إسلام ويب

شرح السنة للإمام المزني [7]للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • مما يجب الإيمان به واعتقاده الإيمان بيوم الحساب والجزاء وما في الجنة من نعيم للمؤمنين، وما في النار من شقاء الكافرين، والإيمان برؤية المؤمنين ربهم يوم القيامة في دار الكرامة وبقاء الجنة والنار وخلود أهلهما فيهما. ومما يجب كذلك طاعة أولياء الأمور، وحرمة الخروج عليهم مالم يكن ذلك في كفر بواح، ومناصحتهم والوسطية في التعامل معهم.

    1.   

    حساب العباد يوم العرض الأكبر

    الحمد لله رب العالمين, وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

    أما بعد:

    فقد قال المصنف رحمه الله: [ ولدى العرض عليه محاسبون بحضرة الموازين ونشر صحف الدواوين, أحصاه الله ونسوه في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، لو كان غير الله عز وجل الحاكم بين خلقه, لكنه الله يلي الحكم بينهم بعدله بمقدار القائلة في الدنيا، وهو أسرع الحاسبين، كما بدأه لهم من شقاوة وسعادة يومئذ يعودون، فريق في الجنة وفريق في السعير ].

    الله سبحانه وتعالى وكل بعباده كتبة يحصون عليهم سيئاتهم وحسناتهم، ويكتبون عليهم الأفعال، فما من شيء يفعله العبد من صغيرة أو كبيرة إلا وأحصاها الله عز وجل عليه، ويسأله سبحانه وتعالى عنها، وإحصاء الله عز وجل على عباده إحصاء ليعلموا, لا ليعلم هو، فإن الله سبحانه وتعالى يحصي عليهم بالكتبة وبالحفظة، والله سبحانه وتعالى لا يحتاج إلى محص ليعلم؛ وإنما ليقيم الحجة على عباده حتى لا يعاندوه؛ لأن الإنسان خصيم وصاحب جدل، فأراد الله عز وجل أن يقيم عليه حجته.

    والله سبحانه وتعالى يحشر عباده جميعاً -المؤمن والكافر- كما ولدتهم أمهاتهم، حفاة, عراة، غرلاً، ولا ينشغل أحدهم بالآخر؛ وذلك لهول المقام وهول المفزع، ولهذا لما استعظمت عائشة عليها رضوان الله تعالى ذلك قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ( الرجال والنساء ينظر بعضهم إلى بعض؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: الأمر أعظم من ذلك )؛ لشدة الكرب والفزع والخوف من المآل والعاقبة.

    قال المصنف رحمه الله: (الله يلي الحكم بينهم بعدله بمقدار القائلة في الدنيا)، يعني: القيلولة، والقيلولة هي: ما يكون بعيد صلاة الظهر، وقيل القيلولة: ما يكون قبل الظهر.

    وقوله سبحانه وتعالى: وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ [الأنعام:62]، يعني: إن شاء يسر على عبده حسابه وإن شاء عسره، فالله سبحانه وتعالى يقيم الحجة على عبده بما يشاء، من سرعة وعجلة، وبما يشاء يعسر الحساب، بتأخيره وتأجيله، وكذلك أيضاً تشديده على عبده، وما من أحد من العباد يناقش الحساب إلا ويعذب بمناقشته؛ للكرب الذي يجده، كما جاء في الخبر: ( من نوقش الحساب عذب ).

    نعيم أهل الجنة

    قال رحمه الله: [ وأهل الجنة يومئذ في الجنة يتنعمون، وبصنوف اللذات يتلذذون، وبأفضل الكرامة يحبرون ].

    وهنا في ذكر الجنة والنار قال رحمه الله: (وأهل الجنة يومئذ في الجنة يتنعمون، وبصنوف اللذات يتلذذون، وبأفضل الكرامات يحبرون).

    ونعيم الجنة على نوعين: نعيم حسي, ونعيم معنوي، فأما النعيم الحسي: فهو ما يمتعون به من مأكل، ومشرب، ومنكح، ومسكن، وغير ذلك مما يهيئه الله عز وجل لهم.

    وأما النعيم المعنوي: فهو ما يجدونه من لذة معنوية، من المنظور أو المسموع؛ وهذا ليتم النعيم ويكمله الله عز وجل لعباده سبحانه وتعالى، والله جل وعلا قد جعل ما في الجنة مغايراً لما في الدنيا، فليس في الجنة مما في الدنيا إلا الأسماء، فالخمر يشابه الخمر باسمه، والطلح يشابه الطلح باسمه، والزعفران يشابه الزعفران باسمه، واللبن يشابه اللبن باسمه، تتشابه من جهة الأسماء ولكن تختلف من جهة الحقيقة؛ وذلك لأن الله عز وجل يقول كما في الحديث الذي في الصحيح: ( أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر )، يعني: أنهم لم يروا ذلك من قبل، وإذا كان مخلوق الآخرة الذي يتنعم به الإنسان ليس له مثيل في الدنيا فكيف بالخالق سبحانه وتعالى؟.

    أنواع الحساب في الآخرة

    وأما بالنسبة للحساب الذي يكون من الله عز وجل لعباده نجمله على نوعين:

    النوع الأول: حساب يكون في حق الله سبحانه وتعالى، أي: بين العبد وبين ربه في حقه جل وعلا، وذلك فيما يقصر به العبد في جنب الله سبحانه وتعالى، من التقصير في الواجبات، وفعل المحرمات التي نهى الله عز وجل عنها وحقها يتعلق بحقه جل وعلا، كشرب الخمر فهو منكر لازم، وكذلك الزنا -ما لم يكن في ذلك بغي وتعدٍّ كما يسمى بالاغتصاب- فهو محرم لازم لله عز وجل يكون بين الاثنين، كل واحد بينه وبين الله سبحانه وتعالى.

