إسلام ويب

التعليق على كتاب الفوز الكبير في أصول التفسير [4]للشيخ : مساعد الطيار

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من المباحث التي ينبغي للمفسر معرفتها وما لها من أثر في التفسير: أسلوب القرآن مثل: الحذف، والإبدال، والتقديم، والتأخير، والزيادة. ومن المباحث أيضاً: معرفة المحكم والمتشابه، والكناية، والتعريض. ومن المهم للباحث التنبه إلى بعض المباحث البلاغية التي وظفها بعض المنحرفين في نشر أفكارهم الهدامة.

    1.   

    أسباب النزول

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، سيدنا ونبينا محمد خاتم النبيين وإمام المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين.

    شروط المفسر في باب أسباب النزول

    قال الشيخ ولي الله الدهلوي في كتابه الفوز الكبير في الفصل الثالث عن أسباب النزول: [ وبالجملة فشرط المفسر لا يزيد على نوعين من هذه الأنواع:

    الأول: قصص الغزوات وغيرها مما وقع في الآيات الإيماء إلى خصوصياتها، وما لم تعلم تلك القصص لا يتأتى فهم حقيقتها.

    والثاني: فوائد بعض القيود، وسبب التشدد في بعض المواضع مما يتوقف على معرفة حال النزول ].

    فن التوجيه

    قال رحمه الله: [ وهذا المبحث الأخير في الحقيقة فن من فنون التوجيه، ومعنى التوجيه بيان وجه الكلام، وحاصل هذه الكلمة أنه قد يكون في آية من الآيات شبهة ظاهرة من استبعاد سورة هي مدلول الآية، أو تناقض بين الآيتين، أو إشكال تصور مصداق الآية على ذهن المبتدئ، أو خفاء فائدة قيد من القيود عليه، فإذا حل المفسر هذا الإشكال سمي ذلك الحل توجيهاً كما في آية يَا أُخْتَ هَارُونَ [مريم:28]، فإنهم سألوا عما استشكلوه من أنه كان بين موسى وعيسى عليهما السلام مدة كثيرة فكيف يكون هارون أخاً لـمريم ؟ كأن السائل أضمر في خاطره أن هارون هذا هو هارون أخو موسى، فأجاب عنه صلى الله عليه وسلم: ( بأن بني إسرائيل كانوا يسمون بأسماء الصالحين من السلف ) وكما سألوا: ( كيف يمشي الإنسان يوم الحشر على وجهه؟ فقال: إن الذي أمشاه في الدنيا على رجليه لقادر أن يمشيه على وجهه ).

    وكما سألوا ابن عباس عن وجه التطبيق بين قوله تعالى: فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ [المؤمنون:101]، وبين آية أخرى وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ [الصافات:27]؟ فقال رضي الله عنه: عدم التساؤل يوم الحشر والتساؤل بعد دخول الجنة.

    وسألوا عائشة رضي الله عنها، فقالوا: إن كان السعي بين الصفا والمروة واجباً فما وجه (لا جناح)؟ فأجابت رضي الله عنها: بأن قوماً كانوا يتجنبونه. ولهذا السبب قال عز وجل: (لا جناح).

    وعمر رضي الله عنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن قيد (إن خفتم) ما معناه؟ فقال صلى الله عليه وسلم: صدقة تصدق الله بها، يعني لا يكون عند الكرماء في الصدقة مضايقة، فلم يذكر الله سبحانه وتعالى هذا القيد للمضايقة، بل اتفاقي، وأمثلة التوجيه كثيرة، والمقصود التنبيه على المعنى ].

    ذكر المؤلف في آخر مبحث أسباب النزول موضوعاً عاماً وسماه فن التوجيه، وهو توجيه متعدد، وقد ذكر من أمثلته توجيه التناقض الذي قد يقع عند القارئ، أو توجيه ما يصعب فهم مدلول الآية منه في ذهن المبتدئ، أو ما لا يتمكن من ذهنه فائدة قيد من القيود، كأن يكون هناك قيد من القيود، فلا ينتبه إلى أن هذا من باب القيد، وليس المراد به حقيقة القيد ذاته، مثل ما أورد في قوله: (إن خفتم) فإنها نزلت لأمر كان موجوداً، وليس المراد أنه لا تقصر الصلاة إلا في وقت الخوف، فهذه الأمثلة التي ذكرها وسماها علم التوجيه يدخل فيها كثير جداً من توجيه الأسئلة التي ترد على المفسر، مثلما ذكر في قوله: يَا أُخْتَ هَارُونَ [مريم:28]، وكيف نسبوها إلى هارون عليه السلام، و هارون أخو موسى، وبين عيسى وموسى فترة طويلة، فالنبي صلى الله عليه وسلم نبه على أن هارون هذا هو أخ لـمريم، وأنهم كانوا يسمون بأسماء أنبيائهم، وليس المراد أنه هارون أخو موسى.

    أيضاً الأمثلة الأخرى التي ذكرها لبعض الأشياء التي يكون فيها غرابة، فيقع السؤال عنها من السائل، فيجيب العالم، فيسمي إجابته هذه من باب التوجيه.

    فالتوجيه إذاً لو تأملناه لا حصر له؛ لأنه يرتبط بالاستشكال الذي يقع للسائل، وبإجابة العالم له، فأي إجابة فهي تدخل في علم التوجيه بناءً على ما ذكره المؤلف، وإن كان قد ذكر في الغالب قضايا يكون فيها نوع من غرابة، أو نوع من الإشكال على السائل، فيجيبه العالم بحل هذا الإشكال.

    توجيه أسباب النزول من تفسير البخاري والترمذي والحاكم

    قال رحمه الله: [ ومما يناسب عندي أن أذكر ما نقل البخاري و الترمذي و الحاكم في تفاسيرهم من أسباب النزول، وتوجيه المشكل بسند جيد إلى الصحابة، أو إلى حضرته صلى الله عليه وسلم بطريق التنقيح والاختصار لفائدتين:

    الأولى: أن حفظ هذا القدر من الآثار لا بد منه للمفسر، كما لا بد مما ذكرناه من شرح غريب القرآن.

    والأخرى: أن يعلم أن أكثر أسباب النزول لا مدخل لها في فهم معاني الآيات، اللهم إلا شيئاً قليلاً من القصص يذكر في هذه التفاسير الثلاثة التي هي أصح التفاسير عند المحدثين، وأما إفراط محمد بن إسحاق و الواقدي و الكلبي ، وما ذكروا تحت كل آية من قصة فأكثره غير صحيح عند المحدثين، وفي إسناده نظر، ومن الخطأ البين أن يعد ذلك من شروط التفسير والاعتقاد بأن تدبر كتاب الله يتوقف على الإحاطة بها، والاستحضارات تفويت لحظ النفس من كتاب الله، وحرمان من إدراك روحه وجوهره ].

    هنا ذكر كما قال: (ويحلو لي أن أنقل في الباب الخامس)، الباب الخامس الذي هو فتح الخبير، والذي سبق أن ذكرناه فيما لا بد من حفظه في علم التفسير، سيذكر مع غريب القرآن شيئاً من أسباب النزول وتوجيه المشكل، مما روي بأسانيده إما عن النبي صلى الله عليه وسلم، وإما عن الصحابة رضي الله عنهم.

    وذكر أن في هذا الاختصار فائدتين:

    الفائدة الأولى: أن استحضار هذا القدر من الآثار والروايات لا بد منه لكل مفسر، كأنه يرى أنه من شروط المفسر: استحضار هذا القدر من الآثار والروايات، ومعنى ذلك عنده أن من لم يعرف هذا فإنه قد يقع عنده الخطأ في فهم معاني القرآن، أو في تفسير القرآن، إما في حال تعلمه، أو في حال تعليمه.

    الثانية: قال: (أن يعلم أنه لا دخل لأكثر ما يروى من أسباب النزول..)، وهذه سبق أن حررناها وناقشناها، وأنه إذا كان المراد أسباب النزول الصريحة فقلنا: إنها على قسمين: قسم لا بد منه، وقسم قد يدرك معنى الآية وإن لم يعرف السبب.

    ولكن الأصل الأصيل هو أن معرفة السبب لا بد منها في فهم معنى الآية، لكن قد ترد بعض الآيات الواردة على سبب وتفهم دون أن يعرف السبب.

    وما ذكر من هذه التفاسير الثلاثة هي في الحقيقة كتب محدثين أدخلوا فيها كتاب التفسير، فكتاب التفسير من صحيح البخاري ، وكتاب التفسير من سنن الترمذي ، وكتاب التفسير من مستدرك الحاكم ، وبقي أيضاً كتاب التفسير من سنن البيهقي الكبرى، ولا زلت أقول: إن دراسة منهج المحدثين في كتاب التفسير تحتاج إلى تجلية.

