إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. عبد العزيز بن مرزوق الطريفي
  4. سلسلة أصول الفقه
  5. شرح منظومة رشف الشمول في أصول الفقه لابن بدران [6]

شرح منظومة رشف الشمول في أصول الفقه لابن بدران [6]للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • القرآن يخصص نفسه، وقد يأتي تخصيص القرآن من السنة، وهذا هو الأكثر؛ لأن السنة مبينة للقرآن، وغالب السنة التفصيل والتعيين وهي شارحة للقرآن، والسنة من جهة تخصيصها بذاتها يخصصها العمل كالإجماع، ويخصصها القياس. والعموم في كلام الله عز وجل على ثلاثة أنواع: عام أريد به العموم، وعام أريد به الخصوص وعام خصص بدليل، وأما المجمل: فهو ما احتمل لفظه أكثر من معنى، والمبين: وهو ما احتمل معنى واحد، وأما القياس فهو إلحاق فرع بأصل لعلة جامعة بينهما، والنص هو: ما لا يحتمل إلا معنى واحد لوضوحه وجلائه، فهو لا يحتاج إلى مبين، وأما النسخ فالمراد به الإزالة، وقيل: التبديل، وله أقسام متعددة.

    1.   

    أنواع التخصيص

    الحمد لله وكفى، والصلاة والسلام على نبيه المصطفى نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا يا رب العالمين.

    قال رحمه الله تعالى: [ فصل.

    يكون في القرآن تخصيص له كسنة وهي بها قل لي وهو ]

    أشار المصنف رحمه الله فيما سبق إلى العام والخاص، ثم أراد أن يبين هنا ما يتعلق بتفاصيل التخصيص، وتقدم معنا أن محل علم أصول الفقه هو الأدلة، وأن دور المجتهد في ذلك هو أن ينظر في الأدلة ومدى مناسبتها للاستدلال، وما يطرأ على الأدلة من كلام الله وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم من تقسيم وتفصيل.

    تخصيص القرآن بالقرآن

    وهنا ذكر مسألة العموم، ثم أورد مسألة التخصيص فقال: (يكون في القرآن تخصيص له) يعني: أن القرآن يخصص بعضه بعضاً؛ لهذا فإن المجتهد العالم لا يمكن أن يتحقق فيه الاجتهاد إلا وقد عرف المتشابهات من جهة المعاني في كلام الله حتى يحمل بعضها على بعض، ويكون الإنسان حينئذٍ لم يفوت شيئاً من الأحكام، وإذا نظر إلى الأحكام منفردة عن بعضها وقع في الوهم والغلط، ووقع في الاضطراب، ونسب ذلك إلى الشريعة؛ لهذا ينبغي لطالب العلم المتفقه أن ينظر في أدلة الأحكام من كلام الله سبحانه وتعالى، ومعلوم أن القرآن ينقسم إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول عقائد وغيبيات، وهذه العقائد والغيبيات محلها النص، ولا زيادة في ذلك من جهة الاجتهاد، ولا من جهة التأويل، فإنها تجرى على ما هي عليه من غير زيادة ولا نقصان، النوع الثاني: ما يتعلق بالحلال والحرام، ويسمى الأحكام أو الفقه، النوع الثالث: هو ما يتعلق بالأخبار، كقصص الأمم السابقة، أو ما يأتي في أحوال الأمم اللاحقة، ما يتعلق بكلامنا هنا هو في القسم الثاني وهو ما يتعلق بالحلال والحرام، وهو الذي يدخله التخصيص، وهذه الآيات في كلام الله، قيل: إن عددها خمسمائة آية، وقيل: تزيد عن ذلك شيئاً، وهي قريبة من ستمائة آية في كلام الله متعلقة بأبواب الحلال والحرام، فمنها ما هو عام، ومنها ما هو عام أريد به الخصوص، ومنها ما هو عام خصص بمخصص، ومنها ما هو مخصص بذاته وليس بعام، وإنما جاء الدليل به على سبيل التخصيص ولم يأت عاماً.

    وأغلب القرآن عام، وهو غائي بمعنى أنه يأتي بأقصى المعاني أو غايتها؛ ولهذا يقول الشاطبي رحمه الله: إن القرآن غائي، والمراد بذلك أنه يأتي بأقصى المعاني، وما يندرج تحته من جملة هذه المعاني يأتي لها مخصص، وغالب تخصيص القرآن يكون بالسنة، ولكن قد يأتي تخصيص القرآن بالقرآن بذاته؛ ولهذا يقول الله سبحانه وتعالى في بيان تخصيص القرآن بعضه ببعض في شأن المطلقات: وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ[البقرة:228] فهنا ذكر المطلقات بلفظ عام، وهذا يشمل أي مطلقة سواء كانت هذه المطلقة مدخولاً بها أو لم يدخل بها، ولكن خصص الله جل وعلا ذلك بالمدخول بها، وأما من لم يدخل الإنسان بها فإنه ليس عليها عدة، كمال قال سبحانه: فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا[الأحزاب:49]، فالله جل وعلا إنما جعل هذه العدة للمرأة التي يدخل بها، أما التي لا يدخل بها فإنه لا عدة للرجل عليها.

    إذاً: فالقرآن يخصص نفسه، وقد يأتي تخصيص القرآن من السنة، وهذا هو الأكثر؛ لأن السنة مبينة للقرآن، وغالب السنة التفصيل والتعيين وهي شارحة للقرآن؛ ولهذا أمر الله عز وجل بطاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأن طاعته مبينة لطاعته جل وعلا، وقد قرن الله طاعته بطاعة رسوله في مواضع كثيرة، منها قول الله جل وعلا: وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ[المائدة:92]، وقرن أيضاً معصية رسوله بمعصيته سبحانه وتعالى.

    تخصيص السنة بالسنة

    وقوله هنا: (تخصيص له كسنة وهي بها قل لي وهو) يعني: أن السنة تخصص القرآن، وهي كذلك تخصص السنة أيضاً، فقد يأتي عموم في سنة النبي عليه الصلاة والسلام وتخصصه السنة في ذاتها وهذا كثير، كما في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( فيما سقت السماء العشر )، وهذا عام لكل ما سقت السماء، سواء كانت نبتة واحدة، أو ما هو أكثر من ذلك، سواء كانت نخلة أو نخيلاً، سواء كانت عنبة واحدة أو أكثر، ولكن خصص ذلك بما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: ( ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة )، يعني: أن ذلك مخصص بهذا المقدار، إذاً تقدم معنا تخصيص القرآن للقرآن، وتخصيص السنة بالسنة.

