إسلام ويب

ديوان الإفتاء [672]للشيخ : عبد الحي يوسف

  •  التفريغ النصي الكامل
  • يخبر الله سبحانه وتعالى في سورة الزلزلة عن تغير الكون يوم القيامة، فتتزلزل الأرض، وتخرج ما أودعها الله فيها من أسطوانات الذهب والفضة وأجساد بني آدم، ويتساءل الإنسان عن سبب اضطرابها بعد سكونها، وتحدث بأخبار ما وقع فيها، وتشهد على الناس بأعمالهم، ويخرجون من قبورهم لرؤية أعمالهم، فمن عمل خيراً رآه، ومن عمل شراً رآه.

    1.   

    موضوع سورة الزلزلة وسبب نزولها

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله رب العالمين، حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وكما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، عدد خلقه، ورضا نفسه، وزنة عرشه، ومداد كلماته.

    اللهم صلِ وسلم وبارك على سيدنا محمد عدد ما ذكره الذاكرون الأخيار، وصل وسلم وبارك على سيدنا محمد ما اختلف الليل والنهار، وصلِ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى المهاجرين والأنصار.

    سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا علماً نافعاً، وارزقنا عملاً صالحاً، ووفقنا برحمتك لما تحب وترضى.

    أما بعد:

    إخوتي وأخواتي! سلام الله عليكم ورحمته وبركاته.

    ومرحباً بكم في حلقة جديدة من ديوان الإفتاء أبدؤها بذكر بعض المعاني المتعلقة بسورة عظيمة من سور القرآن، وهي سورة الزلزلة التي نحفظها جميعاً، والتي تحدثنا عن أهوال القيامة وما يكون فيها من الحساب والجزاء، وهي سورة آياتها ثمان آيات، وكلماتها خمس وثلاثون كلمة، وحروفها تسعة عشر ومائة حرف.

    روى الواحدي في أسباب النزول: أن هذه السورة المباركة نزلت وأبو بكر قاعد عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فبكى أبو بكر ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : ( ما يبكيك؟ فقال: يا رسول الله! أونسأل عن مثاقيل الذر؟ فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: يا أبا بكر ! أما مثاقيل الخير فيدخرها الله لك إلى يوم القيامة، وأما مثاقيل الشر فيجزيك الله بها بما يصيبك في الدنيا ).

    وقد ذكر بعض أهل التفسير أن قول ربنا جل جلاله: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَه * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَه [الزلزلة:7-8]، نزلت في رجلين من الصحابة؛ كان أحدهما يستقل مثاقيل الخير فلا يتصدق بالتمرة ولا بالكسرة ولا بالجوزة، وكان يقول: الله غني عن هذا. وأحدهما كان يستقل مثاقيل الشر من الكذبة ونحوها، فأنزل الله عز وجل هاتين الآتين الكريمتين، يبين فيهما أن كل شيء عنده جل جلاله مكتوب، وأن كل شيء يحاسب عليه العبد يوم القيامة.

    1.   

    الأسئلة

    المتصل: أنا عندي أربعة أسئلة:

    السؤال الأول: ما المقصود بسنوات التيه المذكورة في قصة بني إسرائيل؟

    السؤال الثاني: ما المقصود بميراث الكلالة وكيف يوزع؟

    السؤال الثالث: يظن الكثير من الناس أن الصبغة السوداء حرام، مع أننا نستعمله، وأزواجنا يعرفون لماذا نستعمله، وليس فيه غش ولا شيء آخر؟

    السؤال الرابع: أنا أحياناً أتحصن بالأذكار قبل المغرب، وقد أضطر قبل المغرب أن أتوضأ مرة أخرى وأصلي، فهل التحصين هذا ثابت باق إذا قطع الوضوء؟

    الشيخ: طيب.

    المقصود بالتيه الذي ضربه الله على بني إسرائيل

    السؤال: أخونا صلاح الدين يسأل عن التيه الذي ضربه الله على بني إسرائيل؟

    الجواب: هذا مذكور في سورة المائدة: وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِنْ الْعَالَمِينَ [المائدة:20]، بدأ صلوات ربي وسلامه عليه بتذكير قومه بنعم الله المتتابعة التي أسبغها عليهم، حيث جعل فيهم الأنبياء، وجعل منهم الملوك، وآتاهم مالم يؤت أحداً من العالمين: أنزل عليهم المن والسلوى، وكثر فيهم الأنبياء، وآتى نبيهم صلوات ربي وسلامه عليه تسع آيات بينات.. إلى غير ذلك من النعم الكثيرة.

    ثم أتبع ذلك بالأمر: يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ [المائدة:21]، وهي: أرض فلسطين التي كان يسكنها العماليق، وَلا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ [المائدة:21]، لكن القوم كانوا جبناء، وقد أصابهم الهلع، قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْماً جَبَّارِينَ [المائدة:22]، أي: قوماً شديدة أجسامهم، قوية بنيتهم، عظيمة حضارتهم، كثيراً عددهم، إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَداً مَا دَامُوا فِيهَا [المائدة:24]، ثم أتبعوا ذلك بأسلوب فظ غليظ فقالوا له: فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ [المائدة:24].

    فكان فيهم رجلان طيبان مباركان: قَالَ رَجُلانِ مِنْ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا [المائدة:23]، يخافون غضب الله عز وجل وبأسه وسطوته: ادْخُلُوا عَلَيْهِمْ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ [المائدة:23]، يعني: قالوا لهم: استعينوا بالله عز وجل واصبروا واثبتوا وأكثروا من ذكر الله عز وجل، وإذا وصلتم إلى باب تلك المدينة فإن الله عز وجل سيفتح عليكم، وسيكتب لكم الغلبة والظفر والنصر، لكن القوم كأنهم ما سمعوا شيئاً، أعادوا توجيه الخطاب لـموسى عليه السلام: قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَداً مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ [المائدة:24].

