدير.

    أما بعد:

    أيها الأحباب الكرام: إني أحبكم في الله، وأسأل الله أن يحشرني وإياكم في ظل عرشه ومستقر رحمته.

    وأتقدم بالشكر الجزيل إلى إدارة ثانوية الدوحة (الفترة المسائية) وإلى الإخوة المعلمين وجميع الطلبة والحاضرين، ومن اقتطع من وقته الثمين، ليسمع إلى أخيه في الله ويتذاكر معه أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ [الرعد:28].

    أحبتي في الله: كما تعلمون أن الرسول صلى الله عليه وسلم ربى أمته بالذكر ولم يربها بالغناء، وكان صلى الله عليه وسلم يربي الجماعة المسلمة بالذكر حتى أنه ما ترك لها لحظة من لحظات حياتها تحس فيها بالفراغ، وإن الناس اليوم ما لجئوا إلى الغناء والطرب والموسيقى، إلا بعد أن جهلوا سنة النبي صلى الله عليه وسلم في الأذكار، ولو كانوا يعرفون ماذا يقولون لملئوا أوقات فراغهم، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: (نعمتان مغبون فيهما كثيرٌ من الناس الصحة والفراغ) فإذا رأيت من يسمع أغنية أو يجول هنا وهناك، تسأله لماذا يا هذا؟

    قال: أقتل الوقت، ولا يعلم أن الوقت هو الحياة.

    إذاً.. أنت تقتل نفسك.

    اغتنم خمساً قبل خمس

    لو أمضيت هذا الوقت في تسبيحة، أو تهليلة، أو تكبيرة، أو عمل نافع، أو مذاكرة، أو صلة رحم، أو صدقة، أو زيارة أخ، أو تفكر في السماء أو الأرض، أو زيارة طيبة، أو قراءة محببة، أو أي شيء نافع لكان ذلك من خير الدنيا والآخرة، ولكن تقتل الوقت هكذا لكي تملأ الفراغ بالموت، وهل هناك عاقل يملأ فراغه بالموت، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: (اغتنم خمساً قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وفراغك قبل شغلك، وغناك قبل فقرك، وصحتك قبل سقمك، وحياتك قبل موتك)، وهذه هي الأمور التي يجب أن نملأ بها الفراغ.

    إذا كنت في صحة فتذكر أن وراء الصحة مرضاً، ومن منا لا يمرض، إذاً.. نستفيد من وقت الصحة فلا نقتله بما لا ينفع، وإذا كنا في الشباب فإن وراء الشباب شيخوخة، وإذا كنا في غنى فإن وراء الغنى فقراً، وإذا كنا في حياة فإن وراء الحياة موتاً، والحسن البصري رحمة الله عليه يقول: [يا بن آدم! لا تزال في هدم عمرك منذ ولدتك أمك، إنما أنت أيام كلما ذهب يومك ذهب بعضك] انظر التعبير، إنما أنت أيام، هذا هو الإنسان، [واعلم أن كل فجر يوم جديد ينادي: أنا يوم جديد، وعلى عملك شهيد، فاغتنمني فإني إلى يوم القيامة لا أعود] .

    والرسول صلى الله عليه وسلم يحث أمته لكي تملأ فراغها، فماذا يقول؟ (بادروا بالأعمال الصالحة سبعاً) سبعة أمور تطاردك لكي تقضي عليك، فأنت معها في سباق، ما هي؟ قال: (فهل تنتظرون إلا فقراً منسياً، أو غنىً مطغياً، أو مرضاً مفسداً، أو هرماً مفنداً، أو موتاً مجهزاً، أو الدجال فشر غائب ينتظر، أو الساعة والساعة أدهى وأمر).

    أزمة الأمة أزمة إيمان بالآخرة

    نعم أيها الأحباب! وهكذا صلى الله عليه وسلم ينادي أمته بأن تملأ فراغها، كيف ملأ هو فراغه؟ بالغناء .. باللهو .. بضياع الوقت .. بقتل الوقت، حاشاه أن يفعل ذلك.

    نراه إذا استيقظ من الليل أول ما يتبادر إلى ذهنه ساعة استيقاظه أن يحمد ربه، يجعل نهاية اليوم ذكر الحبيب وهو الله، وبداية اليوم الجديد ذكر الحبيب، وهذا هو المهم، أي: أنت عندما تحب إنساناً أو مخلوقاً .. تحب مخلوقة، لا تنام إلا على ذكراها، ولا تصحو إلا على ذكراها، أليس هذا معروفاً ومعلوماً في عالم البشر؟

    بلى معروف، فلهذا إذا كان حب الله أشد وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ [البقرة:165] فيجب أن تكون نهاية يومك وأنت تنام أن تذكر الحبيب، وعندما تستيقظ تذكر الحبيب، حتى تتعود ذلك في قبرك، فإذا أنت بعثت في القبر للسؤال أول ما تذكر: لا إله إلا الله، نعم. لأن لسانك قد اعتادها.

    فلهذا كان صلى الله عليه وسلم إذا استيقظ قال: (الحمد لله الذي أحيانا بعدما أماتنا وإليه النشور)، إذاً الذكر هذا ذكره بماذا؟

    ذكره بالبعث وبالنشور، وبالحياة الأخرى، وأزمة العالم اليوم أزمة إيمان بالحياة الأخرى، ولعل الأساتذة الكرام الذين يقرءون إحصائيات الدنيا، يعلمون أن دول العالم الآن تتسابق وتتسلح من أجل الدنيا فقط لكي يكسبوا أكثر، ويتلذذوا أكثر، ويحوزوا أكثر، ويسبقوا أكثر، أما قضية أخرى وحساب وعقاب وجنة ونار، فهذه الآن غائبة تماماً عن أذهان الناس.

