إسلام ويب

تعظيم النبي وحكم التعرض لهللشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد منَّ الله تعالى على هذه الأمة بإرسال محمد عليه الصلاة والسلام الذي فضله الله بفضائل كثيرة في الدنيا والآخرة، حتى حسده على ذلك اليهود والمنافقون، ومن واجب الأمة نحو نبيها: أن تعظمه وتحبه, وتعمل بسنته, وتسير على هديه وسيرته.

    1.   

    إكرام الخلق ببعثة الرسول صلى الله عليه وسلم

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    فإن الله سبحانه وتعالى قد أكرم هذه الأمة، وأنعم عليها بنعم عظيمة جليلة القدر، وأكرم الله سبحانه وتعالى الخليقة كلها، وأنار لها بنور من السماء، وجعل مشعله بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم ينير لمن أراد الهداية ووضوح السبيل ينير له طريقه, فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم بمشعله الذي بين يديه الأمة على محجة بيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك؛ وذلك أن الله جل وعلا بيّن الحجة بلسان رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأوضح المحجة؛ فكانت هداية للمهتدي، وكانت أيضاً غواية لمن أراد الغواية.

    كان العرب قبل مبعث محمد صلى الله عليه وسلم في جاهلية جهلاء، يقتل بعضهم بعضاً، ويسبي بعضهم نساء بعض، تستضعفهم الدول ممن حولهم، فيستبيحونهم ويسومونهم سوء العذاب، وينظرون إليهم كأمة متخلفة لا تستطيع حيلة ولا تهتدي سبيلاً؛ فعكفوا على معبود لم تفكر به خليقة من قبل على صفة مبتكرة لا تعرفها البشرية، وقد جاء في الصحيح: ( أن العرب إذا كانوا في سفر، ولم يجدوا حجراً، احتلبوا عنزاً، حتى إذا يبس موضع التراب عبدوه من دون الله )! فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم هادياً للبشرية فاكاً لقيدها، أطلق عقولها؛ لتتأمل وتستنير، حبس عن كثير من أهل الأهواء أهواءهم، وحبس عن كثير من الضلال ضلالهم؛ فحفظ الأموال، وأطلق القلوب والعقول أن تتعلق بغير الله عز وجل، وأمر بالتوجه إلى الله جل وعلا وحده، وأمر عليه الصلاة والسلام أن تبقى روح الإنسان وجسده حراً لا يتوجه إلا لله؛ ولهذا يقول الله جل وعلا في كتابه العظيم: وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا [الجن:18]، جاء في تفسير هذا عن غير واحد من المفسرين أن المراد بذلك هو: مواضع الأعضاء السبعة التي يسجد عليها الإنسان، لا تنحني ولا توضع إلا لله سبحانه وتعالى، ومن وضعها لغير الله فقد كفر وأشرك وخرج من ملة الإسلام.

    1.   

    فضائل الرسول صلى الله عليه وسلم

    كان فضل رسول الله صلى الله عليه وسلم على أمة الإسلام ديناً ودنيا، وحتى من كان منطوياً تحت لوائه بنفاق فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم له فضل عليه، وكل من جاء في هذه الأمة ممن تبع أمة الإسلام سواء كان منافقاً أو غير منافق فلرسول الله صلى الله عليه وسلم عليه فضل في دينه ودنياه، ولم تكن العرب تعرف دولة يهابها من حولها إلا بعد بزوغ شمس النبوة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    لقد فضل الله تعالى النبي عليه الصلاة والسلام بجملة من الفضائل، ووهبه جملة من المواهب مما آتاه من كتابه، وأرسى فيه الله جل وعلا من الحكمة والبيان، وغسل قلبه عليه الصلاة والسلام بماء من عنده؛ فوضع فيه الإيمان والحكمة، ولم يكن هذا لأحد إلا لرسول صلى الله عليه وسلم؛ لهذا كان النبي أكمل الخلق هدياً وأقومهم خلقاً وأتمهم عليه الصلاة والسلام في ذلك على الإطلاق، وعلى خلاف عند المسلمين في هذا؛ ولهذا لما سئلت عائشة عليه رضوان الله عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت: كان خلقه القرآن: يسخط لسخطه ويرضى لرضاه.

    ورسول الله صلى الله عليه وسلم منته على هذه الأمة عظيمة؛ وذلك أنه ما استلذ بشيء من هذه الدنيا كما يستلذ ملوك الأرض وأسيادها ووجهائها وأرباب المال فيها، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يخضع لأمره عجم وعرب، ومع ذلك كان على حصير، ولم يدع ناقة ولا جملاً ولا بقرة ولا شاة بل مات -كما في الصحيح من حديث عائشة- ودرعه مرهونة عند يهودي، ولم يدع مالاً كما في جاء في حديث عبد الله بن أوفى في الصحيح.

    وفي هذا إشارة إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما جاء بالصلاح؛ لإصلاح البشرية في نفسها وإقامة أمرها، وبيان طريق الهداية لها.

    فالواجب عليها أن تشكر للمحسن فضله إن كانت صاحبة دنيا، وإن كانت صاحبة دين ودنيا فلرسول الله صلى الله عليه وسلم فضل عليها.

    أجمع العلماء على أن النبي صلى الله عليه وسلم أفضل الخلق على الإطلاق، وأنه أفضل الأنبياء عليه الصلاة والسلام.

    كانت دعوة النبي صلى الله عليه وسلم لهذه الأمة؛ طلباً لهدايتها وإخراجها من رق جاهلية ماضية، وما بُدل من الشرائع السابقة، فكان النبي صلى الله عليه وسلم فضلًا لأمته أمة الإجابة، وفضلاً على غيرها من غير أتباعه من أمة الدعوة كاليهود والنصارى.

    ولهذا يقول الله جل وعلا في كتابه العظيم: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ [آل عمران:110]، والخيرية لهذه الأمة لم تكن لها إلا بسبب خيرية نبيها، ولا خلاف عند العلماء في ذلك, وقد جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من حديث أبي هريرة، أنه قال: ( أنا أفضل الأنبياء، وأمتي أفضل الأمم ).

    والنبي صلى الله عليه وسلم قد خبأ دعوة لأمته تنالها يوم القيامة، وهي أن يكون شافعاً لها.

    فضيلة رسول الله بكونه سيد ولد آدم

    إن العلماء لا يبحثون في مقام النبي عليه الصلاة والسلام عند الحديث عن فضله على غيره بالنسبة للبشر، وإنما ينصون في ذلك على مقامه وفضله بالنسبة للأنبياء؛ ولهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم فضله الله عز وجل على سائر الأنبياء أجمعين؛ ولهذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم كما جاء في حديث أبي نضرة أن عبد الله بن عباس عليه رضوان الله خطبهم بالبصرة فقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر، وأنا أول من تنشق عنه الأرض ولا فخر، بيدي لواء الحمد ولا فخر، آدم ومن تحته تحت لوائي يوم القيامة ولا فخر ) .

    فضيلة رسول الله بحفظ أمته بدعوته

    كان من دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ربه لأمته: الدعاء لها بالحماية والأمن بأن لا يستبيح عدو بيضتها فيتسلط عليها.

    إن الأمة لم تحفظ بثرواتها من أعدائها، وإنما حفظت بدعوة محمد صلى الله عليه وسلم، ولو أدرك الطغاة والظلمة الذين تولوا بلدان المسلمين، أو أدرك الفساق والفجار فضل دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم بحماية بيضتهم أن لا يسلط الله عليهم بوجود الإيمان والكتاب الذي جعله الله عز وجل بين أظهرهم! لكانوا على غير ما هم عليه من الانحراف.

    قد جاء في حديث ثوبان كما جاء في الصحيح قال عليه الصلاة والسلام: ( ما من نبي إلا وعجّل الله له دعوته في الدنيا، وإني خبأت دعوتي عند الله عز وجل في الآخرة، وإني سألت ربي سبحانه وتعالى مسائل فأعطاني، سألته: أن لا يسلط على هذه الأمة عدواً لها؛ فيستبيح بيضتها، وألا يهلك هذه الأمة بسنة عامة، فقال الله عز وجل: يا محمد، إني إن قضيت قضاء فإنه لا يرد، ولك أن لا أسلط على أمتك عدواً فيستبيح بيضتها). وأن لا يسلط الله عز وجل عليها أحدًا من غيرها إلا فيما يكون فيما بينها، ولو اجتمع أعداؤها من أقطارها, يعني: على هذه الأمة.

    إن النبي صلى الله عليه وسلم سأل الله عز وجل حماية الأمة في زمنه، وحماية الأمة فيما يأتي بعده، فلو تكالبت الأمم على اختلاف أديانها ومذاهبها وعقائدها وأهوائها على أن تستباح هذه الأمة كلها وإن كانت أوازعًا لم تستطع؛ لأن الله عز وجل قضى قضاء لا يرد أن الأمة لا يستبيحها عدو من خارجها؛ فتهلك هذه الأمة بذلك العدو، ولكن الله عز وجل جعل عقاب هذه الأمة أن سلط بعضها على بعض، وتسليط أمة بعضها على بعض أهون من تسليط عدو خارجي عليها؛ وذلك أن العدو إذا تسلط على الأمة فاستباح بيضتها يعني أزالها عن بكرة أبيها، ويعني ذلك زوال الإسلام، وهذا ينافي ما أعطاه الله عز وجل نبيه من حفظه لكتابه وإبقائه لهذا الدين؛ لهذا يقول الله عز وجل: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [الحجر:9].