    تخصيص السنة بالقرآن

    ويأتي تخصيص القرآن للسنة، وهذا كما في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث أبي هريرة وحديث عبد الله بن عمر وهو في الصحيح: ( أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة )، فالناس هنا عامة في كل مخلوق من المكلفين من البشر، ولكن خصص ذلك بقول الله جل وعلا: حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ[التوبة:29]، يعني: أهل الكتاب، وأهل الكتاب استثنوا من هذا العموم، إذاً: فالقرآن خصص السنة، ولكن الغالب أن السنة تخصص القرآن، ويندر أن القرآن يخصص السنة؛ لأن القرآن هو مجمل في غالبه.

    ومعلوم أن الدلالة عند العلماء على نوعين: دلالة واضحة، ودلالة خفية، فالدلالة الواضحة: تنقسم إلى قسمين: النص والظاهر، وأما الدلالة الخفية: فهي النصوص المتشابهة أو النصوص المشكلة، وبعض العلماء يقسمها إلى ما هو أكثر من ذلك كما عند بعض الفقهاء من أهل الرأي وغيرهم.

    تخصيص القرآن بالسنة

    والسنة من جهة تخصيصها بذاتها يخصصها العمل كالإجماع، ويخصصها القياس، فمثلاً: إقامة الحد على العبد، معلوم أن العبد من جهة العذاب على النصف من الحر، وذلك في القذف والزنا، ولكن الله سبحانه وتعالى ما ذكر العبد وإنما ذكر الأمة، فقال سبحانه وتعالى: فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ[النساء:25]، وهذا في الإماء، وأما بالنسبة للعبيد فالعلماء يحملون ذلك على القياس، فإذا قذف العبد لا يقال بجلده ثمانين، وإنما يقال بجلده أربعين تخصيصاً للقرآن بقياس العبد على الأمة التي ذكرها الله عز وجل، فخصصنا القرآن بالقياس، ومسألة العموم في كلام الله عز وجل على ثلاثة أنواع: أول هذه الأنواع عام أريد به العموم، وهذا كثير، وهو كل لفظ لا مخصص له فهذا عام وأريد به العموم.

    النوع الثاني: عام أريد به الخصوص يعني: يفهم الخصوص من سياقه، كما في قول الله جل وعلا: الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ[آل عمران:173] الناس الذين جمعوا لهم معلوم أنهم الكفار، وليس المراد بذلك أهل الإيمان الذين هم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو عام ولكن أريد به الخصوص؛ لأنه ما قال: إن الكفار قد جمعوا لكم، إذاً فهو عام أريد به الخصوص.

    النوع الثالث: عام خصص بدليل، وهذا العام لا بد له من مخصص خارج عنه، وهذا التخصيص يلتمس إما أن يكون في كلام الله جل وعلا، كما ذكر المصنف أن القرآن يخصص نفسه، والسنة تخصص القرآن، أو في كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    تخصيص القرآن والسنة بالقياس

    قال رحمه الله تعالى:

    [ وبالقياس فهما يخصصا ومن يرى بالنفي حقاً قد عصى ]

    هنا المصنف رحمه الله يثبت أن التخصيص يكون بالقياس كما تقدم الإشارة إليه، والقياس هو: إلحاق فرع بأصل لعلة جامعة بينهما، وذلك أن أركان القياس لا بد من توفرها، وهو وجود الفرع والأصل، وكذلك وجود العلة، والحكم والمناسبة، وإذا اختل شيء من هذه الأركان اختلت لدى الإنسان النتيجة، والقياس على أنواعه: قياس أولى، وقياس مساوٍ، وقياس شبه، أو قياس جلي، وقياس خفي، وغير ذلك، وقياس الأولى ضده القياس القاصر، أو القياس الناقص، والعلماء يختلفون من جهة قبولهم لما كان على خلاف قياس الأولى.

    وهنا قال: (ومن يرى بالنفي حقاً قد عصا) وهناك طوائف من العلماء يرون أن السنة والكتاب لا يخصصهما القياس؛ قالوا: لأن القياس هو من دليل الظن، والأدلة من كلام الله وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم هي أدلة يقين، ولا تنسخ أدلة اليقين بأدلة الظن، وهذا فيه نظر، بل يقال: إن القياس يتجلى في بعض صوره ويكون كاليقين، خاصة إذا اقترن بعمل خير القرون من الصحابة عليهم رضوان الله تعالى والتابعين، واستقر عليه الإجماع.

    1.   

    المجمل والمبين

    قال رحمه الله تعالى:

    [ ومجمل ما للبيان يفتقر كلفظ قرء باشتراك مشتهر

    كذاك عين مثلها بيانه بالسنة الغراء يمضي شانه ]

    هنا بعد أن ذكر المؤلف الأمر الخاص ذكر هنا المجل والمبين، فالمجمل هو مقابل للمبين، كما أن العام مقابل للخاص، والمجمل: ما احتمل لفظه أكثر من معنى، وأما بالنسبة للمبين: فهو ما احتمل معنى واحد، ومرد ذلك من جهة حل ذلك الإجمال، إما أن يقال: إن ذلك البيان يعرف بالنص، وإما أن يعرف بالوضع أي: مواضعة الناس، بمعنى: أنه نزل القرآن أو نزلت السنة على وضع قوم دون غيرهم، وهذا يأتي كثيراً، وذلك كما في قول الله سبحانه وتعالى: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ[البقرة:187]، هذا مجمل، هل المراد بذلك هو خيط الحبل أم المراد بذلك هو خيط سواد الليل وبياض النهار؟ هذا يبينه الوضع، أي: ما تواضع عليه الناس، ففسر هذا الإجمال وضع الناس؛ ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم قال لـعدي بن حاتم لما استشكل عليه ذلك: ( إنه ليس كذلك، إنما هو سواد الليل وبياض النهار )، وقد يبينه دليل، وهذا الدليل إما أن يكون من جنسه، يعني إما أن يكون من القرآن أو من السنة، وإما أن يكون من القياس فنقول: إن مسألة الإجمال يحلها الإنسان بمجموع الحقائق، وقد تجتمع هذه المبينات على موضع واحد.