    وكذلك أيضاً ما يكون من الأمور المحرمة التي تكون بالتراضي، مثل الربا والقمار وغير ذلك، لا يكون في ذلك حقوق بين العباد ولكن هو حق لله سبحانه وتعالى. كذلك التفريط في الواجبات، وذلك بترك شيء من الصلاة، أو التقصير فيها، أو ترك الصيام، أو غير ذلك مما أوجبه الله عز وجل، فذلك حق لله سبحانه وتعالى، الفصل فيه يكون بين العبد وربه، وأما سره وعلانيته، فالله عز وجل يفضح من شاء من عباده، ويستر من شاء من عباده، فربما ستر عبده ولم يبد سيئته لأحد إلا له، ومنهم من يفضحه الله عز وجل بسيئته.

    وأولى من يهتك الله عز وجل ستره في ذلك أناس: منهم: الذين يجاهرون بحرمات الله سبحانه وتعالى، ومنهم: الذين يظهرون خلاف ما يبطنون، من المنافقين وأضرابهم، حيث يظهر الله عز وجل أمرهم يوم القيامة، وأما من جهة زمن حسابهم، فإنهم يحاسبون قبل دخول الجنة والنار؛ لأنهم بسيئاتهم وحسناتهم يتمايزون بالمقام في الجنة والنار، وهذا فيما يتعلق من حق الله سبحانه وتعالى.

    أما النوع الثاني: فهي الحقوق التي تكون بين الآدميين، فقد قضى الله سبحانه وتعالى ألا يغفرها للعبد يوم القيامة، إلا إذا أداها الإنسان لصاحبها في الدنيا أو تحلل من صاحبها في الدنيا، فأما بقية المكفرات لذلك فبالاستغفار والتوبة، والحسنات التي تذهب السيئات، والمصائب والهموم، وهذه لا تأتي على حقوق بني آدم، فمن أخذ مالاً من أحد أو ضربه أو قتله فذلك حق بين الآدميين، ولهذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم كما في الصحيح: ( من كانت عنده مظلمة لأخيه فليتحلل منها، من قبل أن يأتي يوم لا دينار فيه ولا درهم )، يعني: أن الله عز وجل يجعل العباد يوم القيامة يتقاصون حقوقاً كانت بينهم، ولا يجريها الله عز وجل تحت مشيئته سبحانه وتعالى؛ لأنه قضى في ذلك ألا يغفره لعبده إلا بأداء الحقوق إلى أهلها، كما جاء في الصحيح من حديث العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة قال عليه الصلاة والسلام: ( لتؤدن الحقوق إلى أهلها حتى يقتص الله من الشاة القرناء للشاة الجماء )، يعني: لا بد من إعادة الحقوق في الدنيا لأهلها؛ حتى يحصل الإنصاف بين العباد.

    أحوال قضاء الله تعالى في حقوق العباد من جهة الزمان

    وما كان من حقوق بني آدم فيما بينهم، فنقول: إنه يكون على أحوال من جهة زمان القضاء فيه:

    الأولى: ما كان من المشركين الذين قضى الله عز وجل عليهم الخلود في النار، فإن الله عز وجل ينصفهم في الحقوق التي بينهم في الدنيا قبل دخول النار؛ لأنهم يتمايزون من جهة شدة العذاب وخفته بناء على ذلك.

    والثانية: من قضى الله عز وجل عليهم دخول الجنة من غير ولوج النار قبل ذلك، فهؤلاء يقضي الله عز وجل بينهم حقهم كذلك؛ لأنهم يتمايزون بمراتبهم في الجنة.

    الثالثة: من قضى الله عز وجل عليهم من المؤمنين دخول النار والخروج منها إلى الجنة، هؤلاء لا يفصل الله عز وجل بينهم قبل دخول النار، وإنما يفصل بينهم في حقه اللازم له، ثم يفصل بينهم في الحقوق التي بينهم بعد الخروج من النار، لما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( يخرج المؤمنون من النار، فيوقفون على قنطرة بين الجنة والنار، فيقتصون حقوقاً كانت بينهم )، أي: حقوق الدنيا لم تقتص بينهم قبل دخول النار، إنما أجلت لهم إلى ما بعد الخروج من النار وقبل دخول الجنة، ثم يقتصون الحقوق؛ لأنها تفرقهم في المرتبة في الجنة.