    فدستور الأمة: القرآن، وحامله رسول الله، والعلماء ورثة الأنبياء، والعلماء باقون ما بقي الإسلام إلى قيام الساعة، فالأمة ظاهرة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

    ومن زعم أن فضل نبينا عليه الصلاة والسلام على أمة الإسلام تديناً وتعبداً فهذا من جهله؛ ففضل النبي عليه الصلاة والسلام على هذه الأمة حتى فيما يتعلق في ممتلكاتها وأموالها وثرواتها، وكذلك أعراضها، فالله عز وجل قد يسلط على طرف من أطرافها، لكنه لا يسلط على بيضتها من يستبيح حماها؛ فتزول عن بكره أبيها، وهذا ليس لأمة إلا لأمة الإسلام.

    جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الله عز وجل فضله على الأنبياء بست، وجاء في بعض الروايات بأربع، كما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( فضلت على الأنبياء بست وجاء في المسند وغيره بأربع قال: أعطيت جوامع الكلم، ونصرت بالرعب، وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، وختم الله بي النبيين، وأرسلت إلى الناس كافة ).

    إن الله سبحانه وتعالى قد حمى هذه الأمة بتلك الفضائل والخصائص لرسول الله صلى الله عليه وسلم.

    فضيلة رسول الله برفع الله له ذكره

    لقد أعلى الله عز وجل مقام رسوله وجعله باقيًا في مشارق الأرض ومغاربها؛ فرفع الله له ذكره عليه الصلاة والسلام فلا يذكر الله إلا وهو معه، كما ذكر ابن جرير الطبري من حديث ابن أبي نجيح عن مجاهد بن جبر أنه قال: وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ [الشرح:4]، قال: ما ذكرتُ إلا ذكرتَ معي! وهذه خصيصة لا تكون إلا لرسول الله صلى الله عليه وسلم.

    إن أمان هذه الأمة في أمر الدنيا، وأمانها أيضًا في أمر الآخرة، وحسن عاقبتها لا يكون إلا بسبب هذا الرسول النبي الأمين، الذي بعثه الله عز وجل من أنفسنا عزيزاً علينا، حريصاً على المؤمنين رؤوفاً رحيماً بهم.

    هذه الخصال التي ذكرها الله عز وجل عن نبيه في أوائل سورة المؤمنين، كما جاء في البيهقي من حديث يزيد عن عائشة عليها رضوان الله حينما سئلت عن خلق النبي عليه الصلاة والسلام وهديه قالت: اقرأ سورة المؤمنين، فقرأ سورة المؤمنين حتى بلغ الآية العاشرة، فقالت: هذا هو رسول الله صلى الله عليه وسلم وجاء في بعض الروايات أنها قالت: كان خلقه القرآن يغضب لغضبه، ويرضى لرضاه.

    إن الخصائص التي كانت لهذه الأمة من فضائل، وبيان منزلة، وحسن عاقبة في أمر الدنيا وفي الآخرة؛ إنما كان ذلك لفضل نبيها عليه الصلاة والسلام.

    لا أعلم أحداً من علماء الإسلام من شكك في أن النبي ليس بسيد ولد آدم، وأنه ليس بأفضل الأنبياء، ويتفقون على ذلك ولا خلاف عندهم في ذلك، إلا في بعض المسائل التي ينهى فيها عن تفضيله على غيره؛ بسبب خصومة وشقاق حصل بين مسلم ومعاهد.

    وقال غير واحد من العلماء: إن سبب ذلك هو تواضع رسول الله صلى الله عليه وسلم المقترن باللحمة بين المسلمين وبين بعض المعاهدين، كذلك فعله تواضعًا لمقام الأنبياء من آبائه عليه الصلاة والسلام كإبراهيم ومن جاء بعده، وكذلك من سبقه عليهم الصلاة والسلام.

    1.   

    فضائل أمة محمد عليه الصلاة والسلام

    إن الله سبحانه وتعالى فضل هذه الأمة بجملة من الفضائل:

    تيسير الله لها الفتوحات الإسلامية

    فمن ذلك: ما جعله الله عز وجل لهذه الأمة من فتوحات ممتدة، وهذا لا يكون لأمة من الأمم ولا لفكر عقلاني ولا أي شرعة سابقة؛ لأن الشرائع السابقة جعلها الله لأمة من الأمم خاصة؛ ولهذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( إن الله عز وجل بعثني إلى الناس كافة )، وقبل ذلك يقول الله عز وجل: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ [سبأ:28].

    فقد جعله الله رسولًا للناس كافة، وأما من سبقه من الأنبياء فقد كانوا لقومهم خاصة؛ فلما كان النبي للناس كافة كانت الفتوحات، وكذلك تهيئة الأسباب القدرية من الأمور التي تتوافق مع الحكم الشرعية في هذا؛ لهذا كانت الفتوحات ممتدة على أيدي أصحابه، ففتحوا العراق والشام وفارس، ومصر وبلاد إفريقية، وشيئًا من أطراف شرق آسيا، وذلك في القرن الأول. وهذا لا يمكن أن يكون انتشارًا لا لرأي ولا لعقيدة مهما كان انبثاقها من جهة النظريات العقلية أو الفلسفات، أو كذلك أيضًا العقائد التي تنتسب ولو كانت إلى شيء من شرائع السماء السابقة.

    وهذا كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( إن الله زوى لي مشارق الأرض ومغاربها، وإن ملك أمتي سيبلغ ما زوي لي منها، وإن الله أعطاني الكنزين )، فأعطى الله عز وجل نبيه الكنوز التي كانت بأيدي الكافرين؛ بسبب ذلك الدين.

    مضاعفة الأجر في الأعمال

    وكذلك من فضائل هذه الأمة التي كانت بسبب دعوة محمد صلى الله عليه وسلم: أن الأمة أجرها مضاعف يختلف عن غيره؛ فعمل الأمة من جهة الثواب عند الله في العبادة التي تتشابه مع غيرهم من الأنبياء أعظم ممن كان سابقًا لهم من اليهود والنصارى، فقد جاء في الصحيح من حديث نافع عن عبد الله بن عمر عليه رضوان الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( إن مثلكم ومثل الذين قبلكم -يعني: اليهود والنصارى- كمثل رجل استأجر أجراء فقال: من يعمل لي من الغدوة إلى صلاة الظهر على قيراط؟! فعملت اليهود، ثم قال: من يعمل لي من صلاة الظهر إلى صلاة العصر على قيراط؟! فعملت النصارى، ثم قال: من يعمل لي من صلاة العصر إلى صلاة المغرب على قيراطين؟! فعملتم أنتم، فقالوا: ما لنا أكثر عملًا وأقل أجرًا؟! فقال: ذلك فضلي أؤتيه من أشاء ).

    إن الله سبحانه وتعالى ما بخس الأمم حقها، ولكنه زاد أمة الإسلام فضلًا؛ لهذا كانت هذه الأمة ببركة هذا النبي أكثر الأمم دخولًا الجنة وأقلها دخولًا النار؛ ولهذا أمر الله عز وجل بتعظيمه عليه الصلاة والسلام واتباعه قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ [آل عمران:31].

    إن محبة الله عز وجل على الحقيقة سواء كان مدعيها الرجل كتابياً أو كان مسلماً لا يمكن أن تتحقق إلا باتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ ولهذا كان الأثر في ذلك من تكفير الذنوب وعظم الحسنات في تقييدها؛ بسبب هذا الرسول النبي الأمي عليه الصلاة والسلام.

    قد روى الطبراني وغيره من حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( أهل الجنة مائة وعشرون صفًا، أمتي منهم ثمانون، وإنكم توافون يوم القيامة سبعين أمة، أنتم خيرها يوم القيامة ).

    وكذلك فيما يتعلق بدخولهم النار؛ فإنهم أقل الأمم دخولًا للنار؛ ولهذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( والذي نفسي بيده، ما أنتم في أهل النار إلا كالشعرة السوداء في جلد الثور الأبيض، أو كالشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود)؛ وهذا ببركة تلك الشريعة، وبركة دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإحكام هذا الدين ووضوحه.

    إن الإنسان يصيب بحيرة إذا كان يتبنى فكرًا أو عقيدة ليست على بينة وعلى برهان، أو تردد في الحق؛ فإن أعظم اضطراب أن يضطرب الإنسان في شيء من عبادته، فضلًا أن يضطرب الإنسان في توحيد يصرفه لله سبحانه وتعالى في معرفة معبوده.

    إن الله عز وجل جلى بنبيه عليه الصلاة والسلام الحق، وأزال الشبهات مهما دقت أو جلت؛ فما من خير إلا ودل الأمة عليه، وما من شر إلا وحذر الأمة منه؛ لهذا كان المتبع في هذه الأمة قلما يرتد عن دين الله.

    1.   

    عظم توقير الصحابة لرسول الله عليه الصلاة والسلام

    لقد كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم تعظيم وتقدير بهر عقول خصومه؛ فقد جاء في الصحيح من حديث عروة بن مسعود أنه جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما بعثه قومه قبل أن يسلم فجاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم -وفي هذا عبرة لعظم حال النبي عليه الصلاة والسلام عند أصحابه، ولعظم النبي صلى الله عليه وسلم حتى في منظار خصومه- يقول عروة بن مسعود: والله لقد رأيت الملوك كسرى وقيصر، فما رأيت أحدًا يعظمه أصحابه كما يعظم أصحاب محمد محمداً، كان إذا أمرهم بأمر ابتدروا أمره، وإذا تنخم بنخامة وقعت في يد أحدهم فدلك بها وجهه وجلده، وإذا تكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم غضوا أبصارهم؛ حياءً من النظر إليه، ثم رجع إلى قومه فقال: يا قوم، إني رأيت كسرى، ورأيت قيصر، ورأيت النجاشي، والله ما رأيت قوماً يعظمون سيدهم كما رأيت هؤلاء ما يفعلون بمحمد، والله إنه إذا أمرهم بأمر ابتدروا أمره، وإذا تنخم بنخامة وقعت في يد أحدهم فدلك بها في وجهه وجلده، وإنه إذا تكلم أطرقوا برءوسهم من النظر إليه! ثم أرشد قومه إلى اتباع ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    إن محبة القلوب التي يجعلها الله عز وجل لرجل لا تكون بالكبر ولا تكون بالمال ولا تكون بالجاه ولا بالرياسة؛ وإنما هي محبة يضعها الله عز وجل في قلوب عباده؛ فلم يكن النبي صلى الله عليه وسلم من أصحاب الأملاك، ولا من أصحاب الأموال، ولا من أصحاب الجاه لذاته عليه الصلاة والسلام، ومع أن خصومه ظلوا يقعون فيه بالكذب والبهتان، لكن الله عز وجل جعل له من المنزلة العظيمة مكاناً لم يصل إليه أحد من الخلق.