    وقوله: (ما للبيان يفتقر) أي: أن المجمل لا يمكن للإنسان أن يفصل فيه إلا بوجود مبين، وكثير من الطوائف يحملون أصل القرآن من جهة إطلاقه وعمومه على أنه لا يمكن أن يكون في القرآن خاص، حتى أن المعتزلة يطلقون ويقولون: إنه لا يوجد في القرآن عموم إلا وله تخصيص، وهذا يحملونه على كثير من المعاني، وربما حملهم ذلك على شيء من المفاهيم الخاطئة فيما يتعلق بمسائل الاعتقاد، ويروى في ذلك عن عبد الله بن عباس عليه رضوان الله تعالى أنه قال: ما من شيء عام في القرآن أو مجمل إلا وله مخصص إلا قول الله عز وجل ( وهو بكل شيء عليم )، يعني: أن الله عز وجل لا يخصص علمه ذلك، ونقول: إن هذا أيضاً فيه نظر، فكذلك أيضاً إحاطة الله سبحانه وتعالى، وكذلك قدرة الله عز وجل لا مخصص لها، وكذلك فضله ورزقه وقوته وبطشه وغير ذلك، فإن هذه معاني لا مخصص لها، ويذكر هنا في قول الله جل وعلا: اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ[الرعد:16] أن هذا له مخصص، وهو أن الله عز وجل لا خالق له، قالوا: وذلك أن الله عز وجل موصوف بأنه شيء، وهو وصف له على سبيل الإخبار، ويستدلون لذلك بقول الله عز وجل: قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ[الأنعام:19]، قالوا: أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ[الأنعام:19] يعني: أن الله عز وجل هو شيء.

    أنواع البيان باعتبار مصدره

    ثم قال: (كلفظ قرء باشتراك مشتهر)، القرء في لغة العرب يقع على الطهر وعلى الحيض، وهذا مما وقع فيه خلاف المفسرين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيفتقر ذلك إلى البيان إلى معرفة أحد هذين المجملين، ومرد ذلك إلى بيان النص أو بيان المجمل بدليل مثله أو مقارب له في اللفظ، فإذاً قلنا: إن كلام الله عز وجل ثبت باليقين وهو متواتر فإن كلام الله عز وجل المجمل يبين نفسه، كذلك سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم تبين القرآن، أو كان مقارباً له؛ لأن الوحي يدور في دائرة واحدة سواء كان من الكتاب أو السنة، وإن اختلف من جهة الثبوت، فالسنة فيها المتواتر وفيها الآحاد، فيها ما كان على علم اليقين وفيها ما كان على علم الظن، وعلم اليقين يتباين على مراتب، وثمة ما هو دون ذلك، وذلك كعمل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكذلك الإجماع، فإنه ربما قوي على تبيين بعض المراد من كلام الله سبحانه وتعالى، كما في قول الله جل وعلا: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ[المائدة:105]، جاء عن أبي بكر الصديق عليه رضوان الله تعالى أنه قال: إنه ليس كما تظنون، فهذا اللفظ جاء على سبيل الإجمال، والصحابة عليهم رضوان الله تعالى جاءوا بتبيينه، كما جاء ذلك عن عبد الله بن عباس عليه رضوان الله تعالى.

    وفي قوله: (بالسنة) يعني: أن القرآن كما أنه يبين بعضه، كذلك فإن السنة تبين القرآن، ووضوح بيان السنة للقرآن أظهر من وضوح بيان القرآن للقرآن؛ وذلك أن السنة أصل وجودها لبيان مجمل القرآن، فإن الله أمر بالصلاة وجاءت السنة ببيان ذلك، وذلك لاشتراك ذلك اللفظ بمجموعة من المعاني المتضادة، فجاءت الشريعة المحمدية من سنته ببيان ذلك الإجمال، وهذا إذا كان في السنة فيكون في القرآن على سبيل القلة، ويكون كذلك أيضاً دون السنة بيان عمل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لسنته وكذلك للقرآن، ولهذا نجد أن تفسير الصحابة أكثر من تفسير النبي عليه الصلاة والسلام للقرآن، وتفسير التابعين أكثر من تفسير الصحابة، وتفسير أتباع التابعين أكثر من تفسير التابعين؛ وذلك للحاجة إلى البيان بسبب دخول العجمة، واتساع دائرة الإجمال بالبعد عن لغة العرب، ونستطيع أن نقول: إن الإجمال يتبين في ذهن الإنسان بعدة وجوه: أولها بنص القرآن وظاهره، الثاني بالسنة، الثالث بالقياس، الرابع بالإجماع، الخامس بلغة العرب، السادس بالمواضعة، أي: أن يتواضع عليه أهل البلد الذين نزل عليهم النص من أهل المدينة كما تقدم في قول الله جل وعلا: حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ[البقرة:187].

    قال رحمه الله تعالى:

    [ إبراز شيء للتجلي من خفا فهو البيان بحثه يهدي الشفا ]

    والمجمل: هو ما احتاج إلى بيان وضوح، وفي ذاته احتمل عدة معاني لا يقطع بأحد منها، وأما البيان فهو نقل المعنى من حيز الإشكال إلى حيز البيان والوضوح.

    وقوله: (إبراز شيء للتجلي من خفا فهو البيان بحثه يهدي الشفا) وهو دائرة الفقه في معرفة المخصصات، ومعرفة المبينات للمجملات، ومعرفة المحكمات للمتتشابهات، هذه هي الأمور التي يدور عليها الفقه، فمعرفة المتشابهات ومعرفة العمومات ومعرفة المجملات هذه من الأمور السهلة التي يستطيع الإنسان أن يدركها، أما ما كان مفسراً ومبيناً، وموضحاً لها فهذا هو الذي يدور عليه أمر الفقه.

