إسلام ويب

ديوان الإفتاء [391]للشيخ : عبد الحي يوسف

  •  التفريغ النصي الكامل
  • ينبغي للمسلم أن يستقيم على طاعة الله في رمضان وفي غير رمضان, فيحافظ بعد رمضان على الصلوات المكتوبات, ويحافظ على نوافل الصلاة والصيام, ويكثر من الذكر وقراءة القرآن, ويحافظ على الإحسان إلى الناس, ويواظب على بر الوالدين, ويعتني بصلاح قلبه.

    1.   

    الاستقامة على الطاعة بعد رمضان

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد، البشير النذير، والسراج المنير، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد:

    فتقبل الله منا ومنكم الصيام والقيام، وكل عام وأنتم بخير، أعاد الله علينا رمضان ونحن في عز وأمن، وسلام وإسلام، وأمن وإيمان، وجمعنا الله على الخير في رمضان وبعد رمضان.

    ومرحباً بكم في حلقة جديدة من ديوان الإفتاء، أبدؤها بأن أذكر نفسي وإخواني وأخواتي بالاستقامة على طاعة الله بعد رمضان، فإن عبادة الله عز وجل لا تنقضي إلا بالموت، كما قال ربنا سبحانه مخاطباً نبيه عليه الصلاة والسلام: وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ[الحجر:99]، ومطلوب منا إخوتي وأخواتي! أن نستقيم على أمر الله عز وجل كما قال ربنا سبحانه: فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ[هود:112]، وكما قال: وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ[الشورى:15].

    تعريف الاستقامة

    والاستقامة: هي لزوم صراط الله المستقيم، وهو الدين القويم من غير تعويج عنه يمنة ولا يسرة، وذلك بفعل ما ينبغي فعله، وترك ما ينبغي تركه.

    وهذه هي الاستقامة التي ندعو الله عز وجل في كل صلاة بأن يرزقنا إياها، وأن يرشدنا إليها، فنقول في كل ركعة: اهْدِنَا الصِّرَاطَ المُسْتَقِيمَ[الفاتحة:6]، وكان من دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام في صلاة الليل أنه يقول: ( اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم ).

    جزاء المستقيم على طاعة الله

    المواظبة على الفرائض والنوافل والأذكار بعد رمضان

    ومطلوب منا بعد رمضان أن نستقيم على أمر الله، فنواظب على الصلوات المكتوبات في أوقاتها، ومطلوب منا معشر الرجال! أن نسعى إلى بيوت الله عز وجل، وأن نحث الخطا إلى المساجد، وأن نشتاق إلى الصلاة بعد الصلاة.

    ومطلوب منا كذلك بعد رمضان أن نكثر من النوافل، فنصوم ستاً من شوال ابتغاء ما عند الله من أجر وثواب، قال صلى الله عليه وسلم: ( من صام رمضان ثم أتبعه ستاً من شوال كان كصيام الدهر )، ومطلوب منا أن نكثر من نوافل الصلاة قال صلى الله عليه وسلم: ( من صلى لله في كل يوم وليلة ثنتي عشرة ركعة، بنى الله له بيتاً في الجنة ).

    ومطلوب منا أن نواظب على قراءة القرآن وألا نهجره بعد رمضان ففي الحديث: ( فمن قرأ حرفاً من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول: (الم) حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف, وميم حرف ).

    ومطلوب منا أن نجتهد في قيام الليل، فإنه وصية ربنا جل جلاله لنبيه صلى الله عليه وسلم, قال سبحانه: وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا[الإسراء:79]، وقال: يَا أَيُّهَا المُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا[المزمل:1-2]، وهي سمة عباد الله الصالحين، قال تعالى: كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ[الذاريات:17-18]، وقال: تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ المَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ[السجدة:16]. ومطلوب منا بعد رمضان أن نكثر من ذكر الله عز وجل قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللهَ ذِكْرًا كَثِيرًا * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا[الأحزاب:41-42].

    الإحسان إلى الناس والمواظبة على بر الوالدين بعد رمضان

    ومطلوب منا أن نحسن إلى عباد الله عز وجل، فمن أنفق على الناس أنفق الله عليه، ومن أحسن إلى الناس أحسن الله إليه: ( ومن نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا، نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسر على معسر يسر الله عليه، ومن ستر مسلماً في الدنيا ستره الله يوم القيامة )، وهكذا فالجزاء من جنس العمل.

    إخوتي وأخواتي! قد انقضى رمضان، نسأل الله أن يتقبل منا ما كان، ورمضان الآتي إن مد الله في أعمارنا ونسأ في آثارنا قريب إن شاء الله، ومطلوب منا ما بين رمضان ورمضان أن نجتنب كبائر الذنوب، فإن نبينا صلى الله عليه وسلم وعدنا بأن: ( الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، والعمرة إلى العمرة مكفرات لما بينهن ما لم تغشَ الكبائر )، فعلينا أن نجتنب هذه الكبائر حتى يكفر الله عنا الصغائر واللمم.