    أراد خصومه تشويهًا له في سمعته؛ فذكروه بسوء، فجعل الله ذلك السوء نصرًا له برعب قذف في قلوبهم، كما جاء في الصحيح قال: ( ونصرت بالرعب مسيرة شهر كامل ).

    والمنافقون هم أيدي لمن كان وراءهم فيما يذكرونه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من بغي وبهتان، وأرادوا أن يظهروا أيضاً حال رسول الله صلى الله عليه وسلم من التشدد والغلو والترهيب؛ وكذلك البغي والظلم؛ ولهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم ربما كف عن بعض الشيء؛ لما يبلغه من ذلك الأمر، كما جاء في الصحيح -حينما استأذنه بعض الصحابة في قتل بعض المنافقين- فقال: ( أتريد أن يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه؟! ).

    1.   

    من أخلاق رسول الله صلى الله عليه وسلم

    التواضع واللين

    لقد كان من خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ما انتقم لنفسه وما ضرب صبيًا ولا رجلًا ولا امرأة ولا خادمًا قط، إلا أن ينتقم لحدود الله سبحانه وتعالى.

    كان غاية في التلطف مع أصحاب الحاجات، يقضي حاجاتهم، وقد جاء في الصحيح من حديث أنس بن مالك قال: إن الأمة من إماء المدينة لتأخذ بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتذهب به في المدينة حيث شاءت، وقد جاء في بعض الطرق خارج الصحيح أنه قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يفك يده من يدها حتى تكون هي تفك يدها من يده عليه الصلاة والسلام.

    قالت عائشة عليها رضوان الله تعالى: والله ما ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة ولا خادمًا ولا صبيًا قط، إلا أن يجاهد في سبيل الله.

    الزهد عن الدنيا والرغبة في الآخرة

    النبي صلى الله عليه وسلم تجرد من الدنيا، فلم يشارك الناس في أموالهم ولا في ثرواتهم ولا في جاههم، وما شاركهم عليه الصلاة والسلام أيضًا في أنسابهم.

    أخذ النبي صلى الله عليه وسلم من العرب على اختلاف أطيافهم عليه الصلاة والسلام، وما نظر النبي عليه الصلاة والسلام إلى جاه أحد؛ فاعتبره في دين الله، وما نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حسب أحد؛ فاعتبره في دين الله، لقد ساومه كفار قريش على الدين، فقال: ( لو جعلوا الشمس في يميني والقمر في شمالي ما تركت ما أنا عليه ) ، عرضت عليه الدنيا فتركها كلها؛ لينير البشرية، عرضوا عليه الجاه، وعرضوا عليه خير النسب، وقد جاء أنهم عرضوا عليه بواسطة عمه أبي طالب، أنهم قالوا له: إن شاء أعطيناه من مالنا ما يسد حاجته، وزوجناه من نسائنا من يشاء على أن يدع ما هو عليه, وأن يبقى على ديننا, فقال مقولته: ( والله لو جعلوا الشمس في يميني والقمر في شمالي، ما تركت ما أنا عليه )، حتى أرادوه من ذلك أن يتنزل شيئًا، فيعبد الأصنام ستة أشهر ويعبد ربه ستة أشهر، كشيء من التوسط فيما يزعمون في ذلك؛ فأنزل الله عز وجل عليه: قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ [الكافرون:1-2]، إشارة إلى المفارقة والمفاصلة، إما نور بين وإما ظلام بين، هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ [التغابن:2] فجعل الله عز وجل الناس طائفتين: طائفة من أهل الإيمان، وطائفة من أهل الكفر، وما عدا ذلك فإنها تقسيمات يجري فيها الناس بعضها شرعي، وبعضها ليس بشرعي.

    جعل الله عز وجل منزلته خير المنازل، وجعل الله عز وجل أمته تبعاً لتلك المنزلة خير المنازل؛ فما كانت الأمة لتنال تلك الخيرية كما في الحديث: ( أنا أفضل الأنبياء, وأمتي أفضل الأمم )، وفي قول الله عز وجل: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ [آل عمران:110]، بسبب هذا النبي الذي قادها، فكانت هذه الخيرية تتبع حتى الفاسق الموحد الذي يؤمن برسول الله صلى الله عليه وسلم اعتزازًا بدينه، وتكميلًا أيضًا لما بقي من دنياه, ولو كانت الأمة أمة العرب خاصة على ما هي عليه، ولم يكن ثمة رسول الله صلى الله عليه وسلم، لبقيت على ما هي عليه؛ فاستبيحت هذه الأمة فيما يتعلق بأمر دنياها، وأما في أمر دينها فإنها منشغلة بعبادة معبود من دون الله تنحته وتصنعه بيدها، ثم تخضع له من دون الله.

    تحمل رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأذية والبلاء والفتنة عليه الصلاة والسلام في ماله ونفسه ما تحمل وأطاقه، وصبّره الله عز وجل على ذلك.

    صبره في ذات الله

    طرد النبي عليه الصلاة والسلام من مكة، وذهب إلى الطائف، وطرد من الطائف وتحمل من ذلك بلاءً.

    حوصر النبي عليه الصلاة والسلام في شعب مكة ثلاث سنين كما رواه ابن إسحاق في كتابه السيرة, وأوذي النبي عليه الصلاة والسلام، وطلقت بنتاه حينما كانتا تحت ابني أبي لهب؛ خوفًا من معرة ذلك الرجل الذي يسمونه صابئًا، ثم طرد النبي من خير البقاع وأحبها إليه؛ فخرج عليه الصلاة والسلام متألماً من ذلك المكان المحبوب، ولم يبق الأمر على هذا؛ فقاتل رسول الله صلى الله عليه وسلم وناضل؛ حملًا لهذا الدين، وحفظًا لكرامة أتباعه من أن ينالهم شيء؛ لم يشارك النبي صلى الله عليه وسلم هذه الأمة إلا في دينها، وأما ما يتعلق في أمر دنياها فما أخذ من ذلك إلا كفافًا، وقد جاءه عمر بن الخطاب عليه رضوان الله تعالىأبيأ ووجده على حصير قد أثر فيه، فقال له عمر بن الخطاب عليه رضوان الله: يا رسول الله! لم لا نتخذ لك وطأة تتكأ عليها تقي جنبك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( ما لي وللدنيا؟! ما أنا في الدنيا إلا كرجل استظل بظل شجرة، ثم ذهب وتركها )، وقد جاء في حديث عبد الله بن عمر عليه رضوان الله قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ بمنكبي فقال لي: ( يا عبد الله! كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل )، قال: فكان عبد الله بن عمر عليه رضوان الله يقول: إذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وإذا أمسيت فلا تنتظر الصباح.

    ما انتصر رسول الله صلى الله عليه وسلم لنفسه، ضُرب وشج وعيّر وسب وصودر ماله كله بمكة، وما بقي له شيء من الدنيا، وحمل بكفيه دنيا الناس ودينهم؛ حتى يقدمها إليهم وهذا فيه إشارة إلى أن كرامة البشر وفطرتهم إذا أرادوا أن يدينوا للفطرة التي توجد في قلوبهم ما من أحد انضوى تحت لواء الإسلام -ولو كان غير مسلم- إلا ولهذا الرجل العظيم فضل عليه وكرامة؛ وذلك بما جعل الله عز وجل من ذلك من أمن وأمان وحماية لبيضة الإسلام؛ أن لا يستبيحها عدو وكذلك ترك الدنيا ونزعها كما ينزع الإنسان الرداء، وجعله لأمته من بعده.

    انشغاله بأمر الآخرة

    إن النبي صلى الله عليه وسلم لا يحفظ التاريخ أنه بعد بعثته باع سلعة، وإنما كان يشتري مستهلكًا عليه الصلاة والسلام؛ وذلك لأنه لا يريد أن تكمل الدنيا دورتها بيعًا وشراءً، إن اشترى شيئًا استهلكه وإلا أهداه لغيره، ففي هذا قطع لشك ما يدور في أذهان الناس من حب المرابحة والتكسب فيها؛ ولهذا من نظر في كتب المعاملات في كتب السنة، وكذلك ما جاء من أخبار عنه عليه الصلاة والسلام -ولو كانت من الضعاف- لا يحفظ التاريخ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد بعثته باع سلعة اشتراها أو أهديت إليه، وإنما كان يشتري لحظ نفسه، إما استهلك وإما بذلها حتى داره كما جاء عن الحسن كما روى البخاري في الأدب المفرد قال: دخلت حجرة النبي عليه الصلاة والسلام، وإن سقفها ليمس رأسي؛ وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم ما جعل موضعه كمواضع الملوك، وإنما كان موضعًا يشير إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم تجرد من الدنيا، وما ناضل لرياسة ولا جاه، وإنما أراد ان يحفظ على الناس دينهم، وأن يحفظ كذلك عليهم دنياهم.

