إسلام ويب

مقدمة في أصول التفسير [11]للشيخ : مساعد الطيار

  •  التفريغ النصي الكامل
  • المتأمل في تفسير الطبري وما يورد فيه من أقوال عن السلف، يجد أن الغالب على اختلاف السلف هو اختلاف التنوع، وأن سبب ذلك راجع إلى التعبير عن المعنى بالمثال، أو بجزء المعنى، أو بالنتيجة والجزاء. وكل المعاني داخلة في المعنى الجملي.

    1.   

    نقولات عن شيخ الإسلام لها علاقة بفهم عبارات السلف في التفسير

    التفسير بالمثال والحكمة منه

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه والتابعين إلى يوم الدين.

    وبعد:

    سأذكر في بداية هذا الدرس بعض النقولات التي لها علاقة بفهم عبارات السلف في التفسير.

    في قوله سبحانه وتعالى: وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى[الأعلى:3]، ورد عن المفسرين أقوال في هذه الآية ذكرها شيخ الإسلام رحمه الله تعالى نقلاً عن بعض المفسرين، ومنها قول مقاتل و الكلبي: (هدى) إلى وطء الذكور للإناث، وقيل: هدى المولود عند وضعه إلى مص الثدي، وقال مجاهد : هدى الناس إلى الخير والشر، والبهائم للمراتع.

    قال ابن عطية: (وهذه الأقوال مثالات، والعموم في الآية أصوب في كل تقدير وفي كل هداية) ثم ذكر كلاماً آخر، وهذا كله نقل من شيخ الإسلام عن ابن عطية.

    ثم قال: (والأقوال الصحيحة هي من باب المثالات كما قال ابن عطية ) لأنه ذكر قولاً للفراء ورده، (وهذا كثير من تفسير السلف، يذكرون من النوع مثالاً، لينبهوا به على غيره).

    وهذا نستفيد منه فائدة: أنه يذكر المثال لينبه به على غيره، وهذه هي الأشياء التي عناها الطبري بقوله: (لعلل كثيرة تدعوهم إليه)، هذه تدخل ضمن العلل.

    قال: (أو لحاجة المستمع إلى معرفته) أيضاً هذه من العلل، قال: (أو لكونه هو الذي يعرفه، كما يذكرون مثل ذلك في مواضع كثيرة، كقوله: سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ[الفتح:16]، وقوله: وَآخَرِينَ مِنْهُمْ[الجمعة:3]، وقوله: فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ[المائدة:54]، وقوله: فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ[فاطر:32]، وكذلك تفسير: وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ[الفجر:3]، وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ[البروج:3].. وغير ذلك) إلى أن قال: (وأمثال ذلك كثير من تفسيرهم هو من باب المثال، ومن ذلك قولهم: إن هذه الآية نزلت في فلان وفلان، فبهذا يمثل بمن نزلت فيه أولاً وكان سبب نزولها، لا يريدون به أنها آية مختصة به كآية اللعان..) إلى آخر كلامه في هذا الموطن.

    نستفيد من هذا النقل: أن شيخ الإسلام نبهنا على أن عبارات السلف تأتي على سبيل المثال، أو ذكر شيء متعلق من نوع له علل، ذكر بعضاً منها.

    أيضاً له كلام آخر في تفسير سورة النور، وهو كلام مهم جداً؛ لأنه مرتبط بالعقائد أو بعبارات السلف المرتبطة بالعقيدة، فقد نقل كلاماً لأحد المفسرين، أو لأحد الذين اعترضوا عليه في تفسير بعض آيات الصفات، ثم رد عليه شيخ الإسلام رداً طويلاً، فمن مجمل الرد قال: (ثم نقول هذا القول الذي قاله بعض المفسرين في قوله: اللهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ[النور:35]، أي: هادي أهل السماوات لا يضرنا ولا يخالف ما قلناه، فإنهم قالوا في تفسير الآية التي ذكر النور فيها مضافاً، لم يذكروه في تفسير نور مطلق، كما ادعيت أنت من وردود الحديث به، فأين هذا من هذا؟) طبعاً هو يناقش هذا المعترض.

