إسلام ويب

التأصيل في علم التجويد [3]للشيخ : مساعد الطيار

  •  التفريغ النصي الكامل
  • ذكر العلماء أن الأصل في علم التجويد هو اللفظ العربي من جهة النطق به، وأن هناك مواطن للزيادة على هذا الأصل في التسميات والتقسيمات، والتقديرات والتحريرات، والمخارج والصفات، ثم ذكروا الخلاف في مقدار هذه الزيادة، واتفقوا على أنها من الأمور الاجتهادية.

    1.   

    مواطن الزيادة على الأصول العربية في قراءة القرآن

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد، وعلى آله وصحبه والتابعين.

    نذكر سريعاً ما أخذناه في الدرس السابق وهو: مفهوم التجويد عند العلماء الذين كتبوا في هذا المجال خصوصاً أوائل من كتبوا فيه، ثم بعد ذلك تحدثنا عن الفرق بين علم التجويد وعلم القراءات، وأخذنا أن علم التجويد يرتبط ببيان اللفظ العربي، وأن علم القراءات يتعلق ببيان الاختلاف الكائن في القراءات، ثم أخذنا مصادر مسائل علم التجويد، ثم بعد ذلك تنظيم معلومات كتب التجويد.

    ثم تعرفنا على الأصول العامة التي خرج منها التجويد.

    وقلنا: بأن الأصل في موضوع أو مادة علم التجويد هو اللفظ العربي من جهة النطق به، وأنه كما ينطق بألفاظ القرآن الأصل أنه ينطق بألفاظ غير القرآن من جهة إخراج الحروف كلفظ عربي.

    ما هي مواطن الزيادة على الأصول العربية في قراءة القرآن؟

    نحن نعلم أن القرآن كما أنه نزل عربياً إلا أنه امتاز أيضاً عن كلام العرب، فكذلك في الأداء امتاز عن أداء العرب، بمعنى أن بعض الناس قد يفهم عندما نقول: إن التجويد أصوله عربية أن العرب كانت تقيم كلامها على نفس ما يقيم به قراءة القرآن، فيتصور مثلاً: أنه لو أن جاهلياً يحدث صاحبه، فسيحدثه بتفاصيل التجويد، وهذا ليس بصحيح، لكن أصول هذه المسائل كباب الفك والإدغام، الذي هو الإظهار والإدغام، فبعض العرب تدغم وبعضها لا تدغم، هذا من حيث الأصل موجود عند العرب، فمثلاً: بعض العرب يقول: (قد سمع)، (قد جاء)، (قد ضل) يدغم الدال في بعض الأحرف، وبعض العرب يفك، فيقلقل الدال، ولا يمكن أن تخرج الدال في مثل هذه المواطن إلا بالقلقلة، وإلا لم يتبين، فالمقصود: أن هذه الأصول تكلمت بها العرب، وهي الموجودة في القرآن.

    ما امتاز به علماء التجويد عن علماء العربية

    لكن السؤال: ما هي مواطن الزيادة التي امتاز بها أداء القرآن عما هو موجود عند العرب؟

    مواطن الزيادة في الحقيقة موطن اجتهاد، وهي التي سيقع عليها الكلام، فعلى سبيل المثال: الغنة موجودة في لغة العرب؛ لأن الغنة صفة في النون والميم، والإدغام بغنة وبغير غنة موجود عند العرب، لكن مقدار الغنة هذا نجده عند علماء التجويد.

    إذاً: المقدار نجده عند علماء التجويد، وكلامنا سيكون في قضية المقادير.

    إذاً يمكن القول: إن الزيادة التي وردت عند القراء هي ضبط المقادير التي يقرأ بها، وهذا الضبط لا نجده في لغة العرب ولكن نجده عند علماء التجويد.

    فمثلاً بعضهم يذكر الغنة ويشير إلى ضبطها بالأحرف، ويقول: نضغط على الغنة بمقدار حرفين، يعني كأن ننطق بحرفين، يريد أن يبين وجود زمن أكثر من زمن النطق بالحرف الواحد.