    ومطلوب منا بعد رمضان كذلك: أن نواظب على بر والدينا أحياءً وأمواتاً، وأن نصل أرحامنا ما استطعنا إلى ذلك سبيلاً، وأن نحسن إلى جيراننا بإفشاء السلام وطلاقة الوجه وطيب اللقاء وإغاثة الملهوف وإعانة المحتاج وعيادة المريض واتباع الجنائز.

    العناية بصلاح القلوب

    ومطلوب منا بعد رمضان: أن نُعنى بصلاح قلوبنا؛ وذلك بزيارة المقابر حيناً بعد حين، والمسح على رأس اليتيم، وتغسيل الموتى واتباع الجنائز، والقراءة في سير الصالحين، وأخبار الطيبين، وصحبة الأخيار المتقين، وهذه كلها أسباب نستعين بها على طاعة ربنا جل جلاله بعد انقضاء هذا الشهر المبارك الذي تتابعت بركاته وعظمت فضائله وخيراته.

    نسأل الله العلي العظيم الجليل الكبير أن يتقبل منا ما كان في رمضان، وأن يعيننا على الطاعات بعد رمضان، وأن يرزقنا الاستقامة والسداد، اللهم إنا نسألك شكر نعمتك، ونسألك حسن عبادتك، ونسألك ألسنة صادقة، ونسألك قلوباً مستقيمة، ونسألك من خير ما تعلم، ونعوذ بك من شر ما تعلم، إنك أنت علام الغيوب.

    1.   

    الأسئلة

    المتصل: لدي سؤالان:

    السؤال الأول: أسأل عن تفسير قوله عز وجل: هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ[البقرة:29].

    السؤال الثاني: ما حكم تارك الصلاة، هل يخرج من الملة نهائياً أو لا يخرج؟

    الشيخ: طيب، جزاك الله خيراً.

    المتصل: لدي سؤالان:

    السؤال الأول: كان هناك خلاف بيني وبين زوجي, فقال: أنا أكسيك وأعمل لك كذا وكذا، ثم قال لي: أنت عليّ مثل ولدي هذا؟ فلما سألته مرة ثانية في نقاش وقلت له: هذا الكلام ما قصدت به؟ فقال لي: ما قصدت منه شيئاً، قلت له: أنت تعرف أن هذا ظهار ويترتب عليه كذا وكذا، فقال: والله هذا الكلام جاء على لساني وقلته؟ ففي الحالة هذه: أنا أريد أن أعرف ما هو: هل هو فعلاً ظهار أو لا يعتبر ظهاراً؟

    السؤال الثاني: بالنسبة للعادة السرية، أنا اختلفت مع زميلاتي هل العادة السرية توجب الغسل؟

    الشيخ: طيب. نجيبك.

    تفسير قوله تعالى: (هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً ...)

    الشيخ: أخونا عبد القادر من نهر النيل يسأل عن تفسير قول ربنا جل جلاله: هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ[البقرة:29].

    الجواب: هذه الآية جاءت في بيان حيثيات الأمر أو النداء الذي بدأ به ربنا جل جلاله، وهو أول نداء في القرآن: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا للهِ أَندَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ[البقرة:21-22]، حيث ذكر ربنا جل جلاله ثلاثة مسوغات للأمر بعبادته:

    المسوغ الأول: أنه الخالق، خلقنا وخلق الذين من قبلنا، خلق الأولين وخلق الآخرين.

    المسوغ الثاني: أنه خلق السموات على سعتها وعظمها، وهي التي لا تدركها الأبصار، وهو كذلك سبحانه خالق الأرض.

    المسوغ الثالث: أنه جل جلاله هو الذي أنزل من السماء ماءً، فأخرج به من الثمرات رزقاً لكم، ولولا هذا الماء ما أنبتت الأرض حبة، ولا استطاع الناس أن ينتفعوا منها بشيء، وهذا الاستدلال في القرآن يتكرر كما في قوله سبحانه: اللهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ[الروم:40]، وكما في قول الله سبحانه: أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ[النحل:17]، وقوله: يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ[الحج:73]، فهذه الأصنام وهذه المعبودات من دون الله سواء كانت أحجاراً أو أشجاراً أو كواكب أو أقماراً أو بشراً لا تستطيع أن تخلق ذبابة، والذبابة حقيرة في شكلها وفي أثرها، لكنها عظيمة في أنها تحمل سر الحياة، مثلما أن الفيل والجمل العظيم يحمل سر الحياة، فكذلك الذبابة والبعوضة تحمل سر الحياة.

