إسلام ويب

سورة الأحزاب - الآية [69]للشيخ : عبد الحي يوسف

  •  التفريغ النصي الكامل
  • نهى الله عباده المؤمنين أن يكون حالهم كحال بني إسرائيل في أذية الأنبياء، فقد اشتدت أذيتهم على نبي الله موسى وتنوعت صورها، لكن الله برأه مما رموه به، وأعلى مقامه، وما ذلك إلا للمنزلة العلية والمكانة العظيمة التي جعلها الله للأنبياء والرسل، وفي مقدمتهم نبينا محمد صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى ...)

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى جميع المرسلين. أما بعد:

    فأسأل الله سبحانه أن يجعلنا من المقبولين.

    ما زلنا مع سلسلة نداءات الرحمن، ومع النداء الخامس والستين في الآية التاسعة والستين من سورة الأحزاب، قول ربنا عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهاً [الأحزاب:69].

    سبب نزول الآية

    وسبب نزول هذه الآية قيل: نزلت فيما كان من أمر زينب بنت جحش رضي الله عنها، وتزوجه صلى الله عليه وسلم بها، وما سمع في ذلك من كلام آذاه عليه الصلاة والسلام حيث أرجف المنافقون بقولهم: إن محمداً قد تزوج مطلقة ابنه.

    وقال بعض أهل التفسير: ( قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم قسماً، فقال رجل: إن هذه قسمة ما أريد بها وجه الله، فذكر ذلك عبد الله بن مسعود للنبي صلى الله عليه وسلم ، فاحمر وجهه عليه الصلاة والسلام ثم قال: يرحم الله موسى لقد أوذي بأكثر من هذا فصبر ).

    أذية بني إسرائيل لموسى عليه السلام

    وفي هذه الآية الله عز وجل يعظ عباده المؤمنين ويقول لهم: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى [الأحزاب:69]، والذين آذوا موسى هم قوم من بني إسرائيل، وقد آذوه بأنواع من الأذى، فمرة قالوا له: فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ [المائدة:24]، ومرة قالوا له: لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً [البقرة:55]، ومرة قالوا له: لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ [البقرة:61]، ومرة قالوا له: أَتَتَّخِذُنَا هُزُواً [البقرة:67].

    ثم من أبشع أنواع الأذى التي خرجت منهم ما ثبت في الحديث الذي رواه البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إن موسى عليه السلام كان رجلاً حيياً ستيراً لا يرى من جلده شيء استحياء منه، فآذاه من آذاه من بني إسرائيل فقالوا: ما يتستر هذا التستر إلا من عيب بجلده، إما برص، وإما أدرة، وإما آفة) يعني: اتهموا موسى عليه السلام بأن فيه داءً معيباً، ولذلك هو يخشى من إظهار جلده أمام الناس، فدائماً يتستر، إما إن به برصاً، وإما أن به أدرة -والأدرة: انتفاخ في الخصيتين- وإما آفة من الآفات.

    قال عليه الصلاة والسلام: (وإن الله عز وجل أراد أن يبرئه مما قالوا، فخلا يوماً وحده فخلع ثيابه على حجر ثم اغتسل، فلما فرغ أقبل على ثيابه ليأخذها وإن الحجر عدا بثوبه) يعني: كانت الريح شديدة فذهب الحجر بثوبه (فأخذ موسى عصاه وطلب الحجر، فجعل يقول: ثوبي حجر، ثوبي حجر) أي: ثوبي يا حجر (حتى انتهى إلى ملأ من بني إسرائيل فرأوه عرياناً أحسن ما خلق الله عز وجل، وأبرأه مما يقولون، فأخذ ثوبه فلبسه فذلك قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهاً [الأحزاب:69]).

    وأيضاً قال ابن عباس رضي الله عنه: من أنواع الأذى التي سلطت على موسى : أن موسى و هارون صعدا جبلاً فمات هارون، فقالت بنو إسرائيل: أنت قتلته، وكان أشد حباً لنا منك وألين لنا منك، فآذوه بذلك، فأمر الله الملائكة فحملته حتى مروا به على بني إسرائيل، وتكلمت الملائكة بموته حتى عرف بنو إسرائيل أنه قد مات، فبرأه الله من ذلك فانطلقوا به فدفنوه.

    قال شيخ المفسرين الطبري رحمه الله: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إن بني إسرائيل آذوا نبي الله ببعض ما كان يكره أن يؤذى به، فبرأه الله مما آذوه به.