    فهاهنا موسى عليه السلام دعا عليهم واعتذر إلى ربه وقال: قَالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلاَّ نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ [المائدة:25]، فحكم الله عليهم: قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ [المائدة:26]، أي: يبقون أربعين سنة يسيرون في أرض محدودة بمساحتها، فرسخ في فرسخ يصبحون حيث أمسوا، ويمسون حيث أصبحوا، يدورون فيها ولا يتعدونها.

    وفي فترة التيه توفي نبي الله موسى عليه السلام، وهلك ذلك الجيل الجبان المتمرد، ونشأ جيل جديد تولى رعايته نبي الله يوشع، وهو فتى موسى عليه السلام، ودخل بهم تلك الأرض.

    كيفية تقسيم ميراث الكلالة

    السؤال: ميراث الكلالة كيف يوزع؟

    الجواب: ذكر ربنا ذلك في آيتين من القرآن: الآية الثانية عشرة من سورة النساء: وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوْ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ [النساء:12]، فبين ربنا جل جلاله أن الكلالة يعني: من ليس له أصل وارث ولا فرع وارث، وله إخوة من الأم، فإذا كان له أخ أو أخت فكل واحد من هؤلاء؛ الأخ من الأم أو الأخت من الأم يأخذ السدس، أما إن كان الإخوة من الأم أكثر من ذلك فهم شركاء في الثلث يتقاسمونه بينهم بالسوية.

    ثم في الآية السادسة والسبعين بعد المائة من سورة النساء قال الله عز وجل: يَسْتَفْتُونَكَ قُلْ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ إِنْ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ [النساء:176]، أي: أخت من الأب أو شقيقة، فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ [النساء:176]، أي: إن كانتا أختين، فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالاً وَنِسَاءً [النساء:176]، يعني: ترك إخوة ذكوراً وإناثاً، سواءً كانوا أشقاء أو من الأب، فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [النساء:176].

    وهذه الآية لما ختمت بقوله تعالى: وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [النساء:176] استدل بها أهل العلم على أنه يستحب للمفتي إذا تكلم بما يظن أنه حكم الله أن يختم فتواه بقوله: والله أعلم، أو الله تعالى أعلم، أو العلم عند الله تعالى.

    صبغ الشعر بالسواد للمتزوجين

    السؤال: زوجة أخينا صلاح الدين تسأل عن صبغة الشعر السوداء ما حكمها؟

    الجواب: النبي صلى الله عليه وسلم نهى عنها، وليست العلة التدليس، يعني: الأخت تظن بأنه إذا كانت المرأة مع زوجها أو الرجل مع امرأته فالتدليس بينهما منتف؛ لأنه مطلع على حالها، يعلم بأنه قد ابيض شعرها بعد سواد، وهي كذلك تعلم بأن شعره أبيض، فالصبغ بالسواد ليس فيه تدليس.

    لكن نقول: ليست العلة التدليس وحده؛ بدليل أن النبي عليه الصلاة والسلام ( لما جيء له بـأبي قحافة ورأسه ولحيته كالثغامة -كالسحابة البيضاء- قال: غيروا هذا الشيب، وجنبوه السواد )، مع أنه معلوم بأن أبا قحافة لو صبغ رأسه ولحيته بالسواد فليس هناك تدليس، فالكل يعلم بأنه شيخ فان؛ لكن النبي عليه الصلاة والسلام نهانا عن الصبغ بالسواد إما لكونه مضراً، أو لكونه تغييراً لخلق الله عز وجل، أو لكونه دالاً على طول الأمل والرغبة في الدنيا، فأمرنا بتغيير الشيب دون أن يكون التغيير بالسواد، فلذلك جاء في الحديث: ( ليكوننّ من أمتي أقوام يخضبون بالسواد كحواصل الطير لا يجدون ريح الجنة )، فيمكن لأحدنا أن يغير الشيب بغير السواد.

    قراءة الأذكار قبل صلاة المغرب

    الشيخ: أما كونك تتحصنين قبل المغرب، فالأفضل أن أذكار الصباح تكون قبل طلوع الشمس، وأذكار المساء تكون قبل غروب الشمس، قال الله عز وجل: وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ [ق:39].

    استعمال المعتدة من وفاة زوجها للحناء

    السؤال: المرأة المتوفى عنها زوجها وهي في العدة هل لها أن تستخدم الحناء؟

    رقية طرحت سؤالاً عن المرأة المعتدة من وفاة زوجها، هل يمكن أن تختضب وتستعمل الحناء؟

    الجواب: لا؛ لأن المعتدة يجب عليها أمران:

    أولاً: إحصاء العدة، وثانياً: الالتزام بالحداد، والحداد معناه أن تجتنب خمسة أشياء وهي: الخضاب، والكحل، والطيب، والحلي، وملابس الزينة، هذه الخمسة لا بد من اجتنابها:

    أولاً: الخضاب، وكذلك ما يزين اليدين والرجلين كالمناكير ونحوها.

    ثانياً: الكحل، ويقاس عليه كل ما يزين الوجه مما تصبغ به العينان أو غيرها.

    ثالثاً: الطيب بكل أنواعه تجتنبه المرأة.

