إسلام ويب

شرح حديث جبريل في الإسلام والإيمان [1]للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من الخصائص والصفات التي أوتيها النبي صلى الله عليه وسلم جوامع الكلم وهي الألفاظ اليسيرة الجامعة للمعاني الكثيرة، ومن الأحاديث الجامعة لمباني الدين وقواعده؛ حديث جبريل عندما جاء يسأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الدين، لا سيما مسألة القدر لأن الكلام في القدر من أوائل البدع التي ظهرت وذلك أيام ابن عمر رضي الله عنهما، فحدث ابن عمر بحديث جبريل، والقدر سر الله في خلقه وعلى العبد أن يسلم له ولا يخوض في ذلك بغير علم فيضل. وفي حديث جبريل أدب الطالب مع العالم، من التواضع، والسؤال للتعلم وغيرها من الآداب.

    1.   

    جوامع الكلم

    الحمد لله رب العالمين, وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد, وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين, أما بعد:

    فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد بعثه الله عز وجل بجملة من الخصائص والصفات, ومن هذه الخصائص والصفات ومن أجلها وأنفسها أن الله عز وجل بعثه بجوامع الكلم, وجوامع الكلم هي الألفاظ اليسيرة الجامعة للمعاني الكثيرة, وقد جعل الله سبحانه وتعالى لكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم الخصائص التي لا تكون لغيره, وذلك لحاجة الأمة إلى الألفاظ اليسيرة المتضمنة للمعاني الكثيرة التي تحتاج إليها في عاجل أمرها وآجله, وتحتاج إليها في دينها ودنياها.

    ونحن بإذن الله عز وجل في ساعات متتالية نتكلم على شيء من هذه الأحاديث التي جاءت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي من جوامع الكلم, جمعت أصول الإسلام وشيئاً مهماً من أركانه وفروعه, وذلك لحاجة المسلم إليه, ولهذا كان من الواجب والمهم على المتعلم إذا أراد أن يفهم الدين وأن يفهم أحكام الشريعة أن يتبصر بحقائق هذه المعاني وهذه الأحاديث التي تسمى بجوامع كلمه عليه الصلاة والسلام.

    وقد صنف العلماء عليهم رحمة الله في ذلك مصنفات عديدة للأحاديث الواردة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم التي تتضمن معاني كثيرة وألفاظها قليلة, ونحن وإياكم نحفظ أحاديث كثيرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مختصرة ويسيرة, ونجد أن معانيها عظيمة جليلة القدر, ويستخرج منها الإنسان معاني كثيرة فيما يتعلق بأمر دينه وما يتعلق بأمر دنياه.

    1.   

    أهمية حديث جبريل

    حديث جبريل الطويل حديث جليل القدر, وهو أيضاً من الأحاديث التي أولاها السالفون من الصحابة والتابعين ومن جاء بعدهم عناية بالغة بمعرفة معانيها, وكذلك أيضاً ما اختصت الروايات في هذا الحديث به من معان وأحكام, وكذلك أيضاً فإن مناسبة الحديث وحديث جبريل الطويل في الأسئلة التي سأل جبريل رسول الله صلى الله عليه وسلم إياها ليعلم الناس الجواب.

    ويدل على أهمية هذا الحديث أن الله سبحانه وتعالى أرسل جبريل من السماء إلى رسولنا عليه الصلاة والسلام ليسأل جبريل هذه الأسئلة, وليعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم الحاضرين, وكذلك أيضاً فإن النبي عليه الصلاة والسلام قادر على أن يعلم الصحابة بلا سؤال سائل, والله جل وعلا أيضاً قادر أن يأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبلغ صحابته بمعاني تلك المسائل من غير أن يفعل جبريل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ويسأله تلك الأسئلة ليجيب تلك الأجوبة التي بقيت محفوظة لنا إلى اليوم.

    حديث جبريل الطويل في الأسئلة التي وجهها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بها عماد الدين, ومستمسك وهي المعتصم وهي النجاة, هي أصل الدين وفرعه, وهي أسه وكله, من استمسك بالمعاني الواردة في هذا الحديث نجا, ومن ضل عن المعاني الواردة في هذا الحديث ضل وغوى وأصبح أمره إلى هلاك وزيغ وتيه وظلمات.

    ولهذا إن المؤمن الذي يتبصر بالمعاني الواردة في هذا الحديث على اتباع وهدى لطريق محمد صلى الله عليه وسلم, وذلك لأن هذا الحديث على ما تقدم من جماع وجوامع كلم رسول الله صلى الله عليه وسلم, ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام كما جاء في الصحيح: ( إنما بعثت بجوامع الكلم )، يعني: أعبر بألفاظ قليلة ما يتضمن معاني كثيرة تصلح بها دنيا الناس, ويصلح بها دينهم.

    وكما تقدم فإننا في هذا المجلس أو في هذه الساعات نتكلم على حديث جبريل الطويل في إتيانه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وسؤاله وجلوسه بين يديه, وهذه الأسئلة وأهميتها والجواب الذي جاء من رسول الله صلى الله عليه وسلم, وترتيب السؤال, وصفته, وكذلك الجواب وترتيبه ونوعه والحاضرين والحاجة إليه, وأنواع المسائل والأجوبة التي جاوب بها رسول الله صلى الله عليه وسلم جبريل، ولماذا سأل جبريل رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الأسئلة على سبيل التخصيص وترك غيرها مما هي من الدين, أو ترك غيرها ربما تكون من صالح دنيا الناس, ولم يسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عنها.

    ولهذا ستكون طريقتنا في تعليق على هذا الحديث هي القراءة لهذا الحديث, والأجزاء الواردة في ذلك من حكاية تلك القصة إتيان جبريل وسؤاله وإجابة النبي عليه الصلاة والسلام نتوقف عند كل كلمة في هذا الحديث ونتكلم عليها بإذن الله عز وجل بما يأتي الشرح من كلام الله وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم والسالفين وما في ذلك من العبر والبراهين والأدلة والعظات التي يستدل منها الإنسان في دينه ودنياه.

    1.   

    سبب إيراد حديث جبريل

    الملقي: الحمد لله رب العالمين, وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

    اللهم إنا نسألك أن تفقهنا في الدين, وأن تعلمنا التأويل, وأن تعلمنا ما ينفعنا, وأن تفعنا بما علمتنا, وأن تزيدنا علماً ينفعنا يا رب العالمين. أما بعد:

    فقد قال الإمام مسلم بن الحجاج المتوفى سنة إحدى وستين ومائتين: [ حدثني أبو خيثمة زهير بن حرب قال: حدثنا وكيع عن كهمس عن عبد الله بن بريدة عن يحيى بن يعمر ح وحدثنا عبيد الله بن معاذ العنبري وهذا حديثه قال: حدثنا أبي, قال: حدثنا كهمس عن ابن بريدة عن يحيى بن يعمر قال: كان أول من قال في القدر بالبصرة معبد الجهني].

    الشيخ: ذكرا السبب في هذا الحديث وإيراده, وكيف تلقى هذا الحديث, ولهذا يقول: كان أول من قال بالقدر بالبصرة معبد الجهني.

    فالقول بالقدر ونفيه وأن الأمر أنف وأن الله عز وجل لم يقدر مقادير الخلائق ولا يعلمها سبحانه وتعالى قبل ذلك, هذه البدعة أول ما ظهرت في الإسلام في البصرة وأظهرها معبد الجهني.

    ومعبد الجهني لما أظهر هذه البدعة في الناس في ظاهر أمره أنه أراد تنزيهاً لله سبحانه وتعالى, وهذا من مواضع الخطأ والزلل في حال عدم إدراك الإنسان لمسألة من مسائل الدين أو لفرع من فروعه, أو لعلة وحكمة من أحكامه أن يقوم الإنسان إلى الأصل بالنقض, وهذا من الخطأ, ولهذا الله سبحانه وتعالى يشرع الشرائع ويبين مسائل الدين ويكل الأمر إليه سبحانه وتعالى.