    لهذا هم أشبه ما يكونون بالوحوش في الغابة، لما انطفأت الكهرباء كما تعلمون من سنوات في نيويورك؛ لأنهم لا يؤمنون باليوم الآخر والحساب والعقاب تحول الناس كلهم إلى لصوص، وأمريكا هي رمز الحضارة والتقدم المدني التكنولوجي، أين ذهب الضمير الإيماني؟

    الضمير الإيماني يتواجد إذا آمن الإنسان أن له رباً يحاسبه، يعطيه على الإحسان إحساناً، وعلى الإساءة عقاباً، أما هم فلا يؤمنون بذلك، فلهذا هم في حياة نكدة تعيسة، يبحثون عن السعادة فلا يجدونها.

    لكن الرسول صلى الله عليه وسلم أول ما يستيقظ يثبت إيمانه بالبعث، فيقول: (الحمد لله الذي أحيانا بعدما أماتنا وإليه النشور)، أي: نشر الموتى من جديد لحسابهم يوم القيامة.

    1.   

    البرنامج اليومي للرسول صلى الله عليه وسلم

    سأسرد لك يومه صلى الله عليه وسلم من أوله إلى آخره.

    عمل الرسول صلى الله عليه وسلم عقب الاستيقاظ

    يقوم صلى الله عليه وسلم ويأخذ المسواك ويبدأ بتطهير فمه؛ لأنه الآن سيبدأ ذكر الوضوء، وذكر ما بعد الوضوء، وذكر التهجد وقيام الليل، واستقبال الوحي، وقراءة الوحي، فأول ما يبدأ ينظف فمه.

    انظر نحن الآن في أسبوع النظافة، انظر كيف أن الرسول صلى الله عليه وسلم بعد أن حمد الله ومدحه وآمن بالبعث، أول عمل فعله تسوك صلى الله عليه وسلم، فلما نظف فمه قام وذهب يتوضأ، يدخل الحمام برجله الشمال، وهذه يقظة، علماء النفس يقولون: إن الإنسان تميز عن الحيوان باليقظة، الحيوان ملهم غريزياً إذا جاع أن يأكل، لماذا يأكل؟ لا يدري لماذا يأكل.

    فلهذا الإنسان ميزه الله وكرمه أن أعطاه اليقظة التي تؤدي إلى الوعي والإدراك، والفهم والهم، والعزيمة والعمل، فلهذا أنا عندما أدخل الحمام باليمين أو بالشمال أتميز عن الحيوان، هنا بهذه الانتباهة وبهذه الومضة أتميز عن الحيوان، الرسول صلى الله عليه وسلم في هذا الموقف علمنا فهذا المكان ندخل فيه بالشمال، نخرج منه باليمين، انظر! ضبط وربط، ويقظة وانتباه، ثم قبل الدخول نقول: اللهم إنا نعوذ بك من الخبث والخبائث، ويفسرها أن الخبث والخبائث هم الجن؛ لأن مسكن الشياطين في النجاسات.

    فإذا قضى حاجته يمتنع عن الذكر القولي، ويبقى الذكر القلبي؛ لأن الذكر القولي تكتبه الملائكة والملائكة لا تدخل الحمامات وأماكن النجاسات، فإذا أراد أن يتوضأ وخرج من الحمام، قال: غفرانك، يستغفر ربه؛ لأنه أمضى فترة تعطل فيها اللسان عن ذكر الرحمن، فلهذا يقول: غفرانك.

    الوضوء ودوره في التربية

    فإذا جاء يتوضأ قال: باسم الله، ثم أخذ يتوضأ، فإذا انتهى من الوضوء قال: أشهد أن لا إله إلا الله -أثبت التوحيد- وحده لا شريك له وأشهد أن محمد عبده ورسوله، اللهم اجعلني من التوابين -وهذه هي طهارة الباطن- واجعلني من المتطهرين، أي: المتوضئين، وهذه هي طهارة الظاهر، فجمع النبي صلى الله عليه وسلم مع الوضوء التي هي نظافة الأعضاء نظافة القلب والأحشاء، فهو يريد أن يكون من التوابين ويكون من المتطهرين.

    لهذا لا تعجبوا من ذلك المسلم الذي الْتقى مع أوروبي في إحدى المقاهي ففاجأه بكلمة كالقنبلة، قال له: أنت ما دينك؟ قال: ديني الإسلام، قال: الإسلام هذا الذي ينادي بتعدد الزوجات هذا الدين الرجعي، قال: ديني أنا رجعي؟ قال: نعم. قال: أتعلم أن رجلي أنظف من وجهك، مثل الصعقة الكهربائية، وهم هناك دائماً يحبون أن يبحثوا على عن الكلام، قال: ماذا تقصد أن رجلك أنظف من وجهي؟ قال: أنت كم تغسل وجهك في اليوم؟ قال: أما في الشتاء أمسحه بفوطة فيها كحول وفيها عطر، قال: أنا أغسل رجلي في اليوم خمس مرات، أيهما أنظف رجلي أم وجهك؟ قال: لا. رجلك.