    ثم قال: (من قال من السلف: هادي السماوات والأرض لا يمنع أن يكون في نفسه نوراً؛ فإن من عادة السلف في تفسيرهم أن يذكروا بعض صفات المفسر من الأسماء أو بعض أنواعه، ولا ينافي ذلك ثبوت بقية صفات المسمى، بل قد يكونان متلازمين، ولا دخول لبقية الأنواع فيه..) قال: (وهذا قد قررناه غير مرة في القواعد المتقدمة، ومن تدبره علم أن أكثر أقوال السلف في التفسير متفقة غير مختلفة).

    ثم قال بعد ذلك: (فهكذا تفسير كثير من السلف، وهو من جنس التعليم) وهذه فائدة تربوية للذين لهم علاقة بعلم التربية، فالتربويون ممكن أن يستفيدوا من هذه؛ وأن يرجعوا إلى تفاسير السلف فيأخذوا منها هذه القضية؛ لأنه يقول هنا: هو من جنس التعليم، فمثلاً ابن عباس عندما يفسر فيختار بعض الأشياء من التمثيلات أو غيرها، كأنه يريد أن يعلم، ومن رجع إليه في تفسير (اليقطين) سيجد له كلاماً طريفاً أذكره بالمعنى، فقد قال إنسان عنده: إن اليقطين هو القرع، فقال: فما بال البطيخ؟! يعني: لماذا ما يكون البطيخ هو اليقطين، يعني: كأنه يريد أن يشير إلى دخول البطيخ في مسمى اليقطين، وليس مراده أن البطيخ هو المراد في الآية؛ لأن جمهور المفسرين على أن هذا النوع من اليقطين هو الدباء أو القرع، وإلا فاليقطين يراد به ما لا ساق له فينبت على الأرض.

    يقول: (فهكذا تفسير كثير من السلف وهو من جنس التعليم، فقول من قال: نور السماوات والأرض: هادي السماوات والأرض، كلام صحيح، فإن من معاني كونه نور السماوات والأرض أن يكون هادياً لهم) وهذه القاعدة مهمة (أما أنهم نفوا ما سوى ذلك فهذا غير معلوم، وأما أنهم أرادوا ذلك، فقد ثبت عن ابن مسعود أنه قال: إن ربكم ليس عنده ليل ولا نهار، نور السماوات والأرض من نور وجهه)، وهذه قاعدة مهمة جداً، بمعنى: أنه حين نأتي إلى بعض عبارات السلف في التفسير، وخاصة فيما يتعلق بالعقائد فيفسر بالمثال أو بجزء المعنى أو غيره فلا يسمى ذلك تأويلاً، لأنك ستجد أن بعض المتأخرين ممن بلي بالتأويل يعتمد على تفسيرات السلف هذه جاهلاً طريقتهم في التفسير.

    فمثلاً قوله سبحانه وتعالى: تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا[القمر:14]، سفيان الثوري يقول: بمرأىً منا، وعند بعضهم قال: بكلاءة منا: بحفظنا، فهذا التفسير صحيح وهو من لوازم معنى قوله: تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا[القمر:14]، لكن السلف يثبتون العين لله والمتأخرون ينفونها، وهذا الفرق بين تفسير المتأخرين، وتفسير المتقدمين من السلف، فالسلف عبروا بهذه العبارات وهي نفس العبارات التي عبر بها المتأخرون، لكن قاعدة السلف الإثبات، وقاعدة المتأخرين النفي، فافترقوا وإن اتفقوا في العبارة، ولهذا نبه على هذا فقال: (أما أنهم نفوا ما سوى ذلك فلا)، يعني: لم يقع نفي من السلف لصفات الله سبحانه وتعالى بخلاف المتأخرين فإنهم نفوا ثم أولوا، وأما السلف فلم ينفوا وإنما عبروا بجزء المعنى، أو بغيره من الأشياء التي ذكرها شيخ الإسلام .