    وكذلك أيضاً فإن الله عز وجل يصف الناس بقلة العلم, ويصف نفسه بكماله, ولهذا كثيراً ما يأمر الله عز وجل عباده بأوامر أو ينهاهم عن أوامر, ثم يقول الله عز وجل بعد ذلك: وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [البقرة:216]، وذلك أن الإنسان يدرك ظاهراً من المعاني ولا يدرك باطنها, كذلك أيضاً فيما يتعلق في جهة الإنسان من تكوينه وتركيبه وخلق الله عز وجل له لا يدرك الإنسان نفسه, فكيف يدرك غيره؟ ولهذا الله عز وجل يرجع الإنسان إلى نفسه في قوله: وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ [الذاريات:21] .

    يعني: أنك تجهل نفسك وبحاجة إلى الرجوع إلى ذلك تبحث عن جديد فيها فأنت من جديد في غيرها من باب أولى من جهة الجهالة, ولهذا الله سبحانه وتعالى يأمر الإنسان بأن يبحث عن مكامن الجهل في ذاته وقصوره حتى يعلم أن ما يخفى عليه هو أعظم من ذلك؛ ولهذا منذ أن أوجد الله عز وجل البشرية في هذه الأرض, وهي في كل دقيقة تكتشف جديداً.

    وهذا دليل على أن الذي يخفى على الإنسان لا ينتهي, وأن جهل الإنسان لا حد له, ولكنه يعلم مقدار مساحة العلم ويجهل مساحة الجهل, فيعيش في شيء يسير عنده ويظن أن هذا هو هذا الكون أو هذا العلم كحال الإنسان الذي يسير في ظلمة من الظلمات وفي حوله نور, وهذا النور يحيط به من جهاته بأمتار معدودة يظن أن هذا هو الكون وما عداه من ظلمة لا يراه ولا يعد شيئاً, ويبصر هذه النور التي هو فيها, لكنه يجهل ما عداها.

    الذين أظهروا القدر ونفوا علم الله عز وجل أو نفوا تقدير الله سبحانه وتعالى على الخلائق أفعالهم وأقوالهم وآجالهم, وعلى سائر المخلوقات من خلقها وتدبيرها وأحوالهم وتغلبها, وتحولها من حال إلى حال, نفيهم لذلك أنهم أرادوا أن يجعلوا أن الله سبحانه وتعالى عدل كيف يقدر الله على خلقه شيئاً ثم يعاتبهم ويعاقبهم عليه؟

    1.   

    القدر من المسائل الدقيقة

    ومسألة القدر هي من المسائل الدقيقة التي ربما لا يدركها الإنسان, فوجب عليه التسليم, وذلك أن الإنسان في معاني الأحكام وعلل الغيب يدرك شيئاً منها وتخفى عنه أشياء كثيرة, ومن هذه الأشياء مسألة القدر, وذلك أن في الإنسان شغف من جهة العلم والمعرفة, يحب أن يعلم كل شيء, وأن يبحث عنه, والله عز وجل جعل فيه عجزاً مركباً, وذلك أن الإنسان لا يستطيع أن يستوعب كل شيء بحواسه, وحواس الإنسان الخمسة وسادسه النفس والمعنى القائم في النفس, سمع وبصر وشم ولون وإحساس, والمعنى القائم في النفس كل شيء من هذه الحواس لها حد محدود.

    ولهذا الإنسان إذا أراد أن ينظر ببصره لا يرى كل شيء, يرى أشياء معينة ظاهرة ما عداها, ولبصره أمد, سمعه لا يسمع كل شيء, ولسمعه أمد, وإذا لم يسمع ولم ير ليس له أن ينفي وجود الأصوات أو وجود الذوات لأنه لم يرها أو لم يسمعها, إحساسه وذوقه وعدم وجود طعم لشيء في فمه لا يعني أنه ليس له طعم, ولكن ليس لديه قدرة على معرفة طعمه, كذلك أيضاً من جهة شمه لا يعني عدم وجود الروائح لأنك لا تدركها.

    ولهذا الله سبحانه وتعالى جعل إدراك الإنسان قاصراً, كذلك أيضاً من جهة فهم المعاني جعل الله سبحانه وتعالى عقل الإنسان لا يدرك كل شيء, ولهذا أوجب الله عز وجل على الإنسان أن يؤمن بما أمره الله سبحانه وتعالى به ونهاه عنه, وأخبره الله عز وجل به وأوجب الله سبحانه وتعالى على الإنسان أن يسلم تسليماً ولو وجد في قلبه شيئاً من عدم التصديق من الريبة أو التناقض أو التضاد الذاتي.

    ولهذا الله عز وجل يقول في كتابه العظيم: فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [النساء:65] . يعني: لا بد من التسليم والانقياد, إذا أردت أن تحكم أوامر الله على مطابقتها لما تريد فأنت يجب أن تعلم كعلم الله سبحانه وتعالى, وإذا كنت تعلم كعلم الله عز وجل فلا شأن لك بأمر الله أن تدبر نفسك بنفسك فلا ثمة فرق بين خالق ومخلوق.

    ولهذا الله سبحانه وتعالى يأمر الإنسان بأوامر ويأمره جل وعلا بالتسليم والانقياد له, ومن هذه المسائل التي لا يدركها عقل الإنسان مسألة القدر, تقدير الله عز وجل للخلائق, جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام كما في الصحيح: ( أن الله عز وجل كتب مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف عام )، هذه المقادير قدر الله عز وجل بها أمور الخلائق أحوالها آجالهم، الشقاوة والسعادة من جهة أماكنهم وذرياتهم وأزواجهم وغير ذلك مما يتعلق بهم في هذه الدنيا.

    ولازم قدر الله عز وجل العلم, أن الله عز وجل له الكمال الفعلي, يعلم الله عز وجل ما كان, ويعلم ما يكون, ويعلم ما سيكون, ويعلم ما لم يكن لو كان كيف يكون, يعني: حتى ما يتعلق بما لم يقع مما يمر على الناس لو أنه كان للنهي آثار ولوازمه الله سبحانه وتعالى يعلم ذلك.

    1.   

    مصادمة العقل للنقل أصل الابتداع

    ولهذا مسألة القدر لما ظهرت وصادمت العقل للنص تولدت البدع, ومن هذه البدع بدعة القدر, ونفي التقدير أن الله لم يقدر, ويلزم من ذلك أن الله لا يعلم شيء, وعلى هذا أن الإنسان إذا فعل شيئاً من الأفعال أن الله لا يعلمها إلا حال حدوثها, وعلمه مصاحب لعلم الإنسان, تعالى الله عز وجل عن ذلك علواً كبيراً؛ ولهذا نقول: إن الله سبحانه وتعالى قدر مقادير الخلائق, وبين الله سبحانه وتعالى أنواع تفضيله جل وعلا, وكذا سعة علمه سبحانه وتعالى فيما يتعلق بكونه جل وعلا, والواجب على الإنسان التسليم.

    العقل ومصارعته للنقل هي أصل الابتداع والإحداث والضلال في هذه الأرض وعند البشر, الله سبحانه وتعالى جعل عقل الإنسان كبصره, الإنسان إذا أراد أن يسير في الأرض لديه بصر ولديه قوة, لا يتبع هذا بهذا, لا يتبع هذا حتى يوجد هذا, وإذا وجد هذا ولم يوجد ذاك لم يتم الاتباع, الإنسان إذا كان أعمى لو كان في الظهيرة لم يتبع في بصره, وكذلك الإنسان إذا كان مبصراً في ظلام دامس, ولا يوجد قبس من نور لا من شمس ولا من قمر ولا من نجوم فإنه لا يرى موضعه ولا يستفيد كذلك من بصره.

