إسلام ويب

الأحاديث المعلة في الطهارة [6]للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من الأحاديث المعلة في كتاب الطهارة: حديث التفريق بين بول الغلام وبول الجارية، والراجح قبوله لأن من رواه النساء وهن ممن يعتني بهذا الأمر، وكذلك أن غالب حالهن أن يروي بعضهن عن بعض، وأن الذي رواه الحسن البصري عن أمه وهو أعلم بأحاديثها.

    1.   

    حديث: (يرش من بول الغلام ويغسل من بول الجارية)

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    أما بعد: فتكلمنا في الدرس الماضي عن بعض الأحاديث، ونتكلم في هذا المجلس بإذن الله عز وجل عن جملة منها ما يتعلق بالتفريق بين بول الغلام وبول الجارية، وقد جاء في ذلك جملة من الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم منها حديث علي بن أبي طالب، وحديث أم سلمة، وزينب وأبي ليلى وعائشة وأم قيس، وجاء في ذلك أخبار يأتي الكلام عليها بإذن الله تعالى.

    أولها هذه الأحاديث هو حديث علي بن أبي طالب عليه رضوان الله تعالى، فقد رواه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه والدارقطني من حديث معاذ بن هشام الدستوائي عن أبيه عن قتادة عن أبي حرب بن أبي الأسود عن أبيه عن علي بن أبي طالب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( أنه أتاه الحسن والحسين فبال أحدهما في حجره، فرش رسول الله صلى الله عليه وسلم عليه، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: يرش من بول الغلام ويغسل من بول الجارية ) .

    وهذا الحديث قد تكلم فيه غير واحد من العلماء، واختلف في وصله وإرساله، وكذلك اختلف في وقفه ورفعه، فقد جاء هذا الحديث من حديث معاذ بن هشام عن أبيه عن قتادة، وتابع معاذاً عليه عبد الصمد بن عبد الوارث عن هشام الدستوائي عن قتادة بهذا الإسناد، وخولف فيه من وجوه عدة:

    أولها: من جهة الوقف، فقد جاء موقوفاً على علي بن أبي طالب عليه رضوان الله تعالى، رواه في هذا جماعة كـشعبة وهمام كلهم عن قتادة به موقوفاً، فمن العلماء من رجح الوقف، ومنهم من رجح الرفع، وجاء أيضاً بإسقاط والد أبي حرب الذي يروي عن علي بن أبي طالب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد رواه عبد الرزاق في كتابه المصنف، وابن أبي شيبة من حديث سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن أبي حرب عن علي بن أبي طالب، فأسقط والده، وقد جاء أيضاً من حديث يحيى بن سعيد القطان عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن أبي حرب بن أبي الأسود عن أبيه عن علي بن أبي طالب عليه رضوان الله تعالى مرفوعاً، وجاء هذا الخبر أيضاً مرسلاً من غير هذا الوجه، ولا يصح، وصوبه بعض الأئمة.

    وهذا الحديث كما تقدمت الإشارة إليه قد اختلف في روايته، فـهشام الدستوائي يرويه عن قتادة بالإسناد السابق مرفوعاً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بتمامه، ويرويه سعيد بن أبي عروبة، ويرويه عنه يحيى بن سعيد القطان عن أبي حرب عن أبيه عن علي بن أبي طالب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    وهذا الحديث قد حسن إسناده بعض الأئمة، فقد حسنه البخاري كما نقله عنه غير واحد، وذلك أنه قال بقوة رواية هشام الدستوائي، فقال: وهو حافظ، وقد وقف هذا الخبر شعبة وهمام، وذلك أن هماماً قد وقف هذا الخبر في روايته عن قتادة، وكذلك قد رواه شعبة عن قتادة وجعله موقوفاً، وأما هشام فهو وإن كان حافظاً ومن أضبط الرواة، إلا أنه ليس بأضبطهم عن قتادة في هذا الخبر وجعله مرفوعاً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    وجاء في هذا الباب حديث أبي السمح، وقد رواه الإمام أحمد وأبو داود وغيرهم من حديث يحيى بن الوليد عن محل بن خليفة عن أبي السمح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بنحو حديث علي بن أبي طالب، وهذا الحديث هو أمثل أحاديث الباب، ومحل بن خليفة قد وثقه غير واحد من الأئمة، وضعفه ابن عبد البر، ولا عبرة بتضعيفه، فقد وثقه يحيى بن معين، والنسائي والدارقطني وجماعة، وقد ضعف بعضهم أيضاً يحيى بن الوليد وليس بضعيف، بل حديثه صحيح.

    وجاء أيضاً هذا المعنى من حديث أم سلمة مرفوعاً وموقوفاً، فقد رواه أبو داود من حديث الحسن البصري عن أمه خيرة عن أم سلمة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورواه ابن أبي شيبة مرفوعاً وموقوفاً، والصواب في هذا الوقف، ولا يصح الرفع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك أنه قد تفرد مسلم بن إبراهيم بهذا الخبر.