    رابعاً: الحلي بكل أنواعه، سواء ما تحلى به الأصابع أو ما يحلى به الجيد، أو الخلاخيل في الأرجل، أو الأساور أو غيرها.

    خامساً: ملابس الزينة، فتلبس ثياباً غير مصبوغة، وهذا الذي ينبغي أن تلتزمه المرأة المعتدة، وبعد ذلك تلزم بيتها ولا تخرج إلا لضرورة أو لحاجة، وإذا خرجت ترجع قبل المغيب، وتشغل وقتها بطاعة الله عز وجل، وهذه العدة أمر تعبدي، يعني: ليست لمعرفة براءة الرحم فقط، وإنما هي أمر تعبدي بدليل أن المرأة الطاعنة في السن إذا مات زوجها تعتد، وكذلك العاقر التي ثبت يقيناً بأنها لا تنجب أيضاً تعتد، فالعدة فيها الأمر تعبدي، وفيها إظهار الحزن لفقد الزوج، وفيها مواساة أهله، وفيها كذلك معرفة براءة الرحم والعلم عند الله تعالى.

    المتصل: الله يرعاك يا مولانا! أنا أريد تفسير سورة الهمزة، ما هو الهمز واللمز؟ وتفسير العاديات أيضاً لو أمكن إن شاء الله؟

    الشيخ: طيب أبشر إن شاء الله.

    المتصل: أنا علي حسين وعندي سؤالان إن شاء الله:

    السؤال الأول: أسأل عن السبحة، رجل يستعمل اليدين بعد الصلاة، تجده يسبح التسبيحات الثلاث والثلاثين، لكن عنده ورد ليلي، أو يمشي مسافات بعيدة بالنسبة للعمل ويستعمل السبحة في الاستغفار والصلاة على النبي فما الحكم؟

    السؤال الثاني: بالنسبة للزوج عندنا عادات في بلادنا وهي أنهم يحنون العريس، فهل حناء العريس فيه شيء؟

    الشيخ: أبشر.

    تفسير قوله تعالى: (ويل لكل همزة لمزة)

    السؤال: أخونا حمد أبو سارة سأل عن تفسير قول ربنا جل جلاله: وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ [الهمزة:1] وقوله: وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا [العاديات:1]؟

    الجواب: سورة الهمزة هي إحدى سور ثلاث في القرآن بدأت بالدعاء، قول الله عز وجل: وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ [المطففين:1]، وقوله تعالى: وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ [الهمزة:1]، وقوله تعالى: تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ [المسد:1]، وهذه السورة نزلت في مواجهة بعض المشركين الذين كانوا يعتمدون أسلوب السخرية والهمز واللمز، كما قال ربنا جل جلاله: إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنْ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ * وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ * وَإِذَا انقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمْ انقَلَبُوا فَكِهِينَ * وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلاءِ لَضَالُّونَ [المطففين:29-32].

    وكما حكى ربنا جل جلاله عمن تبعهم على ذلك الطريق الضال وهم المنافقون، فقال سبحانه: الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [التوبة:79].

    والهمز واللمز كلاهما سخرية، قال بعض المفسرين: الهمز ما كان باللسان، واللمز ما كان بالإشارة، وقال بعضهم بالعكس: الهمز ما كان بالإشارة، واللمز ما كان باللسان، وبعض المشركين كانوا يؤذون النبي صلى الله عليه وسلم بألسنتهم، وبعضهم كانوا يؤذون النبي صلى الله عليه وسلم بالإشارة والحركات، يعني: مثلاً النبي صلى الله عليه وسلم يتكلم فيختلج أحدهم بوجهه أو يغمز بعينه، ولربما يخرج لسانه ونحو ذلك من الحركات التي لا تليق إلا بمن فقدوا الحجة وأعجزهم البرهان، فالله عز وجل توعد هؤلاء جميعاً بالويل: وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ [الهمزة:1]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( شرار الناس الهمازون المشاءون بالنميمة، الباغون للبرآء العيب ).

    تفسير قوله تعالى: (والعاديات ضبحاً* فالموريات قدحاً* فالمغيرات صبحاً)

    الشيخ: وأما قوله تعالى: وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحاً [العاديات:1]، فالعاديات هي: الخيل التي تعدو في الإغارة على العدو، والضبح هو: صوت الخيل حال عدوها وإغارتها على العدو.

    فَالْمُورِيَاتِ قَدْحاً [العاديات:2]، أيضاً الخيل التي بسنابكها تخرج الشرار من الأرض.

    فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحاً [العاديات:3]، هي الخيل تغير على الأعداء في وقت الصبح.

    استعمال السبحة في تسابيح الأوراد وغيرها خارج الصلوات المكتوبة

    السؤال: أخونا علي حسين ذكر أنه دبر الصلوات المكتوبات يأتي بالباقيات الصالحات عاقداً لهن بأنامله؛ استجابة لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( اعقدوهن بالأنامل فإنهن مسئولات مستنطقات )، يعني: مستنطقات يوم القيامة يشهدن، كما قال ربنا جل جلاله: الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [يس:65]، فهذه الأعضاء تشهد على صاحبها بالخير أو بالشر.

    ويقول: لكن الإنسان قد يكون في سفر طويل فيريد أن يشغل الوقت بالاستغفار أو بالصلاة على خير الأبرار عليه الصلاة والسلام، أو قد يكون له ورد في الليل فيه من التسبيح ألف، وفيه من الاستغفار ألف، وفيه من الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ألف ونحو ذلك وهو يريد أن يستعين بالسبحة، فما الحكم؟

    الجواب: لا مانع، فالسبحة ليست إلا وسيلة، وكما قال علماؤنا: للوسائل حكم المقاصد، مثلما أننا الآن في مساجدنا نستخدم مكبرات الصوت ونستخدم هذه الساعات المضيئة التي تبين أوقات الصلوات، ومثلما نستخدم المنبر ذي الدرجات المعلومة، وغير ذلك من الوسائل التي نستطيع بها ضبط أمورنا وإبلاغ دعوة ربنا جل جلاله، فلا حرج كذلك في استخدام المسبحة؛ لأنها ليست إلا وسيلة.