    أنواع البيان من جهة الاتصال والانفصال

    قال رحمه الله تعالى:

    [ بيان تأكيد ونص ينفرد في فهمه رب الكمال المجتهد ]

    البيان قد يأتي بنص مقترن بالنص المجمل موضحاً ومبيناً له، وقد يأتي بنص منفصل عنه، وظهور البيان في ذات السياق أظهر من بيانه بنص منفصل عنه، وهذا أقوى وجوه البيان؛ لأن يشترك معه من جهة القوة، بأن يكون الكتاب يبين مجمله بذات السياق، ويأتي بعد ذلك بيان الكتاب لمجمله بنص منفصل عنه؛ وذلك أن النص المبين الذي انفصل عن ذلك النص المجمل يطرأ عليه شبهة أن ذلك البيان الذي قصد بذلك الموضع لا يلحق ذلك الإجمال، فيكون الإجمال حينئذ عند بعض الفقهاء محمولاً على إجماله، والبيان على بيانه، وربما لا يحمل بعضهم التخصيص للعام فيقول إن ذلك المخصص الذي ذكر في دليل منفصل هو أحد أجزاء العام، فذكر في ذلك الموضع المنفصل لبيانه بذاته أو من باب ضرب المثال، وهذا يقول به طوائف من فقهاء الحنفية على خلاف جمهور العلماء، فإذا جاء اللفظ عاماً في موضع، وجاء التخصيص في موضع منفصل عنه قالوا: إن التخصيص جاء لذكر أحد صور العام لا لتخصيصه، فيبقى اللفظ العام على عمومه، والخاص على خصوصه، فيدخلون الخاص في العام، ولا يحملون العام على الخاص، بل يجعلون الخاص يوسع حتى يكون عاماً، وأما العام فلا يضيق حتى يكون خاصاً، وهذا الذي يذهب إليه طوائف من أهل الرأي؛ ولهذا يذهبون إلى العمومات، فلا يرون أن عمل النبي يخصص قوله، ولا يرون أنه إذا ذكر أحد صور العموم في موضع أنه يخصص قوله العام أو فعله العام.

    1.   

    المشكل والواضح

    قال رحمه الله تعالى:

    [ نصوص سنة النبي الواضحة لمشكل ما أوضحت مصالحه ]

    يقول هنا: (نصوص سنة النبي الواضحة) ذكرنا أن الدلالة الواضحة على نوعين: نص وظاهر، وإذا أردنا تفصيلاً دقيقاً نقول: إن الدلالة الواردة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي كلام الله هي نصوص، وظواهر، ومنطوق ومفهوم، والمفهوم له موافقة وله مخالفة وهو دليل الخطاب، وهنا إنما ذكرت النصوص لأنها أقوى وجوه الدلالة، وأقوى وجوه الدلالة النص الذي يأتي على معين لا يدخل معه غيره، فالذي لا يدخل معه غيره هو النص البين الظاهر الذي ينتفي عنه العموم، وينتفي عنه الإجمال، وتنتفي عنه أيضاً الحاجة إلى أو إلى مبين فهو في ذاته خاص وبين، وإنما ذكرت النصوص؛ لأنها أعلى الأشياء، فهي مشتقة من المنصة وبروز الإنسان فيها، فما برز بذاته لا يحتاج إلى موضح، بخلاف الذي اختلط مع الناس فيحتاج إلى من يبرزه حتى يراه الناس.

    قال: (نصوص سنة النبي الواضحة)، وذكر النصوص فيه إشارة إلى أنه ينبغي ألا يكون اللفظ عاماً أو مروياً بالمعنى؛ لأنه إذا روي بالمعنى لم يكن ثمة نص، وإنما ثمة معنى؛ لأن لدينا نص مروي بحروفه، أو لدينا لفظ روي بمعناه، وهذا يحتاج إلى تثبيت اللفظ حتى يستدل به، وقوله: (نصوص سنة النبي الواضحة) صلى الله عليه وسلم، وإنما لم يذكر الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام؛ لأنه لو ذكرها لاختل النظم، وقال: (الواضحة) إشارة إلى عدم دخول ما كان مشكلاً أو متشابهاً في كلامه عليه الصلاة والسلام، ونحن هنا في بيان حال المجمل، والمبين دفعاً لمواضع الإشكال، ونحن بحاجة إلى نصوص واضحة، والنصوص كما تقدم دلالتها متباينة.

    قال: (الواضحة لمشكل ما أوضحت مصالحة) لدينا نصوص مشكلة، والعلماء عليهم رحمة الله يهتمون بالنصوص المشكلة، سواء كانت من كلام الله سبحانه وتعالى، أو كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالمشكل من كلام الله يتنازعه مجموعة من المعاني، فيدخل فيه ما يتعلق بالمتشابه، ويدخل فيه المجمل، ويدخل فيه العموم، إذاً: فهو يحتمل جملة من الصور، وقد صنف العلماء عليهم رحمة الله تعالى في ذلك، كما صنف الطحاوي رحمه الله كتابه مشكل الآثار، وكذلك أيضاً للإمام أحمد رحمه الله عناية في هذا الأمر، وثمة من العلماء من يعتني بمشكل آي القرآن، وقد صنف في ذلك غير واحد كـابن تيمية رحمه الله.

    قال رحمه الله:

    [ كآية الحق مع الحصاد مشكلة في منهج الرشاد ]

    في قوله سبحانه وتعالى: وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ[الأنعام:141] هنا ثمة إجمال يحتاج إلى بيان في الآية وإشكال يحتاج إلى توضيح، الله سبحانه وتعالى قال: وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ[الأنعام:141] هنا المأمور به عام، وكذلك من جهة الحق عام، ولم يكن ثمة تقدير، وكذلك الذي يؤتي الحق يوم حصاده فإنه يحتاج إلى بيان ووضوح هل هو صاحب الثمر أم ولي الأمر الذي يقوم بالجباية؟ وهذا تبينه المواضع الأخرى من كلام الله عز وجل وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم ببيان المقادير، وثمة مقادير متعددة، ما يتعلق بالثمار، ما يتعلق بالتمر وغير ذلك، فإن من الثمار ما يحصد في العام مرتين، فهل إدارة الحول في ذلك واجبة أم أن ذلك مقيد بالحصاد فيحمل حينئذ نصنا على التغليب، باعتبار أن غالب الثمار لا بد من دوران الحول لحصادها.

    وقوله هنا: (مشكلة في منهج الرشاد) إنما وقع الإشكال لورود نصوص أخرى خصصت بعض صور الزرع، وذلك بالحول، بتقدير قدر معين، بنوع الجباية، وكذلك أيضاً أنواع التقدير هل يكون بوزنه أم يكتفى في ذلك بالخرص؟.

    قال رحمه الله تعالى:

    [ نصوص بدء بالشريعة حذو نحو أطيعوا من أتاكم وخذوا ]

    الأمر في كلام الله عز وجل وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم في بدء الشريعة جاء على عمومه، وهذه العمومات تحتاج إلى توضيح وبيان، ومن أعظم المشكلات عند الدارسين أن يأتي الأمر عام في الشريعة، وذلك أمر هين باعتبار أن الشريعة جاءت بوجوب الامتثال والانقياد لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وأما الإشكال في هذا فهو فيما إذا جاء الأمر على عمل يشترك فيه مجموعة من الصور تختلط فيها الواجب والمندوب وفيها المباح.