    وأما من كان له حق من أهل النار على أهل الجنة، ومن كان له من أهل الجنة حق على أهل النار، فإن الله عز وجل يقضي عليه الحق قبل أن يدخلها؛ بمعنى: أنه إذا كان لأحد من أهل النار حق على أحد من أهل الجنة أو العكس، ثم كتب لهذا الجنة، وذاك كتب له النار بموجب آخر، فالله عز وجل يقضي بينهم قبل دخولهم الجنة وقبل دخولهم النار؛ وذلك لما جاء في حديث جابر بن عبد الله في المسند وأصله في الصحيح معلق، قال عليه الصلاة والسلام: ( يحشر العباد يوم القيامة حفاة عراة غرلاً، فيناديهم الله عز وجل بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب، فيقول: أنا الملك، أنا الديان، لا ينبغي لأحد من أهل الجنة أن يدخل الجنة وعليه لأحد من أهل النار حق حتى أقصه منه حتى اللطمة، ولا ينبغي لأحد من أهل النار أن يدخل النار وله عند أحد من أهل الجنة حق حتى أقصه منه حتى اللطمة، قالوا: يا رسول الله! كيف وإنا نأتي الله عز وجل حفاة عراة؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بالحسنات والسيئات )، يعني: تقتصون حقوقاً لا بالقصاص بالضرب أو القتل أو غير ذلك، أو بالدنانير والدراهم، وإنما يبدلها الله حسنات وسيئات، ولهذا نقول: إن الله سبحانه وتعالى يؤجل بعض حقوق العباد الذين كتب الله عز وجل عليهم دخول النار إلى ما بعد الخروج منها، حتى تكون رفعة لهم في الجنة.

    فالحقوق المتلازمة لصاحب جنة مع صاحب نار، يعيدها الله عز وجل لأصحابها قبل دخول هؤلاء أماكنهم، وهذا مقتضى عدل الله سبحانه وتعالى.

    وأما ما يتعلق بالحقوق التي كانت لأهل النار من أهل الجنة، فإن الله سبحانه وتعالى يدخلهم النار، فإذا محصهم بذنوبهم التي من حقه جل وعلا، تبقى الحقوق التي بينهم، ثم يجعلها بعد ذلك في القنطرة التي تكون بين الجنة والنار، يتمايزون فيها بعد ذلك مرتبة في الجنة، فينقص هذا ويزيد هذا بحسب الحقوق.

    تعظيم حقوق الآدميين

    وبهذا نعلم أن ما كان من حقوق الآدميين فقد قضى الله عز وجل ألا يغفره لصاحبه إلا بإعادة الحقوق إلى أهلها, ولهذا عظم حق الآدميين فيما بينهم على حق الله عز وجل الخاص سوى الشرك؛ لأن حق الآدميين مبني على المشاحة لا على المسامحة، وحق الله عز وجل مبني على المسامحة؛ لعظم رحمته سبحانه وتعالى, وأعظم الحقوق التي تكون بين المؤمنين فيما يظهر هو حق النبي في مقابل حق غيره، وحق المجاهد على القاعد؛ كما جاء في الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( حرمة نساء المجاهدين على القاعدين كحرمة أمهاتهم، ومن خلف غازياً في أهله فخانه فيهم أوقفه الله عز وجل على حسناته يوم القيامة، فيقال له: خذ منها ما شئت، فما ظنكم )، يعني: ما ظنكم أنه تارك من ذلك, والأمر في ذلك مبني على المشاحة، وهذا دليل على أن الله سبحانه وتعالى يباين بين حقوق العباد بحسب مراتبهم ومنازلهم، فحق الأب على ابنه من جهة المال ومن جهة التعدي عليه يختلف عن العدوان على الأخ، والعدوان على الجار القريب يختلف عن الجار البعيد، كما أن الزنا بحليلة الجار يختلف عن الزنا بحليلة الأبعد، فإنه أعظم، كما أن الوقيعة في نساء المحارم يختلف عن الوقيعة في نساء الأبعدين وإن كان جنس العمل واحداً.

    ولهذا نقول: إنه ينبغي للإنسان أن يحترز في حقوق الآدميين قدر وسعه وإمكانه، فإنه لا بد من قضائها يوم القيامة، وقضاؤها يكون فيما يستهلكه من عمره من أعمال وطاعات يفعلها لسنوات يذهب بها رجل واحد بسبب حق من الحقوق, إما حق مالي, أو حق في عرضه، أو حق في دمه، فالاحتراز في ذلك مطلوب، فإن الله عز وجل عدل.

    ولو نفذت حسنات الإنسان وما بقي عنده شيء، فإن الله يرجع إلى سيئات الإنسان ويعطيه بمقدارها؛ كما جاء في حديث المفلس في صحيح الإمام مسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( ما تعدون المفلس فيكم؟ قالوا: المفلس فينا من لا دينار له ولا متاع، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: المفلس من يأتي يوم القيامة بأعمال كالجبال, ويأتي وقد ضرب هذا -انظروا, لا يوجد فيها شيء من حقوق الله الخاصة، كلها حقوق عامة بين الناس-، ولطم هذا، وشتم هذا، وأخذ مال هذا، وسفك دم هذا، فيأخذ هذا من حسناته، وهذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته أخذ من سيئاتهم فطرحت عليه، ثم طرح في النار )، وهذا من كمال عدل الله سبحانه وتعالى وإنصافه، ومن كمال عدله أيضاً أن يجعل الحقوق بين المخلوقين شاملة للبهائم في القصاص فيما بينها, مع أنها ليست مكلفة برسالات الأنبياء عليهم الصلاة والسلام؛ وذلك لأن هذه الأمور مدركة بالطبع، وهذا دليل على شدة وازع الطبع وقوته، وأثره في باب التكليف وعدم العذر.

    1.   

    رؤية المؤمنين ربهم يوم القيامة

    قال المصنف رحمه الله: [ فهم حينئذ إلى ربهم ينظرون، لا يمارون في النظر إليه ولا يشكون، فوجوههم بكرامته ناضرة، وأعينهم بفضله إليه ناظرة ].