    الله عز وجل أوجد عقل الإنسان, وأوجد له الوحي, وعقل الإنسان لو كان مجنوناً ونزل عليه الوحي وأعطي الكتاب ما استفاد منه لماذا؟ لأنه مجنون, كذلك أيضاً فإن الإنسان إذا كان معه عقل وبصيرة ولكن ليس لديه كتاب, هل يصل إلى الله؟ لا يصل إلى الله, هل يدمر دنياه؟ يدمر دنياه كما تدمر البهيمة دنياها, تأكل وتشرب وتسير وتذهب ولكنها لا تهتدي إلى الله؛ لأنه لا يهتدى لله عز وجل إلا به.

    ولهذا الله سبحانه وتعالى حينما خلق الخليقة, وأوجدهم في هذه الأرض أوجد فيهم فطرة تدلهم على الخالق, ولكن ما أوجد الله عز وجل فيهم علماً يدلهم على صفاته سبحانه وتعالى تامة كما هي في الوحي المنزل, ولكنهم يرون آياته ثم يفهمون بعض صفات الله سبحانه وتعالى به.

    ولهذا تجدون في الكون بأنواع الخلق والبشر يؤمنون بوجود خالق, شيء أقوى منه, لكن ما كنه هذا الشيء لا يستطيعون معرفته إلا بأن يعرف الله عز وجل بنفسه, إذاً: فهم في تيه وضلال, ولهذا يتخبطون, هذا يعبد الحجر, وهذا يعبد كوكب, وهذا يتوقع أنها في بهيمة وحيوان, وهذا يتوقع أنها في جن وغول, وهذا يتوقع أن هذا في حجر أو في شجر أو غير ذلك, يتخبطون في هذه الأرض.

    لهذا الله سبحانه وتعالى عرف الناس بنفسه سبحانه وتعالى في كتابه, وفي وحيه المنزل الذي ينزله الله عز وجل على أنبيائه تباعاً, كلما ضلوا وابتعدوا عن الله بعث الله عز وجل نبياً من أنبيائه, ولهذا يقول الله جل وعلا, كما جاء في الحديث القدسي: ( خلقت عبادي حنفاء فاجتالتهم الشياطين )، يعني: انحرفوا.

    ولهذا نقول: إذا ضعف الوحي كحال النور الذي يضعف في سير الإنسان يبقى لديه أنه رأى طريقه ولو لم يكون لديه نور فهو يبني على الشيء السابق لديه, ثم إذا وصل إليه واستحكمت الظلمة لم ير ما بعده وحينئذ يتيه في الأرض, ولهذا الله سبحانه وتعالى ينزل الوحي ويديمه حتى لا يبق الناس في جاهلية؛ ولهذا وجب على العقل أن ينقاد للنقل لا يتواجه هو وإياه.

    ولهذا نقول: إن هذا العقل إذا أراد أن يجعل مقامه مع العقل في حال المواجهة كحال البصر الذي يواجه النور لا يستفيد منه, الله عز وجل أمر الإنسان أن يسير خلف النور لا أن يواجهه, إذا سار خلفه اهتدى وإذا أراد أن يواجهه تواجها وحينئذ لا يستطيع أن يرى لقوة النور, كذلك أيضاً العقل مع النقل وجب عليه أن يسير خلفه لا أن يواجهه, إذا واجهه لا يدرك كثيراً من علله وأحكامه؛ لماذا؟ لأن الله سبحانه وتعالى يشرع أشياء لا يدرك الإنسان حقيقتها لضعفه وجهله وتباين الناس في إدراك حكم الله سبحانه وتعالى, وذلك لضعف خبرتهم وقلة أعمالهم, وكذلك أيضاً تنوع أحوال الناس وأماكنهم, وشهوات الإنسان والهوى عداواته الموجودة في نفسه.

    1.   

    منشأ بدعة القدر

    ضربت بدعة القدر ومنشأها نظر عقلي, فنفوا أن الله عز وجل قدر مقادير الخلائق, وألجموا بشيء آخر في هذا أنكم إذا نفيتم القدر قدر الله سبحانه وتعالى فوجب عليكم أن تنفوا علم الله, أي: أن الله عز وجل إذا لم يقدر فيعني من ذلك أن الله لا يعلم شيء, فمنهم من التزم بهذا القدر وقال: إن الله عز وجل لا يعلم شيئاً, تعالى الله عز وجل عن ذلك علواً كبيراً.

    ومنهم من قال: إنه يعلم ولكنه لم يقدر فوقعوا في شيء من التناقض, فلا يعلم الأجزاء بدقائقها وتفاصيلها وجزئياتها إلا من قدرها, ولا يعلم تقديرها بتفاصيلها وجزئياتها إلا من يعلمها سبحانه وتعالى, فهو عالم بها جل وعلا سبحانه وتعالى, ولهذا نقول: إن هذا الحديث في أصل رواية عبد الله بن عمر عليه رضوان الله تعالى أنه جاء لما حدثت هذه البدعة في البصرة, بدعة القدر ذهبوا إلى عبد الله بن عمر ليسألوه عن هذه البدعة التي ظهرت ما الحكم فيها, وما الرأي فيها؟ ويأتي الكلام عليه بإذن الله.

    1.   

    أهمية الرجوع للعلماء عند الفتن

    الملقي: قال رحمه الله تعالى: [فانطلقت أنا وحميد بن عبد الرحمن الحميري حاجين أو معتمرين فقلنا: لو لقلينا أحداً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنهم, فسألناه عما يقول هؤلاء في القدر, فوفق لنا عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما داخلاً المسجد فاكتنفته أنا وصاحبي ].

    الشيخ: هذا فيه أنه ينبغي في حال الجهل وورود الفتن أن يلجأ الناس إلى العلماء, فهؤلاء انتقلوا من البصرة ليذهبوا إلى من؟ أن يبحثوا عن أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيسألوه عن هذه الحال بالأبجدية, والفتنة التي نزلت في بلدهم, فأرادوا أحداً من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام لأنهم أقرب الناس عهداً برسول الله صلى الله عليه وسلم, وهم وصية رسول الله أن يتبعوا, وأن يقتدى بقولهم بعده عليه الصلاة والسلام.

    ولهذا نقول: أقرب الناس فهماً لكلام رسول الله وإدراكاً لوحي الله عز وجل هم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم, وذلك أنهم خالطوهم وعاشروهم وجالسوهم سمعوا قوله وقارنوا قوله بفعله, أما نحن فتأتينا الأقوال والحكايات مجتزئة عن سياقاتها, وكذلك أيضاً غير مقترنة بالحال التي نقلت منه, قول لا ندري هل قاله النبي صلى الله عليه وسلم على المنبر؟ هل قاله جالساً, أم قاله ماشياً؟ هل قاله وخالفه بفعله؟ فهم يدركون مراد رسول الله صلى الله عليه وسلم, فهم خالطوا وعرفوا مراده, وكذلك أيضاً يقيسون رأيه فيما يقوله مرة ويقوله مرة أخرى, وهل قاله عليه الصلاة والسلام وتعابير وجهه فيها التشديد والإلزام والقوة؟ وهل قالها بصوت مرتفع أو منخفض بحيث يعرفون في ذلك العزم, والتشديد في مثل هذا الأمر أو لم يأخذوا به؟ فكانوا هم المستمسك بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم, وأعلاهم في ذلك منزلة هم الخلفاء الراشدون, لهذا النبي عليه الصلاة والسلام يقول كما في المسند والسنن من حديث العرباض بن سارية: ( عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي, تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ ) .