    ومن باب الفائدة فإن المفسرين كانوا أسبق في التأليف والتدوين في علم التفسير من المحدثين، خلافاً لمن زعم أن التفسير كان مرحلةً من مراحل كتابة الحديث، بل الصحيح أن التفسير كان علماً مستقلاً مستقراً قبل أن ينشأ علم الحديث، والعناية به.

    فـسعيد بن جبير و مجاهد بن جبر هما من أوائل من كتب التفسير.

    فـمجاهد بن جبر سأل ابن عباس عن التفسير، وعرض عليه القرآن، وكتب التفسير في عهد ابن عباس ، و ابن عباس توفي سنة ثماني وستين، و سعيد بن جبير طلب منه عبد الملك بن مروان أن يكتب له قطعةً من التفسير فكتب له، و عبد الملك بن مروان وفاته مقاربة لوفاة ابن عباس أيضاً، وأول تفسير كامل لجميع الآيات وهو مطبوع بين أيدينا اليوم تفسير مقاتل بن سليمان ، و مقاتل بن سليمان توفي سنة مائة وخمسين، وهو قبل مرحلة البخاري الذي توفي سنة مائتين وست وخمسين، يعني قبله بكثير، والمقصد من ذلك أن ننتبه إلى أن الحديث الموجود الآن في بعض كتب القرآن عن تاريخ التفسير فيه أشياء تعتبر من الخطأ المحض، وهي مخالفة لتاريخ التفسير.

    فإذاً: المحدثون الذين كتبوا في التفسير جاءوا بعد هذه الأجيال التي كان فيها علم التفسير علماً مستقلاً.

    فـزيد بن أسلم وهو من التابعين، و الضحاك بن مزاحم وهو من طبقة التابعين، و مجاهد بن جبر ، و سعيد بن جبير ، و عطية ، و أربدة التميمي من تلاميذ ابن عباس ، وغيرهم كتبوا التفسير، وكانوا معتنين بعلم التفسير من حيث هو علم تفسير.

    فالخلاصة: أن علم التفسير كان واضحاً مستقراً منذ عهد الصحابة، ولذا كان الطلاب يأتون إلى ابن عباس ويعقد لهم حلقة خاصة بالتفسير، ويأتي بعدهم أناس ويعقد لهم حلقة خاصة بالشعر.. وهكذا، فالتفسير كان علماً قائماً معروفاً، وهؤلاء العلماء من المحدثين الذين ذكرهم المؤلف نعتبرهم ممن شارك في علم التفسير، وقد تكون لهم كتابات مستقلة في التفسير مثل كتاب التفسير الذي ينسب للبخاري ، وقد يكون ضمن كتاب الحديث الذي صنفوه مثل ما فعل البخاري و الترمذي و النسائي و الحاكم ، ودراسة منهج المحدثين في كتابة التفسير من خلال هذه الكتب من البحوث التي لم تبحث حتى الآن حسب علمي.

    وما ذكر من إفراط محمد بن إسحاق و الكلبي وكذلك الواقدي فهذا فيه إشكال من جهة أن محمد بن عمر الواقدي ليس له مما يتعلق بعلم التفسير نصيب إلا ما يتعلق بالمغازي فقط، وفي كتب التفسير قل أن يذكر إلا إذا كان موضوعاً مرتبطاً بعلم المغازي.

    و محمد بن إسحاق قريب منه وإن كان أيضاً له تفسيرات مرتبطة باللغة، ولكن أغلب تفسيراته إما أن تكون مرتبطة بالسيرة النبوية ومغازي النبي صلى الله عليه وسلم، وإما أن ترتبط بقصص السابقين؛ لأنه كان له عناية بهذا.

    والكلبي قريب من ابن إسحاق في هذا، وكثيراً ما يروى عنه أشياء فيما يتعلق بقصص السابقين، لكن مع كل هذا نقول: إن هؤلاء إن حكوا شيئاً مما يتعلق بأسباب النزول فإن روايتهم لا تطرح بالكلية، وإنما قد يستفاد منها على حسب الرواية الواردة عنهم، إلا أن تكون مثل رواية الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس ، فأنها لا شك رواية ساقطة لا يعتمد عليها.

    وكونه أشار إلى أن الإحاطة بجميع أسباب النزول ليست من شروط المفسر، نقول: هذا ليس على إطلاقه، ولكن المسألة تحتاج إلى تفصيل مثلما سبق أن ذكرنا قبل ذلك، ولهذا قل من يذكر شروط المفسر إلا ويذكر أسباب النزول من العلوم التي يحتاجها المفسر.

    والملاحظ أن المؤلف ذكر الفصل الأول في غريب القرآن، والفصل الثاني في الناسخ والمنسوخ، والفصل الثالث في أسباب النزول، وهذه العلوم الثلاثة من حيث الجملة علوم يحتاجها المفسر.

    1.   

    الفصل الرابع مباحث متنوعة الحذف

    [ الفصل الرابع: أمثلة من الحذف والتبديل.

    قال رحمه الله: [ حذف بعض الأجزاء أو أدوات الكلام مما يوجب الخفاء، وكذلك إبدال شيء بشيء، وتقديم ما حقه التأخير، وتأخير ما حقه التقديم، واستعمال المتشابهات والتعريضات والكنايات، خصوصاً تصوير المعنى المراد بصورة محسوسة لذلك المعنى في العادة، والاستعارة المكنية، والمجاز العقلي، فلنذكر شيئاً من هذه الأمثلة بطريق الاختصار لتكون على بصيرة ].

    هذه الأشياء التي ذكرها لو أردنا أن نجعل للباب عنواناً فإن أغلبها ينسب إلى علم البلاغة.

    أقسام الحذف

    قال رحمه الله: [ أما الحذف فعلى أقسام: حذف المضاف والموصوف والمتعلق وغيرها كقوله تعالى: وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ [البقرة:177] أي: بر من آمن. وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً [الإسراء:59]، أي: آيةً مبصرة، لا أنها مبصرة غير عمياء.

    وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمْ الْعِجْلَ [البقرة:93]، أي: حب العجل.

    أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ [الكهف:74]، أي: بغير قتل نفس ].

    الأول: حذف المضاف.

    والثاني: حذف الموصوف.

    [ أَوْ فَسَادٍ [المائدة:32] أي: بغير فساد.

    مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ [الأنبياء:19] أي: من في السموات ومن في الأرض، لا أن شيئاً واحداً هو في السموات والأرض.

    ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ [الإسراء:75] أي: ضعف عذاب الحياة، وضعف عذاب الممات.

    وَاسْأَلْ الْقَرْيَةَ [يوسف:82] أي: أهل القرية.

    بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْراً [إبراهيم:28] أي: فعلوا مكان شكر نعمة الله كفراً.

    يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ [الإسراء:9] أي: للخصلة التي هي أقوم.

    بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [فصلت:34] أي: بالخصلة التي هي أحسن.

    سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى [الأنبياء:101] أي: الكلمة الحسنى والعدة الحسنى عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ [البقرة:102] أي: على عهد ملك سليمان .

    وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ [آل عمران:194] أي: على ألسنة رسلك.

    إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ [القدر:1] أي: أنزلنا القرآن وإن لم يسبق له ذكر.

    حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ [ص:32] أي: توارت الشمس.

    وَمَا يُلَقَّاهَا [فصلت:35] أي: خصلة الصبر.

    وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ [المائدة:60] من قرأ بالنصب أي: جعل منهم من عبد الطاغوت.

    فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهْراً [الفرقان:54] أي: جعل له نسباً وصهراً.

    وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ [الأعراف:155] أي: من قومه.

    أَلا إِنَّ عَاداً كَفَرُوا رَبَّهُمْ [هود:60] أي: كفروا نعمة ربهم، بنزع الخافض.

    تَفْتَأُ [يوسف:85] أي: لا تفتأ ومعناه: لا تزال.

    وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى [الزمر:3] أي: يقولون: ما نعبدهم، إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ [الأعراف:152]، أي: اتخذوا العجل إلهاً.

    تَأْتُونَنَا عَنْ الْيَمِينِ [الصافات:28]، أي: وعن الشمال.

    فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ * إِنَّا لَمُغْرَمُونَ [الواقعة:65-66]، أي: يقولون: إنا لمغرمون.

    وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلائِكَةً [الزخرف:60] أي: بدلاً منكم.

    كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ [الأنفال:5] أي: امض ].