    فهذا الحديث الصواب وقفه على أم سلمة لثقة من رواه وجعله موقوفاً، وهذا الحديث مع كونه تفرد به الحسن عن أمه وهي من جهة قواعد الأئمة في عداد المجاهيل.

    بعض قرائن قبول حديث: (يرش من بول الغلام...)

    ولكن ثمة قرائن تجعلنا نقبل هذا الخبر.

    منها: الاختصاص، يعني: أن أم سلمة روت عنها أم الحسن، وغالباً أحاديث النساء يرويها بعضهن عن بعض، وهن أضبط لأحاديثهن.

    ومنها: أن النساء يعتنين بهذه المسائل: مسائل بول الغلام وبول الجارية، فهذا يتعلق بالمسائل مما يعني العناية بها، ولا يروين من المعاني ما لا تدركه النساء، فهن يدركن هذا المعنى، وهن أضبط لحرفه من غيرهن.

    ومنها: أن الحسن البصري يرويه عن أمه وهو إمام جليل فقيه، وهو أعلم بأحاديث أمه.

    ومنها: أن أم سلمة تروي عنها مولاتها أم الحسن، فـأم الحسن مولاة عند أم سلمة عليها رضوان الله تعالى مما يعني: عنايتها بالأحاديث.

    ومنها: أن الحسن أفتى بهذا، واستدل ابن عبد البر عليه رحمة الله على صحة هذا الحديث بفتيا الحسن، فقال وهو راوي حديث أم سلمة يرويه عن أمه، وهذا من القرائن التي تجعل هذا الخبر مما يعمل به ويعتضد به أيضاً.

    بعض طرق حديث: (يرش من بول الغلام ويغسل من بول الجارية)

    وجاء هذا الحديث من حديث أم كرز، فقد رواه أبو داود في كتابه السنن، وابن أبي شيبة في كتابه المصنف من حديث أسامة بن زيد عن عمرو بن شعيب عن أم كرز عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورواه الطبراني من حديث عبد الله بن موسى التيمي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ووقع في إسناده اختلاف، فـعبد الله بن موسى يرويه عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وجعله من مسند عبد الله بن عمرو، وأسامة بن زيد يرويه عن عمرو بن شعيب عن أم كرز وهو أصوب، وحديث أسامة بن زيد أقرب، وعمرو بن شعيب لم يدرك أم كرز في روايتها لهذا الحديث، وعلى هذا فيقال: إن هذا الحديث مما لا يصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    وكذلك فإن رواية عبد الله بن موسى التيمي قد تفرد في روايته عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، ومفاريده عن عمرو بن شعيب مما لا يقف عندها العلماء في أمثال هذه المتون.

    وجاء أيضاً من حديث أبي ليلى فقد رواه ابن أبي شيبة في كتابه المصنف من حديث وكيع بن الجراح عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن أخيه عيسى بن أبي ليلى عن جده عبد الرحمن بن أبي ليلى عن جده أبي ليلى عن رسول الله صلى لله عليه وسلم بنحو الحديث، وهذا الحديث فيه جملة من الضعفاء منهم محمد وعيسى، فلا يحتج بإسناده.

    وجاء أيضاً من وجه آخر عن زينب بنت جحش عليها رضوان الله تعالى، ويرويه ليث بن أبي سليم عن حدير عن مولى زينب عن زينب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والحديث ضعيف، وذلك أنه معلول بعدة علل، منها تفرد ليث بن أبي سيلم، ومنها أن حديراً مما تكلم فيه غير واحد، وكذلك مولى زينب لا يعرف، وإن كان قربه من زينب يدل على استقامة دينه.

    وجاء أيضا من حديث عبد الله بن عباس، فقد رواه الطبراني وغيره من حديث محمد بن عمر الواقدي وقد تفرد به، وحديث محمد بن عمر الواقدي لا يحتج به إذا تفرد.

    وجاء أيضا من حديث لبابة بنت الحارث وهي أم الفضل بن عباس بن عبد المطلب، وقد جاء في رواية هذا الحديث عدة وجوه، وهذا مما تكلم فيه غير واحد من العلماء من جهة انقطاعه واتصاله، فقد رواه الإمام أحمد في كتابه المسند من حديث عفان عن حماد بن سلمة عن عطاء الخراساني عن لبابة بنت الحارث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا الإسناد الصواب فيه أنه منقطع، وذلك أن الإمام أحمد قد أخرج في كتابه المسند من حديث عفان عن حماد، قال حميد : عطاء لم يسمعه من أم الحارث وإنما سمعه من أبي عياض عن لبابة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبو عياض مجهول لا يحتج به.

    وقد جاء من وجه آخر عند الإمام أحمد من حديث عفان عن وهيب بإسناد صحيح، فيكون لدينا في هذا الباب حديثان الأول حديث أبي التياح، والثاني حديث لبابة أم الحارث بن العباس بن عبد المطلب، وقد جاء من وجوه أخرى وقع فيها الاضطراب من غير هذا الوجه ولا تصح من حديث أم الفضل وهي لبابة أم الفضل بن عباس بن عبد المطلب، وقد مال إلى تصحيح هذا جماعة من الأئمة من المتأخرين.