    وبعض الناس يقول: المسبحة تعينني على ذكر الله، فنقول: طيب هذا كله سائغ مباح والأعمال بالنيات، فمن اتخذها رياءً وسمعة غير الذي اتخذها ليستعين بها على ذكر الله عز وجل، وأسأل الله سبحانه أن يجعلنا من الذاكرين الله كثيراً والذاكرات.

    المتصل: عندي سؤالان:

    السؤال الأول: أطلب يا مولانا! تفسير قوله تعالى: وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُواً أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ [لقمان:6] إلى آخر الآيات؟

    السؤل الثاني: شخص كلف بأمانة ليؤديها لمستحقها، فتصرف بها لمنفعته الشخصية ولم يؤدها لأهلها مع علمه بحاجتهم إليها، ولم يخش الله تعالى في ذلك، فما جزاؤه؟

    وقد قرأت حديث: ( إذا ضاعت الأمانة، ووسد الأمر لغير أهله فانتظر الساعة )، وجزاكم الله كل خير.

    الحناء للعريس

    السؤال: أخونا علي حسين سأل عن تحنية العريس ومكانتها من الدين؟

    الجواب: تحنية العريس ليس لها مكانة في الدين، وإنما هي عادة درج عليها الناس في هذه البلاد بأن الإنسان إذا أعرس فإنه يخضب يديه ورجليه، فهي عادة من العادات، وإلا قد علم الناس طراً بأن الحناء زينة النساء، وخضاب اليدين والرجلين زينة النساء؛ ولذلك حتى في هذه البلاد الرجال لا يفعلونها إلا في العرس، كأنه استثناء، وهذه المسألة قد أجازها بعض أهل العلم لكن بشروط:

    أولاً: ألا يقترن بها معتقد فاسد، فما يعتقده بعض الناس بأن الحناء سبب للإنجاب، وأن الإعراض عنه وتركه سبب للعقم هذا هراء، وهذا معتقد فاسد، وإلا فنحن نعلم بأن الله عز وجل كتب كل شيء، وأنه جل جلاله يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثاً وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ * أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَاناً وَإِنَاثاً وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيماً إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ [الشورى:49-50] سبحانه وتعالى، فالحناء ليس له تأثير في هذا الأمر أصلاً.

    ثانياً: ألا يكون فيها تشبه بالنساء، فالإنسان يخضب يديه في الزواج لكن دون تشبه بالنساء.

    ثالثاً: ألا يترتب على ذلك فعل محرم من اختلاط للرجال بالنساء، أو ملامسة النساء غير المحارم له، فهذه كلها ضوابط ينبغي أن نتقيد بها.

    تفسير قوله تعالى: (ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علم...)

    السؤال: أخونا طه البشير من الجيلي سأل عن قول ربنا جل جلاله: وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُواً أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ * وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِراً كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْراً فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ [لقمان:6-7]؟

    الجواب: هذه الآيات نزلت في شأن أناس يتعمدون الشغب على آيات الله عز وجل، وصرف الناس وصدهم عن سماعها والعمل بها، ويدخل في ذلك دخولاً أولياً من كانوا يقولون: لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ [فصلت:26]، يعني: كان يوصي بعضهم بعضاً إذا بدأ النبي صلى الله عليه وسلم يرتل القرآن بأن تعلو أصواتهم، ويكثرون من التصفيق والتصفير والضجيج والصخب؛ من أجل أن تغطي أصواتهم على صوته صلوات ربي وسلامه عليه.

    ويدخل في ذلك أيضاً من كان يقول: أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً [الفرقان:5]، وهو: النضر بن الحارث الذي كان يأتي والنبي صلى الله عليه وسلم يرتل القرآن، فإذا قام عليه الصلاة والسلام قال: تعالوا أحدثكم عن أخبار رستم و إسفنديار ، فإن محمداً يتلو عليكم أساطير الأولين وأنا كذلك.

    ويدخل في ذلك أيضاً من كانوا يشغبون على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالغناء ونحوه، وقد فسر عبد الله بن مسعود رضي الله عنه هذه الآية بأن لهو الحديث هو: الغناء، فإذا كان في الغناء صد عن سبيل الله، كما هو حال بعض الناس -نسأل الله العافية- تجده بالليل والنهار يستمع للغناء، ولا يحفظ حتى السور القصار، ولا يقرأ القرآن ربما إلا في رمضان أو في يوم الجمعة، ولا يستمع إليه وليس مهتماً بأن يتعلم آيات الله عز وجل، ولا أن يعرف تفسيرها، وتجد عنده من الأشرطة والأسطوانات الشيء الكثير، ويحفظ الأغاني والألحان وأسماء المغنين والملحنين، وهو عن القرآن معرض، فنسأل الله السلامة والعافية.