    وكما أن الناس والمخلوقات جميعاً عاجزون عن خلق الجمل وخلق الفيل، هم كذلك عاجزون عن خلق الذباب والبعوض والعنكبوت: وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ[البقرة:284]، ويكرر ربنا جل جلاله، فيقول: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ[البقرة:28]، وَكُنتُمْ أَمْوَاتًا)) أي: عدماً، ما كنتم شيئًا مذكوراً، فَأَحْيَاكُمْ)) أي: أوجدكم وخلقكم، ثم بعد ذلك يسلبكم هذه الحياة فيميتكم جل جلاله، ثم يبعثكم يوم القيامة: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ[البقرة:28]، هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا[البقرة:29]، كل ما في الأرض خلقه الله عز وجل لنفعنا معشر بني الإنسان، كما قال في آيةٍ أخرى: وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ[الجاثية:13]، ولذلك يستدل علماؤنا بهاتين الآيتين على أن الأصل في الأشياء الإباحة، والمحرمات قليلة يسيرة، سواء كانت في المطاعم أو في المشارب أو في الملابس أو في المراكب أو غيرها، فهي قليلة، وإلا فالأصل في الأشياء أنها مباحة مخلوقة من أجلنا نحن معشر بني آدم.

    هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ[البقرة:29]، وهذه الآية فيها دلالة على أن الأرض خُلقت أولاً، ثم السماء بعدها، ومثلها قوله سبحانه في سورة فصلت: قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ * وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ * ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ[فصلت:9-11]، ولا يعارض هذا بقول ربنا: وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا[النازعات:30]، فإن الدحو كان بعد الخلق، بمعنى: أنه سبحانه خلق الأرض، ثم خلق السماء، ثم بعد ذلك كور هذه الأرض، والعلم عند الله تعالى.

    حكم تارك الصلاة

    الشيخ: وأما تارك الصلاة يا عبد القادر! فأمره دائر بين الكفر الأكبر المخرج من الملة، والكفر الأصغر الذي هو من كبائر الذنوب، والقائلون بأنه كافر كفراً أكبر هم جمهور أهل الحديث ومعهم الإمام أحمد في رواية هي مذهبه، واستدلوا بقول الله عز وجل: فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهمْ[التوبة:5]، وقوله: فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ[التوبة:11]، وبقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر )، وقوله: ( ليس بين الرجل وبين الكفر أو الشرك إلا ترك الصلاة )، ونحو ذلك من النصوص.

    والآخرون: وهم الحنفية والمالكية والشافعية، وكذلك القول الآخر للإمام أحمد : بأن تارك الصلاة كسلاً وتهاوناً، ليس كافراً كفراً أكبر مخرجاً من الملة؛ لعموم قوله تعالى: إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ[النساء:48]، وغير ذلك من الأدلة.

    المتصل: لدي ثلاثة:

    السؤال الأول: أسأل عن شخص محامٍ يدافع عن شخص, وهو يعلم أن هذا الشخص مرتكب للجريمة.

    السؤال الثاني: تارك الصلاة هل يجالس، وهل يؤاكل، وهل يجوز الصلاة عليه صلاة الجنازة؟

    السؤال الثالث: أسأل عن الأرحام ومقاطعتهم لبعضهم عندما يكونون متخاصمين, وفي الحديث: ( لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال ) وإذا كانوا متهاجرين، فهل هناك حديث يقول: (إذا كان كل يوم إثنين وخميس يرفع عمل ابن آدم إلا قاطع رحمه)؟

    الشيخ: شكراً يا محمد! أحسن الله إليك.

    المتصل: أنا شغال في بقالة, والمسافة إلى المسجد منها حوالي كيلو متر تقريباً، وأسمع صوت الأذان بالميكرفون، وأصلي في البقالة ولا أستطيع أن أمشي لأصلي في المسجد، خاصة في صلاة الظهر والعصر، فأريد أن أعرف حكم الدين في صلاتي في البقالة؟ وجزاك الله ألف خير.

    الشيخ: وإياك.

    المتصل: لدي ثلاثة أسئلة:

    السؤال الأول: أنا أشاهد أناسًا يتمسحون بالقبور ويطوفون حولها.

    السؤال الثاني: ما رأيكم في المرأة التي تخرج متبرجة؟

    السؤال الثالث: ما حكم الذي يفطر في رمضان عمدًا؟

    وجزاكم الله خيراً.

    الشيخ: وإياك، أجيبك إن شاء الله.

    المتصل: الله يكرمك يا أخي! لدي سؤال: نريد أن تبين لنا خطر الشيعة؟

    الشيخ: أبشر إن شاء الله.

    المتصل: لدي سؤالان:

    السؤال الأول: أريد أن أسأل عن اعتزال الرسول صلى الله عليه وسلم لنسائه، كم كانت الفترة؟ وآيات التخيير هل نزلت بعد الاعتزال أو أثناء الاعتزال؟ وأيضاً شربه عسلاً عند السيدة زينب كان بعد الاعتزال أو قبله؟

    السؤال الثاني: أريد أن أسأل عن الكدرة التي تكون قبل نزول الدورة، هل يكون حكمها حكم الدورة أو غيرها؟ وهل هي مثل التي تكون بعد الدورة أو أنها عند النزول تصلي وتصوم؟

    الشيخ: طيب شكراً.

