إسلام ويب

تأملات في سور القرآن - استوصوا بالقرآنللشيخ : عبد الحي يوسف

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من المتقرر عند كل مسلم أن القرآن الكريم خير كله، وبر كله، وبركة كله، وسعادة كله، فمن قرأه وعمل به سعد ونجا، ومن أعرض عنه وأهمله ضل وشقى، ولاشك أن المؤمن الذي يقرأ القرآن خير من المؤمن الذي لا يقرؤه.

    1.   

    الوصية بالقرآن والتحذير من هجره

    الحمد لله، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه، أما بعد:

    فأسأل الله سبحانه أن يجعلنا من المقبولين.

    وإذا كان من وصية فهي الوصية بهذا القرآن، هذا الكتاب العزيز، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وهو خير كله، وبر كله، وبركة كله، وسعادة ورحمة وشفاء ونور وهدى، كما وصفه ربنا جل جلاله في القرآن، ووصفه نبينا عليه الصلاة والسلام بأن ( فيه خبر ما قبلنا ونبأ ما بعدنا وحكم ما بيننا، هو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله ).

    وهذا القرآن لا ينبغي أن يهجر، بل الواجب على المسلم العاقل أن يجعل له ورداً من القرآن في كل يوم لا يخل به، لا يمر عليك يوم إلا وقد جددت العهد بهذا الكتاب المبارك؛ لئلا تكون ممن يشكوهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ربه، وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً [الفرقان:30].

    فأنت على خير لو تلوته، وأنت على خير لو تعلمته، وأنت على خير لو علمته، وأنت على خير لو تدبرته، ما دامت لك بهذا القرآن الكريم صلة، فأنت على باب عظيم من أبواب الخير.

    1.   

    الوصية بسور مخصوصة من القرآن الكريم

    وإذا كانت الوصية بالقرآن عامة فقد أوصانا رسول الله صلى الله عليه وسلم بسور مخصوصة كسورة البقرة، وأخبرنا أن ( أخذها بركة وتركها حسرة، ولا يستطيعها البطلة )، وأخبرنا أن ( الشيطان ينفر من البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة ).

    وكذلك أوصانا مع سورة البقرة بسورة آل عمران، فقال: ( اقرأوا الزهراوين: البقرة وآل عمران، فإنهما يأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان أو غيايتان أو فرقان من طير صواف تحاجان عن صاحبهما ).

    وأوصانا صلى الله عليه وسلم كذلك بسورة الأنعام التي نزلت في ليلة واحدة ومعها سبعون ألف ملك لهم زجل التسبيح والتحميد.

    وأوصانا صلوات ربي وسلامه عليه بسورة السجدة، وقد كان لا ينام حتى يقرأها، وبسورة تبارك الذي بيده الملك، وأخبرنا أنها المنجية، وأوصانا بقل هو الله أحد، التي تعدل ثلث القرآن، وبالمعوذتين اللتين ما تعوذ متعوذ بمثلهما قط! وفي الحديث ( لقد نزلت علي آيات من السماء لم ير مثلهن قط، قل أعوذ برب الفلق وقل أعوذ برب الناس ).

    وأوصانا صلى الله عليه وسلم بخواتيم سورة البقرة وبفاتحة الكتاب، نزل عليه جبريل عليه السلام فقال له: ( يا محمد! أبشر بنورين أوتيتهما لم يؤتهما نبي قبلك، فاتحة الكتاب وخواتيم سورة البقرة، لا تقرأ حرفاً منهما إلا أوتيته ).

    وكذلك سورة الفاتحة، الكافية والشافية والمنجية والرقية والأساس وأم القرآن وأم الكتاب والسبع المثاني والقرآن العظيم الذي آتاه الله نبينا محمداً صلى الله عليه وسلم، فما أنزل الله في التوراة ولا الإنجيل ولا الزبور ولا الفرقان مثلها، هي أعظم سورة في القرآن، ولذلك حري بنا أن ننظر في القرآن وأن نقرأ القرآن وأن نتدبر القرآن، وأن نحرص على أن نعرف معاني القرآن، وعلى أن نستشفي بالقرآن وأن نعمل بالقرآن، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن كمثل الأترجة، ريحها طيب وطعمها حلو )، أي: المؤمن الذي يقرأ القرآن ظاهره طيب وباطنه طيب، ( ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن كمثل التمرة، لا ريح لها وطعمها حلو )، فظاهره لا يوحي بطيب ولا حسن ولا بهاء، لكن باطنه طيب؛ لأنه مؤمن بهذا القرآن.

    ( ومثل المنافق الذي يقرأ القرآن كمثل الريحانة، ريحها طيب وطعمها مر )، هكذا المنافق ظاهره طيب ولكن باطنه خبيث، ( ومثل المنافق الذي لا يقرأ القرآن كمثل الحنظلة، لا ريح لها وطعمها مر )، أي: هو قبيح الظاهر والباطن.

    نسأل الله أن يجعلنا طيبين مطيبين.

    وإذا أردت أن تكون طيباً مطيباً؛ فليكن عهدك بالقرآن جديداً، لا تهمل القرآن بعد رمضان، لا ينبغي أن يمر عليك شهر إلا وقد ختمت القرآن مرة، تجده يوم القيامة حسنات كأمثال الجبال، وينور الله به عليك في قبرك أحوج ما تكون إليه.

    1.   

    الدعاء بعد ختم القرآن الكريم

    وقد علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ندعو الله عقيب كل عمل صالح، فبعد الصلاة علمنا أن نقول: اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك. وأخبرنا أن للصائم دعوة مستجابة عند فطره، وكان إذا طاف بالبيت وقف عند الملتزم يدعو، وإذا رمى الجمرة الصغرى والوسطى وقف عندهما يدعو طويلاً قريباً من قراءة سورة البقرة.

    وكذلك بعد ختم القرآن لابد من دعاء؛ ولذلك كان أنس بن مالك خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم رضي الله عنه إذا أكمل المصحف يجمع أهله وولده ويدعو وهم يؤمنون.

    وكذلك عبد الله بن عباس رضي الله عنه كان يبعث غلاماً يراقب ناساً يقرءون في المسجد، فإذا أراد أحدهم أن يختم حرص ابن عباس رضي الله عنه على أن يحضر الدعاء ويشهده، فلعل هذه من مواطن الإجابة إن شاء الله.

    وكذلك إخواننا القائمون على حلق القرآن في المساجد بعد صلاة الصبح، أشد على أيديهم وأقول لهم: هذا العمل الذي تقومون به عمل بار، عمل طيب، عمل مبارك، احرصوا عليه وداوموا على هذه الحلقات، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه فيما بينهم إلا نزلت عليهم الرحمة، وغشيتهم السكينة وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ).

    جددوا العهد بالقرآن في كل يوم يكن لك بالقرآن عهد قريب، وتجد لتلاوته حلاوة وطلاوة.

    أسأل الله سبحانه أن ينفعني وإياكم، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.