    لهذا إذا نزلت بمؤمن نازلة أو حدثت فتنة؛ عليه أن يسأل أهل العلم, وأن يتتبع أقوالهم, وإذا نزلت به فتنة أن يبحث عمن يجيبه من أهل العلم ممن يرجى منه ذلك ولو كان في بلد بعيد, وهؤلاء ارتحلوا من البصرة إلى الحجاز ليسألوا عن هذه البدعة خشية أن تفسد على الناس دينهم ودنياهم.

    الملقي: قال رحمه الله: [ فاكتنفته أنا وصاحبي أحدنا عن يمينه والآخر عن شماله, فظننت أن صاحبي سيكل الكلام إلي].

    الشيخ: في هذا أنه يستحسن أن ينادى الإنسان بكنيته يا أبا فلان أو نحو ذلك بعيداً عن اسمه المجرد, ولهذا نادوا من باب الإجلال والاحترام والتوقير ابن عمر عليه رضوان الله في قولهم: يا أبا عبد الرحمن، وهذا من الأمور المستحسنة, وهو من الإكرام والإحسان.

    الملقي: [ فقلت: أبا عبد الرحمن! إنه قد ظهر قبلنا ناس يقرءون القرآن ويتقفرون العلم, وذكر من شأنهم, وأنهم يزعمون أن لا قدر وأن الأمر أنف ].

    الشيخ: وهذا فيه تمرير إلى جملة من المعاني, وهو أنه ذكر أن أقواماً من قبلنا يقرءون القرآن ويتقفرون العلم, يعني: يتتبعونه في كل مكان, وأن تتبع الإنسان في العلم وأخذه للمسائل وتتبعه للقرآن وغير ذلك لا يعني أنه لا يزل ولا يقع في البدعة والضلال.

    وكذلك أيضاً ينبغي أن يفرق بين من يقوم الحروف وبين من يقوم الحدود, والأمة إنما تضل إذا جهلت في دين الله سبحانه وتعالى, ولهذا وجب على المؤمن أن يعلم أن الله جل وعلا حينما أمرنا بالاعتصام والاستمساك بكتابه لأنه هو النجاة, وحينما أمرنا بالاستمساك بسنة النبي عليه الصلاة والسلام لأنها هي الهدى والبصيرة التي ترشدنا إلى مرضاة الله سبحانه وتعالى, ولهذا حينما ذكر قال: إن أقواماً قبلنا يقرءون القرآن ويتقفرون العلم, أشار إلى شيء من صفاتهم حتى لا يبخسهم حقهم من جهة ما يسعون إليه من طلب حقهم في ظاهر أمرهم.

    ولهذا ينبغي علينا أن نعلم أن علم الإنسان لا يعصمه من الزلل, كذلك أيضاً ينبغي أن نفرق بين من يجيد القراءة أو يحمل القلم ويحسن الكتابة, وبين من يقيم العلم كما أمر الله سبحانه وتعالى.

    النبي عليه الصلاة والسلام أخبر كما جاء في الصحيح في أحاديث كثيرة من حديث عبد الله بن عمرو وحديث أبي هريرة في قبض العلم في آخر الزمان, وقد جاء في الصحيح قول النبي عليه الصلاة والسلام: ( إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من صدور العلماء, ولكن يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يبق عالماً اتخذ الناس رءوساً جهالاً فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا ), يعني: أن خانة العالم لابد أن تكون مليئة وألا تكون مشلولة, إذا لم توجد في عالم فإنها لابد من وجود الجاهل فيه, لهذا وجب على العلماء أن يبينوا الحق للناس, ولهذا سنة التابع والمتبوع في الناس لابد أن تدوم في كل باب, في باب الاقتداء في الأخلاق, في الأموال, في السيادة في الدين لابد أن يكون ثمة تابع ومتبوع, وهذا أمر فطر الله عز وجل عليه الناس.

    ولهذا تجدون الناس كحال الطيور من جهة الأسراب واتباعهم, منهم من يتبع ببينة وبرهان, ومنهم من يتبع بربع بينة, ومنهم من يأخذ الأمر بالظن, وهذا من الضلال, فوجب على الإنسان أن يأخذ الأمر ببينة, وهذه البينة لا يمكن أن يهتدي بها إذا كانت ديناً إلا بكلام الله عز وجل وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    أما إقامة الحروف فإنها لا تعتني بذلك، فهم الدين, وقراءة القرآن وإقامة حروفه وحفظه وتجويده فلا تعني أن الإنسان يقيم الحروف ويفهم الدين, ولهذا الخلط الذي يقع عند المتأخرين أوقعهم في ذلك, وذلك في أمور أنهم يطلقون أن من حمل القلم وكتب فهو عالم, وأن من حمل القرآن فهو عالم, وليس كذلك, النبي عليه الصلاة والسلام كما جاء في حديث أبي هريرة في الصحيح, قال: ( لا تقوم الساعة حتى يقبض العلم, ويظهر الجهل, ويكثر الزنا )، وجاء في المرسل قال: ( ويفشو القلم)، يظهر الجهل ويفشو القلم.

    الأصل عند الأوائل أنه لا يحمل القلم إلا متعلم, لكن الآن كما كان الناس يحملون الألسن بداهة الآن يحملون القلم بداهة, ولكن لا يعني من ذلك علم.

    كذلك أيضاً إقامة القرآن من جهة حروفه لا يعني فهم معانيه, لأن له معاني, فيه عام وخاص, وناسخ ومنسوخ, ومطلق ومقيد, لابد من معرفة هذا ومعرفة هذا, ولهذا عبد الله بن مسعود كما روى الدارمي في كتابه المسند قال: كيف بكم إذا لبستكم فتنة يهرم فيها الكبير ويربو فيها الصغير ويعمل فيها بغير السنة, حتى إذا تركت - تركت غير السنة-, قالوا: تركت السنة, يعني: ينتصرون للبدعة باسم السنة, حتى إذا تركت قالوا: تركت السنة, قالوا: متى ذلك يا أبا عبد الرحمن؟! قال: إذا كثر قراؤكم وقل فقهاؤكم, وكثر أمراؤكم وقلت الأمانة فيهم, وابتغيت الدنيا بأعمال الآخرة.

    وفي قول عبد الله بن مسعود عليه رضوان الله؛ فرق بين حامل الفقه وحامل القرآن, أن حامل القرآن لا يلزم منه أن يكون فقيهاً, فقد يقيم الحروف لكنه لا يقيم المعاني, ولهذا يوجد في العجم من يقيم القرآن ولكنه لا يفهم من معانيه شيء, بل لا يحسن النطق بمخارج الحروف كما ينطق الناس, ولكنه يحفظ القرآن وإن قصر في بعض مخارجه؛ ولهذا نقول: إنه لا بد من فهم كلام الله سبحانه وتعالى كما أراد الله.

    والناس في هذا يضعفون ويقوون, نحن في زمن متأخر وبيننا وبين النبي عليه الصلاة والسلام أكثر من ألف وأربعمائة عام, بعدنا عن اللغة وعن الصدر الأول وعن فهمه, فإذا دخل على الأوائل من الدواخل من المخالفة مع إجادتهم لإقامة القرآن وفهم السنة فكيف بغيرهم؟

    وفي هذا أيضاً لفتة مهمة وهي أن البدع العظيمة من نفي القدر إذا ظهرت في الصدر الأول فما البال بالقرون المتأخرة, وما البال فيما بعد ذلك بقرون بأكثر من أربعة عشر قرناً؟ ما يحدث من البدع والبلايا في دين الله عز وجل ممن يقرأ القرآن ويتقفر العلم ويتتبع العلم, لا شك أنه سيأتي مما هو أشد من هذا.