    قبل أن نكمل موضوع المحذوفات، هنا مسألة مهمة جداً، وهي هل بالفعل هذه التي ذكرها من المحذوفات له فيها وجه صحيح معتبر أو لا؟

    سنقرأ كلام من يرى المجاز ومن ينفي المجاز في قوله: (واسأل القرية)، وهل هي من باب الحذف أو أن المراد بالقرية أهل القرية بدون أن يكون هناك حذف؟ لا أريد أن نتخذ في هذا الموضوع أشخاصاً أو أعلاماً نحتكم إليهم، بل ندرس المسألة دراسة علمية فندرس باب الحذف أو غيره من أبواب البلاغة؛ لأن أبواب البلاغة بعض المتكلمين أو بعض المخالفين لمنهج الصحابة والتابعين وأتباع التابعين يمكن أن يدخل فيه على سعة العربية، ويثبت بعض القضايا التي تنصر مذهبه، فقد نقبلها في مثال ونردها في مثال.

    وفي مثل هذه الأبواب يمكن أن نرتب أولاً القاعدة الكلية: أن كل أسلوب في القرآن فهو عربي، ولا يلزم أن كل أسلوب عربي موجود في القرآن، فإذا كان كل ما في القرآن أسلوب عربي فيحتاج أن ننظر إلى تحرير هذا الأسلوب العربي، فخلافنا ليس في كون الأسلوب عربياً أو ليس بأسلوب عربي، بل الخلاف في كون القرآن استعمل هذا الأسلوب خلافنا الآن في الأمثلة، هل هذا المثال من باب الحذف أو ليس من باب الحذف؟ فإذا جاء أحد المحرفين من أصحاب التحريف وقال لك: هنا محذوف مثل ما يفعل غلاة الرافضة، فغلاة الرافضة يستخدمون أسلوب الحذف لتثبيت مذهبهم، فلابد أن يكون عندنا ضوابط في باب الحذف، وهكذا قل في غيره من أبواب البلاغة، لابد أن تكون هناك ضوابط متفق عليها وأنها إذا وجدت فإنها تدل على الحذف وتقويه، وإن لم توجد فإنها تدل على عدم وجود الحذف.

    ومن أهم الضوابط عندنا السياق؛ لأن السياق هو الذي يحدد هل هناك حذف أو لا، فعلى سبيل المثال من المحذوفات التي قد لا يقع فيها خلاف قوله تعالى: فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ * إِنَّا لَمُغْرَمُونَ [الواقعة:65-66]، فقوله: (إِنَّا لَمُغْرَمُونَ) ليس تفسيراً لـ (تفكهون).

    لأن (تفكهون) فعل بمعنى التعجب، و(إنا لمغرمون) هذا كلام، فإذاً هناك بين الفعل وبين الكلام محذوف، كأنه قال: (فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ) تقولون: (إِنَّا لَمُغْرَمُونَ)، فمثل هذا الحذف ليس فيه أثر علمي على الصحيح، ولا عقدي ولا غيره، فليس فيه إشكال.

    لكن قوله: وَجَاءَ رَبُّكَ [الفجر:22] فمن يرى التأويل يقول: إنه من باب حذف المضاف، يعني جاء أمر ربك، وذلك لسبب مشكل عنده، أما من يرى أن الكلام على ظاهره فيقول: جاء ربك مجيئاً يليق بجلاله، ففي مثل هذا المثال يرد عندنا إشكال، فلا بد أن يكون عندنا ضوابط لنعرف أن هذا يدخل في باب المحذوف أو لا يدخل بل يبقى على ظاهره، وهذا محل بحث مهم جداً فيما يتعلق بعلم البلاغة؛ لأننا وإن اتفقنا على أصل الأسلوب إلا أننا اختلفنا في تطبيقه في هذا المثال، بل أحياناً قد نتفق على الأسلوب نفسه في آية، وتأتي آية شبيهة له فنقول: ليست منها، لأن هذه تحمل على الحقيقة، وهذه تحمل على غير ذلك، والقصد من هذا أن البحث العلمي لازم في مثل هذا الموضوع.

    مواضع الحذف المطردة في القرآن

    قال رحمه الله: [ وليعلم أن حذف خبر إن، أو جزاء الشرط، أو مفعول الفعل، أو مبتدأ الجملة وما أشبه ذلك مطرد في القرآن، إذا كان فيما بعده دلالة على حذفه، كقوله تعالى: فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ [الأنعام:149]، أي: لو شاء هدايتكم لهداكم.

    وقوله: الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ [يونس:94]، أي: هذا الحق من ربك.

    وقوله: لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنْ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا [الحديد:10]، أي: لا يستوي من أنفق من قبل الفتح، ومن أنفق من بعد الفتح، فحذف الثاني لدلالة قوله: أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنْ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ [الحديد:10].

    وقوله: وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ * وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلاَّ كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ [يس:45-46]، أي: إذا قيل لهم: اتقوا ما بين أيديكم وما خلفكم أعرضوا ].

    تأثير الحذف على المعنى

    في قضية الحذف في قوله: لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنْ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا [الحديد:10]، لا يمكن أن تفهم الآية على غير هذا الوجه فمعنى قوله: (لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ)، أي: مع من أنفق بعد الفتح وقاتل؟

    وهناك مواضع للحذف قد يفهم أكثر من معنى فعلى سبيل المثال قوله سبحانه وتعالى: وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى [الأعلى:3]، نقل الفراء عن بعضهم أنه قال: فهدى وأضل، قال: حذف المقابل وهو وأضل، فيختلف المعنى هنا؛ لأننا لو جعلناها مطلقة فكأننا نقول: قدر الأقدار، وهدى كلاً إلى قدره، أما إذا قلنا: قدر فهدى وأضل، جعلنا الأمر مرتبطاً بالتقدير؛ لأنه مرتبط بالهداية والضلال فقط، فإذاً اختلف المعنى.

    والأمثلة كثيرة لكن هذا أحد الأمثلة التي تدلنا على أن القول بالحذف أو عدمه قد يؤثر في المعنى، وفي بعض الأمثلة وجوده وعدمه سواء، مثل فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ * إِنَّا لَمُغْرَمُونَ [الواقعة:65-66].

    وفي بعض الأمثلة يكون وجود الحذف داخلاً في المعاني الثانوية من باب الاختصار في تقوية الكلام فقط.

    والخلاصة: أنه قد يكون الحذف وعدمه سواء.

    وقد يكون القول بالحذف أو عدمه مؤثراً في المعنى.

    وقد يكون القول بالحذف من باب بلاغة الكلام، وكل مثل من هذه الأمثلة نحتاج إلى أن ننظر فيه، ونعرف من أي هذه الأنواع هو؛ لأن بعضها قد لا يؤثر في المعنى، مثل قوله: فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهْراً [الفرقان:54]، أي: جعل له نسباً وصهراً، فكونه يجعله هو نسباً وصهراً من لوازمه أن يكون له نسب وصهر، فهذا الحذف المذكور يدل عليه الخطاب بدلالة الإشارة وليس فيه إشكال، أو وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ [الأعراف:155]، أي: من قومه، فحذفت (من)، وهنا لا شك أن الحذف أبلغ من الذكر، وهذا الذي يأتي فيه توجيه البلغاء في مثل هذه المحذوفات، فهذا من باب تقوية الكلام من جهة البلاغة، وليس من باب ربط الكلام بالمعاني.

    أما وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى [الأعلى:3]، فإذا قلنا: وأضل فهذا يتأثر به المعنى.

    قال رحمه الله: [ وليعلم أيضاً أن الأصل في مثل وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ [البقرة:30]، (وإذ قال موسى)، أن يكون (إذ) ظرفاً لفعل من الأفعال، ولكنه نقل ها هنا لمعنى التهويل و التخويف، فمثل ذلك مثل من يذكر المواضع الهائلة، أو الوقائع الهائلة على سبيل التعداد من غير تركيب جملة، ومن غير وقوعها في حيز الإعراب، بل المقصود من ذكرها أن ترتسم صورتها في ذهن المخاطب، ويستولي الخوف منها واستهوالها على قلبه وضميره التحقيق.

    فالتحقيق أنه لا يلزم في مثل هذه المواضع تفتيش العامل، والله أعلم ].

    لو رجعنا إلى جملة المعربين فأغلبهم إذا جاء إلى مثل قوله: (وإذ قال ربك) يجعل (إذ) ظرفاً عامله اذكر، والتقدير: اذكر إذ قال ربك، وهو هنا يقول: لا تجعلها مرتبطة بفعل؛ لأن الغرض المطلوب هو استحضارها وذكرها حتى ترتسم صورتها البارزة في ذهن المخاطب، ويستولي الخوف منها، يعني من هذ الحادثة، واستهوالها على قلبه وضميره، يعني يستولي على قلبه وضميره الخوف من هذه الحادثة التي ذكرت، أو تعظيم هذه الحادثة، وليس المراد أن يربطها بفعل، ولهذا بعض المتأخرين من النحاة يعيب على المعربين أن يربطوا (وإذ) هذه التي في القرآن بفعل واحد وهو اذكر.