    وقوله هنا: (أطيعوا من أتاكم وخذوا)، الله عز وجل أمر بعموم الطاعة، يعني: أن دلالة المفهوم ألا نطيع غيره، ولكن لدينا أوامر وجهت على مخصوص من العبادات، كما في قوله عليه الصلاة والسلام: ( صلوا كما رأيتموني أصلي ) هذا أمر بالامتثال للصلاة، هل كل شيء فعله النبي في الصلاة مأمورون فيه بالاتباع والاقتداء على سبيل الوجوب؟ كذلك قوله: ( خذوا عني مناسككم ) هذا أمر بأخذ المناسك عنه، وهذا الأمر أقل عموماً من العموم الأول وهو في الأخذ بالشريعة: أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ[النساء:59]، وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ[الحشر:7]، وقوله عليه الصلاة والسلام: ( ما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم ) هذا أمر عام في ماذا؟ في كل شيء، هل يحمل على الوجوب أم لا يحمل على الوجوب؟ نقول: إنه يحمل على عموم الطاعة، وهذه دائرة التشريع، يعني: أن النبي أمرنا الله عز وجل بطاعته لا بطاعة غيره.

    وما جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام أقوال وأفعال وتقرير، وهذه الثلاثة نستطيع أن نقسمها إلى أقسام على اعتبار أنها من الأحكام التكليفية، فهناك من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يؤخذ منه الوجوب، ومنها ما يؤخذ منه الإباحة، ومنها ما يؤخذ منه التحريم، ومنها ما يؤخذ منه الكراهة، ومنها ما يؤخذ منه الاستحباب، وهي أقوال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي أعلى مراتب التشريع، وثمة أشياء يؤخذ منها حكم الوجوب وحكم الاستحباب، وهذا هي أفعاله التعبدية عليه الصلاة والسلام، وهناك ما يؤخذ منه الإباحة وهي التقريرات، إذاً: هذا من جهة صدور الخطاب من رسول الله صلى الله عليه وسلم من العلماء من يقسمها على هذا التقسيم، وما يأتي من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم على سبيل الإجمال في عبادة معينة نقول: إنه لا بد لنا من فهم ذلك، فلا نحمل النص على عمومه، بل ننظر إلى النصوص الخاصة، فالنبي عليه الصلاة والسلام قال: ( صلوا كما رأيتموني أصلي )، وهذا أمر بالامتثال، فإذا أردنا أن نضبط هذا العموم بالأمر لابد أن ننظر إلى النصوص الأخرى المشتركة في المسائل العينية، كمسألة القيام مثلاً، فلا نستطيع أن نقول: إن القيام ركن في الصلاة، ولكن نقول: إنه ركن في صلاة الفريضة، سنة في صلاة النافلة، فمن صلى جالساً في النافلة فأجره على النصف من صلاة القائم إذا كان مستطيعاً، والدليل على هذا أننا وجدنا أدلة خاصة في ذلك، كقول النبي عليه الصلاة والسلام: ( صلاة القاعد على النصف من صلاة القائم )، وهذا الدليل خاص في هذه المسألة يغلب ذلك العموم بل يبينه.

    الأمر الثاني من جهة فهم ذات العموم أن نسبر الأحكام التي جاءت عن نبينا عليه الصلاة والسلام، كسبر أحكام الصلاة في قوله: ( صلوا كما رأيتموني أصلي )، فالأمر يتعلق بالرؤية، إذاً: أفعال النبي عليه الصلاة والسلام في الصلاة إذا أردنا أن نجمعها نجد أنه جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام سنن كثيرة، حتى قال ابن حبان رحمه الله: أحصيت في الصلاة ستمائة سنة، يعني: ستمائة تشريع، فإذا أردنا أن نجمع ستمائة تشريع نخرج الواجبات والأركان فيبقى لدينا مئات، فالأغلب السنن أم الواجبات؟ السنن، إذاً: الأصل في فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصلاة السنية أو الوجوب؟ السنية لا الوجوب، قد يقول قائل: لماذا والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: ( صلوا كما رأيتموني أصلي ) نقول هذا في باب الاقتداء، فلا نصلي كما يصلي فلان وفلان؛ لأنه هو المشرع عليه الصلاة والسلام، وهذا تحديد وضبط للتشريع، وإشارة إلى أصل الاقتداء.

    كذلك في قوله عليه الصلاة والسلام: ( خذوا عني مناسككم ) هل الأمر هنا في كل فعل يفعله النبي عليه الصلاة والسلام في الحج أنه واجب؟ نقول: علينا أن نأتي ونحصي الشرائع في الحج، نجد أن جلها من المستحبات، ولو قلنا بالوجوب للزمنا في الرمل، والاضطباع، وتقبيل الحجر، واستلامه، والشرب من ماء زمزم، والصلاة خلف المقام، والدعاء، ورفع اليدين عند الصفا، وقول ما بين الركنين: ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، والجري بين العلمين، وغير ذلك من السنن الكثيرة المتواترة التي جاءت عن النبي عليه الصلاة والسلام في الحج أن نقول بوجوبها تحت هذه القاعدة، ولكن نقول: إن مراد النبي عليه الصلاة والسلام ( خذوا عني مناسككم ) لا عن غيره، لماذا؟ لأنه يوجد مقتدون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهل الفضل كثر كأبي بكر وعمر وغيرهم، فربما بدر من هؤلاء شيء من الأعمال من غير قصد فيتتبعهم الناس لقربهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو تؤخذ أفعال العادات التي يفعلونها بداهة على أنها سنة، ولهذا النبي عليه الصلاة والسلام ألغى هذه الأشياء كلها، وأراد أن يكون الاقتداء به عليه الصلاة والسلام، فقوله: ( خذوا عني مناسككم ) المراد به تشريع هذه المناسك.

    القرينة الأخرى أن النبي عليه الصلاة والسلام كان حاضراً في ذهنه أن بقايا شرائع الجاهلية في المناسك موجودة في مكة، فأراد أن يعزم إلى الإتيان للحج ويخشى أن يختلط ببعض من يحج من المشركين؛ لأنه أمر في السنة الماضية قبل حجه عليه الصلاة والسلام ( ألا يحج بعد هذا العام مشرك، وألا يطوف بالبيت عريان )؛ لأن العام القابل هو زمن التشريع فلا تخلطوا عليه، فأبعد أهل الشرك عن مكة؛ حتى لا يختلطوا مع أهل الإسلام فيفسدوا عليهم شرائعهم، فيبقى التشريع لأهل الإسلام؛ ولهذا ربط ذلك بالنجاسة في قوله: إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا[التوبة:28]، والنجاسة هنا هي نجاسة معنوية، نجاسة عقيدة، ونجاسة تشريع مبدل لا ينسب إلى الله سبحانه وتعالى، لهذا خصوص في التشريع في جهة الأوامر أدخلها المصنف رحمه الله على أنها نصوص بدء تشريع، لا من جهة كون ذلك من الأحكام التكليفية الخمسة.