    فقال: هذا دينك؟ قال: نعم هذا ديني، وأصبح مدخلاً من المداخل، وبدأ يشرح له خطوة خطوة بهدوء وبساطة ولم يقم هذا الرجل من المقهى حتى قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله، من الوضوء فقط، أرأيتم يا أحباب؟ فإذا ذكر ذلك الذكر رفع يديه وقال: (سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك) وضع عليها طابعاً لا يفض للعبد إلا عند العرش يوم القيامة.

    دور الذكر في تربية الصحابة

    فإذا دخل يصلي ذكر ذِكر التهجد، وأنت عليك أن تتابع معي ذكر التهجد لكي ترى التربية الروحية التي كان يتلقاها كل مسلم في ذلك الوقت، أنت تتعجب، نقول: كيف دخل ربعي بن عامر هذا الأعرابي الفقير الذي رمحه مكسور وقدمه حافية على رستم في إيوان كسرى، ثم لم يعبأ بهذه الدنيا كلها، وتحداهم في دنياهم، كيف تربى هذه التربية؟!

    اسمع يا أخي! الرسول صلى الله عليه وسلم علمهم قبل أن يصلوا صلاة الليل دعاء اسمه دعاء التهجد، ماذا كان يقول فيه؟ أنت عليك أن تتخيل كل مسلم كل ليلة يتربى على هذه المعاني.

    اسمع، يقول: (اللهم لك الحمد أنت قيوم السماوات والأرض ومن فيهن) هذه أول واحدة، في كل ليلة تستشعر أن الله قيوم السماوات والأرض ومن فيهن، فهل تخاف من أحد؟ تسأل أحداً؟ تخشى أحد؟ الرزق محفوظ والروح والأجل محفوظ، وتعيش بعزة وبكرامة؛ لأن السماوات والأرض، ومن فيهن قائمة بالله سبحانه وتعالى، نعم هو الذي يقيمها، وهو الذي يقيتها، وهو الذي يرزقها.

    كل ليلة: (اللهم لك الحمد لك ملك السماوات والأرض) تلاحظ بعد قيوم السماوات والأرض وضع في النصف الملك، فيصبح هو ملك الملوك، فلا تخشى ولا تسأل ولا تطلب، ولا تحاكم ولا تخاصم إلا به سبحانه وتعالى، (اللهم لك الحمد أنت نور السماوات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد ملء السماوات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت الحق، ووعدك الحق، ولقاؤك حق، والجنة حق، والنار حق، والنبيون حق، ومحمد صلى الله عليه وسلم حق، والساعة حق) لاحظ عندما ذكر محمداً ذكر وراءه الساعة، معنى هذا أنه لا يوجد رسل بعده فهو خاتم الرسل صلى الله عليه وسلم، وخاتم المعصومين عليه الصلاة والسلام.

    لهذا قال: (ومحمد صلى الله عليه وسلم حق، والساعة حق، والنار حق -إلى أن يقول-: اللهم لك أسلمت، وبك آمنت، وعليك توكلت، وإليك أنبت، وبك خاصمت، وإليك حاكمت) لاحظ: أنا لا أخاصم إلا بالله سبحانه وتعالى وليس بهواي، دائماً أتشفى، دائماً أقاتل من أجل حظوظ نفسي، إذا غضبت أغضب من أجل الدين، ليس من أجل شيء تافه، واحد سمعت منه كلمة هنا أو كلمة هناك وأعصابي مشدودة، لا. إنما غضبي لله سبحانه وتعالى، (بك خاصمت، وإليك حاكمت) تحاكمي إلى قانونك وشريعتك، أحل ما أحللت وأحرم ما حرمت.

    قال: (فاغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت، وما أنت أعلم به مني، أنت المقدم وأنت المؤخر وأنت على كل شيء قدير).

    ثم يدخل في الصلاة فإذا دخل في الصلاة بدأت أدعية الاستفتاح، وأدعية الاستفتاح فيها من المعاني التربوية التي تجعل المسلم يعيش في عزة وكرامة، منها: (اللهم رب جبرائيل) لاحظ يثني على الله بذكر ثلاثة ملائكة، الملك الأول مصدر حياة القلوب بالوحي، الملك الثاني مصدر حياة الأبدان بالمطر، والملك الثالث مصدر حياة الجثث بالنفخ يوم القيامة، هذا مدح. (اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم) ويقرأ الفاتحة، في الصلاة التي بعدها والليلة التي بعدها قد يترك هذا الاستفتاح، ويقول: (اللهم نقني من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، اللهم اغسلني من ذنوبي وخطاياي بالماء والثلج والبرد، اللهم باعد بيني وبين ذنوبي وخطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب).

    وفي صلاة أخرى: (اللهم هب لي مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال، فإنه لا يهب مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال إلا أنت) في صلاة أخرى: (سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك) في صلاة أخرى: (الله أكبر كبيراً والحمد لله كثيراً وسبحان الله وبحمده بكرةً وأصيلاً) وهكذا ينوع فيتربى على هذه المعاني، يتفنن في اختيار الكلمات، يتملق ربه، يمدح إلهه بأعذب وألطف وأجمل العبارات صلى الله عليه وسلم.