    وجاء في هذا الحديث وغيره مما سبق من تكلم على معاني هذه الأحاديث بالإعلال فقالوا: باعتبار أن البخاري ومسلماً لم يخرجا منها شيئاً، وهذا ما مال إليه الشافعي عليه رحمة الله فيما نقله عنه البيهقي، وعلل البيهقي عليه رحمة الله تعالى أن عدم إخراج البخاري ومسلم لشيء من ذلك فيه إشارة إلى عدم صحة شيء من هذه الأحاديث عندهما، ولكن يقال: إن عدم إيراد البخاري ومسلم لأمثال هذا التفصيل لا يعني عدم الصحة؛ وذلك أن البخاري قد أخرج من حديث عائشة، وجاء من حديث أم قيس بنت محصن وهي أخت عكاشة بن محصن فقد رواه مسلم وتفرد به عن البخاري، فقد روى البخاري فمن حديث هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بال غلام في حجره لم يطعم، فأفرغ النبي عليه الصلاة والسلام عليه ماء )، وجاء أيضاً عند الإمام مسلم من حديث أم قيس بنحوه، وهذا وإن لم يكن فيه التفريق بين الغلام والجارية وإنما ذكر الغلام وأن النبي صلى الله عليه وسلم قد صب عليه، وهذا في نهج البخاري هل هو إشارة إلى شيء من الحديث الذي يوافق الأحاديث الأخرى التي لم يخرجها البخاري، نقول: إن البخاري قد نقل عنه الترمذي أنه مال إلى تقوية رواية هشام الدستوائي في روايته عن قتادة عن أبي حرب بن أبي الأسود عن أبيه عن علي بن أبي طالب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال ورفعه هشام وهو حافظ، مما يدل على أن البخاري عليه رحمة الله رجح الرفع على الوقف، مع أن الذي وقف هذا الخبر غير واحد من الحفاظ كـشعبة وهمام، وقد اختلف في رواية هشام فيرويه معاذ، وكذلك يرويه عبد الصمد عن هشام به مرفوعاً، وجاء عن هشام أيضاً مخالفاً لرواية معاذ، وكذلك عبد الصمد، وبه نعلم أن البخاري عليه رحمة الله تعالى في تنكبه لإخراج هذه الأحاديث باعتبار أنها ليست على شرطه من جهة قوة الإسناد لا من جهة سلامة المتون واستقامتها.

    وبهذا ينبغي أن نشير إلى أمر من منهج البخاري عليه رحمة الله، وكذلك الإمام مسلم وهو أن البخاري إذا أردنا أن نتكلم على شرطه فـالبخاري عليه رحمة الله ليس شرطه في الصحيح الصحة مجردة، وإنما قصده في ذلك درجة معينة من الصحة؛ ولهذا قد يصحح البخاري ويقوي حديثاً خارج الصحيح ولا يخرجه باعتبار كونه قاصراً عن مقاصد الصحيح كما في هذا الحديث، وبهذا نعلم أن ما لم يخرجه البخاري من الأحاديث أننا لا نقطع بإعلاله إلا إذا احتفت به القرائن.

    ومن هذه القرائن مما تقدمت الإشارة إليه: أن يكون البخاري قد أورد خلافه، أو أورد أثراً خلافه، أو لم يورد شيئاً في الباب مما يعضده، وهذا الأحاديث في التفريق بين بول الغلام والجارية قد أورد البخاري ما يعضد هذا الحديث، وهو حديث عائشة وحديث أم قيس عليهما رضوان الله تعالى، فحديث عائشة أخرجه البخاري، وحديث أم قيس أخرجه الإمام مسلم وهو الصب على بول الغلام.

    ومعلوم أنه فرق بين الصب والغسل، والصب والرش واحد، وأما بالنسبة للغسل فالمراد بذلك هو الفرك والدلك الذي يصاحب الرش، يعني: أن الإنسان قد عمد إلى شيء متنجس فغسله، بخلاف الرش وهو الإفاضة.

    وكذلك مما يعضد العمل بهذه الأحاديث هو عمل الأمة في هذا، وقد حكي على هذا الإجماع، وهذا من الأمور التي التدقيق فيها مطلب حتى تحسب، ولو لم يكن ثمة عمل للصحابة لما قلنا بهذا الخبر، ولملنا إلى تضعيفه وعدم الاحتجاج به، فأحاديث التفريق بين بول الغلام وبول الجارية من جهة الغسل أو الرش لا تحتمل القبول بهذه الأسانيد، فهي بحاجة إلى أسانيد أقوى منها، فأصحاب علي بن أبي طالب كثر، فلماذا تفرد بالرواية عنه هنا أبو حرب، كذلك أيضاً ما جاء عن أم سلمة، وعبد الله بن عباس، وأبي التياح، وأبو السمح وهو خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم، مما يدل على أن أمثال هذه الروايات لما كان العمل مستقراً على التفريق، والتفريق في هذا ليس عفواً تاماً عن بول الغلام، وعدم العفو عن بول الجارية، وإنما هو نوع تيسير، ولو كان الأمر بعدم الغسل بين بول الغلام وبول الجارية بمعنى: أننا نقول: إن النبي صلى الله عليه وسلم عفا عن بول الغلام فقال بطهارته، وبول الجارية بالنجاسة لما قبلنا هذه الأحاديث أيضاً حتى يأتي ما هو أقوى منها باعتبار أن ذلك هو عفو عن بول يشترك مع غيره، فاقتضى قوة الإسناد.