    خيانة الأمانة واعتبار ذلك من علامات الساعة

    الشيخ: أما قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة ) فهو حديث صحيح، ( لما سأله رجل: متى الساعة؟ قال: النبي عليه الصلاة والسلام: إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة، قيل: وكيف إضاعتها؟ قال: إذا وسد الأمر لغير أهله )، يعني: صار الأمين مخوناً، والخائن مؤتمناً، والصادق مكذباً والكاذب مصدقاً، وأكرم الرجل مخافة شره ونحو ذلك، فهذه هي تضييع الأمانة، والشخص الذي كلف بأن يوصل شيئاً فخان تلك الأمانة ولم يوصلها فهذا يذكر بقول ربنا: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا [النساء:58]، وما خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم خطبة إلا قال: ( لا دين لمن لا عهد له، ولا إيمان لمن لا أمانة له ).

    والأمانة إذا خانها الإنسان فإنها يوم القيامة -كما قال ابن مسعود - تمثل له في قعر جهنم، ويقال له: أدّ أمانتك. فيقول: يا رب! كيف وقد انقضت الدنيا؟ فيقول له: ها هي اذهب فأت بها، فيهوي إثرها -والعياذ بالله!- في نار جهنم ويحملها، ثم إذا أراد أن يخرج فإنه يهوي بها، وهكذا.

    ولذلك نقول: يا أيها الناس! إياكم والخيانة، فإنها من خصال أهل النفاق، قال النبي عليه الصلاة والسلام: ( أربع من كن فيه كان منافقاً خالصاً، ومن كانت فيه خصلة منهن كان فيه خصلة من نفاق حتى يدعها: إذا حدث كذب، وإذا اؤتمن خان، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر ).

    مشاهدة الأستاذ للطالب يغش في الامتحان وعدم إنكاره عليه

    السؤال: ما رأي الدين في أستاذ رأى طالباً معه بخرة يغش منها الامتحان ولم يأخذها منه؟

    الجواب: (البخرة) هي التي يحملها الطلبة الغشاشون من أجل أن ينظروا فيها أثناء الامتحان، أقول: لا شك أن الطالب عاص لله عز وجل؛ لأن ( من غش فليس منا )، والأستاذ الذي يرى ذلك ويقره خائن للأمانة، عاص لله، مدمر للأخلاق؛ لأنه يجعل المجتهد والكسول سواء، والمقبل والمعرض سواء، ويزرع في نفوس الطلاب أنه لا فائدة من السهر ولا المذاكرة، طالما أن الكسول الضجر الذي لها ولعب طوال العام سيأتي عند الامتحان ومعه وريقات صغيرات ينقل منهن، بينما المجد المجتهد يجد جهده قد ذهب أدراج الرياح.

    فلذلك أقول للمراقبين: الله الله! في أن تدمروا الأخلاق وأن تضيعوا الجهود.

    مقدار نصيب الأم من التركة عند وجود زوجة وأب وإخوة

    السؤال: ما هو نصيب الأم من الإرث عند وجود زوجة وأب وإخوة؟

    الجواب: إذا لم يكن للميت أولاد فللزوجة الربع فرضاً، وللأم السدس فرضاً؛ لوجود الجمع من الإخوة، وما بقي فللأب، أما الإخوة فليس لهم شيء؛ لأن الأب يحجبهم حجب حرمان، فهم تسببوا في حجب أمهم من الثلث إلى السدس، ومع ذلك ليس لهم من الأمر شيء.

    ترك المرأة غسل رأسها خوف الضرر مع حاجتها للغسل يومياً

    السؤال: أحتاج للغسل يومياً، وفي بعض الأيام أكثر من مرة، فهل يصح لي الغسل دون غسل شعري خوفاً علي من الضرر؟

    الجواب: يا أمة الله! الغسل لا بد فيه من تعميم البدن بالماء، ولا بد فيه من صب الماء على الرأس حتى يصل إلى فروة الرأس، وإذا كان الإنسان عنده مرض يمنعه من استعمال الماء، أو أنه غلب على ظنه أن الغسل سيسبب له مرضاً ففي هذه الحالة يلجأ إلى البديل وهو التيمم، يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمْ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمْ الْعُسْرَ [البقرة:185]، مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [المائدة:6]، أما مجرد التوهم فلا يبيح التيمم.

    أخذ نقود الأخ بغير إذنه وإنكار ذلك

    السؤال: أخذت نقوداً من أخي دون علمه، وعندما سألني أنكرت ذلك، ما الحل؟

    الجواب: الحل يتمثل في أمرين:

    أولهما: التوبة إلى الله عز وجل من الخيانة ومن الكذب.

    ثانيهما: رد هذا الحق إلى صاحبه دون أن يفضح الإنسان نفسه، فيمكن أن يرده دون أن يعلم أخوه بذلك.

    تسمية الغلام بمجيب الرحمن

    السؤال: هل يجوز تسمية الصبي مجيب الرحمن؟

    الجواب: نعم، لا بأس تفاؤلاً بأنه إن شاء الله سيكون ممن يجيب دعوة الله عز وجل، فيلتزم الأوامر، ويجتنب النواهي.

    إقامة الصلاة لتحية المسجد والضحى وغيرها من النوافل

    السؤال: هل صلاة الضحى وتحية المسجد والنوافل تقام فيها الصلاة أم لا؟

    الجواب: لا، فإن النبي عليه الصلاة والسلام ما كان يأمر بالإقامة إلا في الفريضة؛ حتى صلوات النوافل التي يجمع لها من غير الفريضة، كصلاة التراويح، وصلاة الخسوف والكسوف، والاستسقاء، والعيدين ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يأمر بالإقامة لها.