    صلاة الفجر وما يكون بعدها

    فإذا قال ذلك دخل في الاستعاذة، وكما تعلمون أن الاستعاذة هي العياذ واللواذ بالله، فلا يجوز أن نستعيذ أو نلوذ أو أن نستجير بضريح أو قبر أو ميت أو فلان من المخلوقين، وإنما دائماً نقول: إن الذي يجيرنا ويعيذنا هو الله سبحانه وتعالى، فيقول: (أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم) هذه الأولى.. (أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه) هذه الثانية.. (أعوذ بالله من الشيطان الرجيم) هذه الثالثة جاءت في القرآن.

    ثم يبدأ يقول باسم الله ويدخل في الفاتحة، ويقف عند كل آية، ووقوفه عند كل آية كما تعلمون وقوف تفكر وتدبر؛ لأنه إذا قال: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الفاتحة:2]، قال الله: حمدني عبدي، الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ [الفاتحة:3]، قال: أثنى علي عبدي، مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ [الفاتحة:4]، قال: مجدني عبدي، إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:5]، ثم يبدأ الدعاء إلى أن ينتهي، قال: هذه لعبدي ولعبدي ما سأل.

    فوقوفه صلى الله عليه وسلم هذه الوقفات تفكر وتدبر في كلام الله بعدها، ثم بعد ذلك يدخل في السورة، ويبدأ يقف الليل كله بركعتين أو بأربع، أو بثمان أو بعشر، ثم يوتر بعد ذلك، وهكذا عليه الصلاة والسلام ثم ينام، ثم يستيقظ، ويذهب إلى صلاة الفجر.

    بعد الفجر مباشرة يجلس يؤول لأصحابه رؤياهم، انظر التلطف، فيوم من الأيام يجلسون يتذاكرون أمور الجاهلية ويضحكون وهو يبتسم، ولعلك تعجب إذا رأيت مجموعة من المصلين بعد صلاة الفجر الواحد منهم يقول: تذكرون يا إخوان يوم كنا قبل أن يهدينا الله سبحانه وتعالى، كنا نذهب إلى مشارق الأرض ومغاربها في المعاصي، والله سبحانه وتعالى هدانا الحمد لله، هم هكذا كان الصحابة رضي الله عنهم يفعلون ذلك، حتى أحدهم يقول: كان لي حجر اخترته ونحته بيدي أحلب عليه أطيب الحليب الذي أشح به على نفسي، فيأتي الكلب فيلعق الحليب ثم يشخر ويبول على الحجر، يقول: ثم آتي فأعبده، انظر إلى أي حد من الإهانة بلغ الإنسان العربي قبل البعثة، يرى الكلب يلعق الحليب ويتبول على الحجر ثم يأتي ويعبد الحجر، إلى هذه الدرجة، فضلاً عن الذي يصنعه من تمر فإذا جاع أكل ربه.

    فتجده صلى الله عليه وسلم يأذن لهم بذلك، ويأذن لهم أن يضحكوا وهو يبتسم، ويؤول رؤياهم، فإذا أشرقت الشمس أخبرهم أن: (من جلس بعد صلاة الفجر يذكر الله حتى تشرق الشمس فيصلي ركعتين لا يحدِّث فيهما نفسه في أمر من أمور الدنيا إلا كتب الله له بهما أجر حجة وعمرة تامتين تامتين تامتين)، وهذا الوقت المبارك -وقت الفجر- فيه من البركة والخير ما لا يعلمه إلا الله، واسأل الفلاحين لعل الإخوة أهل الشام والعراق ومصر يعرفون هذه الحقيقة، كذلك البدو الذي عندهم أغنام أبرك وقت وأحسن وقت هو هذا الوقت، البهائم تبدأ تنتشر، والخيرات تنزل، والأرزاق تقسم.

    والذي ينام في هذا الوقت، نعم هناك نوم للضرورة كالمدرس المرهق الذي يصحح دفاتر الطلاب في الليل، الذي سهر مع الطفل، الذي سهر مع مريض، الذي لم يكتف من النوم بحيث أنه لو صحا من الفجر إلى الشروق لظل مرهقاً، هذه كلها أعذار، والأعذار تبيح النوم، لكن الذي يجد في نفسه سعة ألا ينام ثم يضيع هذا اليوم المبارك فقد حرم نفسه خيراً كثيراً.

    أذكار الصباح وأهميتها

    ثم يستقبل النبي صلى الله عليه سلم ذلك اليوم بإشراقه جديدة، ما هي هذه الإشراقة؟

    أذكار الصباح، وكما تعلمون أن أذكار الصباح هذه لم تقل عبثاً، أي: ما جلس صلى الله عليه وسلم وخبط خبطتين وقال كلمتين فقط، بل لها مقصد، ومن مقاصدها ما تأخذه من المعاني، اسمع: (أصبحنا وأصبح الملك لله، والحمد لله، لا شريك له، لا إله إلا هو إليه النشور) معاني عظيمة (أصبحنا على فطرة الإسلام، وكلمة الإخلاص، وعلى دين نبينا محمد صلى الله عليه وسلم) ثم يعبر فينا عبرة طويلة إلى التاريخ، كل الأمم تاريخها نظري إلا نحن تاريخنا عملي وفيه عبادة.