    وقد حكى إجماع الصحابة على ذلك إسحاق بن راهويه كما نقله عنه الكوسج في مسائله عن إسحاق بن راهويه فحكى إجماع الصحابة والتابعين على ذلك، ونقله الترمذي عليه رحمة الله في كتابه السنن عن بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن ما جاء في هذا عن الصحابة فيه ضعف، ولكن قد يكون العلماء وقفوا على شيء من هذه الأسانيد، ومعلوم عناية العلماء برواية الأحاديث المرفوعة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وعدم عنايتهم التامة ما تقف المسائل التي فيها إجماع في المقطوعات وما دونها وفي بعض الموقوفات في بعض الأبواب؛ ولهذا نقول: إن العلماء قد نصوا على إجماع الصحابة عليهم رضوان الله تعالى في هذا، فنقول حينئذ بالقبول، ولو لم يكن ثمة إجماع أو كان ثمة عمل لبعضهم وخالف البعض لرددنا هذه الأحاديث؛ لأنها بحاجة إلى ما هو أقوى من ذلك.

    1.   

    حديث: (سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن السمن والجبن...)

    الحديث الذي يليه حديث سلمان الفارسي في أحكام الأنفخة وهي الأجبان، الحديث يرويه سيف بن هارون عن سليمان التيمي عن أبي عثمان عن سلمان الفارسي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ( أنه سئل عن السمن والجبن، فقال عليه الصلاة والسلام: ما أحله الله في كتابه فهو الحلال، وما هو حرمه في كتابه فهو الحرام، وما سكت عنه فهو عفو عفا الله عنه ) هذا الحديث قد اختلف فيه، فيرويه سيف بن هارون البرجمي عن التيمي عن أبي عثمان عن سلمان مرفوعاً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    ورواه سفيان عن سليمان التيمي عن أبي عثمان عن سلمان الفارسي وجعله موقوفاً عليه، وهو الصواب وسيف بن هارون قد ضعفه غير واحد من الأئمة كـيحيى بن معين، وكذلك النسائي وغيرهم، وتفرده برواية الرفع لا تصح، والصواب في هذا الوقف، وهو رواية سفيان بن عيينة.

    الطرق الواردة في حديث: (سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن السمن والجبن...)

    وقد جاء في هذا الحديث جملة من الطرق، من ذلك ما رواه الإمام أحمد في كتابه المسند من حديث جابر بن يزيد الجعفي عن عكرمة عن عبد الله بن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ( أنه أتي بجبن، فأخذ السكين فقطعه وقال: سمو عليه وكلوه )، وهذا الحديث قد تفرد به جابر بن يزيد من هذا الوجه، وحديثه في ذلك ضعيف.

    وقد جاء من وجه آخر أيضاً مرسلاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وموصولاً، فجاء من حديث سلمان كما رواه ابن أبي شيبة في كتابه المصنف من حديث أبي جعفر الرازي عن الربيع عن أبي العالية رفيع بن مهران عن سويد غلام سلمان الفارسي عن سلمان الفارسي، وهذا الحديث قد تفرد به أبو جعفر الرازي، وقد ضعفه غير واحد.

    وقد توبع على روايته هذه عن الربيع بن أنس عن أبي العالية عن سويد عن سليمان، وهذا الحديث يغني عنه ما جاء في رواية سفيان عن سليمان عن أبي عثمان عن سليمان عن التيمي عن أبي عثمان عن سلمان الفارسي موقوفاً عليه وهو الصواب، ورجح الوقف في هذا غير من واحد من العلماء كـأبي حاتم وغيره.

    والأحاديث المرفوعة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في حكم الأجبان، والأجبان معلومة أنها تخرج من أنفحة، والأنفحة قد تكون من بهائم مذبوحة ومذكاة، وقد تكون من ميتة، وقد تكون من ذبائح أهل الكتاب، والأصل فيها الحل، وإنما ذهب بعض العلماء إلى تصحيح رواية سلمان الفارسي المرفوعة ولو كان فيها ضعف؛ لكون عمل السلف على هذا، وذلك أنه قد ثبت عن عمر بن الخطاب وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر وعائشة وغيرهم أكل الأجبان من غير سؤال، فقد روى ابن أبي شيبة في كتابه المصنف من حديث عمرو بن شرحبيل عن عمر بن الخطاب عليه رضوان الله تعالى أنه سئل عن الأجبان، فقال: أنتم سمو عليها وكلوها.

