إسلام ويب

شرح رسالة ابن أبي زيد القيرواني [1]للشيخ : عبد الحي يوسف

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن دراسة علم العقيدة مهم جداً للمسلم لكونه يعني بجملة من القضايا العلمية التي ينعقد عليها القلب بحيث لا تقبل الشك؛ ولأن أساسيات قبول الأعمال عند الله عز وجل تنبني على الاعتقاد الصحيح مع الإخلاص ومتابعة النبي صلى الله عليه وسلم فيما شرع.

    1.   

    علم العقيدة

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله رب العالمين, وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد, الرحمة المهداة, والنعمة المسداة, والسراج المنير, وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

    فنسأل الله سبحانه كما جمعنا في هذا المجلس المبارك أن يجمعنا في جنات النعيم, وأن يرزقنا لذة النظر إلى وجهه الكريم, وأن يجعلنا إخواناً على سرر متقابلين.

    ولا بد في بداية هذا المجلس أن نذكر بأن خير ما يبدأ به المسلم يومه هو ذكر الله عز وجل, وأفضل المجالس هي المجالس التي يجتمع الناس فيها من أجل أن يذكروا ربهم, ومن أجل أن يتعلموا أحكام دينهم؛ وقد ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله, يتلون كتاب الله ويتدارسونه فيما بينهم, إلا نزلت عليهم الرحمة, وغشيتهم السكينة, وحفتهم الملائكة ), فنسأل الله أن يجعلنا منهم.

    كما تعلمون فإن فروع العلوم كثيرة, والعلم بحر لا شاطئ له, لكن لو أن الإنسان أحاطه بجمل نافعة في كل فرع من الفروع؛ فإنه يستطيع أن يحصن نفسه بعلم نافع, يمنعه من الزيغ والانحراف.

    فقد تخيرت فرعاً من فروع العلم التي ينبغي الإحاطة به, وهو ما اصطلح الناس على تسميته بعلم العقيدة, والكلام في هذا العلم -إن شاء الله- يتناول الحديث عن معنى هذه الكلمة, وهي: كلمة العقيدة, ثم لماذا ندرس علم العقيدة؟ ثم طريقة التصنيف في هذا العلم, وغير ذلك مما يأتي به الله إن شاء الله.

    فكلمة العقيدة لم ترد في القرآن ولا في السنة, وإنما هي من المصطلحات الحادثة أو الناشئة؛ وكما يقول علماؤنا: لا مشاحة في الاصطلاح.

    كما أن من العلوم التي ندرسها ونحرص عليها علم التجويد, يعني: يتعلم الإنسان فيه كيف يقرأ كلام الله عز وجل, وهذه الكلمة -أي: التجويد- لا وجود لها في القرآن ولا في السنة, وإنما الموجود -مثلاً- كلمة (الترتيل) من قوله تعالى: وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا[المزمل:4].

    ومن علوم الآلة التي يدرسها الناس اليوم: علم النحو, الذي يستطيع الإنسان به أن يقيم لسانه على وفق ما تكلمت به العرب الأقحاح, وكلمة (النحو) كعلم لا نجدها في القرآن ولا في السنة, ولا عرف الصحابة بهذه المصطلحات من أن الفاعل مرفوع, والمفعول منصوب, أو أن هناك مبتدأ وخبراً, وفاعلاً ونائب فاعل, وحالاً ونحو ذلك؛ فهم لم يعرفوا هذه المصطلحات, ولكن اضطر أهل العلم إلى وضعها من أجل أن يعلموا الناس كيف ينطقون بكلام عربي صحيح على وفق ما نزل به القرآن الكريم الذي قال عنه تعالى: إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا[يوسف:2]؛ وقال الله تعالى: إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا[الزخرف:3], وقال الله تعالى: لِتَكُونَ مِنَ المُنذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ[الشعراء:194-195].

    معنى (العقيدة) لغة

    فأقول: إن كلمة العقيدة ليست موجودة, لكن هناك مرادفات لها مثل: كلمة (الإيمان), وكلمة الإسلام, فهذه الكلمات نعني بها ما نعني بكلمة العقيدة, وكلمة (العقيدة) مشتقة من العقد؛ بمعنى: الشد والربط, فكلمة العقيدة مأخوذ فيها معنى الشدة؛ ومنه تقول العرب: انعقد العسل إذا اشتد وصلب, أو يقولون: انعقدت النواة إذا صلبت, فكلمة العقيدة فيها معنى الشد والربط, ومنه تقول: عقدت الحبل إذا شددته وربطته.

    معنى (العقيدة) اصطلاحاً

    والمقصود بكلمة العقيدة جملة من القضايا العلمية التي ينعقد عليها القلب, لا تقبل شكاً ولا ريبة, فمثلاً أقول لك: ماذا تعتقد في الله؟ فتقول لي: أعتقد بأن الله واحد لا شريك له, ولا ند له, ولا مثيل له, وأنه رب كل شيء ومليكه, وأنه المستحق للعبادة وحده؛ فهذه عقيدة.

    وأقول لك: ماذا تعتقد في الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم؟ فتقول لي: أعتقد بأنهم بشر، وهم أكمل البشر خلقاً وخلقاً, وأنهم صادقون بارون راشدون يوحى إليهم من الله, وقد أيدوا بالمعجزات التي تدل على صدقهم, وصحة نبوتهم؛ فهذه عقيدة.