    هنا يقول رحمه الله: (فهم حينئذ إلى ربهم ينظرون)، مسألة النظر إلى الله سبحانه وتعالى هي من المسائل المهمة، وهي أيضاً من المسائل القطعية عند السلف، وفي ظواهر النصوص من الكتاب والسنة أن نظر المؤمنين إلى الله سبحانه وتعالى يوم القيامة مقطوع به، وهذا محل اتفاق عند أهل السنة, لا يختلفون في ذلك، والأدلة على ذلك كثيرة مستفيضة متواترة من الكتاب والسنة، قال تعالى: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ [القيامة:22-23]، والله سبحانه وتعالى أيضاً جعل النظر إليه هو الزيادة، وجاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما في الصحيح من حديث جرير بن عبد الله قال: ( إنكم ترون ربكم يوم القيامة لا تضامون في رؤيته كما ترون القمر ليلة البدر )، فشبه رسول الله صلى الله عليه وسلم حال الرؤية بالرؤية.

    رؤية الله في الدنيا

    ورؤية الله سبحانه وتعالى على مسألتين:

    المسألة الأولى: الرؤية الدنيوية، فقد حكى الدارمي رحمه الله إجماع الصحابة على أن الله سبحانه وتعالى لا يُرى في الدنيا، وأما رؤية النبي صلى الله عليه وسلم له ليلة الإسراء فثمة قولان في هذه المسألة: روي في ذلك عن عبد الله بن عباس وعائشة، كما جاء من حديث مسروق عن عائشة عليها رضوان الله تعالى قالت: ( من حدثكم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى ربه فقد أعظم الفرية على الله )، وروي أيضاً من غير هذا الوجه عن عائشة عليها رضوان الله تعالى، أما ما جاء عن عبد الله بن عباس عليه رضوان الله تعالى، فإنه جاء عنه أنه قال: ( إنه رأى ربه )، وقد جمع بعض العلماء بين هذين القولين؛ على أن ابن عباس قال بالرؤية القلبية، وهي رؤيا المنام، وليست رؤيا اليقظة، فإن رؤيا اليقظة منتفية؛ والسبب في ذلك أن الله سبحانه وتعالى ما جعل للبشر قدرة على رؤيته جل وعلا، ولهذا موسى لما قال لربه: أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ [الأعراف:143]، قال الله سبحانه وتعالى: لَنْ تَرَانِي [الأعراف:143]، والسبب في هذا أنه ليس في الإنسان قدرة وطاقة كوَّنه الله عز وجل عليها في الدنيا يستطيع معها أن يرى الله سبحانه وتعالى، والله جل وعلا قادر سبحانه وتعالى على أن يري نفسه من شاء من عباده، ولكن بعد أن يغير قدرة البشر عما هم عليه؛ ليروا الخالق سبحانه وتعالى، ولهذا نقول: رؤية العباد لله سبحانه وتعالى في الدنيا ليست محالة من جهة الإمكان، ولكنها محالة من جهة خلقة الإنسان على ما هو عليه، فإذا غير الله عز وجل خلقة الإنسان، وأعطاه قدرة فإنه يرى الله سبحانه وتعالى بإذنه سبحانه.

    المسائل المختلف فيها بين أهل السنة في رؤية الله في الآخرة

    وأما المسألة الثانية: وهي الرؤية في الآخرة، فذكرنا أن أهل السنة يتفقون على أن الله عز وجل يُرى في الآخرة، واختلفوا في مسائل:

    المسألة الأولى: في رؤية المشركين والمنافقين لربهم، منهم من قال: إنهم يرون الله عز وجل ثم يحجبون عنه تشديداً في العذاب والعقاب، كما في قول الله سبحانه وتعالى: كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ [المطففين:15]، والإنسان يحجب عن الشيء إذا رآه أو تمكن منه، وأما من جهة عدم رؤيته وعدم قدرته على ذلك فإنه لا يوصف بأنه حجب عنه، ولكن نقول: إن الحجب ممكن أن يكون لمن لم يمَكَّن من جهة الأصل، وهذا أيضاً له وجه من جهة اللغة، ويعللون في ذلك أن ألم وعذاب الحجب عظيم جداً على الإنسان, ولا ينعم الإنسان بشيء قد حجب عنه مما يراه من الخير، قالوا: وذلك أن الله سبحانه وتعالى يري عبده المشرك في قبره منزلته من الجنة لو أنه أطاع الله، ثم يحجبه عنها ويريه منزلته في النار؛ لأنه عصى الله سبحانه وتعالى, فكانت رؤيته للنعيم في قبره حسرة؛ لأنه يحجب عن ذلك، وفي ذلك ألم شديد، بخلاف الإنسان الذي يوعد بشيء لم يره ثم يرى شيئاً آخر من العقاب، حينئذ يكون العذاب عليه يسيراً، وجمهور السلف وكذلك أهل السنة على أن المشركين لا يرون الله سبحانه وتعالى في الآخرة، وثمة قول ثالث في هذا: وهو أن المؤمنين والمنافقين يرون الله سبحانه وتعالى ثم يمنع المنافقون من رؤيته.

    ومن المسائل التي وقع فيها الخلاف هو الزمن الذي يرون فيه الله عز وجل ويتجلى لعباده، على اختلاف الأحاديث الواردة في ذلك.

    1.   

    بقاء الجنة والنار والقول بفنائهما

    قال رحمه الله: [ في نعيم دائم مقيم، لا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ [الحجر:48] أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوا وَعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ [الرعد:35] ].