    وهناك فرق بين الغنة في حرف النون والميم واللام المشددة، فاللام المشددة في الزمن أقل من النون أو الميم المشددة، واستمر الأمر هكذا حتى جاء الضبط بالألفات أو بالحركات فضبطوها بحركتين، واستقر الوضع على الحركتين، ولهذا حينما تقرأ عند مقرئ، فتقول: إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى [البقرة:282] وتطيل غنة الميم، يقول لك: بالغت في الغنة؛ لأنك زدت قليلاً على الغنة، أو عندما تقل: (مُسَمًّى) وتخفف الغنة، يقول لك: قصرت في الغنة.

    إذاً: هذا ما يتعلق بالمقدار في قضية الغنة وكلام سيبويه عليه.

    1.   

    اختلاف علماء التجويد في مقادير المد والصفات

    ننتقل إلى كلام ابن الجزري الذي توفي سنة ثمانمائة وثلاث وثلاثين، ننتقل لنناقش قضية المد، لنعرف ما هي أول مرحلة من مراحل المد عند القراء عموماً؟

    لا شك أن أول مرحلة من مراحل المد هي التي تبدأ بحركتين، وتقف على الست، وكما يقول ابن الجزري : لم أجد لا في قراءة متواترة ولا شاذة أحداً يزيد على الست.

    وعندما نقول: إن المد قد يكون حركتين، أو ثلاثاً، أو أربعاً، أو خمساً، أو ستاً، نجد أن ابن الجزري يقول في كتابه النشر: (وقد أجمع الأئمة على مد نوعي المتصل، وذي الساكن اللازم)، أي: المد المتصل والمد اللازم، ثم يقول: (وإن اختلفت آراء أهل الأداء أو آراء بعضهم في قدر ذلك المد، على ما سنبينه، مع إجماعهم على أنه لا يجوز فيهما ولا في واحد منهما القصر، واختلفوا في مد النوعين الآخرين وهما: المنفصل وذو الساكن العارض، وفي قصرهما، والقائلون بمدهما اختلفوا أيضاً في قدر ذلك المد كما سنوضحه)، وهذا فيه دلالة على أن كل مصادر المد وقع فيها اختلاف.

    ثم قال: (فوجب ألا يعتقد أن قصر المتصل جائز عند أحد من القراء، وقد تتبعته فلم أجده في قراءة صحيحة ولا شاذة، بل رأيت النص بمده). ثم ذكر أثر ابن مسعود الذي فيه: فقرأها مرسلاً: إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ [التوبة:60]، ثم بدأ يفصل في مراتب المد المتصل وسنأخذ فقط ما يتعلق بالمد المتصل.

    حيث قال في المذهب الأول: (أنه على أربع مراتب: إشباع، ثم دون ذلك، ثم دونه، ثم دونه) والمقصود بالإشباع: ست حركات، وأقله ثلاث، ثم قال: (وليس بعد هذا إلا القصر)، وهذا مذهب أبي الحسن طاهر بن غلبون-توفي سنة ثلاثمائة وتسع وتسعين- و أبي عمرو الداني توفي سنة أربعمائة وأربع وأربعين- و أبي علي الحسن بن بليمة -توفي سنة خمسمائة وأربع عشرة- و أبي جعفر بن الباذش -توفي سنة خمسمائة وأربعين- وغيرهم.

    إذاً هذا المذهب الأول، أقدم من قال به طاهر بن غلبون الذي توفي سنة ثلاثمائة وتسع وتسعين.

    وقال في المذهب الثاني: (أنه ثلاث مراتب: وسطى، وفوقها، ودونها)، يعني: يكون أربعاً، وثلاثاً، وخمساً، فأسقطوا المرتبة العليا التي هي ست حركات، ثم قال: وهذا مذهب ابن مهران -توفي سنة ثلاثمائة وإحدى وثمانين- و أبي القاسم بن الفحام -توفي سنة خمسمائة وست عشرة- و أبي علي الأهوازي -توفي سنة أربعمائة وست وأربعين- و أبي نصر العراقي ، وابنه عبد الحميد -توفي سنة أربعمائة وعشرين تقريباً- و أبي الفخر الجاجاني -لم أجد له سنة وفاة-.

    ثم قال في المذهب الثالث: أنه مرتبتان: طولى ووسطى، يعني أربع، وست، قال: (فأسقطوا الدنيا وما فوق الوسطى) وهذا مذهب ابن مجاهد -توفي سنة ثلاثمائة وأربع وعشرين- و أبي القاسم الطرسوسي -توفي سنة أربعمائة وعشرين- و أبي الطاهر بن خلف -توفي سنة أربعمائة وخمس وخمسين- .