    وقوله: فَبَرَّأَهُ اللَّهُ [الأحزاب:69]، أي: أظهر براءته عياناً.

    قال بعض المفسرين: التعبير بالتفعيل: (فبرأه)؛ دلالة على أن هذه البراءة كانت حيناً بعد حين. يعني: كلما اتهموه بتهمة برأه الله عز وجل منها.

    معنى قوله: (وكان عند الله وجيهاً)

    وقوله: وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ [الأحزاب:69] ، (عند الله) هذه للتشريف كما قال الله عز وجل: إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ [التكوير:19-20].

    وفي قراءة ابن مسعود وهي قراءة شاذة: قرأها: (وكان عبداً لله وجيهاً).

    وقوله: وَجِيهاً [الأحزاب:69]، الوجيه: هو صاحب الوجاهة، وكلمة (الوجيه) مشتقة من الوجه؛ لأن الوجه هو أرفع مكان في الجسد وأشرفه.

    فقوله: وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهاً [الأحزاب:69] أي: ذا مكانة ومنزلة وقبول. قال ابن عباس : (كان حظياً عند الله لا يسأل الله تعالى شيئاً إلا أعطاه).

    وقال الحسن : (كان مستجاب الدعوة).

    وقيل: كان محبباً مقبولاً.

    ومثل هذا قول ربنا جل جلاله عن المسيح بن مريم: وَجِيهاً فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمِنْ الْمُقَرَّبِينَ [آل عمران:45].

    1.   

    فوائد من قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى ...)

    هذه الآية فيها فوائد:

    الفائدة الأولى: وجوب توقير رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتجنب ما يؤذيه، وتلك سنة الصحابة والمسلمين، فلا يجوز لمسلم أن يؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم بقول أو فعل.

    الفائدة الثانية: تأديب المؤمنين وزجرهم عن أن يدخلوا في شيء من الأمور التي تؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    الفائدة الثالثة: تحريم أذية الأنبياء والمرسلين جميعاً، يعني: مثلما أنه لا يجوز إيذاء سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم فكذلك الشأن في جميع الأنبياء والمرسلين، فلا يجوز إيذاء واحد منهم أو نسبة شيء من النقص إليه.

    الفائدة الرابعة: ما كان عليه اليهود قبحهم الله من توجيه الأذى إلى الأنبياء، ولا غرابة فقد وجهوا الأذى إلى رب العالمين فقالوا: إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ [آل عمران:181]، وقالوا: يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ [المائدة:64]، وقالوا: لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ [المجادلة:8]، وقالوا: نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ [المائدة:18]، وَقَالَتْ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتْ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ [التوبة:30]، فهذا كله أذى لله عز وجل كما قال سبحانه: وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَداً * لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدّاً * تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدّاً * أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَداً * وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً [مريم:88-92].

    الفائدة الخامسة: التنفير من اتباع طريقتهم، أي: اليهود، وسلوك سبيلهم.

    الفائدة السادسة: سنة الله في تبرئة أنبيائه وأوليائه مما ينسبه إليهم الظالمون، قال الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنْ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ [الحج:38]، فما رمي نبي ولا ولي ولا عبد صالح بمنقصة إلا برأه الله عز وجل بنوع من أنواع البراءة مما يشاؤه جل جلاله.

    الفائدة السابعة: المكانة العظيمة لنبي الله موسى عليه السلام عند ربه عز وجل.

    الفائدة الثامنة: أن الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم يتفاضلون عند الله، فليسوا في درجة سواء كما قال الله عز وجل: تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ [البقرة:253]، كـموسى عليه السلام، وقال الله عز وجل: وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُوراً [الإسراء:55] ولا شك أن أعلاهم مكانة وأفضلهم منزلة هو محمد صلى الله عليه وسلم الذي: أول من تنشق عنه الأرض، وأول شافع وأول مشفع، وأول من يأخذ بحلقة باب الجنة، وهو الذي أعطاه الله الكوثر؛ ماؤه أبيض من اللبن، وأحلى من العسل، وأبرد من الثلج، وعدد آنيته بعدد نجوم السماء، وهو الذي أعطاه الله المقام المحمود، والحوض المورود، والشفاعة العظمى.

    نسأل الله أن يكرمنا بشفاعته.

    وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.