    ولهذا وجب على المؤمن أن يحذر أن ما كل من رفع راية العلم عالم, وما كل من رفع راية العلم سالم, يعني: سالم من الابتداع أو الضلال أو الخطأ أو غير ذلك, لهذا وجب على المؤمن أن يتحرى الحق وذلك لينجو ويسلم له دينه؛ ولهذا حينما ذهبوا إلى عبد الله بن عمر عليه رضوان الله ذكروا من أوصاف أولئك أنهم كانوا يقرءون القرآن ويتقفرون العلم ويقولون ألا قدر وأن الأمر أنف, يعني: لا يوجد شيء مقدر على الناس, وأن الأمر أنف.

    1.   

    خطورة الكلام في القدر وأقوال الطوائف فيه

    القدر على ما تقدم هو من المسائل التي تحير عقول كثير من الناس, وإدراكها هي من الأمور الشاقة, ولهذا يذكر بعض أهل النظر أن مسألة القدر ومحاولة فهم عقل الإنسان لها كحال البصر الذي ينظر للشمس في الظهيرة, إن أدام النظر فيها آلمته وحيرته ولم يستفد من ذلك شيئاً وأحرقته, وكذلك عقل الإنسان إذا أراد أن ينظر في مسائل في أمثال هذه ويديم النظر فيها, إدامة النظر فيها تزيده احتراقاً؛ لأن عقله لم يكن قادراً على استيعاب ذلك.

    ولهذا نقول: إن الله عز وجل كما جعل للبصر حداً وللسمع حداً جعل لعقل الإنسان حداً, وحد الإنسان في ذاته كحال الإناء من جهة استيعابه البحر لا يمكن للإنسان أن يستوعب البحر في إنائه, ولو قال: إني أريد أن تأتيني بهذا الماء أفرغه في إنائي حتى أعرف مقداره, حتى أميزه, يقال له: لا تستوعب, وإناؤك لا يستوعب البحر يقول: أريد ذلك, وإذا أعطي إياه على إمكاناته هذه؛ لطوى البحر إناءه وتحير في ذلك ولم يحمل منه شيء.

    ولهذا هذا موضع الاختبار والامتحان فيما لم يستوعبه الإنسان؛ ولهذا يذكر العلماء في مسألة القدر كـأبي حنيفة يقول: مسألة القدر هي باب أقفل وضاع المفتاح. ويذكر أيضاً بعض العلماء كـابن تيمية رحمه الله يقول: ما من أحد من الناس إلا وفي قلبه حسكة, يعني: من الأمور التي لا يستطيع أن يستوعبها في أمثال هذه المسائل, ومردها إلى علم الله عز وجل والإيمان والتصديق بما أخبر الله سبحانه وتعالى به من غير أن يرجع الإنسان ذلك إلى رأيه أو عقله أو إدراكه القاصر فيقيم أمر الله عز وجل على هذا.

    مسألة القدر والتحير فيها موجود عند سائر أهل الملل والعقائد, عند البابليين، عند فلاسفة اليونان والرومان، في تحيرهم في مسألة القدر والتصرف بالكون, هل ثبت عالم يعلم ذلك؟ يؤمنون بهذا ولكنهم يكلون ذلك إلى تصرفات وتدبير مخلوقات أو كائنات في أحوال الكون.

    ولهذا منهم من يقول: في أن الذي يدير أمر الكون والكواكب وغير ذلك كحال البابليين وغير ذلك, ومنهم كحال فلاسفة الهند وغيرهم الذين يقولون بوجود المتصرفين في التقدير تصرفات الخلق في أفعال الخير والشر, من يقدر أفعال الشر هو إله الشر, من يقدر أفعال الخير هو إله الخير.

    ومنهم من يرى أنه لا يوجد قدر, أنه يوجد خالق لكن لا يوجد تقدير, بمعنى: أن الإنسان هو الذي يدير حاله من نفسه, لا يوجد من يقدر عليه, وهذا كحال الفلاسفة كـأرسطو وغيره الذين يقولون: أنه ثمة خالق خلق الكون, ثم جعل له معادلة وسنن وطريق يسير عليه, وهذه المعادلة حينما ضبطها ونظمها تخلى عنها فهي تدور بنفسه.

    ويجعلون ذلك كحال الأرقام الحسابية, إذا أراد الإنسان أن يوجد العشرة إما أن يوجد خمسة وخمسة أو يوجد تسعة وواحد أو يوجد سبعة وثلاثة أو يوجد ثمانية واثنين, أو يوجد مثلاً أربعة وستة فإن النتيجة حينئذ تكون واحدة إذا أراد أن يحصل رقم عشرة, فلابد أن يأتي مثل هذه المعادلات, إذا أراد أن يحصل مائة ونحو ذلك يأتي مثلاً بخمسة وخمسة وتسعين أو يأتي مثلاً بستة وأربعة وتسعين, فيأتي حينئذ تكون النتيجة.

    قالوا: كذلك أيضاً السببي من جهة أفعال الناس, إذا أراد الإنسان أن يحصل على نتيجة يفعل بشيء من التصرفات فيحدث هذا, إذا أراد أن يكسر شيئاً يأخذ حجراً ثم يرمي به بمقدار ضرب معين فتحصل تلك النتيجة. أو إن الله خلق هذه معادلات, ثم تركها ليتصرف الناس ويحدثوا النتائج.

    هذا كلام الفلاسفة كـأرسطو، وغيره أخذ منه من يقول بهذا ممن يسمون بالمشائين, وهم الفلاسفة المنتسبين للإسلام وذلك كـالكندي وابن سينا والفارابي وغيرهم الذين قالوا بمثل هذا القول, ولا شك أن هذا القول هو قول كفري, ويرون أن الإنسان يخلق أفعاله, وهؤلاء فيهم شبه بالمجوس الذين يجعلون في الخلق خالقين, الله هو الذي خلق الخلق, والخلق هم الذين يخلقون أفعالهم بغير رجوع إلى الله سبحانه وتعالى, تعالى الله عز وجل عن ذلك علواً كبيراً.

    1.   

    البراءة من أهل الباطل

    الملقي: [ قال: فإذا لقيت أولئك فأخبرهم أني بريء منهم, وأنهم براء مني ].

    الشيخ: وهذا من عبد الله بن عمر عليه رضوان الله رسالة حملها أولئك إلى الذين يقولون بأنه لا قدر, وأن الأمر أنف, أنك إذا لقيت أولئك فأخبرهم يعني مع الوصف الذي تقول إياه فيهم أنهم يقرءون القرآن ويتقفرون العلم, فأخبرهم أني بريء منهم وأنهم براء مني, أنه لا يوجد صلة بيني وبينهم وأنا من أقرب الناس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    وهذه إشارة إلى المفارقة وبيان الحق في حال ورود أقوال الباطل والبغي والضلال متعلقة في دين الله عز وجل فلابد من بيانها, ولهذا أيضاً لا ينبغي لصاحب الحق إذا ظهر له الحق أن يمنعه هيبة شخص يتعلم العلم أو يقرأ القرآن أن يبين الخطأ له والزلل في دين الله سبحانه وتعالى, خاصة إذا كان ذلك مما يتعلق في أمور الأصول حتى لا يتمدد دين الله سبحانه وتعالى.

    1.   

    الحلف عند الأمور العظام

    الملقي: قال رحمه الله: [ قال رضي الله عنه: والذي يحلف به عبد الله بن عمر ..].

    الشيخ: وهنا من باب التعظيم قال: والذي يحلف به عبد الله بن عمر ولا يحلف إلا بالله سبحانه وتعالى, فذكر في هذا الذي يحلف به عبد الله بن عمر ما يتعلق بأسماء الله عز وجل كلها, أراد أن يبين المسألة وأن يقرر حكمها بالقسم, وهذا يكون في المسائل العظيمة المتجلية؛ لماذا؟ حتى يسكن السائل ويبين ويخلص الطمأنينة فيه, ويبين ضلالة الضال المنحرف عن علم الله سبحانه وتعالى أنه خرج عن مراد الله جل وعلا.