    فما قد يقع في بعض الصفات ما نحمله على أنه تأويل، بل نحمله على هذا الباب، إلى أن قال في كلام له بعد ذلك: (وأما ما ذكره عن ابن عباس في روايته الأخرى؛ فمعناه: بعض الأنوار الحسية؛ لأنه قال: منور السماوات والأرض)، هذه الرواية عن ابن عباس ، فـشيخ الإسلام يقول أيضاً: وما ذكره من كلام بعض العارفين أنه قال: اللهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ[النور:35]، قال: إنه الإيمان والنور الذي يكون في قلوب عباده؛ فعلق عليه شيخ الإسلام فقال: (فهو بعض معاني هدايته لعباده، وإنما ذلك تنويع بعض الأنواع بحسب حاجة المخاطبين، كما ذكرناه من عادة السلف أن يفسروها بذكر بعض الأنواع على سبيل التمثيل لحاجة المخاطبين لا على سبيل الحصر والتحديد، فقد تبن أن جميع ما ذكر من الأقوال يرجع إلى معنيين من معاني كونه نور السماوات والأرض، وليس في ذلك دلالة على أنه في نفسه ليس بنور) انتهى كلامه.

    والشاطبي أيضاً له تنبيهات على نفس القضية نذكر منها تعليقه على قول القاضي إسماعيل في قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ[الأنعام:159]، لما حكى أنها نزلت في الخوارج، وهذا قول يقول: (وكأن القائل بالتخصيص لم يقل به بالقصد الأول، بل أتى بمثال مما تتضمنه الآية، كالمثال المذكور؛ فإنه موافق لما قال مشتهراً في ذلك الزمان، فهو أولى لما يمثل به، ويبقى ما عداه مسكوتاً عن ذكره عند القائل به، ولو سئل عن العموم لقال به).

    ثم قال: (وهكذا كل ما تقدم من الأقوال الخاصة ببعض أهل البدع إنما تحصل على التفسير، ألا ترى أن الآية الأولى من سورة آل عمران إنما نزلت في قصة نصارى نجران ثم نزلت على الخوارج حسب ما تقدم، إلى غير ذلك مما يذكر في التفسير، إنما يحملونه على ما يشمله الموضع بحسب الحاجة الحاضرة لا حسب ما يقتضيه اللفظ لغة، وهكذا ينبغي أن تفهم أقوال المفسرين المتقدمين، وهو الأولى لمناصبهم في العلم ومراتبهم في فهم الكتاب والسنة)، وهذا أيضاً تقعيد مهم جداً.

    وقال الزركشي نقلاً عن ابن القيم وإن لم ينص عليه يقول: (يكثر في معنى الآية أقوالهم واختلافهم) يعني: أقوال السلف، (ويحكيه المصنفون للتفسير بعبارات متباينة الألفاظ ويظن من لا فهم عنده أن ذلك اختلافًا؛ فيحكيه أقوالاً وليس كذلك، بل يكون كل واحد منهم ذكر معنى ظهر من الآية، وإنما اقتصر عليه؛ لأنه أظهر عند ذلك القائل أو لكونه أليق بحال السائل).

    ويقول الطاهر بن عاشور في قوله: فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ[النساء:59]، يقول: (فما روي عن مجاهد و ميمون بن مهران في تفسير التنازع بتنازع أهل العلم إنما هو تنبيه على الفرد الأخفى من أفراد العموم، وليس تخصيصاً للعموم).

    وهناك نقولات في المحرر لكن سآخذ نقلاً لـابن القيم في بدائع التفسير (ص376) أختم به هذه النقولات في تفسير الصلاة التي هي صلاة الله سبحانه وتعالى على أنبيائه، فذكر الوجه الثاني فقال: (إن صلاة الله سبحانه وتعالى خاصة بأنبيائه ورسله وعباده المؤمنين..) إلى أن قال: (فمن فسرها بالرحمة فقد فسرها ببعض ثمراتها ومقصودها، وهذا كثيراً ما يأتي في تفسير ألفاظ القرآن، والرسول صلى الله عليه وسلم يفسر اللفظة بلازمها وجزء معناها كتفسير الريب بالشك، والشك جزء مسمى الريب، وتفسير المغفرة بالستر وهو جزء مسمى المغفرة، وتفسير الرحمة بإرادة الإحسان وهو لازم الرحمة، ونظائر ذلك كثيرة، قد ذكرناها في أصول التفسير).