    المتصل: لدي سؤال: عمنا توفي في الحادي والعشرين من رمضان وهو صائم، هل يجوز أن أقضي عنه باقي الأيام وأخرج عنه فطرة؟

    قول الرجل لامرأته: (أنت علي مثل ولدي)

    السؤال: أم محمد من النيل الأبيض ذكرت أن خلافًا نشب بينها وبين زوجها، ثم هو في ثورة غضبه قال لها: أنت عليّ مثل ولدي، تقول: هل هذا ظهار؟

    الجواب: أولاً: الخلاف بين الأزواج شيء ينبغي أن نوطن أنفسنا عليه، وأنه شيء طبيعي يحصل بين أي زوجين, لكن المفروض أن الناس لا يتعدون الحدود الشرعية، والحدود الشرعية تقضي بأن الزوج والزوجة كلاهما يلتزمان الآداب الإسلامية في ألا يتلفظ أحدهما بما لا ينبغي، وألا يحدثا تصرفًا مخالفًا للشرع؛ ولذلك الرسول صلى الله عليه وسلم قال: ( لا تهجر إلا في البيت، ولا تضرب الوجه، ولا تقبح )، وقال: ( لا يفرك مؤمن مؤمنة إن كره منها خلقًا رضي منها آخر)، وقال: ( أيما امرأة ماتت وزوجها راضٍ عنها دخلت الجنة )، وأمر صلوات ربي وسلامه عليه بالمعاشرة بالمعروف، وهذا حق مشترك بين الزوجين، قال تعالى: وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ[البقرة:228]، فينبغي للرجل أن يعاشر بالمعروف، وينبغي للمرأة أن تعاشر بالمعروف، فإذا حصل الخلاف يعمدان إلى علاجه بالطرق الشرعية، وإذا احتاجا إلى أن يتدخل بينهما طرف ممن يروم الإصلاح فلا مانع.

    وكلام هذا الرجل منكر من القول وزور، كون الرجل يشبه الزوجة بالولد ويقول: أنت عليّ مثل ولدي، فهذا ظهار؛ لأنه لا فرق بين تشبيه الزوجة بالأم وتشبيهها بالولد، وكلمة الولد في اللغة والشرع: تصدق على الذكر والأنثى، كما في قول الله تعالى: يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ[النساء:11].

    فهذا الرجل يجب عليه أن يتوب إلى الله عز وجل من هذه الكلمة، وأن يكفر بصيام شهرين متتابعين قبل المسيس، أي: قبل أن يعود لمواقعة زوجته.

    فإن كان عاجزًا عن الصيام ولا يقدر عليه لمرض ففي هذه الحالة يطعم ستين مسكينًا، لكل مسكين نصف صاع من طعام.

    الغسل من العادة السرية

    السؤال: هل العادة السرية توجب الغسل؟

    الجواب: نعم، خروج المني يوجب الغسل، سواء كان خروج المني في المنام، أو كان في اليقظة؛ بسبب نظر، أو بسبب تفكير، أو مباشرة باليد أو بغير ذلك من الأسباب، فإنه موجب للغسل، قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( إنما الماء من الماء ).

    دفاع المحامي عن شخص يعلم أنه مجرم

    السؤال: أخونا محمد من سنار، يسأل عن محامٍ يدافع عن شخص يعلم يقينًا أنه مجرم.

    الجواب: المحاماة هي عبارة عن وكالة، والمحامي وكيل عمن يدافع عنه، وهذه الوكالة الأصل فيها الجواز، وأنها تصح بأجر وبغير أجر، لكن لا ينبغي للمحامي أن يدخل في خصومة يعلم أن موكلَه مبطل فيها، وأنه آكل لحقوق الناس، أو أنه سافك لدمائهم، أو أنه منتهك لأعراضهم، ولكنه يدافع عنه من أجل لعاعة الدنيا، ومن أجل الأجر الذي يتقاضاه، فهذا الصنف من الناس داخل في قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( من دخل في خصومة لا يعلمها كان في سخط الله حتى ينزع )، والإنسان الذي يخاصم بباطل في سخط الله حتى يقلع عن هذا الذي هو فيه.