    يقول رحمه الله: (في نعيم دائم مقيم)، وذلك أن الله سبحانه وتعالى كتب الخلود على أهل الجنة والخلود على أهل النار، خلافاً لبعض المعتزلة والجهمية الذين يقولون بأن الجنة والنار تفنى؛ وذلك لأنهم يأخذون بجملة من اللوازم، ومن هذه اللوازم أنهم كما يقولون: بوجود حوادث لها بداية، فإنهم يقولون بوجود حوادث لا بد لها من نهاية، وإذا قالوا: بفناء الجنة والنار فإنهم يقولون بفناء المؤمنين والكافرين.

    سبب القول بفناء الجنة والنار والرد عليه

    وهذه من المسائل الكلامية التي يتكلم فيها العلماء في مسألة الحوادث، وأنه لكل حادث محدث، وأن العالم محدَث، وإذا كان محدثاً فإنه ثمة بداية له؛ لأنه لكل حدث بداية، فكان قبله لا شيء، ويتكلمون أيضاً على مسألة تسلسل الحوادث، وأن الحوادث تتسلسل، وأن الحادثة الواحدة لها بداية ونهاية ولكنها تتحول، وهذا ما يسمى بحركات الكون وسكناته، وخلاف أهل السنة والجماعة في ذلك بين الأشاعرة وبين المعتزلة معلوم, وقد تفرع عنه التزام بعض المتكلمين من الأشاعرة في هذا الباب، فأخذوا باللزوم، حينما قالوا: إنه لا يوجد حوادث ليس لها ابتداء، بل لا بد من بداية للحوادث كلها، وقالوا: إذا التزموا بذلك فإنهم لا بد أن يلتزموا بالنهاية، فإنهم لا يقولون لشيء: إنه له بداية محددة ثم يقولون بلا نهاية, فلا بد أن يلتزموا بهذا في الطرفين، فحينئذٍ التزموا بهذا في الدنيا والتزموا بذلك أيضاً في الآخرة، ومنهم من لا يلتزم بهذا، فيلتزم بوجود الحوادث, وأن هذه الحوادث لها أعراض تطرأ عليها، وهذه الأعراض حادثة، وأن هذه الحوادث لها محدث، وأن الإحداث في ذلك له بداية، ولا يوجد حوادث ليس لها ابتداء، فيجعلون ذلك في البداية، ولا يجعلونه في النهاية.

    ولكن نقول: إن الله سبحانه وتعالى قد ذكر في كتابه خلود أهل الجنة والنار في آيات كثيرة، وذكر سبحانه وتعالى بقاء أهل الإيمان في النعيم، وبقاء أهل الكفر في الجحيم، والله سبحانه وتعالى قادر على ذلك, فلا يعلل ذلك بنظريات سببية دنيوية فيما يراه الإنسان من إدراك الحس وتقلبات الزمان التي ينظر إليها بعقله، ثم يريد أن ينزلها على قدرة الله سبحانه وتعالى الكاملة التامة في هذا الأمر.

    وهذا أيضاً من الأصول التي وقع فيها صراع بين الأشاعرة وبين الفلاسفة، فإن الفلاسفة يقولون: إن الحوادث ليس لها ابتداء وليس لها انتهاء، فنظر الأشاعرة في هذا فقالوا: إن العالم محدَث وحادث، وكل حادث لا بد له من محدِث، فأثبتوا هذا الأمر، ثم بعد ذلك رجعوا بنظرياتهم التي ناظروا فيها الفلاسفة والملحدين إلى النصوص الشرعية فارتدوا, ثم قاموا بكثير من قواعد الإحداث ونقضوها وابتدعوا كثيراً من الأقوال، وجرى عليها كثير من متأخريهم فقدموا العقل في ذلك على النقل.

    خلود أهل النار وخروج الموحدين

    قال رحمه الله: [ وأهل الجحد عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ [المطففين:15]، وفي النار يسجرون، لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ [المائدة:80]، و لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ [فاطر:36]، خلا من شاء الله من الموحدين إخراجهم منها ].

    وهنا في قوله: (لا يقضى عليهم فيموتوا، ولا يخفف عنهم من عذابها، كذلك نجزي كل كفور)، نقول: من أمارات ودلائل الخلود والبقاء في الجنة والنار: أن الله سبحانه وتعالى يأتي بالموت على هيئة كبش، ثم يذبح بين الجنة والنار، فيقال لأهل النار: خلود ولا موت، ويقال لأهل الجنة: خلود ولا موت، يعني: أنهم يبقون على ما هم عليه، ويخلدون في هذا، وهل الإتيان بالموت بصورة كبش يكون قبل خروج أهل الإيمان منها أم يكون بعد ذلك؟ الظاهر والله أعلم أنه يكون بعده؛ لأن الخطاب في ذلك يلزم منه الخلود على ما هم عليه، يعني: يؤتى بالموت بعد أن يخرج أهل الإيمان من النار، ثم بعد ذلك يكون الخلود الدائم لأهل الجنة، والخلود الدائم لأهل النار.

    1.   

    طاعة أولي الأمر

    قال رحمه الله: [ والطاعة لأولي الأمر فيما كان عند الله عز وجل مرضياً، واجتناب ما كان عند الله مسخِطاً ].