    وجاء أيضاً عند ابن أبي شيبة من حديث أبي حمزة عن عبد الله بن عباس وهو إسناد صحيح، يرويه هشيم، وإسناده صحيح.

    وجاء أيضاً من حديث طلحة بنحو ما جاء عن عمر بن الخطاب يرويه ابن أبي شيبة في كتابه المصنف من حديث موسى بن طلحة عن طلحة وهو صحيح.

    وجاء أيضاً من حديث عائشة عليها رضوان الله تعالى كما رواه ابن أبي شيبة من حديث ابن عجلان عن ربيعة عن أمه عن عائشة عليها رضوان الله تعالى بنحو هذا المعنى.

    ولا أعلم أحداً خالفهم في ذلك إلا ما ينسب لـعبد الله بن مسعود، وما ينسب لـعبد الله بن مسعود فهو الإباحة في ذبائح أهل الإسلام وأهل الكتاب، ويظهر من قوله أنه لا يبيح الأنفحة من الميتة أو من ذبائح غير أهل الكتاب، وقد صح ذلك عنه كما رواه ابن أبي شيبة وابن المنذر أنه قال: لا بأس بها من ذبائح المسلمين وأهل الكتاب.

    من مرجحات رفع الحديث أو وقفه

    وعلى طالب العلم إذا أراد أن ينظر في الحديث المرفوع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكذلك الموقوف، وتردد في الترجيح بين الوقف والرفع أن ينظر إلى فتاوى الأئمة من الصحابة، فإذا كانت تعضد المرفوع وعليها العمل فإن هذا من قرائن الترجيح، وإذا كان العمل على خلافه، أو كان ثمة خلاف عريض يدل على أن الأمر لم يحسم عند الصحابة، فهذا من قرائن عدم الترجيح؛ ولهذا قد ذهب بعض العلماء في هذه المسألة إلى ترجيح المرفوع باعتبار ما جاء من المرويات في هذا عن الصحابة.

    ومن العلماء من مال إلى الوقف على سلمان الفارسي، وما جاء في هذا عن سلمان الفارسي موقوفاً عليه وكذلك عن عمر وابن عباس وطلحة وما يروى عن عائشة قد خولف في ظاهره في قوله عبد الله بن عباس، فإن ما جاء عن عمر هو إطلاق الإباحة من غير سؤال على أي حال كانت الأنفحة مأخوذة، وما جاء عن عبد الله بن عباس يقيد ذلك وأنه لا بد أن يكون من ذبائح المسلمين وأهل الكتاب، وهذا دليل على ورود الخلاف، وهذا يجعل المسألة ليست من المسائل المحسومة عند الصحابة عليهم رضوان الله تعالى مع اختلاف كبراء أهل الفقه في ذلك، كما جاء في هذا عن عبد الله بن عباس عليه رضوان الله تعالى، وهذا يختلف عن مسألتنا السابقة فيما يتعلق بمسألة البول في التفريق بين بول الغلام وبول الجارية، وذلك أنه لو لم يصح عن الصحابة عليهم رضوان الله تعالى في ذلك شيء وإن كان قد جاء عن علي بن أبي طالب عليه رضوان الله تعالى في هذا، وجاء عن غيره إلا أن الفتيا عند السلف على هذا، فقد جاء عن عطاء أنه قال: بالتفريق بين بول الغلام والجارية كما روى ابن أبي شيبة عنه من حديث واقد عن عطاء، وجاء أيضاً في فتيا فقهاء الكوفة كما روي عن إبراهيم النخعي، كما رواه ابن أبي شيبة في المصنف من حديث المغيرة عن إبراهيم أنه قال بالتفريق.

    وعند النظر في فتيا السلف في هذا لا تجد أحداً من الصحابة ولا من التابعين من قال: بعدم التفريق؛ ولهذا قلنا في مسألة الترجيح في الوجهين السابقين: إن الصواب في حديث علي بن أبي طالب في ذلك الرفع، وكذلك في أحاديث الباب كلها باعتبار ورود الإجماع.

    وهذه الأحاديث أعني: أحاديث الجبن لورود الخلاف في هذا فإننا نقول: بالوقف، كذلك فإن المخالفة في ذلك هي دون المخالفة السابقة، باعتبار أن من رفع ذلك هو سيف بن هارون، وسيف بن هارون قد ضعفه غير واحد، بخلاف رواية هشام الدستوائي فإنه وإن كان قد خالف من هو من الثقات الرفعاء إلا أنه في ذاته ثقة حافظ، وهذا فيه فرق بين الوجهين.

    وكذلك أيضاً فإن الأحاديث في التفريق بين بول الغلام والجارية قد كثرت عدداً، فقد جاء من حديث أبي السمح، وعلي بن أبي طالب، وعائشة وأم قيس، وأم الحارث وهي لبابة، وزينب، وعبد الله بن عباس، وأبي ليلى.