    مؤاكلة ومجالسة تارك الصلاة والصلاة عليه إذا مات

    الشيخ: وأما تارك الصلاة يا محمد ! فإن كان تاركًا لها جحودًا وإنكارًا لوجوبها، فهو كافر عند المسلمين جميعًا، لا يجادل في ذلك أحد، فمن كان يسخر من الصلاة ويستخف بها، وينكر فرضيتها، ويرى أنها مجرد حركات لا قيمة لها، فهذا ليس بمسلم، لكن حال أغلب الناس الذين لا يصلون أنهم لا ينكرون وجوبها، ولا يجحدون فرضيتها، لكنهم متكاسلون، متهاونون، مفرطون مضيعون، فهؤلاء نأكل معهم، وننصحهم, ونحسن إليهم، وندعو لهم، وإذا مات الواحد منهم فإنه يصلى عليه، لعل الله عز وجل أن يرحمه، وأمره إلى الله، لكنه على خطر عظيم، كما قال ربنا الرحمن الرحيم: فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا[مريم:59].

    تخاصم الأرحام وتقاطعهم

    الشيخ: وأما كون الأرحام يتخاصمون فما ينبغي لهم ذلك، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث، يلتقيان: فيعرض هذا، ويعرض هذا، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام ).

    ترك صلاة الجماعة لأجل العمل في البقالة

    السؤال: أخونا عابدين من أم درمان ذكر أنه يعمل في بقالة والمسجد قريب، لكنه لا يستطيع الذهاب إلى المسجد خاصة في صلاة الظهر، وصلاة العصر.

    الجواب: إذا كنت تخشى على بضاعتك من الضياع، وتخشى على بقالتك من السرقة، ولا تستطيع أن تدخل الأشياء وتغلق البقالة، ثم تذهب إلى الصلاة فصلّ حيث أنت، ولا يكلف الله نفسًا إلا وسعها، وإلا فالأصل أن المسلم يؤدي الفريضة مع جماعة المسلمين.

    التمسح بالقبور

    السؤال: أخونا عبد الرازق من الكدرو يسأل عن أناس يتمسحون بالقبور.

    الجواب: هذه من البدع المنكرة، والممارسات الخاطئة التي يقع فيها الجهال، وينبغي للناس أن ينهى بعضهم بعضًا عنها، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرنا بأن نزور القبور للسلام على أهلها والدعاء لهم.

    أما البدع التي يخترعها الناس من التمسح بالقبور، ومناداة أصحابها، وحمل التراب منها، والنذر لهم وما إلى ذلك، فهذه كلها جاءت نتيجة لبدع أخرى، وهي البناء على القبور وتجصيصها، وكسوتها وتزيينها، وإيقاد السرج عليها، وهذا كله مما نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذه البدع متفاوتة، بعضها يصل -والعياذ بالله- إلى الشرك الأكبر المخرج من الملة.

    نصيحة لمن تخرج متبرجة

    الفطر عمداً في رمضان

    الشيخ: وأما الذي يفطر في رمضان عمدًا، فهو على شفا جرفٍ هار، وهو على شر عظيم، وواجب عليه أن يتوب إلى الله عز وجل، وأن يقضي ما مضى.

    خطر الشيعة وسبهم لأم المؤمنين عائشة

    السؤال: أخونا التوم من عطبرة يسأل عن الشيعة وخطرهم.

    الجواب: يكفينا ما تناقلته وسائل الأخبار والقنوات في الأيام التي مضت، أن جماعة منهم في بريطانيا عمدوا ليلة التاسع والعشرين من رمضان المعظم، بينما المسلمون متهجدون, داعون, راجون، خائفون، باكون، تائبون، آيبون، ويريدون ختام الشهر بالمغفرة والرضوان، كان هؤلاء الأشقياء في بريطانيا يحتفلون بموت أم المؤمنين الحصان الرزان، الطيبة المباركة، عائشة الصديقة بنت الصديق ، حبيبة رسول الله صلى الله عليه وسلم، كانوا يحتفلون بموتها! وينعتونها بأشنع النعوت، وأقذع الألفاظ، قاتلهم الله أنى يؤفكون.

    وهؤلاء الضالون المضلون يتعبدون الله عز وجل بسب خيار الخلق بعد الأنبياء وهم الصحابة الكرام، ومعلوم بأن عائشة رضي الله عنها سبها ليس كسب غيرها؛ ولذلك الإمام مالك رحمه الله، لما قيل له: من سب أبا بكر و عمر يقتل؟ قال: لا، بل يجلد، قيل له: فمن سب عائشة ؟ قال: يقتل؛ لأنه مكذب للقرآن، فإن القرآن الكريم أثبت أن عائشة طيبة، وأنها محصنة، فقال سبحانه: إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ المُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَلَهمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُّ المُبِينُ[النور:23-25]، ثم أثبت طيب عائشة فقال: الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُوْلَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ[النور:26].

    وسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم قال عن عائشة : ( وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام )، وقال: ( إني رزقت حبها )، ولما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( من أحب الناس إليك؟ قال: عائشة، قيل: ومن الرجال؟ قال: أبوها)، ولما سألته: (يا رسول الله! من أزواجك في الجنة؟ قال: أنت منهن)، وقال: (اللهم اغفر لـعائشة بنت أبي بكر مغفرة ظاهرة وباطنة لا تغادر ذنبًا).