    أمر الله سبحانه وتعالى في كتابه العظيم بطاعة أولي الأمر في مواضع وجاء ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أيضاً لأنهم تجتمع بهم كلمة المسلمين، وبهم يتآلفون، وبهم تقام الحدود، وبهم تحقن كذلك الدماء، وبهم يجاهد في سبيل الله، وبهم يفصل بين الناس؛ ولهذا أمر الله سبحانه وتعالى بطاعتهم، وقرن الله عز وجل طاعتهم بطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم. وأولي الأمر الذين أمرنا الله عز وجل بطاعتهم هم أهل العلم والسلطة، فهم داخلون في هذا الباب.

    أقوال المفسرين في قوله تعالى: (وأولي الأمر منكم)

    وقد اختلف المفسرون في تفسير قول الله عز وجل: وَأُوْلِي الأَمْرِ [النساء:59]، على قولين:

    جماهير المفسرين: على أن المراد بأولي الأمر: الفقهاء والعلماء، وقد جاء ذلك عن عبد الله بن عباس، ومجاهد بن جبر، وسعيد بن جبير وقتادة، وغيرهم من السلف, وذهب جماعة أيضاً من المفسرين -وهو مروي عن عبد الله بن عباس عليه رضوان الله تعالى أيضاً- على أن المراد بهم: الأمراء والحكام، وسبب الخلاف فيما يظهر أن هذا من الخلاف اللفظي، فهو اختلاف تنوع لا اختلاف تضاد؛ وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم ولي أمر المسلمين وهو أعلمهم بالله سبحانه وتعالى, وكذلك فإن الولاية من بعده في أعلم الناس، من جمع الحكم والأمر والسلطة، وجمع كذلك أيضاً العلم بالله سبحانه وتعالى؛ كـأبي بكر وعمر وعثمان وعلي بن أبي طالب ومن جاء بعدهم كذلك، ولكن لما تقادم الأمر في الأمة بدأ يضعف في هذا الأمر اجتماع السلطة والحكم والعلم في شخص واحد، فانشق الأمر وضعف شيئاً فشيئاً حتى أصبح العلم يكون في أفراد، والسلطة والأمر تكون في أفراد, فنشأت كثير من الإشكاليات في هذا الأمر.

    طاعة من لا يتصف بالعلم من ولاة الأمر

    والنصوص الشرعية إنما توجهت بالطاعة لمن يجتمع فيه العلم الحكم والأمر، وفي حال انفصال ذلك؛ بأن كان صاحب أمر وسلطان وحكم، ولم يكن صاحب علم، نقول: إنه داخل في مجمل الحكم فيما يوافق حكم الله عز وجل فيه، وبقدر موافقته وأمره بطاعة الله عز وجل ولو لم يكن عالماً فيطاع فيما أمر الله عز وجل به، ويخالف فيما يأمر به من معصية الله سبحانه وتعالى، ولهذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( إنما الطاعة بالمعروف )، يعني: لا يطاع فيما يأمر به من مخالفة أمر الله سبحانه وتعالى، وهذا من جهة عمل الأفراد، مما يؤمر به الناس.

    وأما بالنسبة للخروج عليه، فيأتي كلام المصنف رحمة الله تعالى عليه، وطاعة الأمير فيما يأمر الله عز وجل به من طاعة الله سبحانه وتعالى، ولهذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم كما جاء في الصحيح قال: ( من أطاع أميري فقد أطاعني، ومن أطاعني فقد أطاع الله )، وذلك لأنه يكون به مصلحة الأمة واجتماع الأمر، وكذلك أيضاً الحكم والقضاء، فعقيدة السلف الصالح وأهل السنة في ذلك أن السمع والطاعة لأولي الأمر في منشطهم ومكرههم ما قاموا في ذلك بكتاب الله سبحانه وتعالى، ولو كان في ذواتهم شيء من التقصير، من الفسق أو عدم المروءة ما لم يكن في ذلك كفر بواح، فيصلى خلفهم، ويغزى كذلك معهم, ولو كانوا فساقاً، ويحرم الخروج عليهم ما لم يكفروا كفراً بواحاً.

    وأما إذا كان الحاكم ليس بعالم، فإنه يطاع ويسمع له فيما يوافق أمر الله سبحانه وتعالى، ويعصى فيما يخالف أمر الله سبحانه وتعالى، وما أمر به مما لم يرد فيه دليل لا في إباحة ولا في حظر، لا في أمر ولا في نهي فإنه يطاع في ذلك وجوباً؛ ليستقيم أمر الناس فيه، لأنه لم يأمر بمعصية، ولا يجوز للإنسان أن يبقى وليس في عنقه بيعة لإمام من أئمة المسلمين ما وجد في ذلك إماماً مسلماً، وجاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم تأكيد ذلك وبيانه في أحاديث كثيرة، ويأتي الإشارة إلى شيء منه.

    المقصود بأولي الأمر في الشريعة

    قال رحمه الله: [ وترك الخروج عند تعديهم وجورهم, والتوبة إلى الله عز وجل كيما يعطف بهم على رعيتهم ].

    وهنا ذكر المصنف رحمه الله جملة من المعاني, قال: (وترك الخروج عند تعديهم وجورهم)، وهذا الخطاب إنما يتوجه هنا إلى أولي الأمر، والأصل في الشريعة أنه إذا أطلق الله عز وجل أولي الأمر فإنه يريد بذلك الحاكم المسلم، فيتوجه إليه الخطاب من جهة الطاعة ومن جهة البيعة، ومن جهة تحريم الخروج عليه، وذلك أن الأصل في أولي الأمر في كلام الله سبحانه وتعالى أنها شاملة للعالم العارف بالله القائم بأمره, بل ما هو أعظم من ذلك الذي لو نظر في كلام الله عز وجل لعرف ما يصلح شأن الأمة منه، ولهذا الله سبحانه وتعالى يقول: لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ [النساء:83]، ولا يستنبط من ذلك إلا عالم، وكذلك أيضاً في قوله جل وعلا: وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ [النساء:59]، يعني: من المصلين، كما جاء تفسير ذلك عن بعض التابعين.