    ثم قال: (واعلم أن هذا الاختلاف في تقدير المراتب بالألفات لا تحقيق وراءه، بل يرجع إلى أن يكون لفظياً، وذلك أن المرتبة الدنيا وهي القصر، إذا زيد عليها أدنى زيادة صارت ثانية، ثم كذلك حتى تنتهي إلى القصوى، وهذه الزيادة بعينها إن قدرت بألف أو بنصف ألف هي واحدة، فالمقدر غير محقق، والمحقق إنما هي الزيادة)، المقصود بالمحقق: الزيادة، (وهذا مما تحكمه المشافهة، وتوضحه الحكاية، ويبينه الاختبار، ويكشفه الحسن.

    قال الحافظ أبو عمر رحمه الله: وهذا كله جار على طباعهم ومذاهبهم في تفكيك الحرف، وتخليص السواكن، وتحقيق القراءة وحدرها، وليس لواحد منهم مذهب يسرف فيه على غيره إسرافاً يخرج عن المتعارف في اللغة والمتعالم في القراءة، بل ذلك قريب بعضه من بعض، والمشافهة توضح حقيقة ذلك، والحكاية تبين كيفيته).

    وبعد الانتهاء من ذكر مقادير المدود قال: (فهذا ما حضرني من نصوصهم، ولا يخفى ما فيها من الاختلاف الشديد في تفاوت المراتب، وأنه ما من مرتبة ذكرت لشخص من القراء إلا وذكر له ما يليها، وكل ذلك يدل على شدة قرب كل مرتبة مما يليها، وإن مثل هذا التفاوت لا يكاد ينضبط) هذا كلام ابن الجزري ، ومعروف قيمة ابن الجزري في علم القراءات والتجويد، وهذا الكلام في النشر، الذي يتكلم عن القراءات العشر، ماذا يمكن أن نستفيد منه؟

    ترتيب أسماء الأعلام الخائضين في مقادير المد

    لو حاولنا أن نرتب أسماء الأعلام التي ذكرناها حسب القدم فإن أقدمهم هو: ابن مجاهد ، توفي عام ثلاثمائة وأربعة وعشرين، وبعده ابن مهران توفي عام ثلاثمائة وواحد وثمانين، وبعده الطاهر بن غلبون توفي عام ثلاثمائة وتسعة وتسعين.

    إذاً: الملاحظ أن ابن الجزري مع أنه عالم محقق، وجامع لكتب التجويد وكتب القراءات، إلا أنه لم يستطع أن يرقى بالمقادير إلى القرن الثالث مثلاً، بمعنى أن ضبط المقادير جاء متأخراً، ولو كان عنده قبل هؤلاء لذكر، فإن أعلى من ذكره هو ابن مجاهد توفي سنة ثلاثمائة وأربع وعشرين، وإذا افترضنا أن ابن مجاهد نقل عن أشياخه القريبين منه، فإنه لا يوجد سند متصل بهذه المقادير، مما يدل على أن ضبط المقادير كان متأخراً.

    اختلاف العلماء في المقادير ودلالة ذلك

    إذاً: الزيادة موجودة، لكن مقدار الزيادة اجتهاد، وهؤلاء الذين اجتهدوا هم أعلام القراءة الذين أخذوها بالمشافهة فرصدوا المشافهة التي سمعوها، بمعنى أن الواحد منهم استمع من شيخه فرصد ما سمعه، لكنهم اختلفوا في طريقة الرصد، فبعضهم يرصد بالألفات، وبعضهم يرصد بالحركات، وبعضهم يرصد بالأحرف، يقول: تقرأ بمثابة قراءة حرفين مثلاً، وهذا الاختلاف في رصد الزيادة اجتهادي، ومقدار الزيادة أيضاً اجتهادي، لكن ابن الجزري يرى أنه ما نقص المد اللازم أو المد المتصل عن الحركتين، ولا زاد عن ست حركات، فلو قرأ قارئ من العوام: إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ [التوبة:60]، فهل نقول له: مد أو لا؟ وهل دخل ضمن الزيادة أو لا؟ لا شك أنه دخل ضمن الزيادة.