    حرصه على إيصال الخير للناس

    النبي صلى الله عليه وسلم كان أزهد الناس في أمر الدنيا لحظ نفسه، وأحرص الناس على الدنيا فيما يتعلق في حق الناس، أتته بريرة كما جاء في الصحيحين وغيرهما فقالت: يا رسول الله! إن أهلي كاتبوني على أن أعطيهم كذا وكذا، وأن الولاء لهم، فصعد رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر فقال: ( ما بال أقوام يشترطون شروطًا ليست في كتاب الله؟! كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل، وإن كانت مائة شرط )، وفي هذا ينبغي للعالم أن ينتصر لدنيا الناس كما ينتصر لدينهم حمية وحفظًا؛ لأن الله عز وجل إنما جعله حاميًا لحق الناس في الدنيا كما هو يحمي أيضًا أمر دينهم؛ ولهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم كان من أهل الحياطة لدنيا الناس، كما هو عليه الصلاة والسلام من أهل الحياطة لدينهم عليه الصلاة والسلام.

    إن رسول الله صلى الله عليه وسلم حَسَدَهُ من حَسَدَهُ من أهل الدنيا؛ لما جعله الله عز وجل له من سمعة وهيبة عند ملوك العرب، وقد أدركوا لما جعله الله من هيبة في القلوب أن ملكه سيصل إلى مواضع أقدامهم، فأيقنوا بذلك وفي هذا إشارة إلى أن القوة الحقيقة التي أرشد إليها النبي عليه الصلاة والسلام، هي: قوة الإيمان وعزائم القلوب؛ ولهذا يقول النبي عليه الصلاة والسلام: ( المؤمن القوي خير وأحبّ إلى الله من المؤمن الضعيف )، والمراد بالضعف والقوة هنا: قوة الإيمان وقوة القلب والجنان، والضعف المراد بذلك هو ضعف القلب، وضعف العزيمة؛ ولهذا ما انتصرت الأمة إلا بتمسكها بذلك اللواء وذلك المشعل الذي كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    فحمله من بعده من خلفاء الإسلام؛ فأدركوا أن الحضارة التي يتعلق بها الماديون اليوم ويظنون أن الهيبة لهم في الأمم، وأن قدرة الحظوة وأن قيمتها أيضاً هي بالنسبة للتفوق المادي، هذا من القصور! وقد روى الحاكم في المستدرك من حديث أبي عبيدة عامر بن الجراح أنه لما فتح بيت المقدس، وجاء إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب عليه رضوان الله في المدينة، فأركبه وكانوا على دابة واحدة، وكانوا يستطيعون أن يركبوا دابتين فقال: لك مرة، ولي مرة، فلما كانوا في بعض الطريق نزل عمر بن الخطاب، وكانت تلك الركبة هي لـأبي عبيدة نزل عمر بن الخطاب قال أبو عبيدة: فلما مر بغدير نزل عمر بن الخطاب؛ فأخذ نعليه بيمينه، ثم أخذ يخوض الماء بقدميه، فقال أبو عبيدة لـعمر بن الخطاب: يا أمير المؤمنين! كيف لو رآك الناس، وأنت تفعل هذا؟! فقال عمر بن الخطاب: لو غيرك قال هذا يا أبا عبيدة، نحن قوم أعزنا الله بالإسلام فإن ابتغينا العزة بغيره أذلنا الله.

    إن مقياس العهد بين الله عز وجل وبين أمة الإسلام هو التمسك بهذا الدين؛ لأن الله اشترى من المؤمنين أموالهم وأنفسهم بأن لهم الجنة، وهذه الصفقة هي بالتمسك بدين الله، وليس المراد بذلك عمارة الدنيا المجردة؛ ولهذا مهما بلغت حضارة الأمة في جانب الدنيا إذا فرطت في جانب الدين فهي مستعبدة وعصرنا زمن شاهد، أمة الإسلام هي أقوى الأمم في جانب الاقتصاد، وهي من أذل الأمم في الأرض.

    إن مسألة الثروات ليست عبرة إذا تخلت الأمة عن دينها وفرطت في ذلك الجانب؛ ولهذا لما ظن أبو عبيدة عليه رضوان الله وهذا الظن يقع حتى في بعض الصلحاء أن ما يتعلق من أمر المادة هو المحك وهو المدار وهو قطب الرحى لقوة الأمة وضعفها مع أن الإسلام لم يفرط في هذا الجانب، وإنما جعله دون مرتبة الإسلام قال: كيف لو رآك الناس؟! يعني أنت الذي ملكت هذا، وكان عمر بن الخطاب بيده جزيرة العرب واليمن، وبيده العراق، وبيده الشام، وبيده مصر، وبيده فارس، يملك ما يسمى في زماننا بالشرق الأوسط وزيادة قال: يخوض بقدميه ذلك الغدير، قال: كيف لو رآك الناس يا أمير المؤمنين! وأنت تفعل هذا؟! أشار إلى أن القيادة الحقيقية هي قيادة الإيمان، وينبغي أن لا نبتعد عن ذلك، لقد أقر المؤرخون بأن من بنى حضارة النظم في الإسلام هو عمر بن الخطاب الذي وضع الدواوين والدساتير وضبط جوانب القضاء، وجعلها سنة لمن كان بعده عليه رضوان الله تعالى من خلفاء الإسلام في القرن الأول، هو يقول هذه العبارة، أي: أننا ينبغي أن نجعل كل مظاهر الدنيا دون الإسلام.

    إن الأمة إذا أرادت القوة فلتتمسك بما جاء به النبي عليه الصلاة والسلام، وإلا فهي منهزمة وذليلة.

    إن من فضائل النبي عليه الصلاة والسلام وبركة عظمته على هذه الأمة: ذلك الأمان الذي تستقر وتعيش به الأمم، يضعف تارة ويقوى أخرى. جاء في الصحيح من حديث أبي موسى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( أنا أمنة لأصحابي، فإذا ذهبت أتى أصحابي ما يوعدون، وأصحابي أمنة لأمتي، فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما يوعدون).

    إن الأمان المراد بذلك هو الخلاف والشقاق والفرقة والنزاع، الذي كلما ابتعدت الأمة عن نبيها عليه الصلاة والسلام ضعفت في هذا الجانب.

    1.   

    حسد اليهود لرسول الله لما أعطي من الفضائل

    إن من أعظم الحساد لرسول الله صلى الله عليه وسلم: الذين حسدوه لما وهبه الله عز وجل من فضائل وخصائص، وعلى رأس أولئك اليهود ومن اقتدى بهم؛ لهذا يقول الله عز وجل في كتابه العظيم: أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ [النساء:54]، الناس المحسودون في هذه الآية هم: النبي عليه الصلاة والسلام سماه الله بالناس، والحاسدون هم: اليهود كما جاء ذلك عند غير واحد من المفسرين فيما رواه ابن جرير الطبري وكذلك ابن أبي حاتم من حديث ابن أبي نجيح عن مجاهد بن جبر أنه قال: الناس هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، والحسدة اليهود حسدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ على ما آتاه الله من فضله قال غير واحد من المفسرين: في هذه الآية دليل على أن رسول الله هو أفضل من سائر الأنبياء؛ لهذا حسدوا النبي على ما آتاه الله من فضله من تلك الخصائص، وإن كانت النصوص السابقة فيها كفاية في تفضيل رسول الله صلى الله عليه وسلم على غيره.

    1.   

    حق رسول الله على هذه الأمة

    الحق الأول: الاتباع

    إن حق النبي عليه الصلاة والسلام على هذه الأمة متنوع، وأول هذه الحقوق على هذه الأمة: هو الاتباع، وهو دليل المحبة وعلامتها وأمارتها الظاهرة البينة؛ لهذا يقول الله عز وجل في كتابه العظيم: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي [آل عمران:31] يعني: اتبعوا محمداً يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ [آل عمران:31]؛ فجعل الله رابط المحبة لله عز وجل هو اتباع محمد صلى الله عليه وسلم، والانقياد لما جاء به.

    ومن مظاهر الاتباع: الخضوع لقوله عليه الصلاة والسلام، وعدم رفع الصوت عنده، أو عند حديثه، يقول الله جل وعلا في كتابه العظيم: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ [الحجرات:2]، وهذا بمجرد رفع صوت، وقد نزلت هذه الآية كما ذكر غير واحد من المفسرين في بعض أجلة الصحابة كـعمر وأبي بكر عليهما رضوان الله تعالى، حينما تناقشا في مسألة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فنزلت هذه الآية، وفيها إشارة إلى التهديد بالجرأة على مقام رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ ولهذا كان الصحابة عليهم رضوان الله تعالى بعد ذلك لا يكلمون النبي عليه الصلاة والسلام إلا سراً، وقد جاء في المصنف وغيره أن أبا بكر عليه رضوان الله لما نزلت هذه الآية لا يكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا سرًا يخفض صوته؛ لأنه لا يريد أن يعلو صوته صوت رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ ولهذا الذين نادوا رسول الله صلى الله عليه وسلم من وراء الحجرات وصفهم الله عز وجل بأنهم لا يعقلون، أي: لا يعرفون قدر ومقام رسول الله صلى الله عليه وسلم ومنزلته في الناس.