    عبر فينا في صباح كل يوم باكر إلى إبراهيم أبو الأنبياء، قال: (وعلى ملة أبينا إبراهيم حنيفاً مسلماً وما كان من المشركين) هذه النقلة الهائلة تربطنا بأبي الأنبياء إبراهيم، ثم يقول: (اللهم اجعل لي في أول هذا اليوم صلاحاً -إلى أن يقول-: اللهم إني أسألك خير هذا النهار وخير ما فيه وخير ما بعده، وأعوذ بك من شره وشر ما فيه وشر ما بعده) إلى أن يبدأ صلى الله عليه وسلم يمدح ربه، فيعتق نفسه من النار، وذلك في قوله: (اللهم إني أشهدك وأشهد حملة عرشك وملائكتك وجميع خلقك أنك أنت الله وحدك لا شريك لك وأن محمداً عبدك ورسولك) من قالها أربع مرات فقد أعتق نفسه من النار، (اللهم إني أصبحت منك في نعمة وعافية وستر، فأتمم علي نعمتك وعافيتك وسترك في الدنيا والآخرة) من قالها ثلاث مرات ستره الله في الدنيا وفي الآخرة وكان حقاً على الله أن يتم عليه.

    وهكذا يستقبل الحياة كل يوم بهذه المعاني الطيبة، ثم بعد ذلك وقد أصبح النهار واسعاً وطويلاً، فيجعل سمعك ذكراً، ونظرك عبادة، وفكرك عبادة، وبقي اللسان، قال: خير الكلام أربع: (سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر) ومن ثم أراحك، (بأي واحدة أبدأ يا رسول الله؟ قال: لا يضرك بأيهن بدأت) تيسير للأمة، ثم يقول صلى الله عليه وسلم: (لئن أقول هذا -أي: هذا الكلمات الأربع السهلة- أحب إلي مما طلعت عليه الشمس)، ثم يقول: (كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمان: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم)، ويملأ يومك.

    ويأتي سائل -هذا سؤال حال وليس سؤال مقال- يقول: يا رسول الله! ناس صناع وناس تجار وناس رعاة، ونحن نقف في الفصل نعلم الحساب والكيمياء، قال لك: ألا أخبرك بأكثر من ذكرك الله الليل والنهار، فقط أقوله مرة واحدة أكثر من ذكري الليل والنهار، قال: علمني يا رسول الله، قال: تقول: (الحمد لله عدد ما خلق، الحمد لله ملء ما خلق، الحمد لله عدد ما في السماوات وما في الأرض، الحمد لله عدد ما أحصى كتابه، والحمد لله عدد كل شيء والحمد لله ملء كل شيء، ثم تسبح بمثلهن، تعلمهن وعلمهن عقبك من بعدك).

    خير ميراث تورثه أولادك وأهلك هو هذا الميراث، مرة واحدة تقوله يكفيك عن ذكر الليل وذكر النهار، اذهب درس واحرث حتى لا تجعل الطاعة والعبادة حجر عثرة بين الإنتاج والصناعة والتقدم والرقي.

    حتى أن زوجته رضي الله عنها جلست بعد الفجر تذكر الله إلى الضحى، فجاء قال: هل أنتِ على ما كنت عليه؟ قالت: نعم، قال: قلت بعدك أربع كلمات ثلاث مرات لو وزنت بما قلتيه لوزنتهن وزادت عليهن، قالت: علمني يا رسول الله، قال: قلت: (سبحان الله وبحمده عدد خلقه، ورضا نفسه، وزنة عرشه، ومداد كلماته)، ثلاث مرات تزن كل التسبيح والتهليل والتحميد والذكر الذي جلستِ له من صلاة الفجر إلى الضحى.

    فتبين أنه صلى الله عليه وسلم بهذه الأذكار يعالج كل الأحوال والظروف والحالات، وإذا انتقلنا من عالم الأصحاء وعالم الزرَّاع والمعلمين والفلاحين، ولو ذكرت لكم أنواع المدح والثناء فيهم لتعجبتم.

    1.   

    وقفات نبوية مع أعمال فاضلة

    أنتم الآن مدرسون وطلبة علم، دعوني أذكر لكم بعض ما يطيب قلوبكم.

    وقفة مع طالب العلم والمعلم

    أما من ناحية طالب العلم، فالرسول صلى الله عليه وسلم يقول: (إن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضاً بما يصنع)، ويقول: (من سلك طريقاً يبتغي فيه علماً سهل الله له به طريقاً إلى الجنة).

    معنى هذا أنت أيها الطالب عندما تخرج من بيتك هناك ملائكة تبسط أجنحتها وأنت تمشي على الأجنحة، تمشي على الأجنحة إلى أن تصل إلى المدرسة وأنت لا تدري، أنت لا تمشي على الإسفلت، تمشي على أجنحة ملائكة لأنك تطلب علم، وإذا درست التربية الإسلامية قال: (خيركم من تعلم القرآن وعلمه)، انظر يقدم المتعلم على المعلم، ثم يحول تحويله على المعلم نفسه، فيقول: (إن الله وملائكته ليصلون على معلم الناس الخير، حتى النملة في جحرها، والحوت في البحر)، الله، الملائكة وعالم الأرض وأصغر ما فيه النملة، والبحار والأسماك كلهم يستغفرون ويترحمون على معلم الناس الخير.