    1.   

    القياس

    قال رحمه الله تعالى:

    [ كذا القياس في جلي الإشارة إلحاق مطعوم بذي العبارة

    بل كل ما فيه غذا يجري الربا بالبر والتمر بهم قد أصبحا ]

    القياس تقدم معنا: أنه إلحاق فرع بأصل لعلة جامعة بينهما، ومنه ما هو جلي، وهنا قال: (كذا القياس في جلي الإشارة إلحاق مطعوم بذي العبارة)، ورود العلة ركن من أركان القياس، والعلة على نوعين: علة منصوصة، وعلة مستنبطة، فالعلة المنصوصة أقوى، والعلة المستنبطة ضعيفة، ولكن قد تلوح للمستنبط هذه العلة، وتقوى في نفسه لوجود بعض القرائن الكافية، والعلة المنصوصة هي التي يكون عليها القياس، أما العلة المستنبطة فلا يكون عليها القياس، والقياس يكون في أبواب الصحة والفساد لا في أبواب تشريع العبادات، يعني فليس لنا أن نقيس عبادة على عبادة أخرى لجامع بينهما فنولد عبادة جديدة، كما يفعل المتصوفة؛ لهذا ضلوا في هذا الباب؛ لأنهم يقولون مثلاً في الطواف على القبور: إن الله عز وجل أمرنا أن نطوف على الكعبة، والكعبة حجر، وحرمة دم المؤمن أعظم من حرمة الكعبة، كما في الحديث ( لأن تهدم الكعبة حجراً حجراً أهون عند الله من أن تستباح حرمة امرئ مسلم ) وعلى هذا فالولي من أولياء الله لا شك أنه في أعلى مراتب الحرمة، ولذا يجوز أن نطوف على الولي الصالح من باب قياس الأولى، وهذا قياس في أبواب العبادات، والقياس في أبواب العبادات خطأ؛ لأن الله عز وجل يقول: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا[المائدة:3]، وقال عليه الصلاة والسلام: ( من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد )، فأي عبادة زيدت فهي بدعة وإحداث أياً كان منشؤها، وأقيس أنواع إنشاء العبادات قياس عبادة على عبادة بحيث تتولد عبادة أخرى، لكن أن تقيس أمر على أمر لتستنتج صحة أو فساداً فذلك الأمر لا بأس به، فتقول: هذا جاء في بطلان صلاة الفريضة إذاً يبطل صلاة النافلة، وهذا جاء في بيان بطلان الزكاة، أو في فرضية الزكاة، أو نحو ذلك، فيحمل على ذلك في بطلان الثمار وفي بهيمة الأنعام ونحو ذلك.

    وهنا في مسألة جريان الربا وما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك قال: (ما يجري الربا بالبر والتمر بهم قد أصحبا) هذه المسألة مما يطول الكلام فيها، وهي ما جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام فيما يجري فيه الربا هل العبرة فيه الكيل أو الوزن أو القوت أو الادخار؟ وهذا من مواضع الخلاف، ما هي العلة الجامعة؟ وهذا مرده إلى ماذا؟ مرده إلى العلة كما تقدم الكلام عليه، فالعلة إن كانت منصوصة حل الإشكال، ومثال العلة المنصوصة قول رسول الله صلى الله عليه وسلم في الهرة كما جاء في المسند والسنن: ( إنما هي من الطوافين عليكم )، العلة هنا منصوصة، وهي أنها من الطوافين، إذاً: ما يطوف علينا من الحمر الأهلية من دواب الأرض فهي من الطوافين إلا ما خصه الدليل، كالفأر فهي من الطوافين لكنه خصه الدليل وأخرجه فلا نستطيع أن نأتي بقياس نقيسه مع ورود الدليل؛ لأن الدليل والنص أقوى من القياس، لكن نلحق ما طاف علينا من الطيور التي تأتي مثلاً في الأحواض وتشرب من المياه، والحمير التي تغشى الناس وتطوف عليهم بالطوافين علينا، هذه العلة علة منصوصة، ولدينا علة مستنبطة، والعلل المستنبطة هي: التي لم ينص عليها الشارع، مثال ذلك أن الله عز وجل حرم على الرجال لبس الذهب ولبس الفضة، ما هي العلة؟ منصوصة أو مستنبطة؟ مستنبطة؛ لهذا تجد العلماء يتباينون في هذا الأمر، فالقياس على العلة المنصوصة صحيح، والقياس على العلة المستنبطة ضعيف، وربما يلزم بقول فاسد؛ ولهذا هناك من يقول مثلاً أن العلة في منع لبس الذهب احتمال أن الناس بحاجة إلى النقدين في البيع والشراء، فإذا تحلى الرجال بذلك ضعفت حاجة الناس إلى البيع والشراء، وأصبح في هذا مشقة عليهم، ومنهم من يقول: إن العلة هي الكبر والغطرسة ونحو ذلك، ويلزم من هذا لوازم، فإذا قلنا إنها الكبر والغطرسة جاز أن نحلي الصبي بالذهب؛ لأن الصبي لا يعرف الكبر، فإذا كان لديك ابن مجنون أو سفيه لا يدرك معاني الأمور النفسية فلا يتكبر ولا يعرف معنى التواضع فإنه يجوز لك على هذا أن تحليه بالذهب بنفسك؛ لأنك مكلف وهو ليس بالمكلف، لكن لو فعلت أنت هذا تأثم.