    ونبينا عليه الصلاة والسلام ذكر أن لـعائشة من الخصائص والمزايا ما ليس لغيرها، فلما كلمته أم سلمة وقالت له: (يا رسول الله! إن نساءك يسألنك العدل في ابنة أبي قحافة، قال لها: والله ما نزل عليّ الوحي في فراش امرأة منكن غيرها ).

    وهي التي كانت تقول: (فضلت بعشر خصال: لم ينكح رسول الله صلى الله عليه وسلم بكرًا غيري، ولا امرأة أبواها مهاجران غيري، ونزل الملك بصورتي في كفه في سرقة من حرير، وكان الوحي ينزل عليه وهو في فراشي، وكنت أغتسل أنا وهو من إناء واحد، ونزلت براءتي من السماء، وقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيتي وفي ليلتي، وكان رأسه بين سحري ونحري، ودفن في بيتي). فهذه كلها مزايا وخصائص لهذه الطيبة المطيبة، الفاضلة الحصان الرزان، رضي الله عنها، وقد قال حسان في مدحها:

    حصان رزان ما تزن بريبة وتصبح غرثى من لحوم الغوافل

    حليلة خير الناس ديناً ومنصباً نبي الهدى والمكرمات الفواضل

    عقيلة حي من لؤي بن غالب كرام المساعي مجدها غير زائل

    إلى أن قال:

    مهذبة قد طيب الله خِيمها وطهرها من كل شين وباطل

    فإن كان ما بلغت أني قلته فلا رفعت سوطي إلي أناملي

    وكيف وودي ما حييت ونصرتي لآل رسول الله زين المحافل

    عليه الصلاة والسلام، فمن أحب رسول الله صلى الله عليه وسلم أحب عائشة ، ومن أبغض عائشة فقد أبغض رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    وأقول: إن هؤلاء لو لم يكن لهم إلا هذه البدعة لكانت كافية في الحكم بضلالهم وزيغهم وفساد معتقدهم، وقلة حيائهم من الله، فكيف وقد ضموا إليها بغضهم للشيخين الجليلين أبي بكر و عمر ، وبغضهم للصحابة الكرام إلا قليلاً، مع اعتقادهم العصمة في أئمتهم، وما هم بمعصومين أبدًا، بل نحن -معشر المسلمين- نعتقد حب آل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونسلم عليهم في كل صلاة: (اللهم صلّ على محمد وعلى آل محمد)، لكن لا نعتقد عصمة لأحد قط بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا علي ولا الحسن ، ولا الحسين ، ولا علي بن الحسين ، ولا محمد بن علي ، ولا جعفر بن محمد ، ولا موسى الكاظم ، ولا غيرهم، فليس هناك أحد معصوم بعد رسول الله صلوات ربي وسلامه عليه، لكنّ هؤلاء الزائغين يقولون: إن للأئمة مكانة لا يبلغها ملك مقرب، ولا نبي مرسل، وأن لأئمتهم تصرفًا في جميع ذرات الكون، هكذا يقول كبيرهم في زماننا هذا في كتابه الحكومة الإسلامية.

    وهذا مما ينبغي أن ينبه عليه؛ لئلا يغتر الأغرار بدعواهم، ولئلا يتابعوهم في باطلهم.

    اعتزال الرسول لنسائه وتخييرهن

    السؤال: أختنا براءة تسأل عن اعتزال الرسول صلى الله عليه وسلم لنسائه؟

    الجواب: نعم، هذه الرواية ثابتة في الصحيح بأن نساءه كعادة النساء أكثرن من المطالبة بالنفقة؛ لأن حياته صلى الله عليه وسلم كان فيها من الشظف والشدة والخشونة شيء عظيم، تقول عائشة: (كان يمر الهلال والهلال والهلال، ثلاثة أهلة في شهرين وما يوقد في بيوت أزواجه نار، تقول عائشة وما لنا من طعام إلا الأسودان، ولكن كان لنا جيران من الأنصار -جزاهم الله خيراً- يحلبون منائحهم فيبعثون بها إلينا، فيشرب رسول الله صلى الله عليه وسلم ويسقينا)، فما كانوا يطعمون إلا الماء والتمر.

    والنساء يشتهين الذهب والفضة والحرير والديباج، فلما أكثرن عليه من المطالبة اعتزلهن صلى الله عليه وسلم في عُلية حتى نزلت آيات التخيير، قال تعالى: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا[الأحزاب:28]، المعنى: التي تريد الدنيا، وتريد الذهب والفضة والحرير والديباج، تأتي إلي أمتعها بما شاءت من هذا كله، فأعطيها الذهب والفضة والحرير، وبعد ذلك أسرحها، أي: أطلقها؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: ( ما لي وللدنيا، ما أنا في الدنيا إلا كراكب استظل تحت شجرة، ثم راح وتركها).