    والكلام طويل غير هذا، والمقصود من كل هذه النقول أنه حين نأتي إلى تفسير السلف فلا ننظر إلى قضية المطابقة اللفظية، بل نعرف أن لهم طرائق تحتاج إلى أن نفهمها؛ لكي نعرف وجهة هذا القول الذي ذكروه.

    1.   

    قراءة تطبيقية من تفسير الطبري لتفسير السلف

    تفسير آيات من سورة الذاريات

    وصلنا إلى قوله سبحانه وتعالى: الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ[الذاريات:11] مادة (غمر) نحتاج أن نعرف المدلول اللغوي لها، الغمر يدل على التغطية: تقول: غمرت الشيء بمعنى: أنك غطيته، لكن غالباً ما يستخدم في الماء، وهذا الذي أشار إليه ابن زيد لما قال: (ألا ترى الشيء إذا أخذته ثم غمرته في الماء)، فهذا إشارة إلى المدلول اللغوي في معنى الغمر؛ الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ[الذاريات:11].

    لكن ما المراد بالغمرة في هذا المعنى السياقي الذي عبر عنه السلف؟ قال ابن عباس : في ضلالتهم يتمادون؛ ففسر الغمرة بالضلالة أو الغفلة؛ لأنهم عبروا عنها بمجموع عبارات، أو الشبهة، فهذه كلها عبارات عن الغمرة؛ فهم في غمرتهم يعني: في ضلالتهم، في شبهتهم، في غفلتهم، ساهون، وإن كانت الغفلة هي السهو، لكن الأدق منها الضلالة؛ الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ[الذاريات:11].

    فهذا المدلول السياقي للمراد بالغمرة.

    السهو الذي في قوله: (سَاهُونَ) بمعنى: غافلون، فإذا هم في ضلالتهم غافلون عن الحق، غافلون عما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم.

    وقال مجاهد: (قلبه في كنانة) في تفسير الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ[الذاريات:11].

    ومعنى الكنان كما قال تعالى: وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ[الأنعام:25]، أي: أغطية، فالكنان: الغطاء؛ فالمعنى متقارب، فالكنان إشارة إلى الغمرة، فيكون معنى قوله: (فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ)، أي: مغطون أنفسهم بضلالتهم، كأنهم أكنوا أنفسهم أي أخفوا أنفسهم في هذه الضلالة.

    وقوله سبحانه وتعالى: يَسْأَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ[الذاريات:12]، هذه لا شيء فيها.

    قوله: يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ[الذاريات:13]، يقول الإمام: يقول تعالى: ذكره يوم هم على نار جنهم يفتنون، وذكر أن أهل التأويل اختلفوا في معنى (يفتنون) هنا في هذا الموضع، فبعضهم قال: يعذبون بالإحراق بالنار، وهذا مروي عن ابن عباس من طريق علي بن أبي طلحة قال: يعذبون، ومن طريق عطية العوفي قال: فتنتهم أنهم سألوا عن يوم الدين وهم موقوفون على النار.

    ثم قال: ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ[الذاريات:14] ، فقالوا حين وقفوا: يَا وَيْلَنَا هَذَا يَوْمُ الدِّينِ[الصافات:20]، وقال الله تبارك وتعالى: هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِي كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ[الصافات:21]، ثم ذكر الرواية عن مجاهد ، قال: كما يفتن الذهب بالنار.

    إذاً يفتنون بمعنى (يحرقون)، ثم ذكر أيضاً رواية أخرى عن عكرمة ، قال: يعذبون في النار، يحرقون فيها؛ ألم تر أن الذهب إذا ألقي في النار قيل: فتن، ثم رواية عن عكرمة مرة أخرى، ثم رواية عن مجاهد ، قال: ينضجون في النار، وعن عكرمة : يحرقون، وعن سفيان : يحرقون، وعن الضحاك : يطبخون، كما يفتن الذهب، وعن ابن زيد : يحرقون، وعن مجاهد مرة أخرى: يحرقون.

    ثم ذكر معنى آخر: وهم يكذبون، وهذه مروية عن الضحاك ، يعني: حكاها الضحاك ، قال: يقال: يطبخون ويقال أيضاً: يفتنون: يكذبون.