    وأما ما جاء في الأجبان فالمرفوع في ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء في حديث عبد الله بن عباس، وقد تقدم أنه تفرد به جابر بن يزيد، وجاء أيضاً في حديث سلمان الفارسي وقد تفرد برفعه سيف بن هارون في روايته عن التيمي عن أبي عثمان عن سلمان الفارسي مرفوعاً، وقد خالفه في ذلك سفيان وهو من الأئمة الحفاظ ومن أضبط الرواة عن التيمي في روايته لهذا.

    وهنا ينبغي الإشارة في هذا إلى أمر مهم جداً: وهي تباين السلف في الخلاف، فإنهم يتباينون أيضاً من جهة البلدان، فلمكة فقهاء، وللمدينة فقهاء، وللكوفة فقهاء، فإذا وجد في فتاوى السلف فتوى واحدة لا يعلم لها مخالف في مكة، وفتوى واحدة لا يعلم لها مخالف في الكوفة، فإن هذا شبيه بالإجماع؛ ولهذا عطاء بين التفريق بين البول ليس له مخالف من فقهاء مكة، وإبراهيم النخعي في الكوفة وقد صح عنهما وليس له مخالف من فقهاء الكوفة؛ ولهذا نقول: بأن الرواية في ذلك إجماع، وهذا ما يصحح الإجماع المروي الذي يرويه إسحاق بن راهويه عن الصحابة عليهم رضوان الله تعالى والتابعين، وكذلك أيضاً يكفي في هذا أن الخلاف في التفريق بين بول الغلام والجارية إنما كان في أواخر القرن الثاني، ثم ظهر بعد ذلك واتسع، وكان لكل من الأئمة دليل على ما أشار إليه البيهقي عليه رحمة الله.

    1.   

    الأسئلة

    المراد بقول البخاري في الحديث حسن

    السؤال: [ ماذا يعني قول البخاري في الحديث: حسن؟ ].

    الجواب: حسن الحديث، هو جاء في سياق قول البخاري رفعه هشام وهو حافظ، رفعه هشام وهذه قرينة على تقويته للحديث، وإلا لو أطلق البخاري الحسن مجرداً على حديث فإن هذا لا يؤخذ منه على الإطلاق التصحيح، ولا تقوية الحديث، فقد يكون ذلك أنه أراد الغرابة أو النكارة في المتن أو الإسناد.

    اعتبار فتيا الراوي عند تصحيح الحديث وتضعيفه

    السؤال: [ هل تعتبر فتيا الراوي من قرائن تصحيح الحديث؟ ]

    الجواب: نقول: أحياناً فتيا الراوي تؤيد بعض الوجوه ويقال بها، حديث علي بن أبي طالب يرويه أبو حرب عن أبيه، وهؤلاء ليسوا فقهاء لكن يرويه عنهم قتادة، وهو فقيه، وقتادة يقول بتقييده بالطعام، وأنه إذا طعم يغسل منه، وهذا ذكره غير واحد كـأبي داود في كتابه السنن ذكره عنه في حديث هشام عن قتادة ذكره بعد سياق الخبر، وهذا يؤيد الحديث من وجهين: من جهة الفقه، ومن جهة الصحة، وهذا من القرائن، فقد ذكرنا أن الإسناد إذا كان فيه راو من الرواة فقيه وعمل بالحديث الذي رواه فإن هذا من قرائن الصحة وفي حال المخالفة يكون من قرائن الضعف.

    دلالة حديث عائشة في الرش من بول الغلام

    السؤال: [ هل يعتبر حديث عائشة دليلاً على التفريق بين بول الغلام وبول الجارية؟ ]

    الجواب: حديث عائشة يخرجه بعض العلماء باعتبار أن حديث عائشة ليس فيه ذكر للجارية، وإنما ذكرت صفة الغلام الذي جاء، هل هو ذكر أو أنثى؟ وأنه لم يطعم، وهذا فيه عن عائشة عليها رضوان الله تعالى فيه إشارة إلى الحكم العام من قال: إنها تدخل معه الجارية باعتبار الأصل، وأن البخاري ما أورد شيئاً يخالف هذا الإطلاق، وهذا قال به جماعة من الفقهاء الشافعية، وهو الذي قطع به الشافعي، ومن قال: إن البخاري عليه رحمة الله أورد هذا الحديث ليدل على أن للغلام حكماً خاصاً به، وهو الذي ذكر في حديث عائشة، وذكره مسلم أيضاً في حديث أم قيس، وهذا له وجاهة، وأما ذكر الإطعام فهذا هو المعمول به، ولكن ثمة خلاف في بعض الصور، هل المراد بالطعام هو ما كان بعد الحولين المعتاد، لكن لو طعم بعد ستة أشهر، أو خمسة أشهر طعم شيئاً يسيراً فهل يدخل في هذا أم لا؟ أم المقصود بذلك الأغلب؟ هذا هو الذي يقع فيه الخلاف عند العلماء في هذا.