    والمقصد من ذلك أن المؤلف يريد أن يشير إلى أننا لا نلتزم بالرابط الإعرابي الذي يذكره النحاة، وأن ننتبه إلى أن المراد هو رسم تلك الصورة في الذهن إما من التهويل، وإما من التعظيم، يعني من باب التخويف في الحادثة التي تذكر، أو من باب تعظيم هذه الحادثة التي تذكر دون ربطها بفعل مقدر.

    قال رحمه الله: [ وليعلم أيضاً أن حذف الجار من أن المصدرية مطرد في كلام العرب، والمعنى: لأن أو بأن أو وقت أن.

    وليعلم أيضاً أن الأصل في مثل وَلَوْ تَرَى إِذْ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ [الأنعام:93]، وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ [البقرة:165]، أن يحذف جواب الشرط، وليس هذا التركيب منقولاً لمعنى التعجيب، فلا حاجة إلى تفتيش المحذوف، والله أعلم ].

    هنا يعترض أيضاً على أنه لا حاجة للتفتيش عن المحذوف، ويرى أنهم نقلوا تركيب العبارة إلى معنى التعجب، فقوله: وَلَوْ تَرَى إِذْ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ [الأنعام:93]، كأنه يقول: اعجبوا من هذه الحالة فقط، طبعاً بعض المفسرين يقدر لرأيت أمراً عظيماً، أو وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ [البقرة:165]، أي: لرأوا أمراً مهولاً عظيماً، والمؤلف يقول: لا نحتاج إلى مثل هذه التقديرات؛ لأن هذا الأسلوب هو أحد الأساليب التي يتعجب منها من الشيء الغريب والشيء العظيم، فإذاً: التقدير عمل نحوي، والذي يريده المؤلف هو عمل معنوي، ولا تعارض بين هذا وذاك.

    1.   

    الإبدال

    قال رحمه الله: [ أما الإبدال فإنه تصرف كثير الشعب والفنون ].

    إبدال فعل بفعل

    قال رحمه الله: [ قد يذكر فعل مكان فعل لأغراض شتى، وليس استقصاء ذكر تلك الأغراض من وظيفة هذا الكتاب.

    قال تعالى: أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ [الأنبياء:36]، أي: يسب آلهتكم، وكأن أصل الكلام: أهذا الذي يسب، ولكن كرهوا ذكر السب فأبدلوه بالذكر، ومن هذا القبيل ما يقال في العرف: عرض الشيء لأعداء لفلان، والمراد لفلان ].

    ما أدري معنى هذه العبارة لكن في نسختي غير، يقول رحمه الله: [ أصيب أعداء فلان بمرض، وقدم عبد حضرتكم إلى المكان الفلاني، أو اطلع عبيد الجناب العالي على هذه المقدمة ].

    هذه إشكالية في الترجمة.

    قال رحمه الله: [ ويقولون: شرفنا بالمجيء عبيد الحضرة، أو عبيد الجناب العالي مطلعون على هذه المقدمة، والمراد تشريك الجناب العالي، واطلاع الجناب العالي.

    وفي نسختي كلمة بعدها مهمة، يقول: [ وهذه كلها تعبيرات فارسية، كانوا يتقدمون بمثل هذه العبارات إلى سادتهم وكبرائهم ويريدون أن قد مرض حضرة فلان، وقدم حضرة أو سعادة فلان، واطلع معالي فلان، أو سمو فلان ].

    ومن إشكالاتها التي قد تلحظ أن الأسلوب الفارسي لا يفسر الأسلوب العربي، فكان الأولى أن المؤلف لا يذكره، لكن ما دام أنه ذكره فإننا نذكر من باب الاستدراك أن مثل هذا لا يحكم به على الأسلوب العربي فضلاً على القرآن؛ لأن القرآن أسلوبه عربي، فلا يحكم عليه بالأسلوب الفارسي.

    وقوله تعالى: [ مِنَّا يُصْحَبُونَ [الأنبياء:43]، أي: منا لا ينصرون، فلما كانت النصرة لا تتصور بدون الاجتماع والصحبة، ذكر (يصحبون) بدله.

    وقوله: ثَقُلَتْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ [الأعراف:187]، أي: خفيت؛ لأن الشيء إذا خفي علمه ثقل على أهل السموات والأرض.

    وقوله: فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً [النساء:4]، أي: عفون لكم عن طيبة من نفوسهن ].

    إبدال اسم باسم

    قال رحمه الله: [ وقد يذكر اسم مكان اسم. كقوله: أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ [الشعراء:4].

    وقوله: وَكَانَتْ مِنْ الْقَانِتِينَ [التحريم:12]، أي: من القانتات.

    وقوله: وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ [آل عمران:22] أي: من ناصر.

    وقوله: فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ [الحاقة:47]، أي: عنه حاجز.

    وقوله: وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ [العصر:1-2]، أي: أفراد بني آدم، فأفرد اللفظ لأنه؛ اسم جنس.

    وقوله: وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ [الأحزاب:72] يعني: أفراد الناس.

    وقوله: كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ [الشعراء:105] ].

    وفي نسخة أخرى: ( يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ [الانشقاق:6]، المعنى: يا بني آدم، فأفرد اللفظ؛ لأنه اسم جنس).

    قال رحمه الله: [ وقوله: كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ [الشعراء:105]، أي: نوحاً وحده.

    وقوله: إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ [الفتح:1]، أي: إني فتحت لك.

    وقوله: إِنَّا لَقَادِرُونَ [المعارج:40]، أي: إني لقادر.

    وقوله: وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ [الحشر:6]، أي: يسلط محمداً صلى الله عليه وسلم.

    وقوله: الَّذِينَ قَالَ لَهُمْ النَّاسُ [آل عمران:173]، أي: عروة الثقفي وحده.

    وقوله: فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ [النحل:112]، أي: طعم الجوع، فأبدل الطعم باللباس إيذاناً بأن الجوع له أثر من النحول والذبول يعم البدن ويشمله كاللباس ].

    وهذه الأشياء التي ذكرها من كونها إبدال اسم باسم، في بعضها نظر لكن من حيث الجملة ما ذكره صحيح.

    فقوله: فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ [الشعراء:4]، لو أردنا أن نعيد الضمير على الأعناق فإننا نقول: خاضعة، فقال: (أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ)، لمعنىً بلاغي في هذا الأمر، وكذلك: وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ [التحريم:12] ولم يقل: من القانتات، قد يكون من إشاراتها التكثير، يعني يدخلها في الكثير؛ لأن القانتين أكثر، فيكون إشارة في إدخالها في زمرة القانتين.

    وقوله: وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ [آل عمران:22]، كما قال: من ناصر، فيكون المعنى حتى ولو كثر الناصرون فليس لهم ناصر، فالمقصد من ذلك أن بعض الأمثلة كان الأحرى أنه يبين وجه البلاغة في ذكرها.

    وأيضاً بعض الأمثلة يدخل في باب ما يسمى: بالعام الذي أريد به الخصوص، مثل قوله: الَّذِينَ قَالَ لَهُمْ النَّاسُ [آل عمران:173]، والمراد به عروة الثقفي ، فهذا من العام الذي أريد به الخصوص، ولا يلزم أن يكون فيه إبدال اسم باسم.

    قال رحمه الله: [ وقوله: صِبْغَةَ اللَّهِ [البقرة:138] أي: دين الله، أبدل بالصبغة إيذاناً بأنه كالصبغ تتلون به النفس، أو مشاكلة بقول النصارى: في المعمودية ].

    إذا جعلنا المراد بـ (صبغة الله) المشاكلة بقول النصارى في المعمودية، فهذا مشكل، فالأول قد يكون أقوى، وليس هذا المراد إلا إذا كان رداً على معمودية النصارى فنعم، وليس مشاكلةً؛ لأنه بزعمهم إذا دخل أحد في دينهم فإنهم يعملون له المعمودية، مثلما يقولون: إن عيسى عليه السلام قد عمده يحيى في نهر الأردن، فجعلوا التعميد من أصول الديانة النصرانية، فإن كان يريد أن قوله: (صبغة الله) رداً على النصارى فهذا نعم، أما مشاكلة النصارى فلا، فالعبارة فيها غموض بهذا الأسلوب.

    قال رحمه الله: [ وقوله: وَطُورِ سِينِينَ [التين:2]، أي: طور سيناء، وقوله: سَلامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ [الصافات:130]، أي: إلياس قلب الاسمان للازدواج ].

    إبدال حرف بحرف

    قال رحمه الله: [ وقد يذكر حرف مكان حرف.

    مثل قوله: فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ [الأعراف:143]، أي: على الجبل، كما تجلى في المرة الأولى على الشجرة.

    وقوله: وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ [المؤمنون:61]، أي: إليها سابقون.