    ثم قال تعالى: وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ[الأحزاب:29]، أي: تصبرن على هذه العيشة وعلى هذا الشظف: فَإِنَّ اللهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا[الأحزاب:29]، وبدأ صلى الله عليه وسلم بـعائشة فخيرها، وقال لها: ( لا تعجلي حتى تستأمري أبويك: -يعني: حتى تستشيري أبا بكر و أم رومان - فقالت رضي الله عنها: أفيك أستأمر أبوي يا رسول الله! بل أختار الله ورسوله، والدار الآخرة )، فاختارت رضي الله عنها وأرضاها الصبر، وهي التي جاءت من بيت النعمة وبيت السعة وبيت الرزق الوفير والخير الكثير، بيت الصديق أبي بكر تاجر العرب الكبير، فصبرت على هذا العيش الشديد، من أجل أن تبقى زوجة لخير البشر صلى الله عليه وسلم.

    أسأل الله أن يرزقنا حب عائشة ، وحب أمهات المؤمنين، وصحابة النبي صلى الله عليه وسلم أجمعين، وأن يحشرنا معهم في عليين، إنه أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين.

    المتصل: أنا محمد يوسف عبد الله من شرق سنار, أسأل عن شخص يبيع سجائر في بقالة، هل يجوز هذا؟ والقروش المحصلة منها هل يجوز للشخص أن يأخذ منها للعمرة والحج؟

    الشيخ: طيب، شكر الله لك.

    المتصل: معك أم محمد من الخرطوم بحري, أسأل عن السفر من الخرطوم إلى كسلا بدون محرم مسافة ساعة بالطائرة، وعمري أربعون سنة، هل يجوز أو لا يجوز؟

    الشيخ: طيب نجيبك.

    وقت شرب النبي صلى الله عليه وسلم العسل عند زينب

    السؤال: أختنا براءة تسأل عن شرب العسل عند زينب ، هل كان قبل آيات التخيير، أم بعدها؟

    الجواب: الله أعلم، ما ندري متى كانت هذه الحادثة على وجه التعيين، لكن الوارد بأن النبي صلى الله عليه وسلم شرب عند زينب عسلاً، فاتفقت عائشة و حفصة رضوان الله عليهما، وقالتا: (أيتنا دخل عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم فلتقل: إني لأجد منك ريح مغافير) والمغافير: نوع من الصمغ رائحته مزعجة، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يكره الريح غير الطيبة، فدخل على حفصة ، فقالت له: ( إني لأجد منك ريح مغافير، فقال: والله ما شربت إلا عسلاً، فقالت: جرست نحله العرفط، فحلف النبي صلى الله عليه وسلم ألا يشرب بعدها عسلاً، فأنزل الله عز وجل قوله: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ[التحريم:1]).

    الكدرة والصفرة في وقت الحيض وغيره

    الشيخ: وأما الكدرة والصفرة فإنها إذا جاءت تابعة للحيض فحكمها حكمه، يعني: أن المرأة إذا حاضت ثم بعد ذلك توقف الدم، لكن صار يخرج منها كدرة وصفرة، يعني: ماء أصفر وماء فيه كدرة، فحكم هذا حكم الحيض، فلا تعجل إلى أن ترى الطهر وتتأكد منه تمامًا.

    أما إذا كانت الصفرة والكدرة في غير وقت الحيض، فإنها لا تأخذ حكم الحيض، وبهذا نجمع بين الحديث: (كنا لا نعد الكدرة والصفرة شيئًا)، والحديث الآخر: بأن النساء كن يبعثن إلى عائشة بالدرجة فيها الكرسف وفيها الصفرة والكدرة، فكانت تقول: (لا تعجلن حتى ترين القصة البيضاء).

    القضاء عمن مات في رمضان

    السؤال: أخونا الطيب ذكر بأن عمًا له توفي إلى رحمة الله في اليوم الحادي والعشرين من رمضان صائمًا، يقول: فهل نقضي عنه ما بقي، يعني: الأيام التسعة؟

    الجواب: لا، يا عبد الله! بل انقضى الأمر بالموت، وهو إن شاء الله طالما أَنه قد مات صائمًا، فإنا نرجو أن يكون قد مات على حسن الخاتمة، فإنه مات على عمل صالح، من قبضه الله صائمًا، أو قبضه الله وهو يصلي، أو قبضه الله وهو في نسك، أو وهو يقرأ القرآن، أو قبضه الله وهو في صلة الرحم، ونحو ذلك من الأعمال الصالحة فهذا إن شاء الله من علامات حسن الخاتمة.