    والذي يحلف به عبد الله بن عمر يعني: ما يحلف به من أسماء الله بالله العظيم الحي القيوم الخالق الرازق وغير ذلك أقسم عبد الله بن عمر عليه رضوان الله تعالى على هذه المسألة, وأنهم على الضلال, أنهم ليسوا من دين الله عز وجل في شيء, وفي هذا الإشارة إلى أن الإنسان إذا أراد يؤكد معنى من المعاني الظاهرة التي فيها ريب أو شك في كلام السامعين أن يقسم بأمر الله, أن يقسم بالله سبحانه وتعالى لبيان أمره جل وعلا في كتابه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم حتى يدفع الريب والشك.

    ويظهر والله أعلم أن عبد الله بن عمر أقسم هذا القسم لأسباب:

    أولها: أنه ظهر من سؤال السائلين إجلالاً وتقديراً لأولئك الذين ابتدعوا في دين الله, فإنهم يقرءون القرآن ويتقفرون العلم, وهذا الإجلال ينبغي من عبد الله بن عمر أن يأتي بالقوة ويكسر هذه الهيبة الموجودة في نفوسهم, وذلك لشدة ضلال أولئك فاحتاج إلى القسم.

    الأمر الثاني: أن هذه المسألة وهي مسألة القدر هي من المسائل العظيمة الجليلة في الدين, والإيمان بالقدر ركن من أركان الايمان, وإذا احتاج الإنسان إلى بيانه والناس في حال ريب أو شك وجب عليه أن يبين الحق ولو حلف في ذلك فإن هذا حسن حتى يؤكد الحق في قلوب الناس.

    كذلك أيضاً تهييباً لمن وراءهم, وكذلك دفعاً للظنة التي تقع في نفوس البعض أن يظن أن المتكلم بهذا تكلم وهو شاك ومستريب وغير محرر للمسألة ولم ينظر في دليلها, أو أن المسألة خلافية فيها قولان محتملة لهذا القول محتملة لغيره, فأحسم ذلك بأمر قطعي وهو بيان الحجة مع القسم المغلظ واليمين عليها حتى يبين الحق بحجته ودليل ذلك.

    1.   

    أهمية الإيمان بالقدر

    الملقي: [ لو أن لأحدهم مثل أحد ذهباً فأنفقه ما قبل الله منه حتى يؤمن بالقدر ].

    الشيخ: وهنا في قوله: لو أن لأحدهم مثل أحد ذهباً فأنفقه ما قبل الله منه حتى يؤمن بالقدر, هذا إشارة إلى كفر من قال بنفي القدر؛ لأن الله عز وجل لا يقبل من المحسن إحسانه إذا كان كافراً؛ لأن الكفر يحول بين الإنسان وبين ربه, ولهذا يقول الله عز وجل في كتابه العظيم: لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ [الزمر:65]، فعمل المشرك يزيله الله سبحانه وتعالى ولو كان ماضياً عظيماً على مدى عقود طويلة, فكيف بعمل يفعله الإنسان للمرة الواحدة وهو في حال كفره؟

    لهذا نقول: إن الكفر يزيل العمل الصالح الماضي كله, فكيف إذا فعل الإنسان طاعة وهو في حال كفر, فأزال الطاعات التي هي سابقة بالكفر, فإذا كان الإنسان مؤمناً وبلغ الأربعين والخمسين والستين ثم كفر بالله سبحانه وتعالى, فكفره أحبط عمله الصالح في الخمسين السنة. فكيف بعمل يفعله الإنسان وهو في حال كفر؟ فالله عز وجل لا يقبل منه ذلك.

    وفي قوله: لو أن لأحدهم مثل أحد ذهباً فأنفقه ما قبل الله منه حتى يؤمن بالقدر؛ لأن الإيمان بالقدر ركن من أركان الإيمان, ولا يصح إيمان الإنسان إلا به.

    ومن الأمور المهمة أيضاً: أن قواعد الشريعة وأصول الإسلام وأحكام الدين لا علاقة للعاطفة بها, ومعنى هذا أن عبد الله بن عمر عليه رضوان الله حينما ذكر مثل أحد ذهباً, وهذا محال أن يكون لأحد من البشر مثل أحد ذهباً فأراد أن يذكر أعلى مثال حتى يفهم ما دونه, مهما تفعل من أمور الصالحات فإنها لم تبلغ هذا المبلغ فهي إذاً باطلة.

    فالعاطفة التي توجد عند بعض العامة وهي أنهم إذا علموا أن فلاناً يتصدق أو فلاناً يرحم الناس يميط الأذى عن الطريق, وكذلك أيضاً يداوي الناس أو يحسن إليهم إذا كان كافراً أو خطر في أمر من أمور الإسلام المعلومة من دين الإسلام بالضرورة يميل للتعرف فيقول: إن الله عز وجل يرحم هذا لأجل مثلاً أنه يعالج الناس أو مثلاً يحسن إليهم, ويرحم ضعيفهم, أو ينفق ويتصدق للناس ويعبد لهم الطرقات ويعالج المرضى ويكفل الأيتام وغير ذلك, أو خلقه حسن هذه عواطف للإنسان فيها. نقول: لا علاقة للكفر والإيمان بها.

    ولهذا لما جاءت سفانة بنت عدي بن حاتم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم, وذكرت أيضاً حال أبيها, وكذلك أيضاً في حال ابن جدعان لما كان في الجاهلية وكان له عكارة وكان أيضاً له إنفاق وإحسان, النبي عليه الصلاة والسلام بين أنهم أرادوا شيئاً فأدركوه, وذلك أنهم ما فعلوا ذلك ويرجون به ما عند الله سبحانه وتعالى.

    لهذا نقول: إن قبول الأعمال والنجاة من حكم الله عز وجل على الإنسان بالكفر والإيمان أنه لابد فيه من ثبوت ذلك شرعاً لا بعاطفة الإنسان؛ ولهذا عبد الله بن عمر عليه رضوان الله بين أن الإنسان لو كان له مثل أحد ذهباً فأنفقه في سبيل الله, أحسن وعالج وعبد الطرق وكفل الأيتام إذا كان لا يؤمن بقدر الله فهو كافر بالله, إذاً: يعبد رباً غير الله, فهو ينفق لغيره.

    إذا كان الإنسان ينظر للعاطفة، ما الفرق بين من ينفق ويداوي الجرحى ممن يعبد الشمس والقمر والكواكب وغير ذلك ومن يعبد إلهاً لا يقدر شيئاً؟ لا فرق بين هذا وهذا؛ ولهذا عبد الله بن عمر عليه رضوان الله بين أن الله عز وجل يمحو عمل الإنسان حتى يؤمن بقدر الله سبحانه وتعالى.

    1.   

    آداب المتعلم من حديث جبريل

    الملقي: [ ثم قال: حدثني أبي عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: ( بينما نحن جلوس ) ].

    الشيخ: وهذا أيضاً من رواية الصحابة عن الصحابة, وكذلك أيضاً فيه تشرف ابن عمر بروايته عن أبيه فذكره, مع إمكانه أن يروي ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو ثقة وأبوه كذلك وخليفة راشد, عليه رضوان الله من خيرة الصحابة وأجلائهم, ومع ذلك ذكر الرواية عن أبيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    وهذا الحديث قد جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة، وجاء في مسلم من حديث عبد الله بن عمر عن أبيه, ولم يخرجه البخاري من حديث عبد الله بن عمر عن أبيه وإنما أخرجه من حديث أبي هريرة، وذلك أن هذا الحديث تارة يرويه ابن عمر عن النبي عليه الصلاة والسلام ولا يذكر أباه, وتارة يذكر أباه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم, وهذا هو الذي دعا البخاري رحمه الله إلى عدم إخراجه لتشدده واحترازه في باب الرواة.

    الملقي: [ قال: ( بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر ) ].