    إذاً.. الراتب الذي يأخذه آخر الشهر هل يكافئ هذا العمل؟

    لا يكافئ هذا العمل؛ لأن الذي يعلم قيمة هذا العمل هو الله؛ لأن كل الصناع والعمال يتعاملون مع جمادات إلا المعلم يتعامل مع بشر، والبشر كرامته عند الله عظيمة، فيأخذ المعلم كرامته من كرامة من يتعامل معه، فأنت تخرجه من الظلام إلى النور، ومن الجهل إلى العلم، فجعل الله هذا الثواب العظيم لمعلم الناس الخير.

    وقفة مع الزراع

    ويأتي إلى الزرَّاع فيقول: (من كانت بيده فسيلة واستطاع أن يغرسها قبل أن تقوم الساعة فليغرسها).. (ومن زرع زرعاً فما من طير أو حشرة أو دابة يأكل منه إلا وله به صدقة)، ويأتي إلى الصناع، لا يترك أحداً صلى الله عليه وسلم إلا ويدفعه دفعاً للإنتاج والحضارة والازدهار والعطاء.

    وقفة مع زائر المريض

    ثم يحول إلى عالم المرضى صلى الله عليه وسلم أول ما يفعله يطيب حياتهم، فيقول عليه الصلاة والسلام: (من عاد مريضاً أو زار أخاً له في الله ناداه مناد: بأن طبت وطاب ممشاك وتبوأت من الجنة منزلاً)، أي: أنت ذاهب تزور أخاك المريض بدايته بيتك ونهايته في الجنة، وتبوأت من الجنة منزلاً، ثم يقول: (عائد المريض في مخرفة الجنة -أي: في أزهارها ورياضها وأشجارها- إن شاء فليمكث وإن شاء فلينصرف) ويقول: قال تعالى في الحديث القدسي: (عبدي مرضت ولم تعدني، قال: كيف أعودك وأنت رب العالمين؟ قال: علمت أن عبدي قد مرض، ولو عدته لوجدتني عنده ...) وقضية الإطعام وقضية السقيا وقضية اللباس، قال: لوجدت ذلك عندي، إلا المريض، قال: لوجدتني عنده، وهذه المعية خاصة بالمريض وليست عامة.

    تحفيز الأمة لعمل الخير

    أيها الأحباب الكرام: ما دام رسولنا صلى الله عليه وسلم يملأ أوقاتنا بهذه، والله سبحانه وتعالى علم أن أعمارنا قصيرة مهما عملنا فيها فإنها قصيرة، نصف عمرك نوم، بقي النصف الثاني، النصف الثاني إما أنك تشكو جوعاً أو تخمة، وما بينهما أمراض وأشكال وألوان وقضاء حاجات ومن لطف الله سبحانه وتعالى أن جعل فضلات أهل الجنة مسكاً، وإلا لكانت حسرة لما يرى الإنسان من روائح كريهة. كفانا الهل الشر.

    فلهذا تجد الرسول صلى الله عليه وسلم لما علم قصر عمر الإنسان بشر بأشياء تمد العمر، فكانت ليلة القدر خير من ألف شهر، ومن منا يضمن أنه يعيش ألف شهر، هذه خير من ألف شهر، وكلنا نصوم رمضان، وكلنا نقيم العشر الأواخر فنصيب فيها ليلة القدر، فمن صام وصلى ضمن على الله في العشر الأواخر في كل الرمضانات عمراً مديداً يزيد في الأجر والثواب والخلود الأبدي.

    ثم جعل الجمعة إلى الجمة كفارة لما بينهما، الحج إلى الحج كفارة لما بينهما، العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، ثم صيام يوم عرفة لغير الحاج يكفر ذنوب السنة الماضية والقادمة، صيام تاسوعاء وعاشوراء يكفر ذنوب السنة الماضية، صيام الإثنين والخميس، يجعل شق التمرة في ميزان العبد عند الله كـجبل أحد ، صيام أيام البيض كصيام السنة كلها؛ لأن كل يوم بعشرة أيام.

    هناك ساعة في يوم الجمعة لا يدعو فيها العبد إلا استجاب الله سبحانه وتعالى، هناك الجوف الأخير من الليل ينزل الله سبحانه وتعالى، يقول: (هل من سائل فأعطيه، هل من مستغفر فأغفر له) لماذا كل هذا؟

    لأن عمر الإنسان قصير، وإذا الإنسان في ضلالة ولم يوفق إلى التوبة والطاعة وأغوته الشياطين، وبقيت عنده الفرصة الأخيرة من حياته قبل أن يغرغر، قبل أن تصل الروح إلى الحنجرة، ووفقه الله فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، رجح في ميزانه ولو كانت السيئات تسعة وتسعين سجلاً.

    أرأيتم يا إخوان! من الذي أعطى ذلك كله؟

    الله، إذاً هل بقي هناك وقت فراغ حتى تملأه بالغناء، أو اللهو، وعندما أقول اللهو أعني اللهو المحرم وليس اللهو المباح الذي فيه ترفيه للناس وتطهير للروح، وفيه تنشيط للنفس على الطاعة والعبادة، والرسول صلى الله عليه وسلم أمر بتعلم الرمي، وركوب الخيل، والسباحة كما أخبر عمر رضي الله عنه وأرضاه، وأمر بأن يروحوا عن القلب ساعة وساعة، ولكن في الحلال الواسع، وليس في الحرام الضيق، الناس يتركون الحلال الواسع ويذهبون إلى الحرام الضيق.

    1.   