    والإمام رجح معنى الإحراق، ولم يتعرض للمعنى الآخر.

    ننظر الآن في قضية تفسير الفتنة، فأصل الفتنة في اللغة: الاختبار. وشاع في اللغة التعبير عن إحراق الذهب بالفتن، ولهذا فإنهم كثيراً ما يمثلون بقولهم: فتنت الذهب بالنار، يعني: أحرقه ليخلص من الشوائب، يعني: ينظرون هل هو ذهب خالص أو معه شوائب، فهذا فيه شيوع في مادة (فتن)؛ ولهذا ذكرها الضحاك وكذلك مجاهد .

    فعندما يكون بمعنى الإحراق، فقد وردت عبارات عن السلف، قال: ينضجون ويطبخون ويحرقون وكلها تعبير عن الفتنة، أو الفتن هذا؛ فيكون هذا اختلاف عبارة والمعنى واحد.

    نأتي الآن إلى تفسيرها بـ(يعذبون) وعلاقة ذلك بالفتنة أنه إشارة إلى أن هذا حرق عذاب، وليس حرق اختبار أو غيره، وهو نتيجة للفتن هذا، فنتيجة الفتن العذاب، أنه عذاب من الله لهم.

    ثم علاقة ذلك كله بيكذبون سنأتي إليه بعد قليل، ستكون أوضح عندما نتكلم عن: ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ[الذاريات:14].

    نأتي إلى قوله سبحانه وتعالى: ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ هَذَا الَّذِي كُنتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ[الذاريات:14]، فقد ذكر نفس الروايات السابقة، على أن فتنتكم، يعني: عذابكم أو حريقكم، والقول الثاني الذي هو: ذوقوا كذبكم، روي عن الضحاك، وعن ابن عباس من طريق عطية قال: ذوقوا تكذيبكم.

    ولو حاولنا أن نربط بين الكذب والفتنة التي هي الإحراق هذه، ونعرف العلاقة بينهما؛ لكي ننظر هذا القول كيف خرج؟ وما هو وجهه؟

    فعندنا عمل، وعندنا: جزاء على العمل.

    فالعمل: التكذيب، والجزاء الإحراق.

    فلما فسر: (ذوقوا فتنتكم) بكذبكم؛ صار من باب إطلاق العمل على الجزاء، وهذا شائع ومعروف، وسيرد في السورة، كما في قوله سبحانه وتعالى: وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ[الواقعة:82]، أهي رزقكم أو شكر رزقكم وأن المراد بها: شكر الرزق.

    وهناك احتمال آخر: أن يكون هذا التفسير من باب الإشارة إلى سبب الفتنة، أي: أن هذا الحرق بالنار بسبب تكذيبكم، كما عبر ابن عباس ورواه عنه الضحاك فصار التعذيب إشارة إلى سبب الإحراق وهو التكذيب: ذوقوا فتنتكم، أي: تكذيبكم، فلم يرد أن الفتنة هي التكذيب، وإنما أراد الإشارة إلى سبب الإحراق، إلى سبب الفتنة. والمعنى الثاني أوضح من الأول، لكن التعبير عن الجزاء بالعمل قليل.

    قوله سبحانه وتعالى: إِنَّ المُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ[الذاريات:15]، لما ذكر الكلام عن الكفار ذكر الكلام عن المؤمنين كما هي عادة القرآن.

    فقال: إِنَّ المُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ[الذاريات:15] وهذه ليس فيها إشكال، الإشكال في قوله: آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ[الذاريات:16]، والإشكال أورده في الحقيقة ابن كثير ولا بأس أن أورده لكم، عندما نأتي إلى الرواية، نجد ابن جرير الطبري أخذ بالرواية فقال: (عاملين ما أمرهم به ربهم مؤدين فرائضه) وبنحو الذي قلنا قال أهل التأويل.

    فقوله: (آخذين) يعني في الدنيا، بناء على تفسير الطبري؛ لأنه أخذ بتفسير ابن عباس ، قال: آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ[الذاريات:16] قال: الفرائض، والفرائض في الدنيا.