    ما يلزم من أفطر في رمضان بسبب المشقة، وما يلزم الأم إن منعته من الصيام شفقة عليه

    السؤال: أول رمضان كان واجباً علي وما صمته لأني ما قدرت، ولأني غير متعودة، وأمي قالت لي: لا تصومي، فماذا أفعل؟

    الجواب: أولاً: يلزم أمك التوبة إلى الله عز وجل وكذلك أنت، ولا ينبغي للأم أن تنهى ابنتها ولا ولدها عن الصيام، بل الواجب عليها أن تشجعهم وأن تحفزهم لتنشئهم على طاعة الله عز وجل.

    ثانياً: يلزمك القضاء ولا شيء عليك سواء القضاء.

    قتل القطط المخيفة للأطفال

    السؤال: ما حكم قتل القطط إذا كانت تسبب إزعاجاً ويخاف منها الأطفال؟

    الجواب: ليس فيه حرج، اقتلوها، فحرمة المسلم أعظم عند الله من حرمتها، ولكن تقتل بوسيلة تسرع في إزهاق الروح دون تعذيبها.

    كيفية توزيع معاش الميت

    السؤال: كيف يوزع معاش الميت على ورثته، بالتساوي أو بحسب قسمة الميراث؟

    الجواب: المعاش يوزع حسب اللائحة التي تحكمه، وليس حسب الميراث؛ لأن المعاش ليس تركة، وإنما المعاش هو شيء مفروض من قبل الدولة للإنفاق على بعض من كان الميت يتولاهم قبل موته.

    الذهاب إلى الجمعة من غير غسل

    السؤال: هل من الممكن الذهاب إلى صلاة الجمعة من غير غسل؟

    الجواب: نعم، عند جمهور العلماء غسل الجمعة ليس فرضاً ولا شرطاً، وإنما هو سنة مؤكدة؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( من تطهر في بيته بأحسن ما يجد من طهر )، ولقوله: ( من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل ).

    اتخاذ القاضي المسلم كتاب إنجيل يقسم عليه المتخاصمون من النصارى

    السؤال: هل يجوز للقاضي المسلم اتخاذ كتاب إنجيل يقسم عليه المتخاصمون من النصارى؟

    الجواب: نعم يجوز، وقد قرر علماؤنا رحمهم الله بأن من كان على غير ملة الإسلام فإنه يحلف بالمعظم عنده؛ ولذلك قالوا في اللعان مثلاً: إذا كانت الزوجة نصرانية، فإنها تقسم أيمان اللعان الخمسة في كنيستها؛ ولذلك لو أن القاضي رأى أن يخوف الخصم أو يخوف الشاهد بأن يضع يده على الكتاب المعظم عنده فلا حرج في ذلك إن شاء الله.

    إنفاق الزوجة على أخواتها من مال الزوج بغير علمه

    السؤال: زوجي يعطيني المصاريف، وأنا أصرفها في حاجة أخواتي من غير علمه، فما الحكم؟

    الجواب: لا يجوز؛ لأنه ( لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه )، والزوج إذا أعطى زوجته مالاً فإنما يريد منها أن تنفق هذا المال على نفسها وعلى أولادها وعلى البيت ونحو ذلك، فإذا أرادت الزوجة أن توجه شيئاً من ذلك المال لأمها أو لأخواتها أو لإخوانها فينبغي لها أن تستأذن زوجها في ذلك.

    الدعاء بغير رفع اليدين

    السؤال: هل يجوز الدعاء من غير رفع اليدين؟

    الجواب: نقول: من أدب الدعاء أن ترفع اليدان؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام أخبرنا ( بأن الله عز وجل حيي كريم، يستحي إذا رفع العبد يديه أن يردهما صفراً خائبتين ).

    صفة إخراج زكاة الأرض المعروضة للبيع المملوكة لشركاء

    السؤال: أنا شريك في قطعة أرض قيمتها الآن في السوق أربعون ألفاً، وسعر مشتراها ثمانية وعشرون ألفاً، ونسبتي فيها الربع، وآخر الربع، والأخير النصف، فهل علينا زكاتها؟ وما كيفيتها؟

    الجواب: أولاً: يا أخي! الأرض أو غيرها من السلع التي أعدت للبيع تحسب زكاتها بسعر البيع لا بسعر الشراء، فأنت متعبد بالأربعين ألفاً لا بالثمانية والعشرين.

    ثانياً: طالما أن هذه الأرض بينكم مشتركة فالزكاة تعامل معاملة المال الواحد، الذي يملكه واحد؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم: ( أمرنا ألا نفرق بين مختلط، وألا نجمع بين متفرق خشية الزكاة )، فإذا كانت هذه الأرض سعرها أربعون ألفاً، فالمفروض أن تخرجوا ربع العشر؛ يعني: عشرها أربعة آلاف، فتخرجون ألفاً، وهذه الألف تكون قسمة بينكم.

    لعب البلي بالنسبة للأطفال

    السؤال: هل لعب البلي عند الأطفال حرام؟

    الجواب: الذي أعرفه بأن البلي مال، يعني: هي تشترى بالمال، فهذا يدخل في المقامرة، فلذلك وإن كان الآن الأطفال ما عادوا يلجئون إلى البلي كثيراً بعدما وجد البلايستيشن والألعاب التي يستعملون فيها جهاز الكمبيوتر أو الحاسب الآلي، أما بالنسبة للبلي إذا كان يشترى بالمال فما ينبغي اللعب به إلا أن يكون بالتساوي، ويعد لكل إنسان مجرد لعب، أما أن ألعب وآخذ البلي حق الآخر، فلا يجوز يا أيها الشباب.

    نقف عند هذا الحد، ونلتقي إن شاء الله في حلقة أخرى، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

    وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

    1.   