    الشيخ: وهنا في هذا حكاية من عمر بن الخطاب عليه رضوان الله لابنه عبد الله فيه حرص الصحابة عليهم رضوان الله في تحديث أبنائهم بالوقائع التي تكون بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبينهم, والحوادث التي شهدوها, والأقوال التي سمعوها فيحدثون به أبناءهم, وعبد الله بن عمر مع كونه غلاماً عند وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أن في حرص عمر بن الخطاب عليه رضوان الله في إبلاغه أمثال هذه الأحكام وهذه المسائل وهذه الأحاديث حرصاً ظاهراً في تعليمه وإرشاده ودلالته إلى تلك المعاني.

    وفي قوله: "بينما نحن حول رسول الله صلى الله عليه وسلم" في هذا إلى أنهم يجلسون كحال الحلق حول النبي عليه الصلاة والسلام يتحلقون ويستمعون إليه.

    وفي هذا أيضاً حرص الصحابة عليهم رضوان الله على ملازمة النبي صلى الله عليه وسلم والجلوس إليه خاصة في مسجده, ولهذا النبي عليه الصلاة والسلام يقول: ( ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة )، ومعنى روضة من رياض الجنة يعني: موضع للتعليم والذكر ولهذا جاء في السنن قال: ( إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا, قال: وما رياض الجنة؟ قال: حلق الذكر ) .

    إذاً: فالمراد في قول النبي عليه الصلاة والسلام: ( ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة )، يعني: هلموا واجلسوا إليها لتغنموا بذلك الجائزة, ولهذا جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام كما في الصحيح من حديث أبي هريرة قال: ( كنا حول رسول الله صلى الله عليه وسلم حلقة, فجاء ثلاثة نفر, فأما أحدهم فوجد فرجة في الحلقة فجلس فيها )، والنبي يتحدث, ( وأما الثاني فلم يجد فرجة فجلس خلفهم, وأما الثالث فأدبر ذاهباً, فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم الحديث قال: ألا أخبركم خبر النفر الثلاثة؟ أما الأول فآوى إلى الله فآواه الله, وأما الثاني فاستحيا فاستحيا الله منه )، يعني: تردد, استحيا أن يخرج واستحيا أن يقول للناس ويتحدث معهم بأن يفسحوا له فاستحيا وجلس خلفهم, وذلك أن الناس إذا كانوا حلقة واحدة بانتظام جلوس الإنسان خلفهم منفرداً فيه نوع سكوت, ولكنه استحيا من تركها, وحرص عليها فاستحيا فاستحيا الله منه, ( وأما الثالث فأعرض فأعرض الله عنه ) .

    ولهذا يذكر غير واحد من العلماء على أن الإنسان إذا سمع حلقة من حلق الذكر وجاءها فإنه يجب عليه أن يجلس فيها ولو قليلاً إذا كان فيه إلا كلام الله أو سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم, ولا يجوز له أن يخرج, وأما جلوسها إلى التمام فهذا بحسب حال الإنسان وقدرته واستطاعته؛ ولهذا النبي عليه الصلاة والسلام قال: ( فأعرض فأعرض الله عنه )، يعني: بإمكانه أن يجلس ولو يسيراً ويذهب فاستحق بذلك الإعراض كإعراضه عن أمر الله سبحانه وتعالى.

    الملقي: [ ( لا يرى عليه أثر السفر ولا يعرفه منا أحد ) ].

    الشيخ: وفي هذا أيضاً دقة نظر الصحابة, ومعرفتهم للقادم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم والمنصرف عنه أنه جاءه رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر لا يرى عليه أثر السفر, وهذا استشكال, وذلك أنه جمع بين المتناقضات في المعتاد, وذلك أنه إذا كان شديد سواد الشعر, وشديد بياض الثياب ولا يعرفه منا أحد, يعني: أنه من المدينة لابد أنه نعرفه, ومن خارج المدينة فكيف يكون شديد بياض الثياب ولم يكن مسافراً, المسافر يكون أغبر وأشعث فكيف شعره شديد السواد, وثوبه شديد البياض, ثم لا نعرفه, من أين أتى؟

    فهذا فيه لفتة إلى شد انتباههم إلى هذا القائل, ولو قدم إليهم وهو أشعث أغبر ما شد انتباههم لأنهم يعلمون أنه مسافر من ضمن العابرين, ولكن جمعت حاله نوع من المتناقضات في الظاهر حتى يلفت انتباه الجميع لهذا الغريب الذي اجتمع في وصفه شيء لا يجتمع في وصف أحد عادة حتى يلتفت الانتباه إليه.

    وفي هذا أثر المشاهدة مع الكلام أن الإنسان إذا تكلم ينبغي له أن يشحذ همم السامعين إليه ليروه حتى يستوعب المراد من قولهم, وأما مجرد الكلام من غير التفات وإدراك لحاله فإن ذلك يضعف من أمر المعلوم الذي يريد الإنسان إيصاله.

    فجعل الله سبحانه وتعالى حال جبريل عليه السلام على مثل تلك الحال وذلك الوصف حتى ينتبه الصحابة إليه فيرقبوا لحظه وقوله وفعله؛ ولهذا نلحظ في رواية عبد الله بن عمر عن أبيه في حال جبريل أنه نقل وصف حال جبريل مع النبي صلى الله عليه وسلم بوصف دقيق بحركاته وسكناته وكيف قرب وكيف انصرف, وماذا سأل؟ بترتيب وانتظام, وذلك لأن هذا الرجل استدعى الاهتمام فأرعوه سمعهم وكذلك بصرهم فجمعوا من المعاني ما قاله ولم يفتهم في الظاهر من ذلك شيء.

    الملقي: [ ( حتى جلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأسند ركبتيه إلى ركبتيه, ووضع كفيه ) ].

    الشيخ: ولهذا أيضاً من المعاني والمسائل أنه لا حرج على الإنسان إذا قدم إلى قوم مجتمعين أن يبادر بحاجته مباشرة, وذلك أنه ربما يكون أحوج من الجالسين, وربما يكون الجالسين لديهم مسألة من المسائل أو يتحدثون بحديث فيقول الإنسان: أني إذا بادرت ربما كانوا في حديث أو ربما كانوا منسجمين في شيء فآتي أن أقاطعه, الأصل في ذلك أن يستأذنه إلا إذا أراد أن ينبههم إلى أمر عظيم؛ ولهذا جبريل عليه السلام بادر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم, وكأنه جاوز هؤلاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم جلس إليه فبادرهم وما استأذن من أولئك الجالسين في حقه أو حقهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    الملقي: [ ( فأسند ركبتيه إلى ركبتيه, ووضع كفيه على فخذيه ) ].

    الشيخ: وهذا من جلسات الأدب بين التلميذ والمعلم, وذلك الجلوس على الساقين, وافتراشهما فيجلس الإنسان مثل هذه الجلسة نوعاً من التواضع والإجلال للعالم, فجلس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسند ركبتيه إلى ركبتيه, وفي هذا سنة إذا أراد الإنسان أن يسأل أحداً جالساً أن يجلس معه, ألا يسأله وهو قائم وذاك جالس, أن يجلس معه, وإذا كان قائماً أن يقوم معه إجلالاً له, وألا يبقى قائماً حتى لا يدخل هذا في دائرة التعظيم فيكون السائل قائم والمسئول جالس, فهذا فيه نوع تعظيم.

    ويستثنى من ذلك ما كان على أمور العجلة فيسأل الإنسان سؤالاً ويريد جواباً بنعم أو لا أو يجوز أو لا يجوز على سبيل التعلم, ربما لا يستدعي من ذلك دروساً كذلك أيضاً في حاجة المتحدث أو المعلم إذا أسمع لغيره حينما يكونون جالسين وهو قائم فيقوم على المنبر ويحدثهم وهو قائم وهم جلوس يريد من ذلك الإسماع.