    والسياق يدل على أنها في الآخرة، لقوله: (آخذين) وأغلب من جاء من المفسرين بعد ابن جرير الطبري يحملها على هذا المعنى، (آخذين ما آتاهم ربهم) في الجنة، يعني: آخذينه برضاه، (إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ)، أي: في الدنيا، محسنين في العمل، فجازاهم الله سبحانه وتعالى في الجنة، هذا ظاهر السياق الذي يدل عليه، لكن هذه الرواية التي عن ابن عباس جعلت ابن جرير رحمه الله تعالى يقول بهذا، ثم قال في (محسنين) أيضاً: إنهم قبل أن يفرض عليهم الفرائض كانوا محسنين، يعني: كانوا مطيعين لله، واعتمد على نفس الرواية عن ابن عباس ، قال: قبل الفرائض كانوا (محسنين) يعملون، و ابن كثير انتقد هذا التفسير. وأنا متوقف فيه إلى الآن، يعني: حتى من جهة الإعراب يقع فيه إشكال.

    وقد يكون قوله: آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ[الذاريات:16]، إشارة إلى السبب الذي أوصلهم إلى هذا، إذا قلنا: إنه إشارة إلى السبب الموصل؛ فممكن، يحتمل، وليس تفسيراً مباشراً للآية، مثل ما ذكر قبل قليل ابن القيم؛ حيث ذكر أنه أحياناً يأتي التفسير عن السلف ليس المراد به تفسير المطابق وإنما هو إشارة إلى شيء متعلق بالآية، فهذا ممكن أن يدخل في هذا، فلا يكون تفسيراً مطابقاً، وإنما هو إشارة إلى السبب الذي أوصلهم إلى هذا، وهذا أفضل من رفض القول، فـالآلوسي حين جاء إلى هذه الآية قال: ولا أظنه يصح عن ابن عباس ، وقوله: كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ[الذاريات:17]، فيها ثلاثة أقوال ذكرها الطبري :

    لن ندخل في قضية تفاصيل (ما) والجحد وغيره، لكن نذكر المعنى الكلي للتفسير الأول.

    التفسير الأول: أنه قل أن تأتي عليهم ليلة لا يقومون فيها، يعني: كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ[الذاريات:17]، يعني قل أن تأتي ليلة لا يقومون فيها، مدة هذا القيام مطلقة.

    والأقوال التي أوردها كثيرة، عندنا عن أنس وعن محمد بن علي وعن مطرف بن عبد الله مجموعة من الأقوال ذكرها؛ وعن قتادة، وعن الربيع ، وعن أبي العالية ، و سعيد بن جبير وعن ابن عباس .. إلخ، فهذا وجه في التفسير.

    الوجه الثاني: أن المعنى: أنهم كانوا لا ينامون من الليل إلا قليلا، بمعنى أنهم يحيون الليل بالصلاة، وذكر رواية عن الحسن ، قال: كابدوا قيام الليل، وأغلب الرواية هنا كما تلاحظون عن الحسن ، وكذلك عن الأحنف بن قيس ، و الأحنف قرأ هذه الآية، ثم قال: لست من أهل هذه الآية، ثم ذكر قول عن الزهري ، ثم قول إبراهيم النخعي ، ثم قول عن قتادة .. إلى أن ذكر القول الثالث، الذي هو قول الضحاك .

    فـالضحاك يقول: كَانُوا قَلِيلًا[الذاريات:17] يقصد المحسنين، فوجه الكلام إلى هذا المعنى، يعني: كان هؤلاء المحسنون قبل أن تفرض عليهم فرائض قليلاً من الناس، ثم يستأنف فيقول: مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ[الذاريات:17]، ثم ذكر الرواية عن الحسين إلى أن قال - الذي هو الضحاك - : كانوا قليلاً)) يقول: المحسنون كانوا قليلاً، هذه مفصولة، ثم استأنف فقال: مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ[الذاريات:17] فهذا الرأي الثالث في تفسير الآية.

    والمراد بالهجوع: النوم، وأورد رواية عن السلف في ذلك، وهذا تفسير لفظي، يعني تفسير باللغة، وهذا وارد عن ابن عباس و إبراهيم و الضحاك وكذلك ابن زيد ، ثم ذكر القصة التي مع أبيه، يعني الرجل الذي من بني تميم.

