إسلام ويب

من سورة البقرة [3]للشيخ : عبد الحي يوسف

  •  التفريغ النصي الكامل
  • قد يبطئ النصر، ويتأخر الفرج حتى تيأس القلوب، لكن حينها ينزل نصر الله ويحصل فرجه (( أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ ))، والعاقبة للمتقين، فلا خوف ولا قلق على مستقبل الأمة، فالنصر آت لا محالة، والفرج يلوح في الأفق، ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم...)

    الحمد لله، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه، أما بعد:

    أسأل الله سبحانه أن يجعلنا من المقبولين.

    في الآية الرابعة عشرة بعد المائتين من سورة البقرة يقول ربنا جل جلاله: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمْ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ [البقرة:214].

    سبب نزول هذه الآية

    هذه الآية قال عنها أهل التفسير: نزلت في شأن غزوة الأحزاب، فقد استبد بالمسلمين الخوف والجوع والبرد، وحاصرهم الكفار من قريش وتميم وغطفان والأحابيش، وتحالف معهم يهود بني قريظة، فنزلت هذه الآية تسلية للمسلمين.

    وقال بعضهم: بل نزلت هذه الآية جواباً على رأس النفاق عبد الله بن أبي ابن سلول، فإنه لما أصيب المسلمون يوم أحد، وقتل سبعون من سراتهم، وجرح رسول الله صلى الله عليه وسلم في وجهه وركبتيه، قال عبد الله ابن سلول للمسلمين: علام تقتلون أنفسكم؟ لو كان محمد نبياً لما تعرضتم للقتل، فأنزل الله عز وجل هذه الآية يبين فيها أن الابتلاء سنة ماضية، وأن المؤمنين في الأمم السالفة قد تعرضوا لمثل هذا.

    يقول سبحانه: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ[البقرة:214]، والجنة سلعة الله عز وجل الغالية، وهي لا تمنح من غير بذل، إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنْ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمْ الْجَنَّةَ[التوبة:111]، أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ[البقرة:214].

    المثل هاهنا بمعنى الصفة، أي: ولما يأتكم وصف الذين من قبلكم، كيف كان وصفهم يا ربنا؟ يذكره ربنا في تكملة الآية.

    المراد بالبأساء والضراء والفرق بينهما

    قال: مَسَّتْهُمْ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ[البقرة:214]، البأساء ضد النعماء، والضراء ضد السراء.

    قيل في الفرق بينهما: بأن البأساء هي ما ينزل بالإنسان من بلاء في خارج نفسه، كأن ينزل به بلاء في ماله، في جاهه، في أهله، أما الضراء فهي ما ينزل بالإنسان من بلاء في نفسه، أو في جسده، من جرح أو قتل، ونحو ذلك.

    وهذا المعنى قد تكرر في القرآن، كقول الله عز وجل: وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلاَّ أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ [الأعراف:94]، وقوله سبحانه: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ [الأنعام:42].

    يقول الله عز وجل في هؤلاء الذين من قبلنا: مَسَّتْهُمْ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا[البقرة:214].

    الزلزلة: الحركة الشديدة، واستعيرت هنا لوصف حال قلوبهم، وما نزل بهم من الخوف والرعب، كما قال الله عز وجل عن أصحاب نبيه صلى الله عليه وسلم: اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ ... * إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً [الأحزاب:9-11].

    زلزل المسلمون يوم الأحزاب كما زلزل من كان قبلهم، مَسَّتْهُمْ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ[البقرة:214].

    فهذا سؤال يطرحه الإنسان بدافع الضعف البشري، وبدافع استعجال الخير، لا يَسْأَمُ الإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ [فصلت:49]، وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ فَنَذَرُ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ [يونس:11].

    وقولهم: مَتَى نَصْرُ اللَّهِ[البقرة:214]، أي: متى يأتي الفرج؟

    جاء الصحابة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا له: (يا نبي الله! نصبح ونمسي في السلاح). يعني دائماً نحن خائفون وجلون، ودائماً في حراسات (نصبح ونمسي في السلاح، فبشرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يوشك أن يأتي عليكم زمان يسير الراكب فيه من صنعاء إلى حضرموت لا يخشى إلا الله والذئب على غنمه، ولكنكم قوم تستعجلون ). أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ [البقرة:214].

    هذا الذي يبشر الله به عباده المؤمنين، لكن كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إن الله تعالى لا يعجل لعجلة أحدكم ).

    انظروا أيها الإخوة الكرام، قبل تسع سنوات لما غزت الجيوش الصليبية -جيوش اثنتين وأربعين دولة- بلاد الأفغان وجعلت عاليها سافلها، أبادت خضراءها، يرمون بالقنابل، الواحدة تزن طناً، فجروا كل شيء وأهلكوا الحرث والنسل، الآن بعد مضي ثمان سنوات أو تزيد على هذا الغزو الغاشم والعدوان السافر نراهم يبحثون عن المخرج، ولكن هيهات هيهات!

    تسع سنوات في عمر الأمم لا تعد شيئاً مذكوراً، لكن الناس لا ينبغي أن يستعجلوا، مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ [البقرة:214]، هذا هو الدرس الذي نتعلمه من هذه الآية.

    1.   

    تمثيل الإنفاق في سبيل الله وثوابه بالزرع كثير الثمر

    في الآية الحادية والستين بعد المائتين يقول الله عز وجل: مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ [البقرة:261].