    كذلك أيضاً في مسألة من يقول: إن العلة حاجة الناس إلى النقدين، الذهب والفضة، فإنه يلزم منه أن الناس إذا اغتنوا عن الذهب والفضة كما في زماننا فإنه يجوز لبسهما، فالناس اليوم تتعامل بالعملة الورقية، فهل نقول: إذا سقطت العلة يسقط معها الحكم، البسوا أيها الرجال؟ الجواب لا، إذاً نقول: إن هذه العلة ضعيفة أصلاً، لأنها مستنبطة، فكيف تستنبط علة ثم تقوم بالبناء عليها ونحن نخالفك بأصل الاستنباط أصلاً؟ ولهذا نقول في العلل غير المنصوصة: أننا لا نأمر بالامتثال بها، بل بالامتثال بالنص، أما العلة فنقول إنها علل، لكن لا نقيس عليها؛ لأن الناس تحرص على العلل لتثبيت معرفة مقاصد الشريعة، والإيمان بها، وقوة الامتثال، ودعوة الناس، وغير ذلك من العلل التي يذكرها العلماء.

    قال رحمه الله تعالى:

    [ فكل ما من جهة الشرع ورد مقيداً فهو البيان المعتمد ]

    الشرع مأخوذ من البيان والوضوح؛ ولهذا يسمى شراع السفينة شراعاً لوضوحه وبروزه، وتسمى الشريعة شريعة؛ لأنها نصبت أعلامها للناس بياناً ووضوحاً، يقول: (فكل ما من جهة الشرع ورد مقيداً فهو البيان المعتمد)، يعني: ما جاء من الألفاظ المطلقة مقيد فهو مبين من كلام الله سبحانه وتعالى، فينبغي أن يؤخذ به؛ ولهذا قال: (المعتمد) الذي لا يجوز الخروج عنه.

    1.   

    معنى النص والظاهر والمؤول

    قال رحمه الله تعالى: [ باب النص والظاهر والمؤول والنسخ ].

    ذكرنا أن الدلالة الواضحة على قسمين: نص وظاهر، وهي أقوى الدلالات الواضحة.

    قال رحمه الله تعالى:

    [ والنص ما لا غيرَ معنى يحتمل وظاهر الاثنين أضحى يشتمل ]

    النص هو: ما لا يحتمل إلا معنى واحد لوضوحه وجلائه، فهو لا يحتاج إلى مبين، ووجود نص مبين له لا يزيده وضوحاً، وهذا النص إنما سمي نصاً لبروز معناه، وقد اشتق من المنصة التي يبرز عليها الإنسان أو يبرز عليها الخطيب حتى لا يلتبس بغيره، أما إذا أراد الإنسان أن يتكلم في وسط الناس فإنهم لا يدرون من المتكلم، لكن إذا برز على منصة فرآه الناس فلا يحتاج أن تقول هذا الخطيب وهذا المستمع؛ لأن الناس تراه، ولا يحتاج إلى مبين له، ولهذا تسمى نصوص الشريعة بالنصوص؛ لأن الأصل فيها الوضوح.

    وقوله: (والنص ما لا غير معنى يحتمل وظاهر الاثنين أضحى يشتمل) ذكرنا أن أقوى وجوه الدلالة الواضحة هو النص والظاهر، فالنص: ما لا يحتمل إلا معنى واحد، والظاهر: ما يحتمل معنيين أحدهما أقوى من الآخر، تقول: هذا دليل وظاهره كذا، أي ظاهر الدليل كذا، مع ورود معنى آخر في الدليل خافٍ باطن، والنص أقوى، وإذا تعارض النص مع الظاهر فإنه لا عبرة بالأخذ بظاهر النص، وكذلك النص يقابله المخالفة ولا يمكن أن يقابله اجتهاد صحيح، وأما بالنسبة للظاهر فيقابله المعنى الخفي، أو ربما يطرأ عليه الإشكال من بعض وجوه.

    قال رحمه الله تعالى:

    [ لكن أمراً أظهر من آخر نحو نظرت أسداً بالباصر

    [ فإن ترد به الشجاع المفترس فذاك تأويل وظاهر فقس ]

    وهذا في أمور الظاهر إذا أتيت وحكيت حكاية تقول: رأيت أسداً، فهذا يحمل على ظاهر الكلام، وأنك رأيت أسداً حيواناً، ولكنه في الأصل يحتمل معنيين: المعنى الأول: أنه أسد بهيمة، والثاني: أنه رجل قوي، وهذا يحتاج إلى شيء يقوي أحدهما على الآخر، والذي يقوي أحدهما على الآخر ربما قرينة، ومن هذه القرائن أن يأتي كلامك بعد أن تأتي من الغابة أو تأتي من الصحراء فتقول: رأيت أسداً، فيحمل على الأسد الحيوان، لكن إذا أتيت من مصارعة أو أتيت من حرب تقول: معنا أسد، هل يمكن أن يحمل على الحيوان؟ لا، فما الدافع؟ الدافع القرينة، مع أنك لم تذكر البشرية ولا الحيوانية فهي بحاجة إلى مرجح لأحدهما؛ ولهذا قال:

    (لكن أمراً أظهر من آخر نحو نظرت أسداً بالباصر)

    1.   

    تعريف النسخ وأنواعه

    قال رحمه الله تعالى:

    [ والنسخ رفع الحكم بالخطاب لبدل أو غيره أصحابي ]

    النسخ المراد به الإزالة، وقيل: التبديل، ومن قال: إن النسخ هو التبديل فإنه لا يجيز أن ينسخ الشيء إلا إلى بدل، ومن قال المراد به الإزالة فيمكن أن يقع النسخ عنده إلى غير بدل، وهذا من مسائل الخلافية التي تفرعت وأفرزت أمثال هذا التعريف.

    وقوله: (والنسخ رفع الحكم بالخطاب لبدل أو غيره أصحابي)، ذكر المصنف تعريف النسخ: هو رفع حكم قديم ثبت بخطاب جديد، بعض العلماء يذكر قيد إلى بدل، وبعضهم يقول: إلى بدل أو إلى غير بدل، وهنا يشير إلى أن النسخ لا يكون إلا لبدل بقوله: (والنسخ رفع الحكم بالخطاب لبدل أو غيره أصحابي)، يعني: أن الأصل أن النسخ يكون لبدل، وقد يرد إلى غير بدل، ومنهم من يستدل بقول الله عز وجل: مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا[البقرة:106]، فالله عز وجل جعل النسخ هو إلى حكم آخر، وما جعله إلى إلغاء، وهذا يحمل على الأغلب.

    النسخ إلى بدل مساوٍ أو أغلظ

    قال رحمه الله تعالى: [ لأغلظ كنسخ عاشوراء فحكمه بالخلق حيث شاء ].

    بالنسبة لعاشوراء، إنما سمي؛ لأنه اليوم العاشر، وقبله تاسوعاء وثاموناء وسابوعاء وهكذا، وهو العاشر من شهر الله المحرم.