    إلى أن قال: فقال أبي: (طوبى لمن رقد إذا نعس، وألقى الله إذا استيقظ) فقوله (ألقى الله) لم يظهر معناها، لكن ابن عطية لما نقل هذا النص: قال: (وأطاع الله إذا استيقظ) فأطاع أوضح، لكن ما أدري؛ أخشى أن يكون في (ألقى) معنى ما نعرفه، لكن نقول عند ابن عطية : أطاع.

    والمعاني هذه أولى في الآية: كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ[الذاريات:17]؟ ثم بدأ الله سبحانه وتعالى يصف هؤلاء العباد فقال: آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ * كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ[الذاريات:16-17]، يعني: قبل دخولهم الجنة، أي: في الدنيا، فامتدحهم الله بعد ذلك فقال: كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ[الذاريات:17] هذا من إحسانهم.

    فيمتدح هؤلاء بقيامهم لا بنومهم فإذاً الأولى هو القول الثاني: أنهم كانوا قليلاً من الليل ما ينامون، يعني: ينامون قليلاً من الليل ويحيون الليل، يكابدون الليل بالقيام، فيكون هذا الوجه هو الأولى.

    وسبب الخلاف هنا هو الإجمال في (ما)، أو الإجمال في الجملة عموماً، فالجملة محتملة هذا وهذا إلا قول الضحاك ، فقوله غريب جداً، وقد اختاره أبو حاتم السجستاني في الوقف، ونقلت لكم العبارة وقرأت العبارة قصداً لكي نعرف شيئاً من مصطلحات السلف في قضية الوقف والابتداء، ففي قضية الوقف والابتداء عندهم يقال: هذه مفصولة ثم استأنف، هذه عبارتهم في الوقف والابتداء، وهي موجودة عند ابن عباس وعند علي بن أبي طالب ، وموجودة عند يحيى بن سلام وغيره.

    فقول الضحاك رحمه الله تعالى قول ضعيف في الآية، فكونهم قليلاً ليس فيه معنى يمتدح.

    قوله تعالى: وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ[الذاريات:18]، أيضاً فيها وجهان:

    الوجه الأول: أن الاستغفار المراد به: الصلاة، قال: يستغفرون: يصلون، وهذا مروي عن ابن عمر وعن مجاهد .

    والقول الثاني: أنه الاستغفار المعروف، وقال: إنهم أخروا الاستغفار من ذنوبهم إلى السحر، وهذا مروي عن الحسن و ابن زيد .

    وحين ننظر إلى قول الأولين وعلاقته بقوله سبحانه وتعالى: كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ[الذاريات:17-18]؛ فيكون فيه بيان لوقت التهجد.

    فيحمل قولهم على أنه بيان لوقت التهجد؛ لكيلا يكون فيه تكرار؛ لأن قوله: كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ[الذاريات:17]، يفهم منه: أنهم كانوا يقومون الليل، فقوله: وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ[الذاريات:18] بناءً على قول الأولين، يكون كأنه إشارة إلى وقت قيام الليل.

    وعلى القول الثاني يكون الاستغفار على معناه، فيكون المعنى أنهم يقومون الليل فإذا جاء وقت السحر استغفروا من ذنوبهم، هذا توجيه المعاني.

    وهذا الاختلاف لو حملناه على أنه اختلاف تنوع، ففيه ترجيح.

    فهؤلاء يقولون: وقت السحر مفسراً لقوله: كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ[الذاريات:17]، فينامون حتى وقت السحر ثم يقومون يصلون، والآخرون قالوا: بل يقومون أغلب الليل فإذا جاء وقت السحر استغفروا لذنوبهم.

    فيه إشكال في قضية الحمل على التنوع والتضاد، وأيهما أرجح هنا؟

    والراجح المعنى الثاني وهو الاستغفار. أولاً: لأن الآية الأولى ذكرت في صلاة القيام والآية الثانية أتت بمعنى جديد، وهو قضية الاستغفار.

    ثانياً: أنها قضية مرتبطة بالألفاظ، فعندما يقال: الاستغفار فالإطلاق المشهور الإطلاق على الذكر المعروف.