    وفي هذا شرع للخطيب أن يكون قائماً وشرع للمنبر أن يكون أيضاً على عتبات حتى يسمع غيره؛ ولهذا نقول في حال جبريل لما جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وجلس إليه وأسند ركبتيه إلى ركبتيه من أمور التواضع، وكذلك أيضاً فيه إشارة إلى أنه ينبغي أن يدنو السائل من المسئول والتلميذ من المعلم حتى يفهم عنه ويعقل منه.

    وفي هذا أيضاً لطيفة أن جبريل لما جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء ودنا منه يريد أن يشعره أني بحاجة إلى أن أفهم جميع الجواب وألا يفوتني منه شيء, وكأنه قرب من رسول الله أشد من قربهم جميعاً إليه, يعني: لأني أسأل سؤال المستعلم, وفي هذا إشارة إلى أنه ينبغي للإنسان ولو كان عارفاً, وإذا أراد أن يعلم غيره أن يتواضع عند المعلم ولو كان يعلم تلك المسائل, لا يقول: إني أنا أعلم هذه المسائل فلا أحتاج إلى السؤال, لا يسأله الجاهل فقط, بل قد يسأل العالم عالماً آخر؛ لماذا؟

    لا يريد أن يعلم, ولكن يريد أن يعلم الناس, يفتح له مسائل أخرى فيريد أن يسأل, ولهذا يستحسن أن يسأل, ولا يبين أنه يعلم, فيقول: أريد أن تبين للناس وأنا أعلم, أو يظهر نوع من النية للعالم أو المعلم فالأولى له أن يسأل كحال المستفهم الجاهل؛ لماذا؟ حتى يخرج العالم ما عنده من العلم, لأن العالم لديه علم, وهذا العلم كحال, إذا قلت: أبديت أنك جائع ومفتقر إليه أخرج كل ما عنده إكراماً له. وإذا أبديت أنك في شبع ومرتوي فإنه لا يعطيك إلا شيئاً يسيراً؛ لأنك أظهرت في ذلك الغنى وعدم الحاجة إليه.

    ولهذا كان السلف عليهم رحمة الله ينهون عن مراء العالم, وفي هذا هو أن يسأل الطالب العالم بحال الند والمناظرة وغير ذلك وهو يشهد, كذلك أيضاً أن يبين الطالب للعالم أنه يفهمه هذه المسألة حتى يكون صاحب خطوة عند العالم, وهذا يحرمه علماً كثيراً؛ لأن بعض المتعلمين يبحث مسألة من المسائل مسألة علمية ويحررها ثم يأتي ويناظر فيها العالم, هو لا يحسن إلا هذه المسألة, فيريد أن يبين أنه تفوق على العالم بهذه المسألة هذا يحرمه علماً كثيراً في غير المسألة يحجب العالم عنه.

    ولهذا أبو سلمة يقول: مارينا عبد الله بن عباس فحرمنا علماً كثيراً, كيف حرم علماً كثيراً؟ يعني: أخذنا نماريه بالعلم بمسائل نحسنها حتى لم يخرج العلم الذي عنده؛ لأننا أظهرنا علمنا بمسألة فظن أننا نعلم غيرها فمنعنا العلم الذي عنده فما نجهله من تلك المسائل؛ ولهذا نقول: إن طالب العلم والمتعلم لا يستوي في علمه وكذلك أيضاً يتحصل له علم حتى يظهر الجهالة عند العالم حتى يخرج العالم كل ما لديه فيستخدم وسعه في تلك المسألة ويبسطها.

    كذلك أيضاً من اللطائف ومن آداب المتعلم مع العالم أنه إذا سأل مسألة ثم أجابه العالم بجواب يعرفه ألا يقول: أنا أعرف هذا الجواب ولكني أريد شيئاً آخر, بل يسأله عن شيء آخر ولا يبين أنه عرف هذا لماذا؟ لأن هذا الجواب هذه المناظرة تؤثر عليه إذا سأل مرة أخرى, وإذا سأل مرة أخرى فإن هذا يؤثر على أداء العالم وإجابته له.

    الملقي: قال رضي الله عنه: [ ( وقال يا محمد! ) ].

    الشيخ: وهنا أيضاً في حال جبريل ذكر قال أنه وضع كفيه على فخذيه, حمل بعض العلماء هذا المعنى على وجهين, منهم من قال: إن جبريل وضع كفيه على فخذي رسول الله صلى الله عليه وسلم, فأسند ركبتيه إلى ركبتيه, ثم وضع الكفين على فخذي رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    ومنهم من قال: إن جبريل وضع كفيه على فخذيه هو إظهاراً من التواضع والأدب بين يدي المعلم, وفي هذا معنى لطيف أن السائل إذا سأل العالم ينبغي ألا يحدث حركة فوضوية حتى لا يشغل العالم عن الجواب, فيكون في سكينة تامة حتى يخرج العالم ما يريد من مسألة؛ ولهذا جبريل بقي على ذلك ووضع كفيه على فخذيه, وكان في سكينة تامة حتى يخرج ذلك الجواب التام.

    وعلى المعنى الأول وهو أن جبريل وضع كفيه على فخذي رسول الله صلى الله عليه وسلم يحمل هذا المعنى إلى الانتباه والحرص على سماع الجواب, ولهذا النبي عليه الصلاة والسلام إذا أراد أن يلفت انتباه أحد على مسألة أو استيعابها إما أن يمسك بيده، أو يضع يده على منكبه ليفهم عنه.

    وخطاب الإنسان للجماعة يختلف عن خطابه للواحد, للواحد أشد وأقوى بخلاف غيره, فأنت إذا سألك سائل وأنت تسير أو قائم ثم أجبت يختلف عن جوابك إذا أخذت بيده ثم قبضتها, أو وضعت يدك على كتفه.

    جاء في الصحيح وكذلك أيضاً في السنن من حديث عبد الله بن عمر أن النبي عليه الصلاة والسلام وضع يده على كتفيه ثم قال: ( يا ابن عمر كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل ) .

    هذا الأمر في وضع النبي صلى الله عليه وسلم يده على كتف عبد الله بن عمر ثم يخاطبه بهذا الخطاب إشارة إلى أنك انتبه أني أقصدك أنت بهذا الجواب فأرعن سمعك, فهذا يدفعه إلى الانتباه, ولهذا ابن عمر فيما بعد ذلك لما حدث بهذا الحديث حكى حتى حكاية وضع النبي صلى الله عليه وسلم على كتفه, وضع النبي عليه الصلاة والسلام يده على كتفه, ما قال: قال النبي عليه الصلاة والسلام: ( كن في الدنيا كأنك غريب )، فقط, لأن هذا هو المقصود.

    لكن لأن هذا الأمر رسخ في ذهنه, وأن النبي صلى الله عليه وسلم وضع يده على كتفه ذكر ذلك لأن ذلك له تأثير في استيعاب هذا الأمر.

    كذلك أيضاً القبض باليد, كما في حديث معاذ بن جبل قال: ( أخذ النبي عليه الصلاة والسلام بيدي ثم خرج معي فقال: يا معاذ إني أحبك في الله, ألا أخبرك سورة )، الحديث وهو في المسند والسنن.

    وفي هذا أن الإنسان إذا قبض بيد أحد ثم أخذ يحدث فيه شد للانتباه, وأنه حتى يدرك هذه المسألة وهو نوع من فهم مراد المتكلم, وهذا معروف في فطرة البشر, ولعل هذا هو المراد الذي قصده جبريل ليعلم الصحابة مثلاً بهذا الأدب, ويظهر أيضاً حاجته للجواب التام من رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    مكتبتك الصوتية

    عدد مرات الاستماع

    2736029574

    عدد مرات الحفظ

    684476834