    قال: (لأغلظ كنسخ عاشوراء) وبالنسبة لصيام يوم عاشوراء، ( فإنه أول ما قدم النبي عليه الصلاة والسلام المدينة وجد الناس يصومون يوم عاشوراء، فسأل اليهود عن ذلك، فقالوا: ذلك يوم نجا الله فيه موسى من فرعون، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: نحن أولى بموسى منهم ).

    وفي قوله: (لأغلظ كنسخ) اختلف العلماء في مسألة النسخ هل يكون إلى بدل مساو أو إلى بدل أغلظ؟ فمن قال: لا بد من النسخ لأغلظ، فإنه بداهة يلتزم بأنه لا يكون النسخ إلى غير بدل؛ لأنه يرى أن النسخ لا يكون إلى ما هو أخف أصلاً، وهؤلاء يعتمدون على أصل، وهو أن الشريعة جاءت بالتدرج، والتدرج هو العلو، فأول ما فرض الله عز وجل الصلاة جعلها مستحبة، ثم بعد ذلك فرضها ركعتين، ثم جعلها أربعاً فزيد في صلاة الحضر، وبقيت صلاة السفر؛ لهذا نقول إن قوله: (لأغلظ كنسخ عاشوراء) يعني: أن يوم عاشوراء كان فريضة بعد أن كان سنة، ثم نسخه الله عز وجل وجعله فريضة، ثم جعله سنة وأوجب صيام رمضان.

    وفي هذا أنه لو ذكر المصنف رحمه الله هنا صيام رمضان لكان أظهر، وذلك أن صيام رمضان ابتداء ما كان واجباً عينياً، بل من أراد أن يصوم فليصم، ومن لم يرد أن يصم فليطعم، إذاً المسألة على التخيير، ثم أوجبه الله عز وجل عيناً على المستطيع، ولا تقبل الكفارة إلا ممن كان معذوراً، ويستدلون أيضاً بقول الله عز وجل: مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا[البقرة:106]، قالوا: الخيرية في ذلك لا تحقق إلا في الفرض؛ لأن النفل لا يكون أفضل من الفرض، وإنما يقوى أمره ليكون أعظم من غيره، ومعلوم أن الفرائض أعظم أجراً للإنسان من النوافل؛ لهذا يرون أن كل نسخ من إباحة إلى سنية فالسنية أفضل من الإباحة، ومن سنية إلى فرض فالفرض أفضل، وهو المقصود في قوله جل وعلا: نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا[البقرة:106]، ويحتمل أن المراد بالخيرية هنا الخيرية للناس والنفع باعتبار أن الشريعة تامة، وأن الله سبحانه وتعالى يفرض ما هو أصلح للعباد.

    يقول هنا: (فحكمه بالخلق حيث شاء) يعني: حيث شاء المكلف، والخلق حيث إن شاءوا صاموا عاشوراء أو لم يصوموا، يعني أنه كان فريضة ثم نسخه الله إلى نفل، نقول: إن الله عز وجل نسخ صيام عاشوراء عند فرض رمضان، فنسخه إلى بدل أعظم، لكنه في ذاته ملتزم بغيره، كمن يقول مثلاً: إن العمرة كانت في ابتدائها فريضة، ثم جعلها الله سنة لما فرض الحج، هل هذا نحمله على التخفيف أم الأشد؟ نحمله على الأشد؛ لأنه من جنسه فهو قصد البيت، كذلك في مسألة الصيام والإمساك، فإمساك يوم الفرض أخف من إمساك ثلاثين يوماً؛ ولهذا نسخ الله صيام يوم عاشوراء، وجعله سنة زائدة على صيام رمضان، لكن لو نظرنا إليه بذاته على أنه عبادة مستقلة نقول: إنه للتخفيف، ولكن لا ننظر إليه بذاته، وإنما ننظر إلى تشريع الصيام، ولهذا نقول: الصيام شرعه الله عز وجل في ابتدائه مخففاً، ثم جعله مؤكداً واجباً.

    أنواع النسخ

    قال رحمه الله تعالى:

    [ ونسخ قرآن نرى بالسنة ونفسه بنفسه يا إخوتي

    وهي به ونفسها بنفسها تقليب وجه المصطفى نحو السها ]

    يعني: أن القرآن ينسخ بعضه بعضاً، وذلك كتقديم الصدقة بين يدي السائل للنبي صلى الله عليه وسلم، ثم نسخها الله عز وجل، ولم يعمل بها إلا علي بن أبي طالب عليه رضوان الله، قال الله عز وجل: فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً[المجادلة:12] فنسخها الله عز وجل، وجعل ذلك على سبيل السنية، ولهذا يقول علي بن أبي طالب: لم يعمل بهذه إلا أنا.

    وأما نسخ القرآن بسنة النبي عليه الصلاة والسلام، فذلك كحبس المرأة الزانية في البيوت في قول النبي عليه الصلاة والسلام: ( الآن جعل الله لهن سبيلاً ).

    قال: (ونفسه بنفسه يا إخوتي)، يعني: أن السنة والقرآن ينسخ بعضها بعضاً، السنة بالسنة، والقرآن بالقرآن، والسنة للقرآن.

    وأما بالنسبة للقرآن هل ينسخ السنة أم لا؟ نقول: ينسخ السنة، كما في مسألة القبلة، النبي عليه الصلاة والسلام ابتداء أوحى الله إليه من غير قرآن أن يستقبل المسجد الأقصى، ثم أمره الله عز وجل باستقبال المسجد الحرام، فنسخ القرآن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لهذا نقول: إن نسخ القرآن للقرآن وارد، كما في مسألة تقديم الصدقة،كذلك نسخ السنة بالسنة في ذاتها، فهذا كثير جداً كما في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزورها فإنها تذكر الآخرة )، وكذلك نسخ القرآن للسنة كما تقدم في مسألة القبلة، ونسخ السنة للقرآن في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( الآن جعل الله لهن سبيلاً ).

    قال رحمه الله تعالى: (وهي به).

    يعني: أن القرآن ينسخ السنة كما في القبلة.

    وقوله: (ونفسها بنفسها) كما في زيارة القبور.

    وقوله: (تقليب وجه المصطفى نحو السها). كما في مسألة القبلة

    قال رحمه الله تعالى:

    [ ومثلها زيارة القبور ولفظه في غاية الظهور ]

    وذلك أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: ( كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزورها )، يعني: أن النص في ذلك ظاهر لا يحتاج إلى بيان.