    وأقول لك: ماذا تعتقد في محمد صلى الله عليه وسلم؟ تقول لي: أعتقد بأنه خاتم النبيين؛ فلا نبي بعده, وأنه سيد المرسلين وأفضلهم وأشرفهم, فهو خطيبهم إذا اجتمعوا, وإمامهم إذا وفدوا, وأنه عليه الصلاة والسلام قد أكمل الله به الدين, وأتم به النعمة؛ فلا يحتاج الناس بعده إلى نبي ولا رسول، فهذه عقيدة.

    وأقول لك: ماذا تعتقد في الملائكة؟ فتقول لي: أعتقد بأنهم صنف من خلق الله مجبولون على الطاعة, مخلوقون من نور, لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون, وأن لهم صفات خلقية وخلقية.

    وأقول لك: ماذا تعتقد في القيامة؟ فتقول لي: أعتقد أن من مات فقد قامت قيامته, وأنه إذا خرجت الروح من البدن فإنها تكون في أعلى عليين, أو في أسفل سافلين, وأن القبر روضة من رياض الجنة, أو حفرة من حفر النار, وأن عذاب القبر ونعيمه حق لا ريب فيه, وأن الساعة آتية لا ريب فيها, وأن بين يدي الساعة أشراطاً, وهذه الأشراط وقع بعضها, ولم يقع بعضها.

    فهذه كلها قضايا علمية, والإنسان يعتقدها في قلبه؛ ولذلك علم العقيدة يسمى بالفقه الأكبر, ويسمى بفقه القلب, خلاف الفقه العملي, يعني مثلاً: الطهارة هي فقه عملي؛ لأنه متعلق بالجوارح, والصلاة فقه عملي متعلق بالجوارح, أما هذه القضايا العلمية التي أكثرها يتعلق بالغيب الذي ستره الله عنا, فنحن نسميها بالفقه الأكبر, ونسميها بالفقه القلبي, أو نسميها بعلم العقيدة.

    1.   

    أهمية دراسة علم العقيدة

    والسؤال هنا هو: لماذا ندرس علم العقيدة؟ يعني: الآن ربما البعض يدور في ذهنه سؤال يقول فيه: كان الأولى أن ندرس ما يتعلق بالفقه العملي, مثل: كيفية البيع والشراء، وكيفية وقوع النكاح والطلاق، وكيفية الطهارة والصلاة.

    أو ربما يقول البعض: كان الأولى أن نتناول شيئاً من تفسير القرآن، أو نتناول شيئاً من سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم, أو نتعلم بعضاً من أحاديثه في الأحكام أو في الرقائق أو في الترغيب والترهيب وما إلى ذلك.

    أقول: إنه قد أجمع أهل العلم على أن العمل لا يكون مقبولاً عند الله عز وجل إلا إذا كان مبنياً على ثلاثة أمور أساسية وهي:

    الأساس الأول: الاعتقاد الصحيح؛ بمعنى: أن يشهد الإنسان شهادة حق أنه لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    فلو أن الإنسان ليس عنده اعتقاد صحيح فصلى وصام حتى مات لم ينفعه هذا العمل عند الله, فقد قال الله عز وجل عن الكفار: وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا[الفرقان:23], يعني: بعض الناس قد يكون نصرانياً أو يهودياً, ولربما يكون ملحداً, ولكنه يكفل الأيتام, ويطعم المساكين, ويكرم الأضياف, ويفعل ويفعل كثيراً من الأعمال التي في ظاهرها أنها صالحة, ولكن هل تنفعه هذه الأعمال عند الله؟ لا. لا تنفعه عند الله؛ لأنها ما بنيت على أساس من الاعتقاد السليم.

    ولما قالت سفانة بنت حاتم الطائي للنبي صلى الله عليه وسلم: ( أنا ابنة رجل كان يحمي الذمار, ويقري الضيف, ويكسب المعدوم؛ فقال لها: من أنت؟ قالت: أنا ابنة حاتم الطائي قال: أطلقوها -يعني فكوها من الأسر- فإن أباها كان يحب مكارم الأخلاق, ولو كان مسلماً لترحمنا عليه ), فلو كان حاتم هذا مسلماً لترحمنا عليه؛ فلم لم يترحم عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ لأن عمله لم يبن على أساس من الاعتقاد الصحيح.

    ولما قالت عائشة : ( يا رسول الله! إن ابن جدعان كان يقري الضيف, ويكسب المعدوم، ويعين على نوائب الحق؛ فهل ذلك نافعه؟ قال: ليس ذلك بنافعه؛ لأنه لم يقل يوماً: ربي اغفر لي خطيئتي يوم الدين )، فالاعتقاد السليم أساس في قبول العمل.

    الأساس الثاني: الإخلاص لله عز وجل في العمل؛ بأن الإنسان لا يرائي به ولا يسمعه.

    الأساس الثالث: المتابعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم, فهذا هو مقتضى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    ولذلك لو أن إنساناً جاء إلى الصلاة مرائياً فإنه لا يقبل عمله؛ لأنه ما أخلص, وكذلك لو جاء إلى الصلاة مخلصاً يبتغي وجه الله, ولكنه صلى الصبح ثلاث ركعات عامداً فهذا أيضاً لا يقبل عمله عند الله؛ لأنه لم يتابع الرسول صلى الله عليه وسلم, فالرسول صلى الله عليه وسلم لم يصل الصبح إلا ركعتين, فالواجب علينا أن نتابعه في ذلك؛ ولو أن إنساناً جاء مخلصاً, وصلى الصبح ركعتين, لكنه في الأصل ليس بمسلم, أو كان متلبساً بالشرك، فإنه لا يقبل ذلك منه؛ ولذلك نقول: إن دراسة العقيدة مهمة قبل التلبس بالعمل.

    أسأل الله أن ينفعني وإياكم.

    وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.