    و البيهقي وهو شافعي يورد في كتابه معرفة السنن والآثار -في الأغلب- ما يعضد مذهب الشافعي، والأدلة على الأحكام المروية عن الإمام الشافعي، وقد ذكر عن البخاري أنه قال: بأن هشام الدستوائي رفعه وهو حافظ، يعني: نقل عنه التقوية، وقال به وقواه البيهقي عليه رحمة الله تعالى نفسه، لكنه يلتمس القول للشافعي إمام المذهب، وقال: إن الشافعي عليه رحمة الله لم يصح عند شيء عن النبي عليه الصلاة والسلام في هذا، يقول وهذا هو رأي البخاري ومسلم فيما يظهر أنه ما ترك الرواية في التفريق بين بول الغلام والجارية إلا لأنه لم يصح شيء عندهما، وهذا له احتمالان:

    الاحتمال الأول: أن البيهقي أراد عضد قول الشافعي، وأن الشافعي ليس منفرداً في هذا الأمر.

    الأمر الثاني: أن يكون قصد فعلاً أن إيراد البخاري لحديث عائشة، ومسلم لحديث أم قيس أن هذا لا يعني أنهما يفرقان بين بول الغلام وبول الجارية.

    وأما حديث أبي السمح فقد تكلمنا عليه، وهو عن يحيى بن الوليد عن محل بن خليفة عن أبي السمح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا هو أصح الأحاديث المروية عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الباب.

    مستند البخاري في تقويته رواية هشام الدستوائي في الرش من بول الغلام

    السؤال: [ما هو مستند البخاري في تقويته رواية هشام الدستوائي في بول لغلام؟ ]

    الجواب: البخاري حينما حكم على هذا الحديث ما حكم على رواية هشام عن قتادة مجرداً وإنما لأنه يعلم عمل السلف في هذا فقواه، وأما إذا كان السلف من الصحابة والتابعين لم يعملوا بهذا فإن البخاري لم يكن يقوي رواية هشام عن قتادة، فهو يريد أن يثبت في هذا وجود الأصل، وأحكام الأئمة وخاصة البخاري ومسلم وهم من أهل سعة الإطلاع والسبر للمرويات عن الصحابة والتابعين، فلا يكاد البخاري ومسلم يفتيان بشيء من المسائل المتعلقة في أبواب التعليل إلا وقد أحاطا بمدلول هذه المتون؛ ولهذا أشار إلى تقوية المرفوع باعتبار المسألة مسألة فيها إجماع، فيقول بهذا.

    القول بقبول الحديث شديد الضعف إذا كان عليه عمل السلف

    السؤال: إذا جاء حديث ضعيف جداً وافق الإجماع وعليه عمل السلف فهل نقول بقبوله؟

    الجواب: لا، نحن نتكلم هنا على الأحاديث قريبة المنال، الأحاديث القريبة التي فيها ضعف يسير كأن يكون فيها سيء الحفظ، أو راو ضعيف ضعفاً غير شديد، وأما الروايات التي فيها مجاهيل الأعيان، أو كاذبون أو متهمون أو متروكون فإن هذا ليس من مباحثنا هنا، وإنما ما كان فيه ضعفاً يسيراً، وقد تقدمت الإشارة معنا إلى مسألة الموقوف والمرفوع، وأن الأئمة عليهم رحمة الله في أبواب الوقف والرفع ربما يجعلون الموقوف يعل المرفوع ويطرحه، وإن كان إسناده في ظاهره الصحة فهذا يكون شبيه المطروح والضعيف جداً، ولو كان ظاهر الإسناد السلامة، وهذا ما ينبغي لطالب العلم أن يهتم به، وهذا يغفل عنه كثيراً فينبغي لطالب العلم حال وجود إسناد من الأسانيد أن يتتبع الرواة الموجودين في الإسناد واحداً واحداً، فما كان من الفقهاء ينظر في فتاويه وأقواله، فإذا كان ثمة أقوال عند ذلك الفقيه تخالف هذا المروي فهذا علامة على ضعف الحديث، وإذا كان ثمة فتاوى موافقة فإن هذا علامة على الضبط والعناية وإدراك المعنى.

    فإن الرواة الفقهاء هم أضبط لمرويات الفقه من غيرهم.

    سبب ترجيح الوقف على الرفع عند اختلاف الصحابة في ذلك

    السؤال: مخالفة ابن مسعود لحديث سلمان ألا يرجح الوقف؟

    الجواب: نعم يرجح الوقف، حتى لو كان سيف بن هارون ممن يقبل حاله وذلك لوجود الاختلاف لأن الأصل في وجود الحديث المرفوع حسم الخلاف، خاصة عند الكبار كـابن مسعود.

    ثم القضية التي يتكلم عليها الحديث قضية مما يحتاجها الناس وليست من المسائل الجزئية اليسيرة.