    كان النبي صلى الله عليه وسلم أرحم الخلق حتى مع خصومه وأعدائه وحتى مع الجهلة الذين ربما اعتدوا عليه؛ ولهذا يقول أنس بن مالك عليه رضوان الله تعالى: والله ما شممت طيبًا أطيب من رائحة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا مسست يدًا هي ألين من يد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن الرجل من الأعراب ليأتي إلى رسول الله ويجذبه ويؤثر ذلك في عنقه عليه الصلاة والسلام وما يعدو رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبتسم ويقضي حاجته، وكانوا يغلظون في القول والفعل؛ جهلًا بمنزلة رسول الله ومقام رسول الله، حتى إن منهم من يقول: أعطني من مال الذي أعطاك؛ فإنك لا تعطيني من مالك ولا من مال أبيك، ثم يقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( ما تقول أعد، فيقول: أعطني من مال الله الذي أعطاك؛ فإنك لا تعطيني من مالك ولا من مال أبيك، ثم يرفع النبي صلى الله عليه وسلم رأسه فيقول: صدق، ليس من مالي، ولا من مال أبي أعطوه ). وفي هذا عبرة لكل حاكم وسلطان ولي شيئاً من أموال المسلمين أن أموال المسلمين ليست لأحد لا لآبائهم، ولا لذواتهم، وإنما ملك للمسلمين يعطي الله عز وجل ويهب عباده ما يشاء، وكذلك أن عامة الناس ربما يشدون على عالم أو مصلح أو سلطان في بعض حقوقهم؛ فيجب عليه أن ينصفهم فيما يعطيهم من أمر حقهم، وأنهم إن غضبوا حتى لأمر دينهم ما يجدون من لأواء الدنيا، عليه أن يصبر عليهم، وأن يقضي حاجتهم؛ ولهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يفرق بين الجاهل والمعاند، الجاهل الذي يظهر منه شيء من الجهالات الظاهرة في دين الله كان أرأف الناس به عليه الصلاة والسلام، جاء في الصحيح من حديث أبي هريرة وكذلك من حديث أنس بن مالك أن أعرابياً جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبال في طائفة المسجد، فزجره الصحابة، وأكثروا عليه، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: ( لا تزرموه، لا تزرموه، فلما قضى حاجته قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن هذه المساجد إنما بنيت لذكر الله، وللصلاة، ولم تبن لهذا، فقال ذلك الأعرابي: اللهم ارحمني ومحمداً ولا ترحم معنا أحدًا ) فقال النبي عليه الصلاة والسلام له: ( لقد حجرت واسعًا! ). وهذا ما يتعلق في أمر البول في أعظم وأطهر بقعة، وهي المساجد وأعظم وأشرف المواضع بعد المسجد الحرام: مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم لان معه في ذلك الخطاب؛ وذلك أنه إنما جاء طالبًا للحق؛ لهذا ينبغي للمعظم أن يلين مع الناس مهما كانت عظمته، أن يلين مع الناس إن طلبوا حقاً، إن كانوا يجهلون المقام، أو يجهلون بركة المواضع؛ فالأعراب جاؤوا ولا يفرقون بين الصحاري والبراري والفجاج والطرقات وبين الأماكن المعظمة والدواوين العامة؛ فلا يعلمون شيئًا يسمى مساجد؛ ولهذا لان رسول الله صلى الله عليه وسلم له؛ وبين ذلك الأمر.

    كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يحابي أحدًا حتى من قراباته عليه الصلاة والسلام.

    أقام العدل في الأمة حتى في الأقربين، حينما وضع الربا أول ربا وضعه ربا عمه العباس، وحينما وضع دماء الجاهلية أول دم وضعه دم الأقربين وهو دم ربيعة بن الحارث ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وحينما أراد النبي عليه الصلاة والسلام أن يرهب الناس في إقامة الحدود والحقوق وأنهم على السواء. قال عليه الصلاة والسلام: ( إنما أهلك من كان قبلكم أنهم إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، والذي نفسي بيده لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها)، إشارة إلى أن: حكم الله عز وجل يمضي على القريب والبعيد، وإنما جعل النبي عليه الصلاة والسلام من حوله من الأقربين من عمه وابن عمه وبنته موضعاً لترهيب الأبعدين؛ إني إذا أقمت ذلك على الأقربين فإن الأبعدين أقرب للاتباع والامتثال؛ ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ( يا فاطمة! سليني من مالي ما شئت لا أغني عنكِ من الله شيئًا ).

    الحق الثاني: توقيره وتعظيمه

    وأمر الله فيما يتعلق بحدوده من كتبه الله على الناس عند المخالفة، وكذلك أمر الله عز وجل فيما يتعلق في أمر الآخرة؛ ولهذا نقول: إن من أعظم حقوق النبي صلى الله عليه وسلم: تعظيمه وتوقيره، إذا كانت شعائر الحج جعل الله عز وجل تعظيمها من تقوى القلوب، فكيف بمن جاء بتلك الشعائر وتلك الشريعة كلها توحيدًا وفروعًا للعبادات؟! فإن ذلك من أعظم تقوى القلوب، ويكفي في ذلك أن الله عز وجل هدد وتوعد من رفع صوته على مقام النبوة بمجرد رفع الصوت، ولو كان بالخير أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ [الحجرات:2]، إيذان بأن ذلك علامة على الوقوع في عظيم الذنب، وربما يصل ذلك إلى مرتبة الكفر، وينبغي أن يعلم أن من تنقص من ذات رسول الله صلى الله عليه وسلم سواء كان عالمًا أو ليس بعالم أن ذلك من علامات إحباط العمل، بل ربما يصل إلى الكفر من حيث لا يشعر؛ ولهذا يقول الله جل وعلا: (( وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ ))، يعني: لا تدركون مغبة ذلك؛ ولهذا نقول: إن من طعن في رسول الله صلى الله عليه وسلم ولو لمزًا يسيرًا، وتنقصه بأي نوع من أنواع التنقص، فإن ذلك كفر باتفاق علماء المسلمين.

    إن حرمة النبي عليه الصلاة والسلام أعظم من حرمة البشر، وأعظم من حرمة كل الكائنات ولو كانت معظمة، وتعظيم رسول الله صلى الله عليه وسلم وتشريفه أعظم من تشريف البيت الحرام والكعبة، فمن مس جناب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولو بشيء يسير بلمز أو همز، أو تعدٍّ على عرضه عليه الصلاة والسلام بأي نوع من أنواع التعدي فقد استوجب القتل مع القطع بكفره باتفاق علماء المسلمين، كما يأتي بيانه بإذن الله.

    الحق الثالث: طاعته والاستجابة لأمره

    وإن من أعظم ما يجب على المؤمن أن الله عز وجل إذا قضى أمراً على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه يجب على الأمة أن تتبع نبيها، وأن لا يكون لها رأي في مقام رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ ولهذا نهى الله عز وجل أهل الإيمان أن يقدموا بين يديّ الله رسوله، يقول مجاهد بن جبر عليه رضوان الله: أي لا تفتأتوا في حكم حتى يقوله رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ ولهذا أمر الله عز وجل أهل الإيمان فقال: اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ [الأنفال:24]، وقد جاء من حديث العلاء عن أبيه عن أبي هريرة: ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نادى أبي بن كعب عليه رضوان الله وهو يصلي فلم يأتِ إليه فقال له: لم َلمْ تأت؟! فقال: يا رسول الله، كنت أصلي، فقال: ألم يقل الله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ [الأنفال:24] )، أي: ما يحييكم للحق، وقيل: للقرآن وقيل: للإسلام، فإن الله عز وجل جاء بالحياة الحقيقية التي تنعم بها البشرية، وهي توحيد الله سبحانه وتعالى ودينه على سبيل العموم، ودستور هذه الأمة هو كتاب الله عز وجل، وهو ظاهر في قول الله جل وعلا: قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ [يونس:58]، وفضل الله عز وجل الإسلام ورحمته القرآن، فكانت تلك رحمة من الله عز وجل وحياة لهذه الأمة؛ لهذا فتوقير النبي صلى الله عليه وسلم وعدم رفع الصوت عند حديثه ولو بعد موته من علامات الإيمان، وهي من تقوى القلوب، أي: علامة على وجود التقوى، ومن تنقص قول النبي صلى الله عليه وسلم، أو استهزأ به مع علمه بأنه من أقواله عليه الصلاة والسلام فقد كفر وخرج من ملة الإسلام، ولا خلاف عند العلماء في ذلك؛ ولهذا قد حكم الله عز وجل بكفر من نطق بالكفر، والكفر، هو: الاستهزاء برسول الله صلى الله عليه وسلم يقول الله جل وعلا: يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ [التوبة:74]، كلمة الكفر هنا هي: الاستهزاء برسول الله روى ابن جرير الطبري وابن أبي حاتم من حديث هشام بن عروة عن أبيه أن قول الله عز وجل: (( كَلِمَةَ الْكُفْرِ )) قال: نزلت هذه الآية في رجل قال: إن كان ما جاء من المسلمين يعني ممن ينضوي تحت لوائهم في ظاهر الأمر قال: إن كان ما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الحق، إننا لأضل من الحمر؛ فناداه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له: أأنت قلت كذا وكذا؟ فحلف بالله أنه ما قال كذا وكذا؛ فأنزل الله عز وجل عليه تلك الآية: (( يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا ))، وفي هذا إشارة إلى أن: من وقع من المنافقين في رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو من وقع في شيء من الاستهزاء أنهم أسرع الناس رجوعًا ونكوصًا؛ لأنهم إنما يطلبون دنيا ويريدون شهوة، والحفاظ على الشهوة أنهم إن ظهرت عقوبة أو ظهرت قوة رجعوا إلى ما أظهروه من قبل، وإنما يسرون ذلك في أحوالهم.

    1.   