    خطورة قتل الأعمار باللهو

    وتعال إلى الذي يقتل عمره الثمين الغالي ويضيعه بموسيقى الجاز، وما يسمعونه الآن من مايكل جاكسون الذي هو إمام الشياطين والمغنين اليوم والعياذ بالله، يؤز الناس بهذا الصرعات والصرخات والرقصات حتى تطيش القلوب والأفكار، ويبدأ الإنسان يفكر في الخطيئة في الليل والنهار، تجد الرسول صلى الله عليه وسلم يحرم هذا وينهى عنه، ودائماً الإسلام من باب سد الذرائع يجعل وقايات واحتياطات لأن الأصل في الإسلام: درهم وقاية خير من قنطار علاج، فدائماً الإنسان يقدم الوقاية، صحيح الموسيقى جميلة، قال لك: لا. ممنوع، لماذا ممنوع؟ قال لك: لأنها تؤدي إلى مايكل جاكسون ، فلهذا أنا أسد الباب من الآن أفضل.

    قال لك: الغناء ممنوع، لماذا والغناء جميل؟

    هناك الشعر والأرجوزة والأناشيد الإسلامية، قال لك: هذا مختلف، عندما يكون الغناء ماجناً يثير الغريزة أو فيه انحراف فكري أو عقدي، فأنت عندما تسمع مغنياً يغني يقول: حبك عن ألف حجة، كيف يصبح حبها عن ألف حجة؟ أي فتوى هذه، لا الأزهر أفتى بها، ولا الأوقاف، وتبدأ الأغاني تؤثر في الناس حتى ترى الشباب وهم يركبون سيارات الجيب أو سيارات الأسبورت، كاتب خلفها: واعديــني، أترضى أن تقرأ هذه الكلمة أختك، أو أمك، ما معنى واعديني؟ قلة أدب وقلة حياء، من أين جاءت هذا الكلمات؟ من الغناء.

    وبعضهم يكتب على النصف دينار والربع دينار: إلى الفتاة الجميلة التي يأتيها هذا النقد تقابلني في المكان الفلاني، ولا شك أن هذا دليل على الخواء الروحي، وعلى أن هذا الإنسان لم يعرف سنة الحبيب صلى الله عليه وسلم التي كان يملأ بها حياته الطيبة المباركة.

    لقد مررنا في زمن طويل جداً ثلاثين أو أربعين سنة والأغاني تكتسح من أمامنا هذه الأذكار الطيبة المباركة، حتى أصبح الإنسان الكبير والصغير والمرأة والرجل لا يطلع على أغنية، هل رأى الحب، على طول يقول: سكارى مثلنا، يكمل، الآن أصبح الناس يحفظون هذه أكثر مما يحفظ اسمه واسم جده وأبيه، كل يوم يسمعها سهرة.

    إلى أن يقول لك أنت يا حافظ القرآن، يا أيها المقرئ الشهير! يا أيها المجوِّد النحرير! يجرون معه مقابلة صحفية قرأتها منذ سنوات، تقول له المرأة التي قابلته في الصحيفة: أي المغنيات تحب؟ قال: أحب أن أسمع قبل النوم الصوت الملائكي، من هي؟ تعرفون الصوت الملائكي، كل ليلة خميس يضعونها، أنت الآن تقرأ قرآن وتجود القرآن، وتدعي أن هذا الصوت النشاز الذي يصوي ويعوي هو صوت ملائكي، هذا الصوت الصليبي صوت ملائكي، وهكذا تبدأ الانحرافات العقيدية، لأنه ليس عنده أصل عقيدي، لو كان عنده أصل عقيدي من خلال الأذكار والفهم ما قال هذه الكلمة.

    وتبدأ كلمات الأغاني تحرف الشباب رويداً رويداً دون أن يشعر ذلك الشاب، إلى أين يقوده؟ قال: حبك نار، أين نذهب؟ قال: على شاطئ بحر الهوى، إلى أن يصل فيهم إلى المدينة المنورة التي فيها الرسول صلى الله عليه وسلم وفيها البقيع وفيها الشهداء وفيها غزوات الرسول كلها، "يا بنات المدينة قلبي معاكن رهينة" ويبدأ الغناء يحرف الشباب ويتلقونها بهدوء؛ لأنه هذا مرغب فيه، شيء هين لين، افتح الزر واسمع .. لا يكلفك شيئاً، ويأتيك بنغم وبأداء وبآهات وبعبارات ونظرات معينة بحيث أن الإنسان يأخذها باستسلام واسترخاء وتبدأ تفعل فيه الأفاعيل.

    إلى أن تصل إلى الشرك وهو لا يعلم، ويردد الشرك وهو لا يعلم، عندما يقول: أحب حبيبي وأعبد حبيبي، إذاً ماذا بقي لله سبحانه وتعالى؟

    عندما أسمع مطرباً في الخليج يقول: أحب حبيبي وأعبد حبيبي، إذاً.. الله سبحانه وتعالى الذي قال: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات:56] أين أثر هذه الآية؟ ليس لها أثر أبداً، بل إنها توصل الإنسان إلى أن يستغيث بالأضرحة والمقامات، وكما تعلمون أن الاستغاثة بالأضرحة والمقامات شرك هذا شيء معروف في عقيدة السلف الصالح رضي الله عنهم، لا أقدر على كذا ومقام السيدة، السيدة هذه من؟