    ثم أيضاً لم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم حديث يقابله في الباب يحمل عليه قول ابن مسعود، ولو كان هناك حديث في الباب يحمل عليه قول ابن مسعود لقيل: إن ثمة حديثين عن النبي صلى الله عليه وسلم فـابن مسعود ذهب إلى هذا وغيره ذهب إلى ذاك، ولكن أقرب الأحاديث في هذا الباب هو حديث سلمان الفارسي، ومع هذا ورد الخلاف، ويكفي في هذا الحديث من جهة الرفع أنه يروى بمثل هذا الإسناد، حديث سيف بن هارون عن التيمي عن أبي عثمان عن سلمان، فرواية سيف بن هارون مرفوعاً في مثل هذه الطبقة وهي طبقة متأخرة يدل على عدم الضبط، لو كان الخلاف في أمر الرفع متقدماً لاحتمل هذا.

    وهذا لقرائن منها: أن المتأخر يحفل بالمرفوع كثيراً مع وجود عناية الأئمة واشتراكهم في العناية بالمرفوع على الإطلاق إلا أن المتأخر يعتني بالرفع أكثر من عنايته بغيره؛ ولهذا الضعفاء المتوسطون يرفعون الموقوفات، ويصلون المنقطعات، وهذا كثير، وتجد في طرائق الأئمة في كتب العلل، كالعلل لـابن أبي حاتم والعلل للدارقطني والعلل لـابن المديني ونحو ذلك يميلون دائماً إلى ترجيح المنقطع، وإلى ترجيح المرسل، وإلى ترجيح الوقف على الرفع والاتصال؛ لأن النفوس تتشوف إلى العلو، فضعيفو الحفظ يرفعون، ومن بهم غلط يرفعون، وأما الحافظ الضابط فإنه يعتني بوضع الحديث في موضعه، وهذا مع الاقتران بكون الذي رفع في طبقة متأخرة فالطبقة المتأخرة لا يحتمل منها هذا، وأيضاً فإن الحديث المرفوع إذا جاء من رواية ثقات عن ثقات عن ثقات ثم يكون في الطبقة المتأخرة متوسط، وهؤلاء الثقات لهم أصحاب كثر، ثم لا يروونه فهذا من قرائن ضعف المرفوع؛ لأن هؤلاء الكبار لهم أصحاب فما تركوا هذا الحديث إلا لكونه موقوفاً، ولم يرووه عن الشيخ؛ لأنه ينتهي بموقوف، والموقوفات ليست حجة، فتركوه، فجاء راو متوسط فرواه مرفوعاً، وهذا من القرائن التي يميل العلماء إليها في أبواب الترجيح.

    ما ورد في الحث على صيام عشر ذي الحجة

    السؤال: [هل ورد في صيام عشر ذي الحجة حديث صحيح؟ ]

    الجواب: نعم صيام عشر ذي الحجة جاء فيها حديث هنيدة، ولكن لا يصح فقد رواه أبو داود في كتابه السنن، وهو مخالف لحديث عائشة عليها رضوان الله تعالى في الصحيح ( أن النبي عليه الصلاة والسلام لم يكن يصم العشر ). وعدم صيام النبي عليه الصلاة والسلام للعشر محتمل لأمور: منها أن عائشة حكت ما تعلم، ومحتمل أن بيان فضل العشر وتشريعه من جهة التعبد كان متأخراً.

    ومعلوم أن العشر حولية ليست مثل الإثنين والخميس تأتي كل أسبوع، وكذلك ليست مثل ثلاثة الأيام البيض ونحو ذلك، بل هي حولية، واحتمال تأخرها هو سبب عدم ورود شيء في هذا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويكفي في هذا ما جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام: ( ما من أيام العلم فيهن ) والعمل عام يشمل الصيام، ويشمل الصلاة، أما إطلاق العلماء الصيام على العشر فيريدون بذلك التغليب، وإلا فالأصل أن تصام تسعاً؛ لأن العاشر يوم النحر، وهو العيد ولا يجوز صيامه.

    وهنا مسألة وهي مسألة صيام العشر، بعض العلماء يقولون: لم يرد عن النبي عليه الصلاة والسلام، فنقول: من قال أصلاً: بأن صيام العشر لا يستحب، لا أعلم أحداً من السلف ولا من الأئمة الأربعة قال: إن صيام العشر لا يستحب، وعدم ورود الشيء لا يعني عدم الفعل، وعلى هذا فنحن نسأل هل ورد عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه تصدق في العشر؟

    الجواب: لا، هل ورد عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه وصل رحمه في العشر؟ أو ذكر ذكراً معيناً مخصوصاً جاء عنه في العشر؟ أو أن النبي عليه الصلاة والسلام أحسن إلى جاره في العشر؟ أو قام الليل في العشر؟ فهل يعني أننا نبطل هذه الأعمال باعتبار عدم ورودها؟ الجواب: لا، وإنما نقول: جاء النص عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحث على العمل مهما كان، ويدخل في ذلك الصيام والصلاة وغيرها.

    وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.

    مكتبتك الصوتية

    عدد مرات الاستماع

    2736054754

    عدد مرات الحفظ

    684477337