    حكم الاستهزاء برسول الله والطعن فيه

    وأما من وقع في رسول الله صلى الله عليه وسلم بشيء من الهمز واللمز والاستهزاء على أي مرتبة من مراتب الاستهزاء فيتفق العلماء أن ذلك كفر، وأن فاعله يقتل، بل إنه أشد من ذلك أن من وقع في عرض امرأة نبي فقد كفر بالله ولو كانت امرأته كافرة كما في امرأة نوح ولوط؛ وذلك أن من طعن في امرأة نبي ولو كانت كافرة، فإنه يلزم في ذلك أن إقرار النبي لخروج امرأته عن حصانة فرجها أن ذلك نوع من الدياثة؛ فإن الله عز وجل يقدر لبعض أزواج أنبيائه الكفر، ولكنه لا يقدر لهن الفاحشة؛ ولهذا من طعن في عرض امرأة نبي من الأنبياء فإنه كافر ولو كانت كافرة بذاتها، فكيف الوقوع في عرض امرأة نبي، وهذه المرأة تكون من أمهات المؤمنين؟!

    أجمع العلماء عليهم رحمة الله وحكى الإجماع على ذلك غير واحد أن من وقع في رسول الله صلى الله عليه وسلم أو عرّض به لمزاً أو استهزاءً أو تنقص بأي عبارة أو إشارة بيده تفيد التنقص أن ذلك كفر خارج من الملة، حكى الإجماع على ذلك جماعة كـإسحاق بن راهويه، وابن عبد البر، وابن منذر، وقبلهم كذلك الشافعي عليه رحمه الله، وحكاه كذلك النووي، وغيرهم من أئمة الإسلام.

    وأجمع العلماء على أن من استهزأ برسول الله صلى الله عليه وسلم فإن حده القتل، وإنما اختلفوا في باب الاستتابة، هل يستتاب أم يقتل من غير استتابة؟

    ذهب عامة العلماء -وهو قول عامة السلف- إلى أنه لا يستتاب وإنما يقتل، وذهب إلى هذا جماعة، وهذا قول الإمام مالك رحمه الله، وقول الإمام الشافعي، والإمام أحمد، وإسحاق بن راهويه، وأئمة الإسلام، وهو عمل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو كذلك أيضًا ظاهر الأدلة المرفوعة كما يأتي بيانه بإذن الله.

    وذهب بعض العلماء إلى أنه: يستتاب، وأن توبته ورجوعه إنما تسقط عنه القتل ولا تسقط عنه العقوبة؛ فالعقوبة دون القتل إن تاب تأتي؛ وذلك لإبقاء حرمة النبوة.

    وقد مال إلى الاستتابة في ذلك بعض الفقهاء، وهو قول أبي حنيفة، وذهب إليه بعض الفقهاء من أصحابه، ورواية أخرى عن أبي حنيفة كقول جماهير العلماء إلى أنه: يقتل بلا استتابة.

    1.   

    الذي يملك إقامة الحد على من استهزأ برسول الله

    وأما من ظهر منه الاستهزاء برسول الله صلى الله عليه وسلم فمن يملك حق إقامة قتله؟!

    فنقول إن هذه المسألة لا تخلو من حالتين:

    الحالة الأولى: من ظهر استهزاؤه ظاهراً بيناً؛ فالأمر يتفق عليه العلماء أن ذلك واجب على ولي الأمر أن يقيم الحد عليه قتلاً، وهذا كما تقدم الإشارة إليه هو قول عامة السلف، وهو قول جماهير الفقهاء، وأنه حتى وإن تاب فإن ذلك لا يسقط العقوبة التي هي دون القتل؛ وذلك لحرمة مقام النبي صلى الله عليه وسلم.

    وأما الحالة الثانية: إذا بادر أحد من المسلمين بقتل من استهزأ برسول الله صلى الله عليه وسلم من تلقاء نفسه، وخالف ولي الأمر؛ فنقول: إنه قام بقتل أحد يستحق القتل، وأما بالنسبة لمخالفته لولي الأمر؛ فإن في ذلك ذنباً؛ لمخالفته وافتئاته على ولي الأمر، إلا أنه لا يجوز لولي الأمر أن يريق دمه؛ لأنه أراق دم من استهزأ برسول الله صلى الله عليه وسلم. روى أبو داود في كتابه السنن -وهذا دليل على هذه المسألة- من حديث عكرمة عن عبد الله بن عباس أن رجلًا أعمى عنده أم ولد وعنده منها ولدان، فكانت تقع في رسول الله صلى الله عليه وسلم وتشتمه، فلما كان في ليلة من الليالي وقعت في رسول الله صلى الله عليه وسلم وشتمته، فكان يزجرها وينهاها ولا تزدجر؛ فوضع المعول وجاء في لفظ المغول على صدرها فتحامل عليها، وهو رجل أعمى فقتلها، فتحدث الناس فجاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم والخبر في ذلك طويل فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ( ما حملك على هذا ؟ فقال: يا رسول الله! إنها تقع فيك وأزجرها وأنهاها فلا تنتهي ولا تزدجر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أشهدكم أن دمها هدر ).

    1.   

    الأحكام المترتبة على ثبوت طعن أحد برسول الله

    الحكم الأول: العقوبة الشرعية

    وكذلك أيضاً إذا ثبت لولي الأمر أن أحدًا من المنتسبين للإسلام قد وقع في رسول الله صلى الله عليه وسلم باستهزاء؛ فيجب عليه المبادرة بعقوبته ولا خلاف عند المسلمين في ذلك وهذه العقوبة أعلاها كما تقدم، وهو قول جماهير العلماء، وهو الراجح في هذه المسألة القتل، وأن التوبة في ذلك لا تقبل منه.

    الحكم الثاني: التفريق بينه وبين زوجته المسلمة

    كذلك أيضًا يجب على ولي أمر المسلمين إذا وجد أحداً استهزأ برسول الله صلى الله عليه وسلم أن يفرق بينه وبين زوجته؛ لأن معاشرتها له سفاح، وهو معاشرة مرتد لامرأة من أهل الإسلام، وهذا هو الأصل؛ فيجب عليه أن يفرق بينهما؛ حتى يتضح في ذلك إسلامه، وهذا من الشعائر الظاهرة المعلومة من دين الإسلام بالضرورة، وإنما يختلف العلماء في المرأة التي يرتد زوجها ثم يفرق بينهما، ثم يرجع ويتوب قبل انقضاء العدة، هل ترجع إليه من غير عقد أو لا بدّ من عقد جديد، وتكون قد بانت منه بينونة كبرى بذلك؟! وهذا موضع خلاف عند العلماء، فمن العلماء من يقول: إنها ترجع إليه بعقد جديد، ومنهم من قال: إنها ترجع بلا عقد إذا كان ذلك في عدتها.

    والمترجح في ذلك أنها: تبين منه، وإن تابت ترجع إليه بعقد جديد؛ وذلك أن الكفر يلغي العقود السابقة في ذلك، ومن أظهرها ما يتعلق بالعقد بين الرجل والمرأة في استباحة فرجها؛ فإن الله عز وجل نهى عن نكاح المشركات؛ لقول الله جل وعلا: وَلا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ [البقرة:221]، والمراد بذلك النهي أن: الإنسان لو نكح مشركة من غير أهل الكتاب فنكاحه باطل، كذلك أيضاً المشرك وَلا تُنكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا [البقرة:221]، أي: أنه لا يجوز للرجل أن ينكح وليته أحداً من غير أهل الإسلام سواء كان كتابياً أو كان من المشركين، من كان الوثنيين أو كان ذلك من الملحدين.

    1.   

    جرأة المنافقين في العصر الحديث

    ونحن في هذا الزمن الذي ظهر فيه انفتاح في وسائل الإعلام، وظهر أيضاً جرأة كثير ممن يحاد الله عز وجل ورسوله، وظهر أيضاً تصريح كثير من المنافقين بما تكنه صدورهم مما يخفونه حقدًا على دين الإسلام، وكذلك حقداً على رسول هذه الأمة محمد صلى الله عليه وسلم يظهرونها إذا كانوا في مأمن ويخفونها إذا كانوا في خوف؛ ولهذا يقول حذيفة بن اليمان كما جاء في الصحيح قال: إن المنافقين في زماننا شر منهم من المنافقين في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ وذلك أن المنافقين في زمان النبي صلى الله عليه وسلم يسرون يعني: الكفر والمنافقون في زماننا يعلنون! يعني: يجاهرون بشيء من نفاقهم؛ ولهذا نقول إن ظهور المنافقين وجلاء أقوالهم في أوساط أمة الإسلام، وكذلك تصريحهم بما يكنون من عداء لهذا الإسلام، أو تنقص لشرائع الدين، أو تنقص لحامل لواء الإسلام محمد صلى الله عليه وسلم إن ذلك علامة على ضعف أهل العلم، وضعف السلطان؛ فإن الله عز وجل يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن، كما جاء في الخبر المروي عن عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان جاء عنهم من طرق متعددة: إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن.

    فإذا ظهر في أمة الإسلام وفي مجتمعاتهم من يتجرأ على مقام النبوة فإن ذلك علامة على أنه أمن من العقوبة، فإذا أمن من العقوبة تجرأ على كثير من حدود الله سبحانه وتعالى، ونحن في هذا البلد بلد التوحيد وبلد السنة والأمة في ذلك أمة واحدة.