    الإنكار على الحاكم ومناصحته وعلاقة ذلك بالخروج عليه

    قال رحمه الله: (وترك الخروج عند تعديهم وجورهم)، الخروج على الحاكم المسلم الفاسق لا يجوز، وعدم جواز الخروج عليه لا يعني عدم إنكار ما وقع فيه من خطأ وخلل بالنصيحة التي أوجب الله سبحانه وتعالى أن تؤدى له؛ كما جاء في الصحيح من حديث تميم الداري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( الدين النصيحة، قلنا: لمن يا رسول الله؟ قال: لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم )، فينصح ويوجه ويرشد ويدل إلى الخير، وتقام عليه الحجة، ويستصلح بالسياسة الشرعية بما يستصلح به قدر الوسع في ذلك والإمكان، ويحرم الخروج عليه، وإذا وقع في شيء من المكفرات فلا يكون حينئذٍ له بيعة، ولا يكون ولي أمر، ويسمع له ويطاع فيما يتعلق بمصالح الناس، كالأوامر العامة والنظام العام في أمور المباني، والسير، والطرقات، وكذلك أيضاً أمور الأموال، والبيع، والشراء، وغيره مما لا يخالف أمر الله سبحانه وتعالى؛ لأن هذا يصلح أمر الناس ويثبت به أمرهم.

    حالات الخروج على أولي الأمر

    وأما بالنسبة للخروج عليه فعلى حالين:

    الحالة الأولى: إذا قدر الناس على إزالته لكن يترتب على ذلك مفسدة عظمى تستأصل به شوكتهم، وتفسد به حياتهم ويفنيهم، فحينئذٍ يقال: بالتحريم.

    الحالة الثانية: إذا قدروا على إزالته، ومفسدة إزالته لا تساوي المفسدة التي تطرأ عليهم من تبعة ذلك, حينئذٍ يقال: بجواز ذلك, وتختلف مرتبة الجواز في هذا من المشروعية والتأكيد والوجوب، بحسب المفاسد العارضة في هذا، ولهذا المسلمون الذين يعيشون تحت ولايات كافرة ينظر في ذلك إلى قدرتهم، ولكن لا تكون منهم بيعة، وأحوال المسلمين في ذلك تتباين، فمنهم: من يعيش تحت حاكم نصراني، ومنهم من يعيش تحت حاكم بوذي، ومنهم من يعيش تحت حاكم يظهر الإسلام وهو كافر، والناس يتباينون في هذا، فليس لكل أحد يحكمه كافر أن يقال له بجواز الخروج عليه؛ لعظم المفاسد، وذلك لقلة المسلمين ووفرة المشركين وقوة شوكتهم، فتجد مثلاً في بعض الدول الأوروبية أو غيرها توجد أقليات ممن أسلموا فيها، أعدادهم مئات الآلاف أو نحو ذلك، وربما في بلد تجد أعدادهم بالملايين ونحو ذلك، مثل هؤلاء يلتزمون بالنظام العام الذي تصلح به حياة الناس، وأما خروجهم في سواد عظيم من الكفر وعدد قليل من أهل الإيمان، فستستأصل شوكتهم ولا يبقى منهم حينئذٍ شيء، ولهذا نقول: إنهم لا يلتزمون ببيعة، ولا يقرون بولاية، وإنما يلتزمون بالنظام العام الذي تصلح به حياة الناس، من نظام الشُّرط، ونظام الأموال، والبلديات، والمصالح العامة التي يثبت بها أمر الناس وتصلح بها معيشتهم.

    يقول رحمه لله: (وترك الخروج عند تعديهم وجورهم)، وهنا أشار إلى معنى الخروج، ونفي الخروج لا يلزم منه نفي النصح والتوجيه والإرشاد إليهم؛ كما كان الصحابة عليهم رضوان الله تعالى يوجهون وينصحون ويرشدون الخلفاء رحمة بهم ورحمة بالأمة بلا هوى أو تربص أو فتنة.

    علاقة التوبة إلى الله بصلاح الحاكم

    ويقول: (والتوبة إلى الله عز وجل)، يعني: أن يتوب الناس مما يفعلون؛ وذلك أن جنس ما يكون في الحكام والسلاطين موجود في جنس الشعوب، فيتداعون إلى الإصلاح فيما بينهم، فلا ينشغلون بإصلاح مفسدة الحاكم عن مفسدتهم، بل يصلحون هذا وهذا بعلم وحكمة بما يعيد الأمور إلى نصابها.

    يقول: (والتوبة إلى الله عز وجل كيما يعطف بهم على رعيتهم)، يعني: ما يصلح به شأنهم، ويعودون به إلى الحق، ويتجرد حينئذٍ من المعاصي والسيئات.