    وقوله: لا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ * إِلاَّ مَنْ ظَلَمَ [النمل:10-11] أي لكن من ظلم فهو استئناف، وقوله: وَلأصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ [طه:71]، أي: على جذوع النخل.

    وقوله: أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ [الطور:38]، أي: يستمعون عليه.

    وقوله: السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ [المزمل:18]، أي: منفطر فيه.

    وقوله: مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ [المؤمنون:67]، أي: عنه.

    وقوله: أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ [البقرة:206]، أي: حملته العزة على الإثم.

    وقوله: فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيراً [الفرقان:59]، أي: فاسأل عنه.

    وقوله: لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ [النساء:2] أي: مع أموالكم.

    وقوله: إِلَى الْمَرَافِقِ [المائدة:6]، أي: مع المرافق.

    وقوله: يَشْرَبُ بِهَا [الإنسان:6]، أي: يشرب منها.

    وقوله: وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ [الأنعام:91]، أي: إن قالوا ].

    هذا المذهب الذي ذكره في إبدال حرف بحرف هو ما يسمى بتعاقب حروف الجر، وهو منسوب للكوفيين، والمذهب الآخر المقابل له هو مذهب التضمين، وهو: تضمين فعل معنى فعل آخر يتناسب مع حرف الجر المذكور، مثال ذلك قوله تعالى: يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ [الإنسان:6]، ولمزيد من التوضيح فإن الفعل شرب يتعدى بمن وليس بالباء، فتقول: شربت من العين؛ ولهذا المؤلف قال: (يَشْرَبُ بِهَا)، أي: يشرب منها، فالباء بمعنى من، وهذا على مذهب من يرى تعاقب حروف الجر، أما من يرى التضمين فإنه يقدر فعلاً يتناسب مع الفعل المذكور، ومع الحرف المذكور، والفعل المرتبط بالشرب هو الارتواء، والفعل ارتوى يتعدى بالباء، فتقول: ارتويت بالماء، وكذلك فعل التلذذ، تقول تلذذت بالماء.

    فالفعل يمكن أن يدخل على الباء في يروى وفي يتلذذ، وقس على ذلك الأمثلة التي ذكرها، بمعنى أنه كل فعل في سياقه إذا دخل على حرف لا يتناسب معه في الظاهر، فهو يدل على تضمين فعل يقدر من خلال السياق، يتناسب مع الفعل المذكور، ومع الحرف المذكور، وهذا كما يقول شيخ الإسلام وكذلك غيره: أبلغ، وهو منسوب لعلماء البصرة.

    إبدال جملة بجملة

    قال رحمه الله: [ وقد يوردون جملةً مكان جملة، مثلاً إذا دلت جملة على حاصل مضمون جملة ثانية، وسبب وجودها أبدلت منها، كقوله تعالى: وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ [البقرة:220]، أي: إن تخالطوهم لا بأس بذلك؛ لأنهم إخوانكم، وشأن الأخ أن يخالط أخاه، وقوله: لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ [البقرة:103]، أي: لوجدوا ثواباً، ومثوبة من عند الله خير.

    وقوله: إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ [يوسف:77]، أي: إن سرق فلا عجب؛ لأنه سرق أخ له من قبل.

    وقوله: مَنْ كَانَ عَدُوّاً لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ [البقرة:97]، أي: من كان عدواً لجبريل فإن الله عدو له، فإنه نزله على قلبك بإذنه، فعدوه يستحق أن يعاديه الله، فحذف (فإن الله عدو له) بدليل الآية التالية، وأبدل منه فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ [البقرة:97] ].

    هذا الكلام الذي ذكره المؤلف الحقيقة فيه باب من الخطورة يجب أن نتنبه له، وهو من باب القول بالرأي؛ لأننا إذا قلنا: إنه أبدل جملة بجملة، وليس هناك دليل على هذا الإبدال، وإنما الآية تدل على الجملة الأخرى فلا يسمى إبدالاً، فليس هناك إبدال جملة بجملة، وإنما فيه نوع من الحذف فالجملة المذكورة دلت على الجملة الأخرى المحذوفة، أما أن نقول: إبدال فكأن المعنى أنه كان المفترض أن تكون العبارة كذا ثم أبدلت بكذا، وهذا يحتاج إلى دليل، فهذا من هذه الجهة فيه نظر ولا يصح، ولذا الأولى أن نقول: إن الآية دلت على كذا، ويكون الآخر من باب الحذف، وليس من باب الإبدال.

    أنواع أخرى من الإبدال

    قال رحمه الله: [ وربما يقتضي أصل كلامه التنكير، فيتصرف فيه بالتعريف والإضافة. ويبقى المعنى على التنكير كما كان، كقوله: وَقِيلِهِ يَا رَبِّ [الزخرف:88]، أي: قيل له: يا رب، فأبدل بقيله؛ لأنه أخصر في اللفظ.

    وقوله: حَقُّ الْيَقِينِ [الواقعة:95]، أي: حق يقين، أضيف ليكون أيسر في اللفظ.

    وقد يكون سنن الكلام الطبيعي تذكير الضمير أو تأنيثه، أو إفراده، فيخرجون الكلام من ذلك السنن الطبيعي، ويذكرون المؤنث، وبالعكس، ويجمعون المفرد للميل إلى المعنى.

    كقوله: فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ [الأنعام:78] ].

    يعني: ولم يقل: هذه أكبر، وإنما قال: (هذا أكبر).

    قال رحمه الله: [ وقوله: مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ [البقرة:17].

    وقد يذكر المفرد مكان التثنية.

    كقوله: وَمَا نَقَمُوا إِلاَّ أَنْ أَغْنَاهُمْ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ [التوبة:74].

    وقوله: إِنْ كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ [هود:28]، والأصل فعميتا، فأفرد لأنهما كشيء واحد، ومثله: الله ورسوله أعلم ].

    كل هذه التي ذكرها متعلقة بأساليب العرب.

    ومن باب الفائدة يمكن الاستفادة من كتاب تأويل مشكل القرآن لـابن قتيبة ، وكتاب الصاحبي في فقه اللغة لـابن فارس، فهذان الكتابان مفيدان في هذا الباب، وكذلك كتب ابن جني ، لكن مشكلة ابن جني رحمه الله تعالى أنه كان على مذهب المعتزلة، فقد يوظف بعض الأساليب العربية لمذهبه الاعتزالي، ومن لا يتقن مذهب الاعتزال قد ينقل أقواله المعتزلة وهو لا يدري، وقد رأيت بعض المعاصرين حفظهم الله ممن لهم عناية باللغة ينقلون بعض الآراء اللغوية في أساليب العرب التي تخدم مذهبهم الاعتزالي غير منتبهين لهذه المسألة، وهذه لا شك أنها تشكل خطورة في قراءة مثل تراث ابن جني ، أو تراث أبي علي الفارسي ؛ لأنهما من المعتزلة، وكتاباتهم في فقه اللغة قوية وبليغة جداً، لكن هذه إشكاليتها.

    قال رحمه الله: [ وقد تقتضي طبيعة الكلام أن يذكر الجزاء في صورة الجزاء والشرط في صورة الشرط، وجواب القسم في صورة جواب القسم، فيتصرفون في الكلام ويجعلون ذلك الجزاء من الجملة جملةً مستقلةً مستأنفة ميلاً إلى المعنى، ويقيمون شيئاً يدل عليه بوجه من الوجوه، كما في قوله تعالى: وَالنَّازِعَاتِ غَرْقاً * وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطاً * وَالسَّابِحَاتِ سَبْحاً * فَالسَّابِقَاتِ سَبْقاً * فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْراً * يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ [النازعات:1-6]، فالمعنى: (إن البعث والحشر حق يدل عليه (يوم ترجف).

    وقوله: وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ * وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ * وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ * قُتِلَ أَصْحَابُ الأُخْدُودِ [البروج:1-4] المعنى إن المجازاة على الأعمال حق.

    وقوله: إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ * وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ * وَإِذَا الأَرْضُ مُدَّتْ * وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ * وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ * يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ [الانشقاق:1-6]، المعنى: إن الحساب والجزاء كائن ].

    فالقرائن التي ذكرها وهي تتعلق بحذف جواب القسم، أو جواب الشرط، يعلم من خلال السياق، فقوله تعالى: إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ [الانشقاق:1]، وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ [الانشقاق:2]، قال: إن الحساب والجزاء كائن.. وهكذا، فكأنه يرى أن جواب الشرط قد حذف.

    قال رحمه الله: [ وقد يقع في أسلوب الكلام قلب فيقتضي أسلوب الكلام خطاباً، ويورد في صورة الغائب.

    مثل قوله تعالى: حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ [يونس:22] ].

    هذا سماه قلباً، والمتقدمون يسمونه التفات، فقوله: (حتى إذا كنتم) هذا للمخاطب، (وجرين) هذا للغائب، فهو التفات من الخطاب إلى الغيبة، وهو باب واسع في القرآن وفي كلام العرب.