    فلو جاء شخص يقول: طريق حفص عن عاصم يقرأ بأربع إلى خمس، نقول: هذا صحيح، ولكن هذا الكلام للمتعلم الذي يريد أن يتقن الطرق ويعرفها، فإننا نقول له: هذا حفص قرأ كذا وكذا، لكن العامي لا نستطيع أن نقول له: اقرأ هذا المد بقدر كذا، ولكن المفروض أن تقول له: إذا جاءت هذه الإشارة على الألف فافعل كذا، فنجد أنه سيقرأ المد بشكل طبيعي وتعتبر قراءته صحيحة، وهذا فيه تيسير على أكثر الأمة، وكذلك الحال في الغنة وضبطها بالحركتين، فإن حرف الغنة الذي يأتي في النون أو الميم إذا كان مشدداً، أو دخل في الإخفاء أو في القلب أو في الإدغام يكون أكثر من الحرف المشدد الذي ليس بغنة، لكن ما هو المقدار بالضبط؟ لم يزيدوا عن حركتين، فلو أن شخصاً عامياً قصر قليلاً فلا يقال له: أنت قصرت، لكن إذا جاء يتعلم التجويد على الأصول التي كتبها العلماء، نقول له: مقدارها حركتين.

    فإذاً: يجب أن نفرق بين مقام التعليم، ومقام التصحيح العام لتلاوات الناس، فإن هذا شيء وذاك شيء آخر.

    لو لاحظنا قوله في آخر كلامه: (ومثل هذا التفاوت لا يكاد ينضبط)، فقد تكلم الشيخ عبد العزيز قاري حفظه الله في كتاب الأحرف السبعة عن هذا الموضوع، وأشار إلى أن المقادير ضبطها أصلاً يفوق الطاقة البشرية؛ لأن هذه مقادير اجتهادية من باب الحدس والتخمين، لكنها في الغالب تكون متقاربة، لكن لا يأتي شخص ويقول: بأن هناك تفاوتاً شاسعاً، مثلاً يقرأ: (مُسَمًّى)، نقول له: والله هذه صحيحة، والثاني يقول: (مُسَمًّى) بدون زيادة الغنة، نقول له هذه صحيحة، لا! لأن التفاوت واضح بينهما، لكن ضبطها بالضبط الدقيق عندما يكون هناك نوع من التفاوت اليسير فإن هذا فوق طاقة البشر، ويحتاج إلى ميزان دقيق جداً جداً، وهذا لا يمكن أن يكون موجوداً في آذان البشر.

    إذاً: نلاحظ من هذا أن المقادير عند علماء التجويد، بل عند أحد أعلام التجويد فيها اختلاف واضح، فيحسن بنا الرجوع إلى الكلام المحرر، وألا ندقق تدقيقاً شديداً عند قراءة العامة بالذات، فنحرص على أن تصحح التلاوة تصحيحاً عاماً، ويصحح اللفظ العربي، بحيث تعطى أماكن المدود حقها، وكذلك الغنة أيضاً فيكون قد قرأ قرآناً عربياً، وتعتبر قراءته سليمة، ونترك التشديد على الناس في هذا، لكن لو جاء شخص يريد أن يتعلم التجويد على أصوله الموجودة عند القراء، فإنه يعطى هذه المقادير كاملة مضبوطة، وهذا ما يتعلق بالمقادير وهو أهم شيء يرتبط بعلم التجويد.

    اختلاف المقادير في باب التفخيم والترقيق والقلقلة

    بقي الكلام عن المقادير في باب التفخيم والترقيق، فهل التفخيم فيه مقادير أو لا؟

    لا شك أن فيه مقادير، ولكن كيف ذلك؟

    لو لاحظنا سنجد أن المتأخرين من علماء التجويد قسموا التفخيم الذي يسمونه: التفخيم المطلق إلى مراتب وهي:

    المرتبة الأولى: الحرف المفخّم بعده ألف.

    المرتبة الثانية: الحرف المفخّم ليس بعده ألف.

    المرتبة الثالثة: الحرف المفخّم المضموم.

    المرتبة الرابعة: الحرف المفخّم الساكن.