    صور الإنكار على العصاة من أولي الأمر

    والإنكار على الخلفاء والأمراء فيما يقعون فيه من منكرات وشر على صورتين:

    الأول: منكر يقع فيه الحاكم لازم في نفسه، كالمنكرات التي تتعلق بالمحرمات والتي تكون خاصة بالحاكم، مما يفعله في ذاته، أو يفعله مثلاً مع بطانته، أو نحو ذلك، فهذا من المنكرات الخاصة، التي لا يجوز إذاعتها ما أسر بها، فيُنصح فيما بينه وبينه؛ لأنه من المسلمين، ففضيحته في ذلك محرمة؛ لأنه يسر بذلك المنكر فهو منكر مغفول عنه ولم يجاهر به.

    الثاني: منكر يفعله عاماً، يقتدي الناس به، وليس منكراً قائماً في ذاته، بل هو متعدّ إلى غيره؛ وذلك كالمجاهرة بتحليل شيء محرم، أو التساهل في أمر عظيم من أوامر الله سبحانه وتعالى والتفريط به، فإن تأثر العامة بالكبراء ظاهر، فهم يتأثرون ويقتدون بكبرائهم ووجهائهم، سواء كانوا علماء، أو كانوا أمراء، أو كانوا أصحاب أموال وجاه وسيادة؛ لأن الأدنى يحاكي الأعلى، وهذا استصلاحه في ذلك على حالين:

    إذا علم المصلح أنه إن أصلحه فيما بينه وبينه استجاب له وأزال، فينبغي له أن ينكره وأن يصلحه فيما بينه وبينه، وإذا غلب على ظنه أنه إن قام بينه وبينه بشيء من الإصلاح ما قام بإصلاح هذا الأمر العام، فإنه يجب على العالم أن يبين الأمر للناس؛ لأن النصيحة هنا نصيحتان: نصيحة لله ولكتابه ولرسوله، ونصيحة أخرى هي لأئمة المسلمين، فحينئذ النصيحة التي يتوجه بها إلى الناس هي لحفظ دينهم مما يطرأ عليهم من محرمات، فإذا كانت المنكرات العامة التي تظهر في الناس ويبديها الكبراء والوجهاء ولا تبين للناس، فإن هذا مما يدفعهم إلى ارتكاب الشر ومحاكاته حتى ينتشر فيهم، ولهذا نقول: يجب إنكار ذلك الأمر علانية؛ لأن حفظ دين الناس أولى من حفظ مقام الأفراد من الكبراء وغير ذلك.

    الوسطية في التعامل مع أخطاء الحكام

    وينبغي أن يعلم أن الناس في ذلك بين طرفي نقيض, وقلَّ منهم الوسط في هذا. فمن الناس من يشيع مثالب الحكام الخاصة, التي يستأثرون بها من أفعال خاصة أو لا يفعلونها إلا في دائرة ضيقة، أو عند أفراد معلومين، أو نحو ذلك، ويشيعون أمثال هذه الأمور في الناس، وهذا من الأمور المحرمة، وطوائف أخرى لا يرون الإنكار حتى في الأمور العامة التي يفسد بها الحكام دين الناس مع الوقت، مما يجاهر بها من الأمور المحرمة؛ من تحليل المحرمات والتساهل بها علانية أمام الناس، والعدل في ذلك أن الإنسان يسوس أمور الحكام بسياسة الكتاب والسنة، لا يسوسها بالتشهي أو غير ذلك، فإن من الناس من يحجم عن إصلاح أمر الناس مداراة للحاكم، ولمشاعره ونفسه، ومن الناس من يشبع غريزته وغريزة العامة بتتبع أمر الحاكم وأخباره، وإخراج دقائق أفعاله وأقواله، وهذا من الشر.

    ولهذا يذكر غير واحد أن العامة يبتلون بالحديث عن الحكام فيما يستحق وما لا يستحق، قال الجاحظ في كتابه الرسائل: وفاكهة العامة الحديث في الأمراء والملوك، يعني: في كل بلد أحاديثهم في مجالسهم في مثل هذا الأمر، فالعالم المصلح لا ينظر إلى شهوة الناس في تتبع الأخبار والأحوال والأقوال والأفعال والأسرار وغير ذلك، وإنما يتوجه إلى إصلاح دين الله عز وجل، فينظر أين يضع الحق؟ وما هو الذي يصلح أمر الناس؟ فإذا رأى أنه إذا أصلح أمراً بينه وبين الحاكم أزاله وأصلحه في الناس تعين عليه ذلك، وإذا رأى أنه إذا أصلحه فيما بينه وبينه لم يقم بإصلاح ذلك الأمر وجب عليه أن يحمي دين الناس من الوقوع في الخطأ، من محاكاة الكبراء، أو الوجهاء، أو الأمراء؛ حتى يحمي دين الله سبحانه وتعالى من مثل هذا، ولكن بحكمة وعقل, بلا تشفّ ومكيدة، وإنما يريد من ذلك حماية دين الله سبحانه وتعالى من الإفساد فيه.

    لهذا نقول: إن السياسة الشرعية في هذا ينظر فيها الإنسان بتجرد وصدق وإخلاص ومراقبة لله سبحانه وتعالى, رحمة بالراعي وشفقة عليه، ورحمة أيضاً بالأمة والناس من أن ينتشر فيهم الشر، فيعم في ذلك البلاء، والأمة مرحومة ما وجد فيها المصلحون الصادقون الذين يقومون بأمر الله سبحانه وتعالى بصدق وإخلاص.

    والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

    مكتبتك الصوتية

    عدد مرات الاستماع

    2741330515

    عدد مرات الحفظ

    684626547