    فيحمل على الاستغفار لهاتين العلتين؛ لأنه ذكر قيامهم الليل في الآية التي قبلها، فإذا حملت على الآية الثانية صار من باب تكرار المعاني.

    ومن رجع إلى الرواية الواردة عن الضحاك، قال: كانوا يقومون وينامون، واستشهد بالآية، يعني: يقع منهم قيام ونوم، ثم يقومون في السحر فيصلون أيضاً، وعلى قول الآخرين؛ أنهم يقومون الليل حتى يصل وقت السحر، وعلى العموم فتفسيرها بالصلاة فيه تكرار للمعنى؛ ولأن الأصل في العطف التغاير، فممكن أن يكون بين الآية هذه والآية هذه تغاير.

    قوله سبحانه وتعالى: وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالمَحْرُومِ[الذاريات:19]، لم يذكر خلافاً في السائل من هو؟ والسائل معروف، لكن عندنا إشكالية في (المحروم) من هو؟

    فذكر أول قول: أنه المحارف، يعني: الذي ليس له في الإسلام سهم.

    والثاني: أنه المتعفف، الذي لا يسأل، فالسائل الذي يسأل، والمتعفف المحروم.

    والثالث: الذي ليس له سهم في الغنيمة.

    والقول الربع: الذي لا ينمى ماله.

    والقول الخامس: الذي قد ذهب ثمره وزرعه.

    وهؤلاء كلهم يجمعهم أنهم فقدوا المال بأي سبب كان، فالمتعفف لا مال له، وكذلك الذي لا سهم له لا مال له، وكذلك الذي لا ينمى ماله أيضاً لا مال له، وكذلك الذي ذهب ثمره وزرعه أيضاً لا مال له؛ فهذا الجمع بينهم، من حرم المال بأي سبب من الأسباب؛ فيدخل في مسمى المحروم.

    وهو اسم جنس؛ فيكون هذا الاختلاف من باب التمثيل للمحروم.

    ولهذا الطبري رحمه الله تعالى لما رجح رجح بهذا، قال: (الذي قد حرم الرزق واحتاج، وقد يكون ذلك بذهاب ماله، وثمره، فصار ممن حرم الله ذلك، وقد يكون بسبب تعففه فيترك المسألة، ويكون بأنه لا سهم له في الغنيمة، لغيبته عن الوقعة..) قال: (فلا قول في ذلك أولى بالصواب من أن تعم كما قال جل ثناؤه: وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالمَحْرُومِ[الذاريات:19]) إذاً واضح أن الخبر على عمومه، فالترجيح هنا بقاعدة عموم الخبر؛ أن الخبر على عمومه حتى يأتي المخصص.

    وعندنا نقل عن الشعبي ذكره في صفحة مائتين وأربعة يقول: وكان الشعبي يقول في ذلك ما حدثني يعقوب .. إلى أن قال: الشعبي : أعياني أن أعلم ما المحروم؟ لأنه كما يقول ابن عطية : إنه يريد واحداً بعينه مثل السائل، فالسائل: معروف، والمحروم تعددت فيه الأقوال، يقول: أنا ما أعرف ما المراد بالمحروم، فهو لو حمله كما يقول ابن عطية على اسم الجنس؛ فإنه يعم كل محروم؛ ولهذا يقول - وهذه من طرائف ابن عطية-: (يرحم الله الشعبي فإنه في هذه المسألة محروم، ولو أخذه اسم جنس فيمن عسرت مطالبه بان له..) يعني: ظهر له أنه عام (وإنما كان يطلبه نوعًا مخصوصًا كالسائل..).

    1.   

    الأسئلة

    طرق تفسير السلف

    السؤال: ما هي طرق تفسير السلف؟

    الجواب: أحياناً تكون على المثال أو على جزء المعنى، على ما ذكر، وقد حررها ابن القيم في بدائع الفوائد في سورة الفلق، عند قوله سبحانه وتعالى: وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ [الفلق:3].

    سبحانك اللهم وبحمدك، نشهد أن لا إله إلا أنت، نستغفرك ونتوب إليك.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3046156910

    عدد مرات الحفظ

    733652075