    ومن عجب أن يظهر في هذه الأمة من الكُتاب ويظهر في هذه الأمة من المنافقين من يتكلم صراحة بكلام لا يستطيع أن يتكلم به الكفار ممن ينضوي تحت لواء الإسلام هيبة له؛ ولهذا المعاهدون لا يكون لهم عهد إلا بحفظ مقام النبوة ومقام الإسلام من الوقيعة فيها من استهزاء وغيره؛ ولهذا روى الخلال وغيره من حديث حفص عن عبد الله بن عمر أن رجلاً جاء إليه فذكر رجلًا من اليهود وقع في رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال عبد الله بن عمر: لو سمعته لقتلته، فإنا لم نعطهم العهد والأمان على هذا! ولهذا نقول: إنه لا عهد لأحد من الكفار في الإسلام، ولا لأحد من المسلمين على إطلاق لسانه على صاحب النبوة عليه الصلاة والسلام، وكذلك في الوقيعة في شريعة الله عز وجل؛ لما أحكمه الله عز وجل من دينه أو استهزأ بتعاليم الإسلام وسننه وهديه الذي اختاره الله عز وجل لهذه الأمة، فإنه لا عصمة لأحد على هذا النحو؛ ولهذا نقول: إن حفظ دين الله عز وجل من أعظم المهمات ومن أعظم ما يحفظ الله عز وجل به هذه الأمة لنعلم إذا وجد في أوساطنا من يحارب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأين يأتي الأمة التمكين؟ يقول النبي عليه الصلاة والسلام كما جاء في الصحيح من حديث أبي هريرة قال عليه الصلاة والسلام: ( من عادى لي وليًا فقد بارزني بالمحاربة )، فأي ولي أعظم من رسول الله صلى الله عليه وسلم عند الله؟ وأي حرب يحارب الله من وقع في مقام رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأي نصرة أيضًا لمن حماه ووقاه وانتصر له ودافع عنه؟! ولهذا نقول: إن من أعظم الهزيمة لأمة ينضوي تحتها من وقع في رسول الله صلى الله عليه وسلم فكيف لها أن تنتصر، وأنى لها أن تتمكن، وبعضها يبارز الله بالحرب؟! لهذا نقول: إن أمة الإسلام، وولاة أمور المسلمين والعلماء إذا رأوا من استهزأ برسول الله صلى الله عليه وسلم أو وقع في عرضه أو تنقص منه، أو لمزه في نسبه أو في هيئته أو في قوله أو في مطعمه ومشربه عليه الصلاة والسلام؛ فإنه يجب أن يدخل ذلك كله في دائرة الاستهزاء وحكمه واحد، وهو الكفر والقتل على قول عامة العلماء؛ بل حكى بعض العلماء من المتقدمين الإجماع على قتل من استهزأ برسول الله صلى الله عليه وسلم وأنه لا يستتاب.

    1.   

    قيام الأمة كلها بواجب حق رسول الله عليها

    إن الله عز وجل لم يجعل مقام النبي عليه الصلاة والسلام لأحد، وإنما هو حق مشاع لهذه الأمة عليها أن تحفظه، ولا يملك أحد من هذه الأمة إسقاط الحق؛ ولهذا نقول: إن من كفر بالله عز وجل فليس لأحد أن يسقط حق الله عز وجل في ذلك.

    وحق رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يملكه أحد من ذريته عليه الصلاة والسلام ممن يرجع إلى آل البيت، ولا يملكه سلطان، ولا يملكه عالم، ولا يملكه أحد من المسلمين، فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم جعل اللهُ حقه في زمنه لأمة الإسلام، وليس له عليه الصلاة والسلام أن يسقط حقه في الوقيعة فيه؛ فإن من بعده من باب أولى؛ ولهذا من أعظم مهام الولاية ومن أعظم أسباب البقاء حفظ مقام رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنكار ما يستهزأ برسول الله صلى الله عليه وسلم من ذوات أو من معانٍ أو غير ذلك؛ لهذا صيانتها وحمايتها وبيان فضله عليه الصلاة والسلام ومقامه عند من يجهل منزلته من عامة الناس أو كذلك أيضاً من المنافقين وإظهار ذلك في وسائل الإعلام من الأمور المهمة.

    1.   

    واجب ولاة أمر المسلمين تجاه رسول الله

    ومما يغيظ قلوب المؤمنين الصادقين: أن يوجد في أوساط المسلمين من يفسح له المجال لمزاً في الشريعة واستهزاءً برسول الله صلى الله عليه وسلم، وتنقصًا لرسول الله صلى الله عليه وسلم الذي كان الصحابة إذا تنخم بنخامة وقعت في أيديهم فدلكوا أجسادهم ووجوههم يقول: لن أقبل يديك، وأقف أمامك كالند، ولن أصلي عليك، ثم يبقى هذا الرجل في مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويظهر ذلك مجاهراً بذلك أمام الناس أجمعين، وقد علمت أنه قد استرسل في قوله ذلك منذ أسابيع وأيام، ولم يردعه حتى بغى وطغا وتجاوز وبلغ الحد في ذلك؛ لهذا نقول: إن الأمة إذا كانت تحمي ثرواتها، وتحمي ذواتها، وتحمي دساتيرها، وتحمي ولاة أمرها، وتحمي أمنها، وتحمي أعراض علمائها، وتحمي دماءها وذواتها أعظم من مقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فهي أمة دنيا وليست أمة دين ونعلم أن سبب ذلة أمة الإسلام هو بسبب اختلال هذه الموازين، إن الله عز وجل ما أخرجنا من ذلك الذل الذي كانت الأمة فيه تتناحر وتتقاتل وهي أوزاع إلا بهذا الدين فحينما تتمكن هذه الأمة وتكون شيئًا مذكورًا في أوساط الأمم تريد أن تقلب ظهر المجن، وأن تجعل حظوتها إنما هي للدنيا، أو لقوميتها العربية أو لذواتها أو لثرواتها، فلتعلم أن الله عز وجل ما مكن لها إلا بتوحيدها ودينها وأنها إن انقلبت عن ذلك فإن الله عز وجل سيقلب أمرها ويجعل ما حرمه الله عز وجل عليها من فتن فيها أن ينزل بأسها بينها، وهذا ما يشاهد في كثير من بقاع المسلمين من وجود الفتن والشقاق واختلاف الناس، وتنكر القلوب، وذلك أن الله عز وجل إنما جمع الأمة على الإسلام، ولم يجمعها على بلد أو على عرق أو على جنسية أو على لغة أو غير ذلك.

    إن أمة الإسلام إن اجتمعت على ولاء دون الإسلام فإنها إنما تجتمع على فرقة، والله عز وجل إنما جمع العرب حينما كانوا أشتاتًا على الإسلام وما جمعهم على المال وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ [الأنفال:63].

    إن الأمة إذا اجتمعت على المال لتسكن وتهدأ وتأكل، فإن جاعت ثارت، ولم تجتمع على عقيدة واحدة فإنها أمة ممزقة!

    أمة الإسلام جمعها الله على التوحيد، فقد جاء المهاجرون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة، واجتمعوا مع الأنصار، فأصبح بينهم أعظم لحمة حتى تقاسموا المال والبساتين، بل تقاسموا ما هو أعظم من ذلك، من كان عنده زوجتان وثلاث شاور صاحبه ليطلق واحدة ليتزوج بها أخوه المهاجري لماذا؟ لأن ما كان من مشاحة الدنيا وحظها ابتعد، بل حينما وقعت مجاعات لأمة الإسلام في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي زمن الخلفاء الراشدين ما وقعت ثورات وما وقعت فتنة وجلب؛ السبب في ذلك: أن اللحمة إنما كانت على توحيد الله عز وجل وعلى الإيمان، وأن الدنيا التي يؤتون إياها إنما هي أمر تبع في ذلك، من ظن أن الأمة تهدأ إذا اجتمعت على المال فإن هذا من المعاني الخاطئة؛ فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ينفق المال تأليفًا للقلب، حتى ينفرج القلب للحق، فإذا انفرج وضع فيه الحق.

    ثم لتعلم أنك إذا فتحت القلب بالمال، ولم تؤته الحق، فإذا ذهب المال انغلق عليه وبقي على ما هو عليه؛ ولهذا الذين يبذلون الثروات للناس ليعلموا أن تلك الثروات والله لا تؤلف قلوبًا، ولا توحد الناس تحت لواء، وأن هذا المال إذا ذهب ونظر الناس إلى أيديهم ولم يجدوا مالاً يأتلفون عليه، ولم يجدوا دينًا يأتلفون عليه التفتوا إلى ما حولهم، إما لغة وإما عرق أو جاه أو غير ذلك فتناحروا وتقاتلوا ولم يبقوا من ذلك شيئًا انظروا إلى البيئات التي ضعف فيها دين الإسلام حينما جاعوا، وافتقروا حتى قتل بعضهم بعضًا؛ ولهذا نقول: إن الأمة إذا مكن الله عز وجل لها في الأرض في دين الله سبحانه وتعالى واختل هذا الميزان، ولم تقم بأمر الله عز وجل كما أمرها الله سبحانه وتعالى فليعلم أن الله عز وجل يعطيها بمقدار تفريطها ويحرمها أمنها بمقدار نقصانها في عدل الله عز وجل وتوحيده سبحانه وتعالى؛ ولهذا أوصي نفسي وأوصي ولاة الأمر.

    1.   

    واجب العلماء وعموم المسلمين نحو رسول الله

    وأوصي العلماء وأوصي المؤمنين عامة أن يقوموا بأمر الله عز وجل، وأعظم أمر الله أن يحفظوا دينه وحق رسوله؛ فإن محمدًا رسول الله صلى الله عليه وسلم مهمته في هذه الأرض هي البلاغ يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ [المائدة:67] فجاء بهذا الهدي وبهذا الخير؛ فلهذا نحمي الجناب، ونوقره لهذا المقام، ونعلم أن لخيرية التي نحن فيها واللحمة التي تجتمع عليها أمة الإسلام إن اشتكى منها عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر بسبب هذا الدين الذي جاء به رسول الله، فنحن نتألم للمسلمين الذين يقتلون في الشام ونتألم للمسلمين الذين يقتلون في أقاصي المغرب في تونس وفي ليبيا وغيرها، بل للمسلمين من العجم في أفغانستان وغيرها، نتألم في ذلك لوجود لحمة الإسلام لا لحمة اللغة ولا لحمة المال، ولا للحمة الأنساب والأعراق وإنما هي لحمة الإسلام؛ لهذا نقول: إن الله عز وجل إنما استخلفنا في الأرض لنوحده وأن نقيم الصلاة وأن نؤتي الزكاة وأن نأمر بالمعروف وأن ننهى عن المنكر، فإذا اختل هذا الميزان اختل مقام التمكين.