    قال رحمه الله: [ وقد يذكر الإنشاء مكان الإخبار، والإخبار مكان الإنشاء، كقوله تعالى: فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا [الملك:15]، أي: لتمشوا، وقوله: إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ [البقرة:93]، أي: إيمانكم يقتضي هذا.

    وقوله: مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ [المائدة:32]، المعنى على قياس حال ابن آدم كتبنا، أو على مثال حال ابن آدم، فأبدل منه من أجل ذلك؛ لأن القياس لا يكون إلا بملاحظة العلة، فكأن القياس نوع من التعليم.

    وكذلك (أرأيت) في الأصل بمعنى الاستفهام من الرؤية، ثم نقل ها هنا ليكون تنبيهاً على استماع كلام يأتي بعده كما يقال في العرف: هل ترى شيئاً؟ هل تسمع شيئاً؟

    وقد يوجب التقديم والتأخير أيضاً صعوبة في فهم المراد كما في الشعر المشهور:

    بثينة شأنها سلبت فؤادي بلا جرم أتيت به سلاماً

    والتعلق بالبعيد أيضاً مما يوجب صعوبة، ومن هذا القبيل قوله تعالى: إِلاَّ آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلاَّ امْرَأَتَهُ [الحجر:59-60]، أدخل الاستثناء على الاستثناء فصعب، وقوله: فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ [التين:7]، متصل بقوله: لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ [التين:4]، وقوله: يَدْعُوا لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ [الحج:13]، أي: يدعو من ضره.

    وقوله: لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ [القصص:76]، أي: لتنوء العصبة بها.

    وقوله: وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ [المائدة:6]، أي: اغسلوا أرجلكم.

    وقوله: وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَانَ لِزَاماً وَأَجَلٌ مُسَمًّى [طه:129]، أي: ولولا كلمة سبقت، وأجل مسمىً لكان لزاماً.

    وقوله: إِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ [الأنفال:73] متصل بقوله: فَعَلَيْكُمْ النَّصْرُ [الأنفال:72]، وقوله: إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ [الممتحنة:4] متصل بقوله: قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ [الممتحنة:4].

    وقوله: يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا [الأعراف:187]، أي: يسألونك عنها كأنك حفي ].

    هذا كله من باب التقديم والتأخير، فيكون مثلاً بين المبتدأ والخبر، أو بين المترابطات، فكل الأمثلة التي ذكرها بهذا الشكل، فقوله: لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ [القصص:76] على سبيل المثال، كأنه قال: لتنوء العصبة بها، ففيها تقديم وتأخير، وهنا ينبغي التنبه إلى قاعدة كلية في التقديم والتأخير، وهي أنه لا يقال بوجود التقديم والتأخير إلا إذا لم يفهم نفس الكلام، مثلما ذكر في السياق، فإذا لم يفهم الكلام على نظمه فإنا نضطر إلى القول بالتقديم والتأخير، أما إذا كان له وجه صحيح على نظمه فلا يقال بالتقديم والتأخير.

    قال رحمه الله: [ وأيضاً هناك أقسام زائدة على السنن الطبيعي في الكلام قد يكون ذلك بالصفة كقوله تعالى: وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ [الأنعام:38]، وقوله: إِنَّ الإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً [المعارج:19-21].

    وقد يكون بالإبدال كقوله تعالى: لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ [الأعراف:75].

    وقد يكون بالعطف التفسيري كقوله: حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً [الأحقاف:15].

    وقد يكون بالتكرار كقوله: وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكَاءَ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ [يونس:66]، وأصل الكلام وما يتبع الذين يدعون من دون الله شركاء إلا الظن.

    وقوله: فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ [البقرة:89]، وقوله: وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافاً خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ [النساء:9]، وقوله: يَسْأَلُونَكَ عَنْ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ [البقرة:189]، أي: هي مواقيت للناس باعتبار أن الله شرع لهم التوقيت بها، والحج باعتبار أن التوقيت بها حاصل للحج، ولو قيل: هي مواقيت للناس في حجهم كان أخصر ولكن أطنب.

    وقوله: لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ [الشورى:7]، أي: تنذر أم القرى يوم الجمع.

    وقوله: وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً [النمل:88]، أي: ترى الجبال جامدة، أدخل الحسبان؛ لأن الرؤية تجيء لمعان، والمراد ها هنا معنى الحسبان.

    وقوله: كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمْ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمْ الْبَيِّنَاتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنْ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [البقرة:213].

    أدخل (وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه) في تضاعيف الكلام المنتظم بعضه ببعض، بياناً لضمير اختلفوا، وإيذاناً بأن المراد من الاختلاف ها هنا هو الاختلاف الواقع في أمة الدعوة بعد نزول الكتاب، بأن آمن بعض، وكفر بعض ].

    لو تأملنا هذه الأمثلة لوجدنا أنها كلها جارية على أساليب العرب.

    المثال الأول الذي ذكره قوله تعالى: وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ [الأنعام:38]، فليس هناك طائر يطير بغير جناحين فهو يريد أن يقول: إن قوله: (يطير) كافية عن قوله (بجناحيه)، وهذه وأمثالها تذكر للفائدة، ولو رجعتم إلى تأويل مشكل القرآن فستجدون أنه ذكر عن بعض المشككين من الملاحدة اعتراضات على مثل هذه الآيات وأنه يمكن الاستغناء بقوله: (يطير) عن (جناحيه) فيقال: إن مثل هذا قد يكون للتأكيد، وأحياناً قد يكون من باب الإطناب لفائدة غير التأكيد، وأحياناً قد يكون لبيان الحال، كقوله تعالى: وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ [البقرة:61]، مع أنه ليس هناك قتل للنبيين بحق وإنما مراده تصوير الحال وأن قتل هؤلاء النبيين لا حق فيه أبداً، والقرآن مليء بمثل هذه الأمثلة، ويسميها الطاهر بن عاشور : الصفة الكاشفة، في مثل هذا المثال الذي ذكرناه وهو قوله: وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ [الأنعام:38].

    وأما العطف التفسيري كقوله: حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً [الأحقاف:15]، فهذا بناءً على أن المراد بالأشد الأربعين سنة، لكن من يرى أن الأشد ثلاث وثلاثون سنة فيكون عطف مغايرة، والمعنى بلغ ثلاثاً وثلاثين سنة وبلغ أربعين.

    أما الزيادة بالتكرار أيضاً فذكر لها أمثلة، إلى آخر ما ذكره، وكل هذه الأمثلة تحتاج ممن يريد أن يستفيد من هذا الكتاب أو يعلق عليه أن يرجع إلى أقوال العلماء وينظر، والمؤلف أحياناً قد يذكر قولاً واحداً عند جميع المفسرين، وقد يكون في الآية أكثر من وجه، لكن أحياناً يوجد بعض الإشكالات في التعبير، على سبيل المثال لما قال: هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ [البقرة:189]، قال: ولو قيل: هي مواقيت للناس في حجهم كان أخصر، ولكن أطنب لمراعاة المعاني المقصودة، فقوله: الاختصار أولى من الإطناب، وتسمية هذا إطناباً هذا غير صحيح فقوله: (هي مواقيت للناس والحج) أكثر فائدةً من لو قيل: هي مواقيت للناس في الحج؛ لأنه لو قال: (مواقيت للناس في الحج) فلا يفهم منها أنها مواقيت للناس في غير الحج، فقوله: (والحج)، من باب ذكر الخاص بعد العام، تأكيداً عليه؛ ولأن السؤال قد يكون له علاقة بالحج فذكر في هذا الموطن، فنبه على فائدة القمر كونه يكون هلالاً، ثم ينتهي إلى أن يكون بدراً، ثم يرجع إلى أن يكون هلالاً مرةً أخرى.

    قال رحمه الله: [ وقد يزاد حرف الجر على الفاعل أو المفعول؛ لتوكيد الاتصال، فيكون معمولاً للفعل بواسطة حرف الجر، كقوله تعالى: يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا [التوبة:35]، أي: تحمي هي، وقوله: وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ [المائدة:46]، أي: قفيناهم بـعيسى ابن مريم، ومما ينبغي أن يعلم في هذا المقام نكتة وهي: أن الواو تستعمل في كثير من المواضع لتوكيد الوصلة لا للعطف.

    كقوله تعالى: إِذَا وَقَعَتْ الْوَاقِعَةُ [الواقعة:1]، إلى قوله تعالى: وَكُنتُمْ أَزْوَاجاً ثَلاثَةً [الواقعة:7]، وقوله: وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا [الزمر:73]، وقوله: وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ [آل عمران:141].