    هذه الآية فيها حث على النفقة والبذل، ورسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( ثلاث أقسم عليهن، ما نقص مال من صدقة ... )، ( وما من يوم يصبح إلا ينزل فيه ملكان، يقول أحدهما: اللهم أعط منفقاً خلفاً، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكاً تلفاً ).

    وفي القرآن الكريم يقول الله عز وجل: وَمَا أَنفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ [سبأ:39].

    والله جل جلاله يبين لنا في صورة محسوسة كيف يضاعف الأجر، فيشبه المنفق بالزارع الذي يبذر في الأرض حبة واحدة، وهذه الحبة يخرج منها ساق، وهذا الساق يتفرع إلى شعب سبع، في كل شعبة سنبلة، وفي كل سنبلة مائة حبة، فالحبة صارت سبعمائة حبة، وليس هذا فقط، بل قال: وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ .

    وهذه النتيجة (السبعمائة) ليست لازمة، بل قد تكون النتيجة تسعمائة، قد تكون ألفاً أو ألفين، أو مائة ألف، أو ألف ألف، وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ .

    وفي هذه الآية حث على النفقة وبيان لفضلها، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إن الله يقبل صدقة أحدكم بيمينه ويربيها كما يربي أحدكم فلوه )، فمثلما يكون عند الواحد منا بهيمة صغيرة لا يزال يطعمها ويسقيها ويرعاها ويتعهدها حتى تصير سمينة كبيرة، كذلك هذه الصدقة التي تعدها صغيرة، فإن الله عز وجل ينميها ويكبرها حتى تكون يوم القيامة حسنات كأمثال الجبال.

    1.   

    تمثيل إبطال الصدقة بالمن والأذى بمحو المطر للتراب الواقع على الصخر

    مسك الختام في الآية الرابعة والستين بعد المائتين من سورة البقرة يقول الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالأَذَى كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْداً لا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ [البقرة:264].

    في هذه الآية يبين ربنا جل جلاله أن بعض الناس ينفق ويتصدق، لكن لا لوجه الله، وإنما ينفق -والعياذ بالله- رئاء الناس، من أجل أن يروه، أو من أجل أن يقولوا: هذا محسن كبير، وهذا متصدق جواد، وهذا منفق معطاء.

    قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( أول من تسعر بهم النار يوم القيامة ثلاثة، وعد من بينهم ذاك الرجل المنفق الذي يأتي الله به، فيعرفه نعمه، ثم يقول له: ماذا عملت بها؟ يقول: يا رب! ما تركت من سبيل يقرب إليك إلا أنفقت فيه، فيقول الله عز وجل: كذبت، ولكن أنفقت ليقال: جواد، ليقال: كريم، وقد قيل، خذوه إلى النار ).

    لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالأَذَى[البقرة:264]، المن يكون بأن الإنسان يمتن على الآخذ، يقول له: ألم أعطك؟ ألم أنفق عليك؟ ألم أفعل لك كذا؟ ألم، ألم، ألم، هذا هو المن.

    والأذى كأن يقول له: خلصنا الله منك، أراحنا الله من وجهك، ونحو ذلك من الكلام، والأذى أشد من المن، لكن الله عز وجل قدم المن؛ لكثرة وقوعه في الناس.

    وفي صحيح مسلم من حديث أبي ذر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولهم عذاب أليم: المسبل إزاره، والمنان بما أعطى، والمنفق سلعته بالحلف الكاذب )، وفي حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم: العاق لوالديه، والمرأة المترجلة، والديوث -أي الذي يقر الخبث في أهله-، وثلاثة لا يدخلون الجنة: العاق لوالديه)، وهنا نلاحظ أن النبي صلى الله عليه وسلم كرر العاق لوالديه في أنه لا يكلمه الله ولا ينظر إليه ولا يزكيه، وكذلك لا يدخل الجنة ( العاق لوالديه، ومدمن الخمر، والمنان بما أعطى ).

    وفي حديث أبي بكر رضي الله عنه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( لا يدخل الجنة خب ولا منان )، (الخب) المخادع الغشاش.

    قال الله عز وجل في هذا الذي ينفق ماله رئاء الناس، ولا يؤمن بالله واليوم الآخر: فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ[البقرة:264]، الصفوان واحده صفوانة، كالمرجان واحده مرجانة، والسعدان واحده سعدانة، والصفوان هو الحجر الأملس، الناعم، فلو صعدت على جبل الصفا، ستجد حجارته ناعمة ملساء.

    فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ[البقرة:264]، والوابل هو المطر الشديد.

    فَأَصَابَهُ وَابِلٌ[البقرة:264]، وهذا الحجر الصفوان الذي عليه تراب إذا نزل عليه المطر هل ينبت زرعاً؟ لا ينبت فيه الزرع، ما زاد المطر على أن لمعه وجلاه وأزال التراب عنه، وكذلك المنان الذي يعطي ماله رئاء الناس، ولا يؤمن بالله واليوم الآخر، ويوم القيامة لن يجد لنفقته ولا حسنة واحدة.

    يقال له: يا خاسر! يا غادر! اذهب إلى من كنت ترائي له في الدنيا فاطلب منه الأجر، وهيهات هيهات! يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَالأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ [الانفطار:19].

    أسأل الله أن يرزقنا الإخلاص.

    وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.