    إن خيرية الأمة وتميزها عن غيرها إنما هو بإتيانها بأمر الله كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ [آل عمران:110] هذه الخيرية سببها: تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ [آل عمران:110]، فإذا لم نأمر بالمعروف وننه عن المنكر ونأطر أهل الباطل على الحق ونزجر المسيء وندعُ إلى الخير لم تتحقق فينا الخيرية.

    وعلينا أيضاً أن نبين الحق، وأن توافق أقوالنا أفعالنا، وأن نسخر وسائل إعلام من مرئية ومسموعة ومقروءة لدين الله سبحانه وتعالى.

    إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعلم بعض أعيان المنافقين، وكان يسكت عليهم عليه الصلاة والسلام؛ لمصالح يراها؛ لأنهم لم يكونوا يجاهرون، وإنما يعلمهم عليه الصلاة والسلام بلحن القول، ويعلمهم عليه الصلاة والسلام بوحي السماء؛ لهذا كان النبي عليه الصلاة والسلام لا يقيم على أحد منهم حدًا بعلمه عليه الصلاة والسلام، ومع ذلك أيضًا لم يكن النبي عليه الصلاة والسلام يتخذ منهم بطانة، ولم يظهرهم على المنابر والمجالس في مواضع الخطب ولا في مجالس العامة، وإنما كان النبي صلى الله عليه وسلم يجعلهم ينطوون تحت لواء عموم المسلمين.

    والمشاهد -للأسف الشديد- يرى في بلدان المسلمين تسنم كثير من المنافقين لكثير من منابر القول والقرار، هؤلاء لو كانوا في زمن النبوة والله ما نقصوا قدرًا عن منزلة عبد الله بن أبي، فهم يطعنون في دين الله ويتهكمون بكثير من أصول الإسلام، ويطعنون أيضًا في حملة الإسلام حملة إرث النبي صلى الله عليه وسلم من العلماء، ونعلم أن هدي المنافقين منذ الزمن الأول أنهم لا يجرؤون على مواجهة الإسلام باسمه، وإنما يواجهون رموزه؛ لأن الحامل إذا ضعف وتشوه ضعف المحمول وهي الرسالة؛ لأن النبي إنما يحمل رسالة، فإذا ضعف وتشوه ذلك المحمول تشوهت رسالته، كحال الإنسان حينما يتكلم في تاجر من التجار ويقوم بالقدح فيه وتشويه سمعته؛ فيقوم الناس بالتشكيك بتجارته أنه يغش الناس ولا يأتي بالجيد ونحو ذلك، وهذا من الأمور المعلومة؛ لهذا يطعنون في الرموز في الأنبياء والعلماء والأولياء، وغيرهم. كما طعن غيرهم من الباطنيين في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وما طعنوا في الإسلام بذاته، أو في الكتاب في ذاته، أو في مقام النبوة، بل كل بحسبه، هذا يطعن في نبي، وهذا يطعن في ولي، وهذا يطعن في عالم؛ لأنهم أرادوا الإسلام، وما أرادوا تلك الأعيان.

    1.   

    جريمة الدفاع عن المنافقين والتماس الأعذار لهم

    ولهذا نقول: إن من مواضع الخطورة أن يظهر صوت المنافقين، في حين نجد سكوت كثير من ولاة الأمور ومن العلماء، ومن عامة الناس عن بيان الحق، وكذلك ردع الظالم عن بغيه وعن ظلمه، وأن نعلم أيضًا أن من اتخذ من نفسه دفاعًا عن المنافقين -ولو كان بحسن قصد- أن هذا مما لا يرضي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن هذا أيضًا من علامات النفاق، بل إن بعض أهل الخيرة والمنزلة العالية من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم حينما دافع عمن قذف عائشة عليها رضوان الله تعالى؛ وذلك لأنه أحسن الظن به بذاته وأساء الأمر بقوله، لشيء من الحمية، فقال أسيد عليه رضوان الله تعالى: إنك منافق تدافع عن المنافقين، ومن عجب أن يرى الإنسان بعض أهل الخير يلتمس الأعذار لمن يقع في دين الله سبحانه وتعالى، بينما لا يلتمس الأعذار لأهل العلم إن وقعوا في زلة أو خالفوا في مسألة اجتهادية، حتى يبلغ مشارق الأرض ومغاربها من تشنيعه وتشويهه وغير ذلك، ومن العجب: أن من يقع في جناب رسول الله صلى الله عليه وسلم تلتمس له الأعذار ويرأف به!!، ولا شك أن هذا من أمارات النفاق وكذلك ضعف الإيمان الشديد إن لم يكن نفاقًا أكبر؛ ولهذا ينبغي على المؤمن أن يقوم بأمر الله في ذاته وينبغي على العلماء وكذلك ولاة الأمر عمومًا أن ينصفوا الله عز وجل من أنفسهم بإقامة الحد على من استهزأ برسول الله صلى الله عليه وسلم وتهكم بدين الله.

    كذلك أن يضعوا حدًا للمنافقين والمتجرئين بجهل أو بعلم من كُتاب الصحافة على دين الله سبحانه وتعالى، بل أيضًا ينبغي أن لا يولى الولايات ومنها وزارة الإعلام والولايات التي تكون عليها أعراض المسلمين، أو ما يتعلق بالتعليم أن لا يقع ذلك إلا على الأمناء، ومن عجب أن الإنسان يلتقي ببعض المسؤولين الذين تسنموا بعض الولايات يجدهم من أجهل الناس فيما يتعلق بالأعراض وأجهل الناس في مسائل الشريعة وأحكامها؛ ولهذا نقول: إن الله عز وجل كما أنه طلب القوة وهي المعرفة والخبرة في الأمر طلب الأمانة؛ فإن الإنسان إذا كان قويًا ولم يكن أمينًا كان خائنًا لله ولرسوله؛ ولهذا نجد أهل الخبرة من حملة الشهادات الأكاديمية ونجد من أهل التخصصات والخبرة أيضًا في العمل، ولكنهم ليسوا بأهل أمانة، فهم يقومون بإهدار المال وتضييع لحق الله عز وجل، وعدم إقامة شرائع الله عز وجل كما أراد وهم أصحاب خبرة، ولكن جعلوا هذه الخبرة فيما يهوون وما يريدون، وضيعوا أوامر الله سبحانه وتعالى؛ ولهذا إن من أعظم مواضع القصور في الأمة أن يتولى مصالحها ومسؤولياتها من كان صاحب خبرة، ولكنه ليس بصاحب أمانة، فينبغي لمن يولى ولاية أن لا يولى إلا وقد شهد له بأداء الصلاة وشهد له بالتواضع مع الخلق، وشهد له أيضًا بالتعفف عن أموال الناس، فإذا حمل هذين الأمرين: القوة والأمانة تولى تلك الولاية، وأما أن يوضع في سيرته خبرته وشهاداته ويجنب جوانب الأمانة فهذا الذي جر على الأمة الولايات التي نشاهدها، وما طرأ في مصر، وما طرأ في تونس، وما طرأ في ليبيا، وما يحدث الأن في مصر هؤلاء هم أصحاب خبرة، وأمضوا عقودًا طويلة في مسؤوليات ونحو ذلك، ونظر إليها، وما نظر إلى الأمانة؛ فلذلك بددوا ثروات الأمة، وأفسدوا على الأمة دينها، فهم أصحاب خبرة، ولكن خبرة فيما يريدون؛ فلذلك سخروها على الأهواء وضيعوا على هذه الأمة الحق، فما أقاموا لله عز وجل ولا لدينه سبحانه وتعالى ولا لرسول الله صلى الله عليه وسلم مقامًا ولا حفظوا له حقاً، بل أعانوا أعداء الله عز وجل.

    وإن مما يؤلم أن ينتصر لصاحب الباطل، ويغض الطرف عنه، وتؤخذ زلة مصلح ويعاقب عليها، وهذا لا شك أنه علامة على هوان الأمة وضعفها وقصورها في إتيانها بأمر الله سبحانه وتعالى.

    أسأل الله عز وجل أن يجمع على هذه الأمة أمرها، وأن يؤلف بين قلوبها، وأن يهدي الراعي والرعية إلى الخير، وأن يهديهم إلى الصراط المستقيم، وأن يمكن لهذه الأمة في الأرض، وأن يقيض لها أمرًا رشدًا يعز فيه أهل الطاعة، ويذل فيه أهل المعصية، وأسأله جل وعلا أن يعيذنا وأن يجنبنا الفتن ما ظهر منها وما بطن، وأسأله سبحانه وتعالى أن يكبت أعداء الملة والدين من المنافقين واليهود والنصارى وغيرهم، وأسأله سبحانه وتعالى أن يؤلف بين الحاكم والمحكوم على الحق، وأن يهديهم إلى الصراط المستقيم، وأن يجمع بينهم على منهج رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأسأل الله جل وعلا أن يميز الخبيث من الطيب؛ فقد اختلطت الحبائل، واختلطت الموارد والتبست السبل على كثير من المسلمين، بل على كثير من طلاب العلم فضلًا عن عامتهم؛ لهذا ينبغي للمؤمن أن يسأل الله عز وجل الهداية وأن يسأله جل وعلا أن يهديه لما اختلف فيه من الحق؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان من دعائه كل ليلة في قيام الليل: ( اللهم اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك؛ إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم )، هذا والله أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.

    مكتبتك الصوتية

    عدد مرات الاستماع

    2734212366

    عدد مرات الحفظ

    684424257