    وكذلك تزداد الفاء أيضاً قال القسطلاني في شرح كتاب الحج في باب المعتمر إذا طاف طواف العمرة ثم خرج هل يجزئه عن طواف الوداع؟ قال: ويجوز توسط العاطف بين الصفة والموصوف لتأكيد لصوقها بالموصوف نحو قوله تعالى: إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ [الأنفال:49]، قال سيبويه : هو مثل مررت بـزيد وصاحبك، إذا أردت بصاحبك زيداً.

    وقال الزمخشري في قوله تعالى: وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلاَّ وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ [الحجر:4]، جملة واقعة صفة لقرية، والقياس ألا تتوسط الواو بينهما كما في قوله تعالى: وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلاَّ لَهَا مُنذِرُونَ [الشعراء:208]، وإنما توسط لتأكيد لصوق الصفة بالموصوف كما يقال في الحال: جاءني زيد عليه ثوب، وجاءني وعليه ثوب ].

    مثل هذه الأمثلة بعضها قد يكون فيه خلاف في التفسير، فقوله تعالى مثلاً: وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ [الأحزاب:12] هل هم قوم معنيون أو أكثر من قوم؟ بمعنى أن المنافقين فرقة، والذين في قلوبهم مرض فرقة أخرى، أو هم فرقة واحدة طبعاً هذا فيه خلاف بين المفسرين، وذهب المؤلف إلى وجه واحد وهو أن المنافقين هم الذين في قلوبهم مرض.

    أيضاً في الواو التي سبق أن ذكرها يرد عليه نفس الإشكال الذي في مثل هذا المثال، فعلى سبيل المثال قوله تعالى: حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا [الزمر:73]، فالواو هنا جاءت أيضاً لفائدة، وليس المراد حتى إذا جاءوها فتحت أبوابها فقط، بحيث يجوز أن تسقط الواو، التي سماها واو الاتصال، قال: لأن الواو في المواضع الكثيرة تأتي لتأكيد الاتصال لا للعطف، فقد يراد بها العطف وليس تأكيد الاتصال، مثل قوله: إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ [الأنفال:49]، فهذا من باب العطف وليس من باب تأكيد الاتصال.

    قال: [ وربما تكون الصعوبة في فهم المراد لانتشار الضمائر وإرادة المعنيين من كلمة واحدة، كقوله تعالى: وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنْ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ [الزخرف:37]، يعني: إن الشياطين ليصدون الناس عن السبيل، ويحسب الناس أنهم مهتدون.

    وقوله: قَالَ قَرِينُهُ [ق:27] في موضع واحد المراد به الشيطان، وفي الموضع الآخر الملك.

    وقوله: يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلْ مَا أَنفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ [البقرة:215]، وقوله: وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلْ الْعَفْوَ [البقرة:219]، فالأول معناه أي إنفاق ينفقون، وأي نوع من الإنفاق ينفقون وهو صادق بالسؤال عن المصرف؛ لأن الإنفاق يصير باعتبار المصارف أنواعاً، والثاني معناه: أي مال ينفقون.

    ومن هذا القبيل مجيء لفظ جعل وشيء ونحوهما لمعان شتى، فقد يجيء جعل بمعنى خلق، مثل قوله تعالى: جَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ [الأنعام:1]، وقد يكون بمعنى اعتقد كقوله: وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ [الأنعام:136].

    وشيء قد يجيء مكان الفاعل، ومكان المفعول به، ومكان المفعول المطلق وغيرها، كقوله تعالى: أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ [الطور:35]، أي: من غير خالق، وقوله: فَلا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ [الكهف:70]، أي: مما يتوقف فيه من أمري.

    وقد يريدون بالأمر والنبأ والخطب المخبر عنه هو نبأ عظيم، أي: قصة عجيبة.

    وكذلك الخير والشر وما في معناهما يختلفان بحسب المواضع.

    ومن هذا القبيل انتشار الآيات، فقد يبادرون إلى آية مقامها الأصلي بعد إيراد القصة، فيذكرونها قبل تمام القصة ثم يعودون إلى القصة فيتمونها، وقد تكون الآية متقدمة في النزول متأخرة في التلاوة، كقوله تعالى: قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ [البقرة:144]، فإنها متقدمة في النزول، و سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ [البقرة:142] متأخرة.

    وفي التلاوة بالعكس.

    وقد يدرج الجواب في أثناء قول الكفار كقوله تعالى: وَلا تُؤْمِنُوا إِلاَّ لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ [آل عمران:73].

    وبالجملة فهذه المباحث تحتاج إلى تفصيل كثير، ولكن يكفي هذا القدر مما ذكرنا، ومن طالعه من أهل السعادة واستحضر هذه الأمور، واستحضرها في البال في أثناء المطالعة، يدرك الغرض من الكلام بأدنى تأمل، ويقيس غير المذكور على المذكور، وينتقل من مثال إلى أمثلة أخرى ].

    1.   

    المحكم والمتشابه

    تعريف المحكم

    قال رحمه الله: [ ليعلم أن المحكم ما لم يفهم منه العارف باللغة إلا معنىً واحداً، والمعتبر فهم العرب الأول لا فهم مدقق زماننا، فإن التدقيق الفارغ داء عضال يجعل المحكم متشابهاً، والمعلوم مجهولاً ].

    إذاً المحكم ما لا يعلم منه إلا معنىً واحد، والمتشابه ما له أكثر.

    تعريف المتشابه وبيان أسبابه

    قال رحمه الله: [ والمتشابه ما احتمل معنيين؛ لاحتمال رجوع ضمير إلى مرجعين، كما إذا قال شخص: أما إن الأمير أمرني أن ألعن فلاناً لعنه الله ].

    كان يفترض على المؤلف رحمه الله تعالى أن يمثل من القرآن، فكل كتاب الأولى به أن تكون أمثلته قرآنية، ومن الأمثلة التي مرت علينا في الآيات السابقة قوله: يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ [الانشقاق:6]، ذكرها عند إبدال اسم باسم، فقوله: (فَمُلاقِيهِ)، الهاء هذه يحتمل أن يعود إلى الكدح، ويحتمل أن تعود إلى اللقاء.

    قال رحمه الله: [ أو لاشتراك كلمة في المعنيين نحو (لامستم) في الجماع، واللمس باليد ].

    فلفظة (لامستم) يحتمل أن يكون المراد بها اللمس باليد وهو مذهب، أو المراد بها الجماع وهو مذهب وهذا بسبب الاشتراك، والاشتراك أمثلته كثيرة.

    قال رحمه الله: [ ولاحتمال العطف على القريب والبعيد نحو قوله تعالى: وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ [المائدة:6] في قراءة الكسر، أو لاحتمال العطف والاستئناف نحو قوله: وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ [آل عمران:7] ].

    لو أردنا أن نطبق المحكم والمتشابه عنده فإن المتشابه بناءً على قوله معلوم المعنى لكنه غير محدد.

    والمحكم معلوم المعنى. فكل كلامنا الآن في المحكم والمتشابه الذي ذكره المؤلف هو في باب ما هو معلوم المعنى، وليس في باب ما ليس بمعلوم المعنى الذي هو المتشابه الكلي؛ لأن هذا لم يورده، وإنما أورد ما يتعلق بمعلوم المعنى، فإذاً: المحكم والمتشابه الذي ذكره داخل كله في باب ما هو معلوم المعنى، نعم.

    1.   

    الكناية

    تعريف الكناية وأمثلتها

    قال رحمه الله: [ والكناية أن يثبت حكماً من الأحكام ولا يقصد به ثبوت عينه، بل المقصود انتقال ذهن المخاطب إلى ما يلزمه لزوماً عادياً أو عقلياً، كما في عظيم الرماد، فإن المعنى كثرة الضيافة ].

    لو أخذنا مثالاً قرآنياً، بعضهم يذكر قوله سبحانه وتعالى: كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ [المائدة:75]، وأنه كناية عن الإخراج عند بعض المفسرين، فإذا صح هذا فنقول: هذا من باب الكناية، مع أن بعض المعاصرين أيضاً كتب في أن الكناية غير موجودة في القرآن، وليس له علاقة بالمبحث، لكن نقول: إن الكناية أسلوب عربي، ثم نحرر هل القرآن أورد كناية أو لم يوردها؟ مثل ما ذكرنا في قضية الحذف.

    قال رحمه الله: [ ويفهم من بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ [المائدة:64] معنى الكرم والسخاوة ].

    وهذا مشكل، من جهة أنه قال: لا يقصد ثبوت ذلك الأمر بعينه، وعندنا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ [المائدة:64] ثابت بعينه نثبته على الحقيقة، وما فهم منه هذا من باب لوازم المعنى، وليس هو المعنى، فمشكلة الكناية إذا كانت كما يقول: يثبت المتكلم أمراً، ولا يقصد ثبوت ذلك الأمر بعينه، فالمقصود بقوله: كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ [المائدة:75]، ليس الإشارة إلى أكل الطعام، وإنما المقصود الإشارة إلى الإخراج؛ لبيان حاجة عيسى عليه السلام وأمه، فكيف يكون عيسى وأمه من الآلهة، لا يمكن أن يكون ذلك.

    قال رحمه الله: [ ومن هذا القبيل تصوير المعنى المراد بصورة المحسوس، وذلك باب واسع في أشعار العرب وخطبهم، والقرآن العظيم وسنة نبينا صلى الله عليه وسلم مشحونة به، كقوله تعالى: وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ [الإسراء:64]، شبهه برئيس السارقين حيث ينادي أصحابه فيقول: تعالوا من هذه الجهة، وادخلوا من تلك الجهة.

    وقوله: وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدّاً وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدّاً [يس:9].

    وقوله: إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلالاً [يس:8].

    حيث شبه إعراضهم عن تدبر الآيات بمن غلت يداه، أو بني حواليه سد من كل جهة، فلا يستطيع الرؤية أصلاً.

    وقوله: وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنْ الرَّهْبِ [القصص:32]، يعني: اجمع خاطرك من الانتشار ].

    وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنْ الرَّهْبِ [القصص:32]، اجمع خاطرك، ودع اضطراب الخواطر وقلق البال، وهذا تفسير إشاري، وليس تفسيراً مباشراً، وإنما المراد (واضمم إليك جناحك) الذي هو الذراع المعروف.

    1.   

    البيان بالإشارة الحسية

    قال رحمه الله: [ ونظير ذلك من العرف أنهم إذا قرروا شجاعة رجل يشيرون بالسيف أنه يضرب هكذا، ويضرب هكذا، ولا يقصد به إلا غلبته أهل الآفاق بصفة الشجاعة، وإن لم يكن أخذ السيف بيده مرةً من الدهر، وكذلك يقول فلان: لا أرى أحداً في الأرض يبارزني، أو يقولون: يفعل هكذا، ويشير بهيئة أهل المبارزة في وقت مغالبة الخصم ولو لم يكن يفعل هذا الشخص هذا الفعل، ولا صدر عنه هذا القول، أو يقولون: خنقني فلان، وجر اللقمة من داخل حلقي ].

    1.   

    التعريض

    قال رحمه الله: [ والتعريض أن يذكر حكماً عاماً، أو منكراً، ويقصد به تقرير حال شخص خاص، أو التنبيه على حال رجل معين، وربما يجيء في أثناء الكلام بعض خصوصيات ذلك الشخص، ولا يطلع المخاطب على ذلك الشخص، فيتحير قارئ القرآن في مثل هذا الموضع، وينتظر القصة ويتحراها، وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أنكر على شخص يقول: ( ما بال أقوام يفعلون كذا وكذا )، كما في قوله تعالى: وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً [الأحزاب:36].

    في هذه الآية الكريمة تعريض بـزينب وأخيها، وقوله: وَلا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ [النور:22]، تعريض بـأبي بكر الصديق رضي الله عنه، ففي هذه الصورة من لم يطلع على تلك القصة لا يدرك مطلب الكلام.

    والمجاز العقلي أن يسند الفعل إلى غير فاعله، أو يقام ما ليس مفعولاً به مقام المفعول به؛ لعلاقة المشابهة بينها، وادعاء المتكلم أنه داخل في عداده، وهو واحد من ذلك الجنس كما يقال: بنى الأمير القصر، مع أن الباني بعض البنائين لا الأمير، وإنما هو الآمر بالبناء، وأنبت الربيع البقل، مع أن المنبت هو الحق سبحانه في موسم الربيع، والله أعلم بالصواب ].

    هذه بعض الأساليب البلاغية، بعضها قد يثبت، وبعضها فيه كلام كما هو معروف، مثل قضية المجاز، والكلام حولها.

    وقضية التعريض ربطها بمثل قول الرسول صلى الله عليه وسلم: ( ما بال أقوام )، ولكن نبه على أن هذا التعريض لا يفهم إلا إذا فهم سبب النزول، فعندما نتأمل في الآية: وَلا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ [النور:22]، وأنها نزلت في أبي بكر ، فبدلاً من أن يذكر أبا بكر بذاته وباسمه، فذكر هذا، وهو تعريض به، وكذلك وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ [الأحزاب:36]، ذكر هذا وهو تعريض بحال زينب وأخيها.

    1.   

    الأسئلة

    الطريقة المثلى في قراءة كتب التفسير

    السؤال: ما هي الطريقة المنهجية في القراءة في كتب التفسير والاستفادة منها؟

    الجواب: هذا موضوع طويل، لكن من باب الفائدة، هناك مناهج متعددة في قضية كيفية القراءة في كتب التفسير، سأذكر منهجية من هذه المناهج، وأشير إلى منهجية أخرى من باب الفائدة.

    المنهجية التي أدعو إليها وأنصح بها أن يحدد طالب العلم كتاباً له، يسأل عن الكتاب المناسب له، سواءً كان كتاباً مختصراً بشرط أن يكون سهل العبارة، أو أن يكون كتاباً متوسطاً بحيث يستطيع أن يقرأه خلال أشهر، ولا يكون طويلاً جداً من المطولات، ثم يجتهد في قراءة هذا الكتاب، واستحضار معلوماته، ويعمد أيضاً إلى كتاب في غريب القرآن يكون معه، خاصة إذا كان مرتباً على السور؛ ليستفيد من وضع معاني الآيات على الكتاب حال احتياجه لها إذا لم يذكر صاحب الأصل معاني الكلمات، فإذا أدمن النظر في هذا الكتاب وأعاده مرة بعد مرة بحيث يقرؤه قراءة له منتظمة ثم أي فائدة يستفيدها خارج هذا الكتاب يعلقها على هذا الكتاب، أو يشير إليها على الأقل، فلو جاء مثلاً إلى قوله سبحانه وتعالى: وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى [الأعلى:3] وذكر الكلام الذي قيل فيها: (قَدَّرَ فَهَدَى) وأضل، هل هذا صحيح أو لا؟ فيمكن أن يشير إلى اعتراض شيخ الإسلام ابن تيمية على تقدير هدى وأضل، وبعد فترة سيتكون عنده من خلال قراءته معلومات كثيرة جداً على كتابه هذا، يكون أشبه بالفهرس له، فحينما يرجع إلى شرح الآيات يكون عنده جملة من المعلومات حاضرة عنده؛ لأن الأصل عندنا عدم الحفظ، فإننا نحتاج إلى أن نثبت المقروء بالكتابة، وبعد سنوات سترى أنه قد اجتمع لديك من الفوائد والنفائس الشيء الكثير، أما إذا صرنا نقرأ من دون تقييد فالفوائد كثيراً ما تضل عنا ولا نهتدي إليها، فأحياناً نذكر أن هناك فائدة في الآية، لكن لا نعرف أين قرأناها.

    وهناك منهجية أخرى قد استخدمها أيضاً بعض الأشخاص وهي أنه يقرأ أسباب القراءة البحثية، فمثلاً يأخذ جزء (عم) ويحدد مجموعة تفاسير، ويلخص منها، لكن هذه الطريقة فيها طول، والطريقة الأولى تغني عنها، فيلخص الفوائد المعتبرة عنده في سورة عم مثلاً من هذه التفاسير التي اعتمدها، وهكذا يمشي على جميع كتب التفسير التي حددها على جميع سور القرآن، الأولى لاحظتها من طريقة بعض العلماء، سواءً الذين كتبوا في التفسير، أو كانوا يعلقون على بعض آيات التفسير، فمثلاً تجد أن شيخ الإسلام ابن تيمية يكثر عنده ذكر بعض التفاسير مما يدل على أنه جعل هذه التفاسير أصلاً يرجع إليه ويستحضرها كثيراً، مثل تفسير ابن الجوزي ، وتفسير ابن عطية ، وتفسير القرطبي ، وتفسير الطبري ، وتفسير ابن أبي حاتم .

    وكذلك بعض العلماء الذين يكتبون التفسير يجعلون لهم أصلاً يعتمدونه، ثم يكتبون التفسير عليه يستفيدون منه اختصاراً، ويضيفون إليه، مثل ما فعل الشوكاني فإنه اعتمد تفسير القرطبي ، وبنى عليه تفسيره وكتبه، ثم جاء بعده صاحب فتح البيان صديق خان فاعتمد فتح القدير، وأضاف إليه.. وهكذا، فهذا الأسلوب يفيدنا في أن نجعل لنا أصلاً من كتب التفسير نقرأ فيه.

    سبحانك اللهم وبحمدك، نشهد أن لا إله إلا أنت، نستغفرك ونتوب إليك.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3046156911

    عدد مرات الحفظ

    733657920