    أحداث القيامة كما وردت في سورة الزلزلة

    ذكرت هذه السورة أحداث القيامة وما يحدث فيها.

    تغير الكون يوم القيامة

    يقول ربنا سبحانه: إِذَا زُلْزِلَتْ الأَرْضُ زِلْزَالَهَا [الزلزلة:1]، يحدثنا عما يكون يوم القيامة من التغير الذي يطرأ على الكون، وأن هذه الأرض تزلزل، وهذا المعنى وارد في قوله سبحانه: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ [الحج:1]، وفي قوله سبحانه: إِذَا رُجَّتْ الأَرْضُ رَجّاً * وَبُسَّتْ الْجِبَالُ بَسّاً * فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثّاً [الواقعة:4-6]، وفي قوله جل جلاله: وَحُمِلَتْ الأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً [الحاقة:14]، وفي قوله سبحانه: يَوْمَ تَرْجُفُ الأَرْضُ وَالْجِبَالُ وَكَانَتْ الْجِبَالُ كَثِيباً مَهِيلاً [المزمل:14].

    فالأرض تزلزل، وهذه الزلزلة هل تكون قبل قيام الناس من قبورهم، أم تكون بعد قيامهم من قبورهم يوم القيامة؟

    الذي يظهر والعلم عند الله تعالى هو القول الثاني؛ لحديث أبي سعيد في صحيح البخاري بأن الله عز وجل يقول: ( يا آدم! فيقول: لبيك وسعديك والخير في يديك. فيقول الله عز وجل: أخرج بعث النار من ولدك. فيقول آدم: وما بعث النار؟ فيقول الله عز وجل: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون، قال النبي صلى الله عليه وسلم: فذلك حين تضع كل ذات حمل حملها، وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد ).

    فلو ربط هذا المعنى بقوله سبحانه: اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا [الحج:1-2]، علم بأن هذه الزلزلة تكون مع القيامة.

    إخراج الأرض الكنوز والأجساد يوم القيامة

    قوله تعالى: وَأَخْرَجَتْ الأَرْضُ أَثْقَالَهَا [الزلزلة:2]، أي: تخرج الأرض ما في بطنها من الأجساد، تخرج الأرض ما في بطنها من الكنوز، كأساطين الذهب والفضة، ويخرج الناس من قبورهم كما قال ربنا جل جلاله: أَفَلا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ * وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ * إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ [العاديات:9-11].

    وَأَخْرَجَتْ الأَرْضُ أَثْقَالَهَا [الزلزلة:2]، تخرج ما في بطنها من الكنوز المخبوءة، ( فيمر عليها الناس يقول القاتل: من أجل هذا قتلت، ويقول القاطع: من أجل هذا قطعت رحمي، ويقول السارق: في هذا قطعت يدي، ثم يدعونه فلا يأخذون منه شيئاً )؛ لأنهم يعلمون في تلك الساعة أن الحساب قريب، وكما قال ربنا جل جلاله: فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ [ق:22]، رأى كل إنسان رأي العين ما كان يسمع به عن عالم الغيب، وما كان يقرؤه في آيات القرآن، يراه رأي العين.

    سؤال الإنسان يوم القيامة عن سبب زلزلة الأرض واضطرابها

    قوله تعالى: وَقَالَ الإِنسَانُ مَا لَهَا [الزلزلة:3]؟ أي: يسأل سؤال المدهوش المفجوء المبهوت، يستوي في ذلك الجبان والشجاع، والحليم والطائش، الكل يسأل: وَقَالَ الإِنسَانُ مَا لَهَا [الزلزلة:3]؟ ولربما يكون المراد بالإنسان هاهنا الإنسان الكافر، أما المؤمن الطيب فيكون حاله كما قال ربنا جل جلاله: هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ [يس:52] أي: وعدنا الرحمن بأن يوماً عظيماً عقيماً عبوساً قمطريراً سيجمع فيه الأولين والآخرين، فيحاسبهم على ما قدموا، وكان هذا الوعد عندهم مصدقاً؛ ولذلك يقولون: هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ [يس:52].

    أما الكافر والمنافق والفاجر فإنه يسأل هذا السؤال: مَا لَهَا [الزلزلة:3]؟ أي: ماللأرض ترجف وتميد وتضطرب؟

    تحديث الأرض يوم القيامة عن عمل ابن آدم

    قال الله عز وجل: يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا [الزلزلة:4]، قال النبي صلى الله عليه وسلم والحديث عند الترمذي من رواية أبي هريرة رضي الله عنه: ( تحدث بما عمل كل امرئ على ظهرها )، تحدث هذه الأرض من سجد لله عز وجل وركع، من استقام وخشع، من سعى في الخير ومشى عليها ساعياً إلى الصلوات، ماشياً في صلة الأرحام، ماشياً في عمارتها بطاعة الله عز وجل، متنقلاً في فجاجها، داعياً إلى الله، آمراً بالمعروف وناهياً عن المنكر، وتحدث كذلك بأخبارها من مشى عليها صاداً عن سبيل الله، مكذباً بقدر الله، عاصياً لأوامر الله، مجترئاً على محارم الله، وتحدث بما عمل كل امرئ على ظهرها، كما قال ربنا: يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ [الحاقة:18]، أي: كل شيء ظاهر باد.

    ثم قال: بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا [الزلزلة:5]، والسبب: أن ربك جل جلاله قد أذن لها بأن تحدث وأن تتكلم، وهذه الجمادات لها إدراك ولها اختيار، كما قال ربنا جل جلاله: وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحاً فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا [الكهف:82]، فأخبر أن الجدار أراد أن ينقض، فأثبت للجدار إرادة، وقال الله عز وجل: تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً [الإسراء:44].

    خروج الناس يوم القيامة من قبورهم لمشاهدة أعمالهم

    قال تعالى: يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ [الزلزلة:6]، الصدور ضد الورود، الصدور: الخروج من القبور، والورود إلى أرض المحشر.

    أَشْتَاتاً [الزلزلة:6]، الأشتات جمع شت، وهي: الفرقة والقبيل.

    يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتاً [الزلزلة:6]، فمن عامل خيراً ومن عامل شراً، ومن ذاهب إلى الجنة ومأمور به إلى النار، وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ [الروم:14]، وفي آية أخرى: يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ [الروم:43].

    فليس الناس فريقاً واحداً، بل الناس أشتات والناس فرق، فمن مأمور به إلى الفردوس الأعلى، ومن مأمور به إلى ما دون ذلك، ومن مأمور به إلى الدرك الأسفل من النار، ومن مأمور به إلى ما فوق ذلك، فأهل الجنة متفاوتون وهم أشتات، وأهل النار كذلك متفاوتون وهم أشتات، كما قال ربنا جل جلاله: وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ [غافر:46]، ففي النار عذاب شديد وعذاب أشد، وكذلك في الجنة نعيم مقيم، نسأل الله أن يجعلنا من أهلها، ولكنهم ليسوا سواءً، بل ( في الجنة مائة درجة ما بين الدرجة والدرجة، كما بين السماء والأرض ) كما أخبر نبينا عليه الصلاة والسلام.

    لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ [الزلزلة:6]، أي: من أجل أن تعرض عليهم تلك الأعمال كما قال ربنا جل جلاله: وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنشُوراً * اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً [الإسراء:13-14]، وقال: وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِراً وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً [الكهف:49]، وقال: يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً [آل عمران:30]، وقال: فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمْ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ * إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ * فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ * قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ * كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأَيَّامِ الْخَالِيَةِ * وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ * يَا لَيْتَهَا كَانَتْ الْقَاضِيَةَ * مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ [الحاقة:19-29]، هكذا يوم القيامة تجد كل نفس ما عملت معروضاً.

    الجزاء يوم القيامة ورؤية الأعمال فيه

    قال الله عز وجل: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَه [الزلزلة:7]، وقد قال صلى الله عليه وسلم: ( لا تحقرن من المعروف شيئاً ولو أن تصب من دلوك في دلو المستسقي، ولو أن تلقى أخاك بوجه منبسط ) وقال: ( لا تحقرن من المعروف شيئاً ولو أن تلقى أخاك بوجه طليق )، وقال: ( لا تحقرن جارة لجارتها ولو فرسن شاة )، فالنبي عليه الصلاة والسلام علم أصحابه أن كل شيء مكتوب، إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً [النساء:40].

    وأمنا عائشة رضي الله عنها كان بين يديها قطف من عنب فأتى سائل فأعطته عنبة، فجعل السائل يقلبها ويعجب، فقالت له: ألم تقرأ قوله تعالى: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَه [الزلزلة:7]؟ قال: بلى. قالت: فانظر كم فيها من مثاقيل الذر، ولذلك فإن الإنسان يوم القيامة يحتاج إلى مثقال الذرة من الخير، وعلماؤنا الأولون رحمهم الله كان بعضهم يقول: مثقال الذر هو الحبة من الرمل، وبعضهم كان يقول: إذا ضربت يدك بالتراب ثم نفضتها فما علق بها بعد ذلك فهذا مثقال الذر، والعلم الحديث أثبت أن الذرة دون ذلك بكثير.

    فمن قال: سبحان الله، ومن قال: الحمد لله، ومن قال: لا إله إلا الله، ومن قال: الله أكبر، ومن صلى على رسول الله صلى الله عليه وسلم مرة، ومن تصدق بالشيء التافه اليسير، ومن تصدق بتمرة، ومن تصدق بمبلغ يسير من المال، ومن خرج من عينه مثل رأس الذباب من خشية الله، يعني: ما خرجت منه دموع حتى بلت الحصباء، أو حتى اخضلت لحيته، وإنما خرج منه مثل مثقال الذر، مثل رأس الذباب من خشية الله عز وجل يره، ومن أمر بمعروف أو نهى عن منكر، أو أصلح بين اثنين، أو أعان رجلاً على دابته فرفع متاعه، أو حمله عليها، هذا كله يره.

    قال تعالى: وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَه [الزلزلة:8]، أي: من تكلم بالكلمة القذعة الخبيثة، ومن أساء، ومن آذى، ومن سخر، ومن ضحك، ومن فعل الشيء اليسير سيراه، وقد قال صلى الله عليه وسلم: ( إياكم ومحقرات الذنوب، فإنهن يجتمعن على العبد حتى يهلكنه ).

    فهذه السورة المباركة ختمت بهاتين الآيتين الكريمتين، ومن فقهها فإنه يتقي الله عز وجل فيما يأتي وفيما يذر، فيما يقول وفيما يفعل، ويتقي الله في خطراته وفي نظراته وفي لحظاته ويتقي الله عز وجل في عمره، ويعلم بأن الله عز وجل لا يضيع عمل عامل، يقول سبحانه: لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيّاً وَلا نَصِيراً * وَمَنْ يَعْمَلْ مِنْ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيراً [النساء:123-124].

    أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يجعل القرآن العظيم ربيع قلوبنا، ونور صدورنا، وذهاب غمومنا، وجلاء أحزاننا.