    السيدة زينب رضي الله عنها، أو السيدة نفيسة رضي الله عنها، سيدتان كريمتان مجاهدتان لم يأمرا بأن يستغاث بمقامهما أبداً، بل السيدة نفيسة تحدت طاغوت زمانها أكبر تحدٍ، عندما مر السلطان الجبار أراد أن يستهزئ بها أمام الناس، فقال لها: كما، قالت: إن، فارتجف وانزعج وأخذ يصرخ، وقال الناس له: أيها السلطان! لقد قلت لها: كما، فقالت: إن، لا ندري ما دار بينكما، قال: ويحكم قلت لها: كما تكونوا يول عليكم، إذا كنت ظالماً فأنتم ظالمون، وهي قالت: إن، وتريد إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ [النمل:34] فخصمتني وحجتني .. آه، وصرخ الملك الطاغوت، هذه السيدة الكريمة أصبحت أغنية.

    ولهذا ننتبه إلى هذا الخطر لا تقوم بدعة إلا على حساب سنة، ولا تقوم أغنية إلا على حساب ذكر، فلهذا الله سبحانه وتعالى لم يطلب ذكراً عادياً، قال سبحانه وتعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً * هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً [الأحزاب:41-43].

    فالشاهد: ذكراً كثيراً.

    ثم هذا الذكر الكثير يحل محل هذه الانحرافات التي تأتي من خلال الغناء أو الشعر، أنا أبسط الموضوع ولو تعمقت فيه أكثر وأكثر ودخلت عبر الشعر الجاهلي ستجدون أهوال، نأخذ على سبيل المثال عنترة العبسي ، من منكم لا يعرفه؟

    عنترة فارس مغوار شجاع لا يشق له غبار، ولكن كل قتاله كان من أجل امرأة.

    ما زلت أرميهم بلبة نحره     ولبانه حتى تسربل بالدم

    فازور من وقع القنا بلبانه     وشكا إلي بعبرة وتحمم

    لو كان يدري ما المحاورة اشتكى     أو كان لو علم الكلام مكلمي

    ولقد شفا نفسي وأبرأ سقمها     قيل الفوارس ويك عنتر أقدم

    إلى أن يقول:

    ولقد ذكرتكِ والرماح نواهل     مني وبيض الهند تقطر من دمي

    فوددت تقبيل السيوف لأنها     لمعت كبارق ثغرك المتبسم

    كل هذا من أجل عبلة، انظر عندما جاء الإسلام وحول هذه الأغنية التي اسمها معلقة.. معلقة على الكعبة لأنها مقدسة عندهم، وقال الله سبحانه وتعالى في قضية الذكر، لا نذكره عند عبلة وفلانة وعلانة، إنما اختار الله عند التقاء الصفوف، وفي الجهاد، وفي الزحف المقدس أمام الأعداء: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [الأنفال:45].

    انتبهوا أيها الأحباب إلى هذا الذكر عند الزحف، عند التحام الحديد بالحديد، عند تطاير الأكف والرءوس، عند صليل السيوف وقصف الرماح وصراخ الأبطال، هنا يذكر الحبيب حتى يثبت الإنسان بذكر هذا الحبيب سبحانه وتعالى، وتذكر الجنة بما فيها من حور عين، ونبيين، وصديقين، وشهداء، وصالحين، لهذا كانوا يثبتون أنفسهم بهذه المعاني، جعفر بن أبي طالب رضوان الله عليه في معركة مؤتة ، ماذا كان يقول:

    يا حبذا الجنة واقترابها     طيبة وبارد شرابها

    والروم روم قد دنى عذابها     علي إن لقيتها ضرابها

    هكذا كان يقول جعفر بن أبي طالب، لم يكن يقول: (افرش منديلك على الرملة) لا لم يكونوا يعرفون هذه الكلمات أبداً، (افرش منديلك على الرملة) وبعد المنديل ماذا تصنع؟ قلة أدب وقلة حياء، إلى أن وصل الانحطاط والسفساف إلى أن يقول: (الطشت قلي يا بنت .. ياللي قومي استحمي) والناس يصفقون ويضحكون وينادون، وبلغت الوقاحة أن الأم المحترمة المؤدبة التي يجب أن تكون قدوة، تأتيها بنتها تستأذنها بإدخال عشيقها البيت (يا أمه القمر على الباب.. يا أمه أنادي له) عمى في عينك، تنادين له، لماذا تنادين له؟ ولما هلكت وماتت هذه المغنية نشرت كل الصحف صورها بالخط العريض من مولدها إلى مماتها.

    وعمر التلمساني هذا العالم المجاهد يموت فلا يذكره أحد، إلا مربع صغير لا يكاد يقرأ، كأنه ممنوع التدخين في علب السجائر، مات عمر التلمساني ، أرأيتم كيف أثر الأغنية وعالم الفن في حياة الناس، حتى تعلموا أيها الأحباب عندما جئت بهذا الموضوع تعرفون أثره وقيمته، عودة مرة ثانية إلى القرآن، إلى الذكر، إلى التسبيح، إلى العمل الصالح، دوروا حيث يدور الإسلام.

    اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا، ونور صدورنا، وجلاء حزننا، وذهاب همنا وغمنا، اللهم علمنا منه ما جهلنا، وذكرنا منه ما نسينا، وارزقنا تلاوته آناء الليل وأطراف النهار، إنك على ذلك قدير.

    أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه.