إسلام ويب

التعليق على كتاب الفوز الكبير في أصول التفسير [3]للشيخ : مساعد الطيار

  •  التفريغ النصي الكامل
  • مما يحتاج إليه المفسر لمعرفة وجوه الخفاء في معاني القرآن: معرفة غريب الألفاظ، ويحصل ذلك عن طريق الصحابة والتابعين وسائر أهل المعاني، ومعرفة الناسخ والمنسوخ، ومصطلح السلف في ذلك، وأسباب النزول، ومعرفة معنى النزول في مصطلح الصحابة.

    1.   

    الباب الثاني: بيان وجوه الخفاء في معاني نظم القرآن

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا ونبينا محمد خاتم النبيين وإمام المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين.

    قال الإمام الدهلوي رحمه الله: [ الباب الثاني: بيان وجه الخفاء في معاني نظم القرآن، وإزالة هذا الخفاء.

    الفصل الأول: في ورود غريب القرآن.

    ليعلم أن القرآن قد نزل بلغة العرب سوياً بغير تفاوت، وهم فهموا معنى منطوقه بقريحة جبلوا عليها كما قال: وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ [الزخرف:2]، وقال: قُرْآناً عَرَبِيّاً لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ [يوسف:2]، وقال: أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ [هود:1] ].

    البحث عن المسائل التي لم يسأل عنها السلف

    [ وكان من مرمى الشارع عدم الخوض في تأويل متشابه القرآن، وتصوير حقائق الصفات الإلهية، وتسمية المبهم، واستقصاء القصص وما أشبه ذلك، ولهذا ما كانوا يسألونه صلى الله عليه وسلم عن شيء من ذلك، والذي يرفع إليهم في هذا الباب شيء قليل، ولكن لما مضت تلك الطبقة ودخلهم العجم، وتركت تلك اللغة استصعب فهم المراد في بعض المواضع، واحتيج إلى تفيش اللغة والنحو، وجاء السؤال والجواب في ذلك، وصنفت كتب التفسير، فلزم أن نذكر مواضع الصعوبة إجمالاً، ونورد أمثلةً فيها؛ لئلا يحتاج عند الخوض إلى زيادة بيان، ويقع الاضطرار إلى الكشف عن تلك المواضع ].

    هذه المقدمة لهذا الفصل التي ذكرها المؤلف فيه قضية نحب أن ننتبه إليها وهي مرتبطة بالتاريخ والحاجة العلمية، وهذا الموضوع أرى أنه مهم بحثه، فذكره المؤلف، أن الصحابة كان سؤالهم للرسول صلى الله عليه وسلم عن التفاصيل أقل ممن جاء بعد الصحابة، وهناك كما ذكر أشياء من المبهمات، وتفاصيل في القصص لم يكن يعنى بها الصحابة، وصارت العناية بها عند من جاء بعدهم أكثر.

    السؤال الذي يرد: هل البقاء في مثل هذه الأمور على ما كان عليه الصحابة هو الأولى، أو أن نقول: إن هذا من لوازم الطبيعة التاريخية لحركة المسلمين؟

    بمعنى أن نقول: إنه في مثل هذه الأمور التي نتكلم عنها ما كان الصحابة رضي الله عنهم يحتاجون إليها، بل قد اكتفوا بهدايات القرآن العامة دون الخوض في هذه التفاصيل، خصوصاً أنهم يشاهدون الرسول صلى الله عليه وسلم، وهو ينزل عليه الوحي، فما كانت عندهم مثل هذه الاستفسارات التي جاءت عند من جاء بعدهم.

    ولو تأملت في التاريخ ستجد أن من جاء بعد التابعين وأتباع التابعين خوضهم في هذه التفاصيل أكثر، وهكذا حتى تصل إلى عصرنا هذا ستجد أن بعض المعاصرين خاض في تفاصيل وردت في القرآن لم يتكلم عنها من كان قبل جيله، فضلاً عن أن يكون تكلم عنها من كان قبلهم إلى عهد الصحابة رضي الله عنهم، ففي مثل هذه البحوث العلمية يجب أن يكون عندنا نوع من اعتدال في قبولها أو نقلها، فلا ترفض رفض تاماً ولا تقبل بحذافيرها وبكل ما فيها.

    القاعدة الكلية في مثل هذا هو النظر إلى الثمرة التي تجنى من بحث هذه المعلومات بالنسبة للدارسين، فقد تكون بعض المعلومات بالنسبة للدارسين في هذا الوقت مثمرة ومفيدة، وقد تكون هذه المعلومات لو درست قبل هذا لكانت ناقصة، وليس فيها ذلك الأثر والفائدة التي جناها المعاصرون، وأقصد من ذلك أنه لا تثريب على المسلمين في البحث وتجلية هذه المعلومات جيلاً بعد جيل، ولا يلزم أن نقول: ما دام الصحابة لم يبحثوا هذه المعلومات فإننا لا نبحثها، ولا نتأمل فيها، ولا نتدبر، ولا نستفيد منها، فمثل هذا الموضوع يحتاج إلى نوع من اعتدال.

    والذي يمكن أن نقوله أن نجتهد في معرفة ما السبب الذي جعل الصحابة لا يعتنون بمثل هذا، ثم هل اعتناؤنا نحن بمثل هذه الأمور يجني لنا ثمرةً علمية نستفيد منها أو هو من فضول العلم وضياع الأوقات؟ فهذه مسألة مهمة.

    وكذلك أيضاً في نفس الموضوع أحياناً قد يكون الأمر لتدريب الطلاب، يعني الثمرة أو المقصود هو تدريب الطالب، وليس المقصود هو الحصول على معلومة إيجابية أو سلبية.

    وبعض الطلاب لا يفهم هذا المقصد فتجده يعيب الدراسة بهذه الطريقة فيقول: لماذا أنا أتعب في بحث من هو الذبيح هل هو إسماعيل أو إسحاق؟ خلاص كفينا في هذا، العلماء بينوا لنا هذا، وعرفنا الراجح، والمقصود هنا ليس المقصود أن تصل إلى نتيجة، النتيجة معروفة، ولكن المقصود تدريبك على البحث ومعرفة الأقوال، والنظر فيها، ومعرفة من قال بهذا، ومن قال بذاك، وأشياء كثيرة تحوط هذا البحث، فمثل هذه الأمور تحتاج منا إلى نوع من الاعتدال في طرقها وبحثها؛ لأن بعض الدارسين وطلاب العلم يشنع على بعض العلوم أو بعض المعلومات تشنيعاً شديداً، حتى أنه يراها أحياناً من الأمور التي تعتبر من السفاسف؛ لأن السلف لم يعتنون بها، ولا شك أن هذه القاعدة الكلية صحيحة، لكن أيضاً يجب أن ننتبه إلى أنه حينما نجد ثمرة فعلية فإننا نتمسك بها.

    ونقول: بأن كل وقت له معلوماته التي تكون موجودة فيه وتناقش، فهذا ما يتعلق بما ذكره من سبب قلة سؤال الصحابة رضي الله عنهم، ثم ازديادها في الطبقات التي بعد جيل الصحابة، ولا شك أن دخول العجم وكذلك كثرة المسلمين، وتنامي العلوم أن هذه من أكبر الأسباب التي دعت إلى أن تبحث مثل هذه القضايا التي ذكرها المؤلف.

    أسباب صعوبة فهم مراد المتكلم

    قال رحمه الله: [ فنقول: إن عدم الوصول إلى فهم المراد باللفظ يكون تارةً بسبب استعمال لفظ غريب، وعلاجه نقل معنى اللفظ عن الصحابة والتابعين وسائر أهل المعاني، وتارةً يكون ذلك لعدم تمييز المنسوخ من الناسخ، وتارةً يكون لغفلة عن سبب النزول.

    وتارةً يكون بسبب حذف المضاف أو الموصوف أو غيرها.

    وتارةً لإبدال شيء مكان شيء، أو إبدال حرف بحرف، أو اسم باسم، أو فعل بفعل، أو لذكر الجمع موضع المفرد وبالعكس، أو لاستعمال الغيبة مكان الخطاب.

    وتارةً بتقديم ما حقه التأخير وبالعكس.

    وتارةً بسبب انتشار الضمائر وتعدد المراد من لفظ واحد.

    وتارةً بسبب التكرار والإطناب.

    وتارةً بسبب الاختصار والإيجاز.

    ومرةً بسبب استعمال الكناية والتعريض والمتشابه والمجاز العقلي، فينبغي لأهل السعادة من الأحباب أن يطلعوا في مبدأ الكلام على حقيقة هذه الأمور، وشيء من أمثلتها، ويكتفوا في موضع التفسير بإشارة ورمز ].

    لو تأملنا هذه التي بدأ بقوله: [ فتارة ] ثم ذكر مجموعة من القضايا التي يمكن أن نقول عنها: إنها أسباب مانعة من الفهم.

    فذكر المثال الأول وهو واضح: وهو أن تكون اللفظة غريبة من جهة اللغة، وقضية غرابة اللفظة من جهة اللغة قضية نسبية.

    ومن باب الفائدة أيضاً فهذه من البحوث التي يمكن أن تعمل في كتب غريب القرآن وهي: النظر إلى نسبية الغرابة عند المؤلفين، بمعنى لو أننا أخذنا مجاز القرآن لـأبي عبيدة وهو في الغريب، وأخذنا الكتاب الذي يليه تفسير غريب القرآن لـابن قتيبة ، وقد استفاد من كتاب أبي عبيدة ، وصنعنا موازنة بين الكتابين في عدد الغريب الذي ذكروه في كل صورة، ثم العدد الكلي مثلاً، وهل تركوا شيئاً بالنسبة لنا نحن غريب أو لا؟ ما دام ترك فالأصل أنه بالنسبة له ليس بغريب، وقد يكون بالنسبة لنا من الغريب.

    وهل ذكر شيء بالنسبة لنا واضح؟ وإذا كان واضحاً ولا يتوقع الاختلاف فيه فلماذا ذكره؟ فهذه أيضاً من المباحث التي لو أعملتها في جملة من كتب الغريب فسيتبين لك كيف تتعامل مع الغريب، وأحياناً قد يكون أيضاً من باب الاتفاق، وأن المؤلف يذكر هذه اللفظة وإن كانت معلومة المعنى وواضحة، لكنه يذكرها مجرد ذكر اتفاقي وليس له مقصد أنها تدخل في الغريب.

    وما ذكره المؤلف فبعضه ممكن نسميه أسباب الاختلاف، فإذا تأملنا هذه فنقول: لم نفهم المعنى لصعوبة ما ورد فيه، أو لخفاء اللفظ من جهة الغريب، أو الكناية، أو المجاز، أو بسبب اختلاف المفسرين فيه، يعني لاحتماله لأكثر من مدلول.

    فالمقصد من ذلك أننا يمكن أن نستفيد من هذه التي ذكرها المؤلف بالنظر فيما يدخل في أسباب الاختلاف، والنظر فيما يدخل في أسباب خفاء معاني القرآن الكريم، والمفترض أنه الفصل الأول.

    الطريقة لفهم غريب القرآن

    قال: [ الفصل الأول في شرح غريب القرآن.

    وأحسن الطرق في شرح الغريب ما صح عن ترجمان القرآن عبد الله بن عباس من طريق ابن أبي طلحة ، واعتمده البخاري في صحيحه غالباً، ثم طريق الضحاك ، عن ابن عباس ، وجواب ابن عباس عن أسئلة نافع بن الأزرق ، وقد ذكر السيوطي هذه الطرق الثلاث في الإتقان.

    ثم ما نقله البخاري من شرح الغريب عن أئمة التفسير.

    ثم ما رواه سائر المفسرين من الصحابة والتابعين وأتباع التابعين من شرح الغريب.

    ومن المستحسن عندي أن أجمع في الباب الخامس من الرسالة جملةً صالحةً من شرح غريب القرآن مع أسباب النزول فأجعلها رسالةً مستقلة، فمن شاء أدخلها في هذه الرسالة، ومن شاء أفردها على حدة، وللناس فيما يعشقون مذاهب ].

    ذكر المؤلف هنا نقطتين:

    النقطة الأولى: ما يتعلق بأفضل شروح غريب القرآن، ولا شك أن الشروح الواردة عن ابن عباس من الشروح المقدمة، لكن هذه الإطلاقات إطلاقات جملية وليست تفصيلية، بمعنى أننا لا نجعل أن الأصل أن كل ما ورد عن ابن عباس أو ما يساويه أنه صحيح، وأنه يقدم، فهذه القاعدة ليست صحيحة، ولم يعمل بها إلا قلة من العلماء، لكن لا شك أن قول ابن عباس من حيث العموم معتبر؛ لدعاء الرسول صلى الله عليه وسلم له بتعليم التأويل.

    وهذه الطرق التي ذكرها ابن عباس ، هناك طرق أصح منها وأقوى، فالطرق التي ذكرها كلها طرق متكلم فيها، طريق علي بن أبي طلحة ، وطريق الضحاك ، وسؤالات نافع ، وأضعفها سؤالات نافع ، ثم طريق الضحاك ، ثم طريق علي بن أبي طلحة ، ولن نتكلم عن تفاصيل هذه الطرق، ولكن المقصد أن ولي الله الدهلوي رحمه الله تعالى ترك الطرق المعتبرة والأقوى من هذه الطرق في تفسير ابن عباس ، وكان الأولى ذكرها، ولهذا لا نحتاج إلى أن نفصل في هذه الطرق.

    ولكن نقول: القاعدة الكلية في هذا: أن ما ورد عن الصحابة من حيث العموم فهو المقدم؛ لأن هؤلاء الصحابة هم الذين نزل القرآن بلسانهم، فهم أهل اللسان المعتبر، وإليهم المرجع، فإذا وردت عن صحابي فإنه يحكم بأنها لغة بلا ريب.

    وإذا وقع اختلاف بين الصحابة في تحديد المدلول اللغوي فنحكم بأن كل ما قالوه من جهة اللغة صحيح، وأنه من باب الاشتراك اللغوي، ثم يأتي التحرير في هل الآية تقبل جميع الأقوال أو بعضها يقدم على بعض؟

    وأيضاً نلاحظ أن صاحب الكتاب رحمه الله تعالى اعتمد على ما ذكره عن شيخ شيوخه السيوطي في الإتقان، وكأن مرجعه في هذه المعلومة الإتقان لا غير، وهذا أيضاً من باب الفائدة، وهي أن ننتبه له من الجهة العلمية وأن الاقتصار على بعض المراجع دون النظر الموسوع في المراجع الأخرى قد يورث مثل هذا النقص في المعلومات، فهو رحمه الله تعالى لم يذكر لنا من مراجعه إلا ما ذكره عن البخاري وذكره في الإتقان فقط، مع أن هناك تفسير ابن جرير الطبري ، و ابن أبي حاتم ، حتى شيخ شيوخه الذي هو السيوطي له تفسير الدر المنثور مليء بالمنقولات عن الصحابة، فلو كان شملها لكان أولى.

    رسالة المؤلف التي جمعها في شرح غريب القرآن

    القضية الثانية: فيما يتعلق بالرسالة الأخيرة التي ذكرها، فهذه الرسالة لم تطبع في ما بين أيدينا، ولا أيضاً طبعها سلمان الندوي ، وليته ألحقها بكتاب الفوز الكبير؛ لأن المؤلف أعطى خياراً: من أراد أن يلحقها بالفوز الكبير فتكون في الفصل الخامس عنده، ومن أفردها برسالة فتكون مستقلة، ولهذا سمى الفصل هذا الأخير: فتح الخبير بما لا بد من حفظه في علم التفسير، وأحد الطبعات هذه طبعة باكستانية ألحقوا بها كتاب فتح الخبير، فجعلوها في كتاب واحد، مثل ما أراد المؤلف على الوجه الأول، والوجه الثاني إفرادها، وليست عندي مفردة، ولا رأيتها أيضاً مفردة، وهي التي قال عنها: للناس فيما يعشقون مذاهب، يعني إن أردت أن تكمل بها الكتاب أو تفصلها.

    طرق تفسير الصحابة والتابعين ألفاظ القرآن

    قال رحمه الله: [ ومما ينبغي أن يعلم ها هنا أن الصحابة والتابعين ربما يفسرون اللفظ بلازم معناه، وقد يتعقب المتأخرون التفسير القديم من جهة تتبع اللغة، وتفحص موارد الاستعمال، والغرض من هذه الرسالة سرد تفسيرات السلف بعينها، ولتنقيحها ونقدها موضع غير هذا الموضع، ولكل مقام مقال ].

    هذه قضية مهمة قال: (وليعلم أن الصحابة والتابعين رضي الله عنهم أجمعين يفسرون اللفظ أحياناً بلازم معناه)، فحين نأتي إلى التفسير، فعندنا التفسير اللفظي، ثم التفسير المعنوي، والتفريق بين التفسير اللفظي والتفسير بلازم المعنى قضية من أهم القضايا في أصول التفسير لمن يقرأ في تفسير السلف، فعلى سبيل المثال ما ذكره المؤلف في كتاب هذا عن الكوثر، قال: الكوثر قال رسول صلى الله عليه وسلم: ( هو نهر في الجنة ). ثم قال: (شانئك): عدوك، والذي نريد أن نتكلم عنه قوله: (بلازم المعنى) فإن الشانئ في اللغة المبغض، ولا يلزم من أن يكون كل مبغض عدواً، بل قد يكون مبغضاً له ولا يكون عدواً له، لكن كل عدو يلزم أن يكون مبغضاً وليس كل مبغض عدواً.

    فلما ننظر إلى هذا فهذا يجعلنا ندرك العلاقات التي ذكرها المؤلف وأنه أحياناً قد يكون التفسير لفظياً، وقد يكون بلازم المعنى، ومعنى ذلك أننا لا بد أن نتعلم مفرادات اللغة، ونعرف معانيها الأصلية في اللغة؛ لكي نستطيع أن نميز بين المعنى الأصلي والتفسير الذي يأتي بلازم هذا المعنى، فهذا إدراكه يكون بمعرفة ألفاظ العربية عند علماء العربية.

    وقد يرد عندنا إشكالات في بعض الألفاظ حين ترد عن الصحابة والتابعين هل هي من لازم المعنى أو المعنى الأصلي؟ وهذه قليلة يمكن أن تحرر في مكانها، ولا يؤثر على فهم المعنى الخلاف فيها وإنما يؤثر فيها هل هي من اللغة أو من لوازم هذا اللفظ؟ فالخلاف فيها لا يؤثر على التفسير، وإنما يؤثر على نقل اللغة، مثلاً: الشانئ هو العدو، والشانئ هو المبغض، فإذا قلت لك: لماذا قلت بهذا؟ فتقول: لأنه ورد في التفسير الشانئ بمعنى العدو، والشانئ بمعنى المبغض، فنقول: لا، الأصل أن الشانئ بمعنى المبغض، والتفسير بالعدو له ارتباط بالشانئ، وليس أن الشانئ هو العدو، فهنا تحرير من جهة إطلاق اللغة فقط، وأما من جهة التفسير فنقول تفسير (شانئك) بمعنى صحيح لكنه تفسير معنوي وليس تفسيراً لفظياً؛ لأن التفسير اللفظي أن الشانئ بمعنى المبغض.

    1.   

    النسخ في القرآن

    قال رحمه الله: [ الفصل الثاني: النسخ في القرآن.

    من المواضع الصعبة في فن التفسير التي ساحتها واسعة جداً، والاختلاف فيها كثير معرفة الناسخ والمنسوخ، وأقوى الوجوه الصعبة اختلاف اصطلاح المتقدمين والمتأخرين.

    مصطلح النسخ بين مفهومي السلف والخلف

    وما علم في هذا الباب من استقراء كلام الصحابة والتابعين أنهم كانوا يستعملون النسخ بإزاء المعنى اللغوي الذي هو إزالة شيء بشيء، لا بإزاء مصطلح الأصوليين.

    فمعنى النسخ عندهم إزالة بعض الأوصاف من الآية بآية أخرى، إما بانتهاء مدة العمل، أو بصرف الكلام عن المعنى المتبادر إلى غير المتبادر، أو بيان كونه قيداً من القيود اتفاقياً، أو تخصيص عام، أو بيان الفارق بين المنصوص وما قيس عليه ظاهراً، أو إزالة عادة الجاهلية، أو الشريعة السابقة.

    فاتسع باب النسخ عندهم، وكثر جولان العقل هنالك، واتسعت دائرة الاختلاف، ولهذا بلغ عدد الآيات المنسوخة خمسمائة، وإن تأملت متعمقاً فهي غير محصورة.

    والمنسوخ باصطلاح المتأخرين عدد قليل، لا سيما بحسب ما اخترناه من التوجيه، وقد ذكر الشيخ جلال الدين السيوطي في كتاب الإتقان بتقرير المنصوص كما ينبغي بعض ما ذكره العلماء، ثم حرر المنسوخ الذي فيه رأي المتأخرين على وفق الشيخ ابن العربي ، فعده قريباً من عشرين آية، وللفقير في أكثر تلك العشرين نظر، فلنورد كلامه مع التعقيب ].

    هنا كما يقول: إن علم الناسخ والمنسوخ من الصعوبة بمكان في علوم القرآن، وكلامه في هذا صحيح، ولهذا لو قرأ واحد منا مباشرةً في كتاب من كتب الناسخ والمنسوخ فإنه لا يكاد يهتدي إلى المعنى الصحيح في الآيات، فلو قرأت كتاب الناسخ والمنسوخ لـأبي جعفر النحاس ابتداءً، أو كتاب أبي عبيد القاسم بن سلام ، أو كتاب مكي بن أبي طالب ، أو ابن الجوزي وغيرهم وليس عندك قواعد عامة فإنه سيكون عندك صعباً جداً.

    والمؤلف ابتدأ في فك هذا الإشكال بذكر أول قاعدة أو فائدة ممكن أن ننتبه لها وهي أن مصطلح النسخ عند السلف مثل الصحابة والتابعين وأتباع التابعين أوسع من مصطلح النسخ عند الأصوليين، فإذا استوعبت هذه القاعدة فستجد حلولاً لإشكالات كثيرة جداً. فإذا كان مصطلح النسخ عندهم أوسع، فإنهم سيستخدمون لفظ، نسخ الله في مواطن متعددة. ذكر المؤلف بعضها، فمثلاً كان الجاهلية يفعلون كذا وكذا، فنسخ الله هذا بقوله تعالى كذا، فبعض الناس قد يقول: هذا ليس بنسخ؛ لأنه يتعامل مع النسخ الاصطلاحي، وإلا فهو في الحقيقة نسخ؛ لأنه فيه نوعاً من الإزالة.

    فإذاً السلف أخذوا من لفظة النسخ المعنى اللغوي المشهور لها، فإن نسخ بمعنى رفع وأزال، لذا فالمنسوخات عندهم متعددة كثيرة.

    أما الأصوليون فالمنسوخ عندهم نوع واحد، وهو رفع حكم شرعي بحكم شرعي آخر متراخ عنه، يعني من حيث الجملة، وليس التعريف الدقيق لكن هذا مؤداه، فأي نوع من الرفع والإزالة فإنه عند السلف يعتبر نسخاً، وعلى قول السلف فإن عدد الآيات التي فيها نسخ أكثر بالنسبة لقول المتأخرين؛ لأنه يمكن أن نقول: إن أي تخصيص للعموم فهو من قبيل النسخ، وأي تقييد للإطلاق فهو من قبيل النسخ، وأي استثناء فهو من قبيل النسخ، فإذاً الآيات كثيرة جداً.

    نسخ الأخبار

    قضية أخرى من القواعد المهمة في هذا الباب: نسخ الأخبار، فعلى أسلوب السلف يقع، وعلى اصطلاح المتأخرين لا يقع النسخ في الأخبار.

    وفائدة هذا الكلام أنه حينما يأتي خبر عن واحد من السلف: نسخه قوله تعالى كذا، ما نتعجل في الرد ونقول: إن الأخبار لا تنسخ، نعم هذا صحيح بناءً على مصطلح المتأخرين، لكن الأخبار تنسخ بناءً على مصطلح السلف؛ لأن فيه رفعاً، فعلى سبيل المثال قوله تعالى: وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمْ الْغَاوُونَ [الشعراء:224] هذا خبر، وبعده قوله: إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا [الشعراء:227]، يقول ابن عباس : نسخها قوله: إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا [الشعراء:227]، فلو تعاملنا بأسلوب مصطلح المتأخرين فنقول: هذا الكلام خطأ؛ لأن الأخبار لا تنسخ.

    لكن إذا فهمنا أن النسخ عند السلف أوسع فإنه يدخل فيه باب الاستثناء والتخصيص، فمعناه عمم في الأول، ثم خصص بالاستثناء، فإذاً الأخبار دخلها النسخ على مصطلح السلف.

    ما يتضمنه مصطلح النسخ عند المتأخرين

    وقواعد النسخ كثيرة جداً لكن فائدة أخرى أيضاً، وهي أننا لما نرجع إلى كتب علوم القرآن في تعريف النسخ، فإنها تعرفه بالتعريف الأصولي.

    فكتب علوم القرآن من عهد السيوطي وقبله الزركشي ومن جاء بعدهم إذا عرفوا النسخ يعرفونه بالمصطلح الأصولي، وهذا التعريف هو في الحقيقة تعريف لنوع من الناسخ والمنسوخ، وليس لكل مبحث الناسخ والمنسوخ، وهذا مما ينبغي التنبه له.

    وهذا التعريف هو أثر من آثار اعتماد كتب أصول الفقه في استجلاب موضوعات علوم القرآن المرتبطة بأصول الفقه من كتب أصول الفقه، فوقع مثل هذا التخصيص بالتعريف.

    وإلا لو أردنا أن نعرف النسخ فسنجد أن المعنى اللغوي للنسخ هو الذي يمكن أن ينطبق على أنواع الناسخ والمنسوخ المذكورة في كتب علوم القرآن، فعلى سبيل المثال عندنا آيات نسخت نسخاً كلياً، أي: تلاوةً وحكماً، ولو عرفنا النسخ بأنه رفع حكم شرعي بحكم شرعي آخر متراخ عنه، فلا يدخل فيه ما رفع تلاوةً وحكماً.

    إذاً التعريف الموجود في كتب علوم القرآن هو تعريف لنوع من النسخ، وليس لكل موضوع النسخ.

    مواضع النسخ في القرآن عند السيوطي وابن العربي

    قال رحمه الله: [ فمن سورة البقرة قوله تعالى: كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمْ الْمَوْتُ [البقرة:180]، منسوخة قيل: بآية المواريث، وقيل: بحديث ( لا وصية لوارث )، وقيل: بالإجماع، حكاه ابن العربي ، قلت: بل منسوخة بآية يُوصِيكُمْ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ [النساء:11]، وحديث: ( لا وصية لوارث ) مبين للنسخ.

    وقوله تعالى: وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ [البقرة:184]، قيل: منسوخة بقوله: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ [البقرة:185]، وقيل: محكمة و(لا) مقدرة.

    قلت: وعندي وجه آخر وهو أن المعنى: وعلى الذين يطيقون الطعام فدية هي طعام مسكين، فأضمر قبل الذكر؛ لأنه متقدم رتبةً، وذكر الضمير؛ لأن المراد من الفدية هو الطعام، والمراد منه صدقة الفطر، عقب الله تعالى الأمر بالصيام في هذه الآية بصدقة الفطر، كما عقب الآية الثانية بتكبيرات العيد.

    قوله تعالى: أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ [البقرة:187] الآية ناسخة لقوله: كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ [البقرة:183]؛ لأن مقتضاه الموافقة فيما كان عليهم من تحريم الأكل والوطء بعد النوم، ذكره ابن العربي ، وحكى قولاً آخر: أنه نسخ لما كان في السنة.

    قلت: معنى (كما كتب) التشبيه في نفس الوجوب، فلا نسخ، إنما هو تغيير لما كان عندهم قبل الشرع، ولم نجد دليلاً على أن النبي صلى الله عليه وسلم شرع لهم ذلك، ولو سلم فإنما كان ذلك في السنة ].

    لن نتوقف عند كل مثال؛ لأن كل مثال يحتاج إلى وقت، لكن لمن أراد الفائدة فليراجع دروس الشيخ محمد الشنقيطي في الآيات المتعلقة بموضوع مبحث النسخ في الإتقان، [ وقوله تعالى: يَسْأَلُونَكَ عَنْ الشَّهْرِ الْحَرَامِ [البقرة:217] الآية منسوخة بقوله: وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً [التوبة:36]، أخرجه ابن جرير ، عن عطاء بن يسار ].

    وفي نسخة عطاء بن ميسرة ، فهذا إشكال في الترجمة يراجع.

    [ قلت: هذه الآية لا تدل على تحريم القتال، بل تدل على تجويزه، وهي من قبيل تسليم العلة، وإظهار المانع، فالمعنى أن القتال في الشهر الحرام كبير شديد، ولكن الفتنة أشد منه، فجاز في مقابلتها، وهذا التوجيه ظاهر من سياقها كما لا يخفى.

    وقوله تعالى: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ [البقرة:234] إلى قوله: مَتَاعاً إِلَى الْحَوْلِ [البقرة:240]، الآية منسوخة بآية أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً [البقرة:234]، والوصية منسوخة بالميراث، والسكنى باقية عند قوم، منسوخة عند آخرين بحديث: ( ولا سكنى ).

    قلت: هي كما قال: منسوخة عند جمهور المفسرين، ويمكن أن يقال: يستحب أو يجوز للميت الوصية، ولا يجب على المرأة أن تسكن حسب وصيته، وعليه ابن عباس ، وهذا التوجيه ظاهر من الآية.

    وقوله تعالى: وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ [البقرة:284]، الآية منسوخة بقوله: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا [البقرة:286].

    قلت: هو من باب تخصيص العام، بينت الآية المتأخرة أن المراد (ما في أنفسكم) من الإخلاص والنفاق، لا من أحاديث النفس التي لا اختيار فيها، فإن التكليف لا يكون إلا فيما هو في وسع الإنسان ].

    قوله: وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ [البقرة:284]، هذا خبر والمراد بالنسخ هنا غير والمراد بالنسخ هنا غير الاصطلاحي، بل هو مثل ما ذكر أنه قد يكون من باب تخصيص العام، وقد يكون أيضاً من باب بيان المجمل، وقد يدخل أيضاً في باب فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ [الحج:52]، أي: نسخ الفهم الذي نتج عن الآية، بمعنى: أن الصحابة لما نزلت الآية فهموا فهماً، فجاءت الآية الثانية ناسخةً لفهمهم، وليس ناسخة للآية، وهذا أشار إليه شيخ الإسلام ابن تيمية ، وأشار إليه أيضاً ابن القيم ، فهذا النوع موجود واعتمدوا فيه على قوله تعالى: فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ [الحج:52]، وهذا نوع من الأنواع التي يقع فيها النسخ.

    [ ومن آل عمران: اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ [آل عمران:102]، قيل: إنها منسوخة بقوله: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [التغابن:16]، وقيل: لا، بل هي محكمة.

    وليس فيها آية يصح فيها دعوى النسخ غير هذه الآية.

    قلت: (حق تقاته) في الشرك والفكر وما يرجع إلى الاعتقاد، و (ما استطعتم) في الأعمال، من لم يستطع الوضوء يتيمم، ومن لم يستطع القيام يصلي قاعداً، وهذا الوجه ظاهر من سياق الآية، وهو قوله: وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

    هذا ممكن أن يدخل أيضاً في بيان المجمل؛ لأن قوله: اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ [آل عمران:102]، هذه مجملة، ما هو (حق تقاته)؟

    وقوله: (ما استطعتم)، بمعنى أنه في كل موطن حق التقوى هو ما يستطيع الإنسان في هذا الموطن، فتكون الآية الثانية مبينة للآية الأولى.

    [ ومن النساء قوله تعالى: وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ [النساء:33]، الآية منسوخة بقوله تعالى: وَأُوْلُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ [الأنفال:75].

    قلت: ظاهر الآية أن الميراث للموالي، والبر والصلة لمولى الموالاة، فلا نسخ ].

    يعني كأن موضوع الآيتين مختلف، وهذا ممكن أن يبحث فيه عن شبه النسخ، لماذا قيل بالنسخ أن يظن أن الآيتين متفقتان في معنىً وهما في الحقيقة مختلفتان، فهذه في أمر، وهذه في أمر.

    فهو يظن أنها في أمر واحد، فيورد النسخ؛ لأن النسخ الأصل فيه كمبحث أنه مبحث نقلي، لكن العقل له مجال في ذلك إذا ظن القارئ أن الآيتين متعارضتان فيخرج بحل وهو النسخ، فهذا مدخل عقلي لما يتعلق بالناسخ والمنسوخ.

    [ وقوله تعالى: وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ [النساء:8] الآية، قيل: منسوخة وقيل: لا، ولكن تهاون الناس في العمل بها.

    قلت: قال ابن عباس : هي محكمة، والأمر للاستحباب، وهذا أظهر.

    وقوله تعالى: وَاللاَّتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ [النساء:15] الآية منسوخة بآية النور.

    قلت: لا نسخ في ذلك، بل هو ممتد إلى الغاية، فلما جاءت الغاية بين النبي صلى الله عليه وسلم أن السبيل الموعود كذا وكذا، فلا نسخ ].

    يعني كأنه من باب الإجمال والبيان، فيكون مغيى بغاية، ثم جاء بيان هذه الغاية.

    [ ومن المائدة قوله تعالى: وَلا الشَّهْرَ الْحَرَامَ [المائدة:2]، الآية منسوخة بإباحة القتال فيه.

    قلت: لا نجد في القرآن ناسخاً له، ولا في السنة الصحيحة، ولكن المعنى أن القتال المحرم يكون في الشهر الحرام أشد تغليظاً، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الخطبة: ( ألا إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا ).

    وقوله تعالى: فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ [المائدة:42]، الآية منسوخة بقوله: وَأَنْ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ [المائدة:49]، قلت: معناه: إن اخترت الحكم فاحكم بما أنزل الله، ولا تتبع أهواءهم.

    فالحاصل أنه لنا أن نترك أهل الذمة أن يرفعوا القضية إلى زعمائهم، فيحكموا بما عندهم، ولنا أن نحكم بينهم بما أنزل الله علينا.

    وقوله تعالى: أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ [المائدة:106] منسوخ بقوله: وَأَشْهِدُوا ذَوَى عَدْلٍ مِنْكُمْ [الطلاق:2].

    قلت: قال أحمد بظاهر الآية: ومعناها عند غيره أو آخران من غير أقاربكم، فيكونون من سائر المسلمين.

    ومن الأنفال: إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ [الأنفال:65] الآية منسوخة بالآية بعدها.

    قلت: هي كما قال: منسوخة.

    ومن براءة: انفِرُوا خِفَافاً وَثِقَالاً [التوبة:41] منسوخة بآيات العذر وهي قوله: لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ [النور:61]، وقوله: لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ [التوبة:91].

    قلت: (خفافاً) أي: مع أقل ما يتأتى به الجهاد من مركوب وعبد للخدمة، ونفقة يقنع بها، (وثقالاً) مع الخدم الكثير، والمراكب الكثيرة، فلا نسخ. أو نقول: ليس النسخ متعيناً.

    ومن سورة النور: الزَّانِي لا يَنكِحُ إلاَّ زَانِيَةً [النور:3] الآية منسوخة بقوله تعالى: وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ [النور:32].

    قلت: قال أحمد بظاهر الآية، ومعناها عند غيره: أن مرتكب الكبيرة ليس بكفء إلا للزانية، أو لا يستحب له اختيار الزانية، وقوله: وَحُرِّمَ ذَلِكَ [النور:3] إشارة إلى الزنا والشرك فلا نسخ، وأما قوله: وَأَنكِحُوا الأَيَامَى [النور:32] فعام لا ينسخ الخاص.

    وقوله تعالى: لِيَسْتَأْذِنْكُمْ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ [النور:58] الآية قيل: منسوخة، وقيل: لا. ولكن تهاون الناس في العمل بها.

    قلت: مذهب ابن عباس : أنها ليست بمنسوخة، وهذا أوجه وأولى بالاعتماد.

    ومن الأحزاب قوله تعالى: لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ [الأحزاب:52] الآية منسوخة بقوله تعالى: إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللاَّتِي [الأحزاب:50] الآية.

    قلت: يحتمل أن يكون الناسخ مقدماً في التلاوة وهو الأظهر عندي.

    ومن المجادلة قوله تعالى: إِذَا نَاجَيْتُمْ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا [المجادلة:12] الآية منسوخة بالآية التي بعدها.

    قلت: وهذا كما قال ].

    هذه الآية تكاد تكون الآية الوحيدة التي فيها اتفاق على وجود النسخ، طبعاً من لا يرى النسخ مطلقاً هذا لا نتكلم عنه، لكن من يرى النسخ في القرآن فهذه الآية محل اتفاق عند كل من يقول بالنسخ، وتكاد تكون الآية الوحيدة التي وقع عليها اتفاق.

    ومعروف أن الخلاف في عدد الآيات المنسوخة طويل جداً.

    ومن أفضل كتب المعاصرين كتاب النسخ في القرآن، للدكتور مصطفى زيد ، وكذلك كتاب الآيات المنسوخة للشيخ عبد الله ابن الشيخ محمد الأمين صاحب الأضواء، وقد ناقش كثير من دعاوى النسخ في هذه الآية، فمر على الآيات واحدة واحدة، ثم ذكر في النهاية ما يرى أنه يدخل في النسخ، بمعنى أن النسخ في الأحكام الذي هو النسخ الكلي إذا تأملناه فهو قليل جداً، وأغلبه يدخل في الأبواب الأولى التي ذكرناها من باب تخصيص العام، وتقييد المطلق، وبيان المجمل.. إلى آخره.

    وهنا أيضاً قاعدة: وهي أنه إذا صح حمل الآية على هذه الأنواع فهو أولى من القول بالنسخ الكلي، فلا يصار إلى النسخ الكلي الذي هو رفع حكم بحكم، إلا إذا انعدم النوع الأول الذي هو النسخ الجزئي، وهو أن يكون من باب تقييد مطلق، أو تخصيص عام، أو بيان مجمل، أو استثناء، نعم.

    [ ومن سورة الممتحنة: فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِثْلَ مَا أَنفَقُوا [الممتحنة:11]، قيل: منسوخة بآية السيف، وقيل: بآية الغنيمة، وقيل: محكمة.

    قلت: الأظهر أنها محكمة، ولكن الحكم في المهادنة وعند قوة الكفار.

    ومن سورة المزمل: قُمْ اللَّيْلَ إِلاَّ قَلِيلاً [المزمل:2] منسوخ بآخر السورة، ثم نسخ الآخر بالصلوات الخمس، قلت: دعوى النسخ بالصلوات الخمس غير متجهة، بل الحق أن أول السورة في تأكيد الندب إلى قيام الليل، وآخرها نسخ التأكيد إلى مجرد الندب.

    قال السيوطي موافقاً لـابن العربي : فهذه إحدى وعشرون آيةً منسوخة على خلاف في بعضها، ولا يصح النسخ في غيرها، والأصح في آية الاستئذان والقسمة الإحكام وعدم النسخ، فصارت تسع عشرة، وعلى ما حررنا لا يتعين النسخ إلا في خمس آيات ].

    القول الراجح في عدد الآيات التي دخلها النسخ

    هنا المؤلف تعقب جميع دعاوى النسخ المذكورة في إحدى وعشرين آية، فخلص إلى خمس آيات، وبعض المعاصرين تعقبه أيضاً حتى خلص إلى آية واحدة فقط، وهي الآية التي ذكرتها قبل قليل.

    لكن نقول أن هذا الباب فيه صعوبة، المسألة في مثل هذا الأمر أنه قد يقول قائل لو نظر إلى مثل هذا الخلاف فإن القرآن سيكون عرضة لمثل هذه الآراء: واحد يقول: منسوخة، والآخر يقول: ليست منسوخة وكما قلت عندنا جانبان: جانب الأخبار انتهينا منه، يبقى جانب الأحكام الذي يترتب العمل.

    فالسؤال يرجع هنا إلى التطبيق الفقهي لهذه الأمور، هل التطبيق الفقهي الواقعي موجود في المذاهب من حيث القراءة العامة أولاً، ثم من حيث العمل ثانياً فهذا أيضاً من المباحث الذي يحسن البحث فيها، وهو النظر في التطبيق الفقهي، فنرجع إلى كتب الفقهاء المعتمدة في المذاهب، ونأتي إلى هذه الآيات كيف تعاملوا مع هذه الآيات، هل عملوا بالنسخ المذكور أو لم يعملوا؟ وكذلك التطبيق الواقعي العملي في المحاكم، هل هم يعملون بمثل هذه، أو في القضاء، أو في الفتاوى، هل يعملون بمثل هذه القضايا ويدخلون بالنسخ الكلي، ويقولون: إن هذه الآية يجب عليك كذا؛ لأن الآية عنده منسوخة؟ فإذا ظهرت لنا نتيجة البحث تبين لنا أن ما يذكر عندنا في كتب علوم القرآن وأصول الفقه في الآيات المنسوخة هو مجرد بحث نظري علمي، أو بالفعل له آثار تطبيقية في كتب الفقه، وفي أحكام الناس اليوم.

    هذا طبعاً لا نستطيع أن نجزم به هل كذا أو كذا، لكن فائدة هذا البحث هو النظر في هذا المجال.

    1.   

    معرفة أسباب النزول

    قال رحمه الله: [ قال: من المواضع الصعبة: معرفة أسباب النزول، ووجه الصعوبة فيها أيضاً اختلاف المتقدمين والمتأخرين، والذي يظهر من استقراء كلام الصحابة والتابعين أنهم لا يستعملون نزلت في كذا لمحض قصة كانت في زمنه صلى الله عليه وسلم، وهي سبب نزول الآية، بل ربما يذكرون بعض ما صدقت عليه الآية مما كان في زمنه صلى الله عليه وسلم، أو بعده صلى الله عليه وسلم، ويقولون: نزلت في كذا، ولا يلزم هناك انطباق جميع القيود، بل يكفي انطباق أصل الحكم فقط، وقد يقررون حادثةً تحققت في تلك الأيام المباركة، واستنبط صلى الله عليه وسلم حكمها من آية، وتلاها في ذلك الباب، ويقولون: نزلت في كذا، وربما يقولون في هذه الصورة: فأنزل الله قوله كذا، فكأنه إشارة إلى أنه استنباطه صلى الله عليه وسلم، وإلقاؤها في تلك الساعة بخاطره المبارك أيضاً نوع من الوحي، والنفث في الروع، فلذلك يمكن أن يقال: فأنزلت، ويمكن أيضاً أن يعبر في هذه الصورة بتكرار النزول.

    ويذكر المحدثون في ذيل آيات القرآن كثيراً من الأشياء ليست من قسم سبب النزول في الحقيقة، لاستشهاد الصحابة في مناظراتهم بآية، أو تمثيلهم بآية، أو تلاوته صلى الله عليه وسلم آيةً للاستشهاد في كلامه الشريف، أو رواية حديث وافق الآية في أصل الغرض، أو تعيين موضع النزول، أو تعيين أسماء المذكورين بطريق الإبهام، أو بطريق التلفظ بكلمة قرآنية، أو فضل سور وآيات من القرآن، أو سورة امتثاله صلى الله عليه وسلم بأمر من أوامر القرآن ونحو ذلك، وليس شيء من هذا في الحقيقة من أسباب النزول ].

    هذا الكلام الموجز هو من أنفس ما قيل فيما يتعلق بأسباب النزول، والتفاصيل التي ذكرها وإن لم يذكر لها أمثلة فهي تفاصيل مهمة جداً لم يذكرها من سبقه ممن كتب في أسباب النزول، وهذا يدل على استقراء ونظر في عبارات النزول عند علماء السلف، وهو لم يتكلم إلا عن لفظة واحدة من ألفاظهم وهي نزلت في كذا، أو فأنزل الله، ومن يجرد أسباب النزول ويقرأ فيها يظهر له بالفعل ما ذكره المؤلف أن عبارة النزول يعني: نزلت في كذا، فأنزل الله، هي في الحقيقة قرينة إما لأن تكون سبب نزول مباشر إذا كانت فأنزل الله، وإما لأن يراد أن الصورة المذكورة تدخل في معنى الآية إذا كانت نزلت في كذا.

    بمعنى أن قولهم: نزلت في كذا قرينة قوية في أن المراد أن صورة هذا السبب المذكور تدخل في معنى الآية، وليس أنه سبب مباشر.

    وقولهم: فأنزل الله قرينة في أن المراد سبب النزول المباشر.

    فأسباب النزول نوعان: سبب النزول المباشر، وهو الذي تكلم عنه المؤلف، وسبب نزول غير مباشر، ويمكن أن نسميه سبب نزول من باب المجاز وليس من باب الحقيقة، فإذا أخذنا هذا ورجعنا إلى كلام السلف وحررناه فقد يقع عندنا اشتباه إذا لم نفهم هذا التقعيد، ولهذا فهم قد يذكرون آية مدنية ويربطونها بحكم مكي، وبعض العلماء يقولون: ما تأخر نزوله، ويقصد أن الحدث حدث بمكة، وتأخر نزوله في المدينة، وهذا تصوير فقط، وإلا في الحقيقة لم يتأخر نزوله، بل الآية نزلت لشأن، والسورة التي وردت في مكة تدخل في هذا الشأن فقط، أو يكون العكس، أن يكون الحدث مكياً ويستشهد له بأمر مدني، فهذا أيضاً من باب التوسع في التنبيه على دخول هذه السورة في معنى الآية فقط، وليس مرادهم أنها سبب النزول المباشر.

    طريقة معرفة أسباب النزول

    إذاً إذا أردنا أن ننظر في أسباب النزول فالنظر الأول: أن نعرف هل الآية مكية أو مدنية؟

    النظر الثاني: الحدث المذكور هل هو مكي أو مدني؟

    الأمر الثالث: إذا كان مكياً أو مدنياً هل عندنا استطاعة أن نعرف هل الحدث متأخر عن الآية أو متقدم؟ ثم بعد ذلك إذا كان متأخراً بدأنا نضيق في أن يكون سبب نزول مباشراً، فننظر إلى العبارة الواردة، هل في العبارات ما يوحي بأن هذا هو سبب النزول المباشر أو لا، وبهذا تضيق أسباب النزول شيئاً فشيئاً.

    ونقصد بذلك أسباب النزول المباشرة.

    وإذا أخذنا بهذا فإننا نعرف أن أغلب القرآن نزل من غير سبب؛ لأن الأصل عدم السبب في نزول القرآن.

    تأثير اختلاف سبب النزول على المعنى

    كذلك أيضاً نقطة أخرى وهي تأثر المعنى يكون السبب مباشراً أو غير مباشر فهذه مسألة مهمة، إذا قيل: نزلت في كذا، أو نزلت في كذا، فالأصل أنه لا يؤثر؛ لأننا نظر إلى هذه الأسباب المتنوعة والمتعددة، فإن دخلت في معنى الآية فلا يؤثر تعدد الأسباب، ولا يؤثر الاختلاف في كونه مباشراً أو غير مباشر مثال ذلك حادثة الأنفال، ذكر فيها ثلاثة أسباب: ذكر سبب المعروف أن الصحابة افترقوا ثلاث فرق بعد أن قضوا على الكفار، فبعضهم بقي عند الرسول صلى الله عليه وسلم يحرسه.

    وبعضهم جمع الغنائم.

    وبعضهم ذهب يلحق الكفار، ثم اختلفوا من يأخذ الغنائم.

    سبب نزول آخر: أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: ( من قتل قتيلاً فله سلبه )، قالوا: فنزلت الآية في هذا الشأن، يعني: صار غنيمة.

    وصورة أخرى ذكرها سعد بن أبي وقاص وهي في صحيح مسلم : ( أنه طلب من الرسول صلى الله عليه وسلم سيفاً فقال: دعه. ثم نزلت سورة الأنفال فدعاه وقال: خذه )، فـسعد يذكر أنه بسبب هذا نزلت هذه الآية.

    والحقيقة أنها كلها تدخل في معنى (يسألونك عن الأنفال)، فما دامت تدخل فليس هناك إشكال في النظر إلى المعنى، ثم تحديد السبب بذاته قد لا يعنيني كمفسر الآن؛ لأنها ما دام هذه المعاني كلها تدخل فليس هناك مشكلة في تحديد ما هو السبب المباشر، وإنما تكون المشكلة في تحديد ما هو السبب المباشر في علم آخر ليس في علم التفسير، في علم التاريخ، أو في علم الأنساب.

    قد يقول قائل: كيف توجيه التي أنزل فيها بداية سورة المجادلة: قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ [المجادلة:1]، هل هي خولة بنت ثعلبة ، أو خويلة وهل يؤثر اختلاف الأسماء فيقال: لا يؤثر علي كمعسر، لكن لو كنت أبحث في علم الأنساب في معرفة نسب هذه المرأة من هي؟ ومن أبوها؟ فإن هذا يؤثر.

    وكذلك القضايا التاريخية أيضاً فلو نظرنا في قضايا مرتبطة بغزوة بدر، هل وقع هذا الحدث أو لم يقع؟ فهذا أيضاً يؤثر من الجهة التاريخية.

    والمقصود من هذا التنبه إلى كيفية التعامل مع أسباب النزول في حال التفسير، فالذي يعنينا أولاً هو صدق دخول صورة هذا السبب في معنى الآية، فإذا دخل في معنى الآية فإننا قد تجاوزنا قنطرة كبيرة جداً مما يتعلق بالمشكلات فيما يتعلق بسبب النزول، أما إذا كنا في باب التحرير هل هو سبب النزول المباشر أو لا فنعم هنا نبدأ ندخل ونناقش هل هو سبب النزول أو لا؟ وما القرينة الدالة على أنه سبب النزول؟ ولماذا هذا ليس هو سبب النزول؟ هل يمكن أن تنزل آية لأكثر من سبب؟ أو هل تكون آيتان لسبب واحد؟ فهذه القضايا تدخل في مجال النقاشات العلمية.

    ومن أمثلة أسباب النزول ما ورد عن ابن عباس أن الرسول صلى الله عليه وسلم في غزوة بدر قال: ( سيهزم الجمع ويولون الدبر ) يقول: فنزلت: سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ [القمر:45]، هذا قول ابن عباس في آية وهي في سورة القمر، وعمر يقول: لما نزلت هذه الآية كنت أقول: أي جمع سيهزم؟ فلما وقعت غزوة بدر علمت أنه هذا الجمع.

    فلو نظرنا وجمعنا هذه الروايات فهل نقول: إن ابن عباس أراد أن قوله: ( سيهزم الجمع ويولون الدبر ) هو سبب نزول قول الرسول صلى الله عليه وسلم وأنها في غزوة بدر، أو نقول: إن الرسول صلى الله عليه وسلم استشهد بهذه الآية لبيان أن هذا هو المراد بقوله: ( سيهزم الجمع ويولون الدبر )؟ وأن هذا من بيان الاستشهاد، ومثل هذا كثير في آثار الصحابة، وكذلك في عمل النبي صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    شروط المفسر في باب أسباب النزول

    قال رحمه الله: [ ولا يشترط إحاطة المفسر بهذه الأشياء، إنما شرط المفسر أمران:

    الأول: ما تعرض به الآيات من القصص، فلا يتيسر فيها الإيماء بتلك الآيات إلا بمعرفة تلك القصص.

    والثاني: ما يخصص العام من القصة، أو مثل ذلك من وجود صرف الكلام عن الظاهر، فلا يتيسر فهم المقصود من الآيات بدونها ].

    شرط المفسر في باب أسباب النزول، يعني: هل أسباب النزول من العلوم التي يحتاجها المفسر أو لا؟ نقول: إن أسباب النزول المباشرة شرط وكذلك العلوم التي يحتاج إليها المفسر، والمؤلف هنا لأنه تكلم عن أسباب النزول عموماً سواء كانت مباشرة أو غير مباشرة نبه متى يشترط على المفسر أن يكون عالماً بسبب النزول.

    فقال: الأول: في معرفة تلك التي تتضمن الآيات الكريمة للتعريض بها، فإن فهم إيماء هذه الآيات وإشاراتها لا يتيسر إلا بمعرفة تلك القصة، مثلاً لو نقرأ إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ [النور:11]، فإن الذي يفسر وهو لا يعرف القصة، والآخر يفسر وهو يعرف القصة، فالذي سيكون تفسيره صواباً هو من يعرف القصة؛ لأن هناك تفاصيل لا يدركها إلا من يعرف القصة، فسبب النزول مثل هذه الحال لا شك أنه من العلوم التي يحتاجها المفسر، لكن مثلاً في بداية الممتحنة يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ [الممتحنة:1]، لو لم نعرف أن الآية نزلت في قصة حاطب بن أبي بلتعة ، فإن موضوع الآية ظاهر ولا يحتاج إلى معرفة سبب النزول.

    إذاً المقصد من ذلك أننا أحياناً في أسباب النزول المباشرة نحتاج إلى معرفتها لتبين معنى الآية، وفي بعض الأحيان وهي قليلة قد تكون ظاهر الآية واضح المعنى ولا يحتاج إلى استجلاب سبب النزول، لكن ما ذكره المؤلف هو تنبيه على ما إذا احتاج المعنى إلى سبب النزول، فلا بد من معرفته ليتبين معنى الآية.

    الثاني: فيما إذا كانت القصة تفيد التخصيص للعام؛ لأن تخصيص العام يبنى عليه حكم، وليته مثل لذلك، فإذا جهلنا السبب جعلنا الآية على العموم، وإذا لم نجهل السبب عرفنا أن الآية فيها نوع من تخصيص العموم، المؤلف رحمه الله تعالى لم يذكر هذا، ولا أذكر الآن مثالاً لذلك.

    قال: [ ومما ينبغي أن يعلم أن قصص الأنبياء السابقين لا تذكر في الحديث إلا على سبيل القلة، فالقصص الطويلة العريضة التي تكلف المفسرون روايتها كلها منقولة عن علماء أهل الكتاب إلا ما شاء الله تعالى، وقد جاء في صحيح البخاري مرفوعاً: ( لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم ) ].

    هنا قصد التنبيه على مسألة مهمة، القصص الصحيحة الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم من أخبار بني إسرائيل التي يفسر بها القرآن، هي قليلة جداً مقابل ما اعتمد المفسرون على مرويات أهل الكتاب فيه، فما اعتمدوا فيه على مرويات أهل الكتاب أكثر مما هو وارد عن النبي صلى الله عليه وسلم صراحةً وصحةً في تفسير بعض آيات الكتاب، ومن أمثلة ذلك قصة في سورة الكهف وهي قصة موسى عليه السلام مع الخضر، ففيها تفصيل نبوي واضح جداً كما هو في الصحيح، فمثل هذه تعتبر مرفوعة إلى وقت بني إسرائيل، لكن العلماء لم يصطلحوا على تسميتها إسرائيليات، وإنما اصطلحوا على تسمية إسرائيليات ما كان منقولاً من كتب بني إسرائيل، أو من علماء بني إسرائيل.

    [ وليعلم أن الصحابة والتابعين ربما كانوا يذكرون قصصاً جزئية لمذاهب المشركين واليهود وعادتهم من الجهالات؛ لتتضح تلك العقائد والعادات، ويقولون: نزلت الآية في كذا، ويريدون بذلك أنها نزلت في هذا القبيل، سواء كان هذا أو ما أشبهه أو ما قاربه، ويقصدون إظهاراً تلك الصورة لا بخصوصها بل لأجل أن التصوير صالح لتلك الأمور الكلية، ولهذا تختلف أقوالهم في كثير من المواضع، وكل يجر الكلام إلى جانب، وفي الحقيقة المطالب متحدة، وإلى هذه النكتة أشار أبو الدرداء حيث قال: لا يكون أحد فقيهاً حتى يحمل الآية الواحدة على محامل متعددة ].

    كان من الأولى مراجعة النص، فنص أبي الدرداء : ولا تفقه كل الفقه حتى ترى للقرآن وجوهاً، وهو جزء من عبارة له، ومراد أبي الدرداء والله أعلم هو ما ذكره المؤلف أن الآية تحتمل أكثر من وجه صحيح، وليس وجوهاً باطلة، فلا تكون فقيهاً حتى ترى أن الآية تحتمل أكثر من معنى صحيح؛ لأنه إذا احتملت أكثر من معنى صحيح فإن لم تستطع أن ترجح بينها فتقول: كل هذه المعاني محتملة، فتقف معها جميعاً.

    1.   

    أسلوب القرآن في بيان جوانب الخير والشر

    [ وعلى هذا الأسلوب كثيراً ما يذكر في القرآن العظيم صورتان: صورة سعيد يذكر فيها بعض أوصاف السعادة، وصورة شقي يذكر فيها بعض أوصاف الشقاوة، ويكون الغرض من ذلك بيان أحكام تلك الأوصاف والأعمال، لا التعريض بشخص معين، كما قال سبحانه: وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَاناً حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً [الأحقاف:15]، ثم ذكر صورتين: صورة سعيد وصورة شقي، ومثل ذلك وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْراً [النحل:30] وعلى مثل هذا تحتمل آية وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً [النحل:112].

    وآية هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا [الأعراف:189].

    وآية قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ [المؤمنون:1-2].

    وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلاَّفٍ مَهِينٍ [القلم:10].

    ولا يلزم في هذه الصورة أن توجد تلك الخصوصيات بعينها في شخص، كما لا يلزم في قوله تعالى: كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ [البقرة:261]، أن توجد حبة بهذه الصفة، إنما المقصود تصوير زيادة الأجر لا غير، فإن وجدت صورة توافق المذكور في أكثر الخصوصيات أو كلها كان من قبيل لزوم ما لم يلزم ].

    هنا نبه المؤلف إلى قاعدة القرآن ذكر الأوصاف وذكر الأوصاف يجعل كثيراً من الذوات تندرج تحت هذه الأوصاف، لكن في بعض المواطن مثل قوله: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ [المؤمنون:1-2] والذين، هذه المتعاطفات قد تجتمع في شخص، ولكن قد يكون بعض الأشخاص فيه صفة دون صفة، فالمقصد من ذلك أنه ليس المراد أن كل هذه الصفات لا بد أن تتحقق في شخص واحد، لكن من تحققت فيه فلا شك أنه أخذ بكمال الإيمان، ومن نقص عنده شيء منها فإنه ينقص من إيمانه بقدر ما نقص من هذه الأعمال، وقس على ذلك الأمور الأخرى الذي ذكرها، لكن أهم شيء ممكن أن ننبه عليه أن هذه هي القاعدة العظيمة في القرآن وهي القاعدة الكلية في القرآن في ذكر الأوصاف؛ لتندرج تحتها كثير من الذوات، لكن إن ذكرت بعض الذوات في مواطن، فإن من كان على صفته فإنه يدخل معه من باب القياس، ومع ذلك فذكر الذوات قليل في القرآن.

    قال: [ وربما تدفع شبهةً ظاهرة الورود، أو يجاب عن سؤال قريب الفهم بقصد إيضاح الكلام السابق، لا لأجل سؤال سائل وقع في ذلك العصر، وشبهة حدثت بالفعل، وكثيراً ما يفرض الصحابة في تقرير ذلك المقام سؤالاً، فيقررون المطلب في صورة الجواب والسؤال، وإن نظرنا بالتحقيق والتفحص فالكل كلام واحد متسق لا يسع نزول بعض عقب بعض جملةً واحدةً منتظمة، ولا يتأتى فك القيود على قاعدة، وقد يذكر الصحابة تقدماً وتأخراً، والمراد بذلك التقدم والتأخر الرتب كما قال ابن عمر في آية وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ [التوبة:34]: قال: هذا قبل أن تنزل الزكاة، فلما نزلت جعلها الله طهرةً للأموال، ومن المعلوم أن سورة براءة متأخرة في السور، وهذه الآية في تضاعيف القصص المتأخرة، وكانت فرضية الزكاة متقدمة بسنين، ولكن مراد ابن عمر تقدم الإجمال رتبةً على التفصيل، وبالجملة فشرط المفسر لا يزيد على نوعين من هذه الأنواع:

    الأول: قصص الغزوات وغيرها مما وقع في الآيات الإيماء إلى خصوصياتها، وما لم تعلم تلك القصص، لا يتأتى فهم حقيقتها.

    والثاني: فوائد بعض القيود، وسبب التشدد في بعض المواضع، مما يتوقف على معرفة حال النزول ].

    هنا قاعدة ممكن أن نستوحيها من كلام ولي الله الدهلوي ، وهي: أن نبحث في قضية سبب النزول، وعلاقته بالسياق؛ لأنه بعض الأحيان قد تذكر بعض أسباب النزول وليس لها علاقة بالسياق، فيفهم منه أن مراد المفسر دخول هذه الصورة في معنى الآية، وليس أن هذا السبب هو المراد بالآية، وبناءً عليه فنقول قاعدة مهمة جداً: إن التفسير مرتبط بالسياق، فإذا فسرنا فلابد أن يكون التفسير متناسق ومنتظم مع السياق، وما بعد ذلك من الاستنباطات أو دخول سور في معنى الآيات ممكن أن يأتي بعد التفسير.

    فالتفسير لا بد أن يتناسق وينتظم مع السياق، فأي قول أو فائدة أو سبب نزول أو غيره لا يتناسق مع السياق فهو يدخل من باب الاستنباطات وليس من باب التفسير، يعني كأن المفسر يقول: إن المعنى المذكور في هذا السبب يندرج تحت هذا المقطع من الآية، وليس مراده أن هذا السبب هو الذي يفسر هذا المقطع من الآية؛ لأنه إذا فسرنا فسنلاحظ أن هناك تبايناً، وأن سياق الآية يمشي على وجه ثم فجأة ينتقل إلى موضوع، ثم ترجع إلى الموضوع الأول، فإذا وجدنا مثل هذا فنعلم أن هذا ليس من باب التفسير وإنما هو من باب الاستنباط.

    قال رحمه الله: [ وهذا المبحث الأخير في الحقيقة فن من فنون التوجيه.

    ومعنى التوجيه بيان وجه الكلام، وحاصل هذه الكلمة أنه قد يكون في آية من الآيات شبهة ظاهرة من استبعاد صورة هي مدلول الآية، أو تناقض بين الآيتين، أو إشكال تصور مصداق الآية على ذهن المبتدئ ].

    سبحانك اللهم وبحمدك، نشهد أن لا إله إلا أنت، نستغفرك ونتوب إليك.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3046158051

    عدد مرات الحفظ

    733688538