    الحج والعمرة من مال اختلط فيه الحلال والحرام

    السؤال: وأما محمد يوسف عبد الله من شرق سنار، فقد سأل عن رجل يبيع في بقالته الدخان، والتبغ والسجاير، ثم بعد ذلك يريد أن يحج ويعتمر من هذا لمال.

    الجواب: هذا الرجل خلط ماله ففيه حلال وفيه حرام, فهو في البقالة: يبيع فولاً وجبناً وزيتًا، وعسلًا وخلًا، ويبيع كراسات، ويبيع حلويات، ويبيع لبنًا، ويبيع شمعاً، ويبيع كبريتاً، وما أشبه ذلك، وهذه كلها أشياء طيبة ونافعة، ثم ضم إلى ذلك هذه المادة الخبيثة التي لا يجوز بيعها ولا إهداؤها، ولا ترويجها، وهي التبغ.

    فنقول: هذا الرجل اختلط حلاله بحرام، لكنه إذا حج إن شاء الله فحجه صحيح، وكذلك عمرته صحيحة، وينبغي له التوبة إلى الله عز وجل من بيع هذه المحرمات والإقلاع عنها.

    سفر المرأة مسافة ساعة بالطائرة بدون محرم

    السؤال: أم محمد من بحري، فقد سألت: بأنها تسافر بالطائرة من الخرطوم إلى كسلا، وعمرها أربعون سنة.

    نقول لها: لا يجوز يا أم محمد ! وحتى لو كان عمرك أربعين أو خمسين أو ستين أو سبعين أو ثمانين أو مائة، أطال الله عمرك في طاعته، لا يجوز لك السفر من غير محرم؛ لأن الحديث عام: ( لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر إلا مع ذي محرم ).

    الاستنجاء من الريح

    السؤال: ما حكم الاستنجاء من الريح؟ هل يجوز أم لا؟

    الجواب: لا ينبغي الاستنجاء من الريح، بل هذا من التنطع الذي نهينا عنه، قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( هلك المتنطعون).

    التخوف من إنكار أخطاء الناس في الصلاة

    السؤال: أشاهد بعض أخطاء الناس في الصلاة، ولكن ليست عندي شجاعة للتحدث معهم، فما حكم ذلك؟

    الجواب: إن شاء الله أن الشجاعة موجودة عندك، لكن يغلبك الحياء، (والحياء من الإيمان)، والرسول عليه الصلاة والسلام ما كان يواجه أحدًا بشيء يكرهه، لكنه عليه الصلاة والسلام يعلم الناس دون أن ينهرهم، ودون أن يكهرهم، ودون أن يشتمهم، ودون أن يسيء إليهم، فلما جاء الرجل، وصلى صلاة ليست فيها طمأنينة، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ارجع فصلّ فإنك لم تصلّ)، ولما جاء معاوية بن الحكم السلمي رضي الله عنه وتكلم في الصلاة، دعاه النبي صلى الله عليه وسلم وقال له: (يا أخا العرب! إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هو ذكر الله وتلاوة القرآن)، ولما جاء الأعرابي فبال في طائفة من المسجد قال له: ( إن هذه المساجد ما بنيت لشيء من هذه القاذورات، إنما بنيت لذكر الله وتلاوة القرآن).

    وهكذا كان النبي عليه الصلاة والسلام يعلم الناس، وفي الوقت نفسه هو المثل الأعلى في حسن الأدب، فأنت يا أخي! بين للناس أخطاءهم ولو على صفة عامة، تقوم تتكلم في المسجد، تقول: نسأل الله أن يتقبل منا جميعًا، وهذه الصلاة خير ما عمله الناس، ومن أجل أن يكون أجرنا كاملًا، لا بد أن نتشبه فيها بنبينا عليه الصلاة والسلام، ولكن بعض الناس يخطئون في كذا وكذا، وتقول كلاماً عاماً يحصل به المقصود.

    التشهد بعد سجود السهو

    السؤال: بعد سجود السهو في الصلاة هل يجوز التشهد؟

    الجواب: نعم، بل يجب.

    زيادة أسعار السلع في رمضان

    السؤال: هل زيادة أسعار السلع في رمضان حرام؟ علمًا بأن الأسعار في الشراء نفس السعر في غير رمضان.

    الجواب: لا أقول بأنها حرام، لكني أقول: ينبغي للمسلم أن يرفق بإخوانه المسلمين، وأن يتقي الله فيهم، فمن رفق بالناس رفق الله به، ومن شق على الناس شق الله عليه.

    أسأل الله عز وجل أن يرفق بنا، وأن يرحمنا، وأن يصلح أحوالنا، وأن يتوب علينا، وأن يعفو عنا، وأن يتجاوز عن سيئاتنا، وأن يغفر سيئاتنا، وأن يديم علينا نعمته وعافيته وستره في الدنيا والآخرة، وأن يختم لنا بخير، إنه أكرم الأكرمين، وأرحم الراحمين.

    اللهم صلّ وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى جميع المرسلين.