    المرتبة الخامسة: الحرف المفخّم المكسور، فبعضهم يجعلها خمس مراتب، والبعض الآخر يجعلها أربع مراتب، فيقسم مرتبة الساكن على المراتب الثلاث، يعني: الساكن قبله فتح مع المفتوح، والساكن قبله ضم مع المضموم، والساكن قبله كسر مع المكسور، على الخلاف الوارد في هذا، لو تأملنا حينما نسمع كلام العامة، فسنجد أنهم يقعون في نفس الإشكالية، فعلى سبيل المثال: عندما ينطق العامي قوله تعالى: إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ [التوبة:60]، فإنه يقول: إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ [التوبة:60]، ولا يفخم القاف، فنقول له: لا! (قا) بتفخيم القاف، ثم بعدها ألف هذه هي المرتبة الأولى، فنجد أن التمييز بين المراتب فيه صعوبة، ولهذا يكفي في هذا محاولة أنه يفخم العامي ولو تفخيماً قليلاً عند قراءته الحرف المفخّم، ويكون مستفلاً أو مرققاً عند قراءته الحرف المرقق، وهذا عند الكلام على قراءة العامة، أنه يعلم بهذا الشكل فيفخم الأحرف المفخمة عند العرب؛ لأنه المنصوص عليه عند سيبويه: أن هذه أحرف تفخمها العرب، لكن المراتب والتفصيل فيها غير موجود عندهم، وإنما يوجد في كتب المجوِّدين، حتى المقدمون كانوا يذكرونها على أنها أحرف تفخيم، وينبهون على أن بعضها أقوى من بعض بما تحويه من صفات القوة، لكن هذه المراتب وتقسيمها جاءت متأخرة، بمعنى أن أصل التفخيم والترقيق موجود، لكن المقدار هذا، يعني مثلاً: بعضهم لما يدرس التفخيم في مثل: (خَائِفِينَ)، يكاد يقلب الألف إلى واو، من شدة المبالغة في بيان التفخيم، ولو قال: (خَائِفِينَ) نقول: صحيح، (قادرين) صحيح، لكن لو قال: ( قَادِرِينَ) ورقق القاف، هذه تكون إشكالية، فنقول له: هذا ترقيق، وعموماً فإن الذي نسمعه من كثير من العامة، أحياناً لما يقرأ أنه لا يميز بين هذه الحروف، وممكن أن يدخل هذا في مجال التعليم، فلو أنه بين له بدون التحريرات أو التدقيق الزائد ممكن تنضبط كثير من قراءة بعض العامة.

    بقي شيء آخر في المقادير يمكن أن نذكره وهو المقادير في القلقلة؛ وذلك لأن القلقلة فيها خلاف في المراتب الثلاث المعروفة، وللمتقدمين كلام فيها، ولو تأملنا لوجدنا أنه لا يوجد في الصفات مقادير إلا في القلقلة والتفخيم.

    1.   

    سبب الخلاف بين من يرى التجويد ومن يعيبه

    إذاً: يمكن القول بعد هذا: إن الخلاف الذي يمكن أن يجرى بين من يرى التجويد، ومن يعيب التجويد، إنما هو في الغالب في المقادير، ولذلك نجد أن المقادير كما ذكر ابن الجزري لا تكاد تنضبط، فإذا جاء شخص لا يرى التجويد وقلنا له: اقرأ، ومد هذه كذا وهذه كذا، من دون أن نقول له: مد مقدار كذا، مد مقدار كذا، فإنه سيقرأ، ولسائل أن يسأل هنا ويقول: هل الرسول صلى الله عليه وسلم كان يعلم أصحابه هكذا: مد ثلاثاً! مد أربعاً! مد خمساً؟! نقول: لا يمكن، لكن عندما نقرأ كلام المحققين نعرف هذا المقدار، فهو راجع إلى ضبط المتأخرين الذين ضبطوها بهذا المقدار، فمن مدّ فقد دخل في القراءة النبوية، يعني: من أول ما يدخل في باب المد يكون في باب القراءة النبوية الصحيحة، فلا يأت أحد يقول: هات لي دليلاً أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يمد أربع حركات أو ست حركات؛ لأن المقادير اجتهادية لكن أصل المد ليس اجتهادياً، بل أصل المد منقول حتى عن العرب، فإذا انفكت هذه الإشكالية فإنه ينفك شيء كبير جداً مما يتعلق بعلم التجويد، بمعنى أنه إذا عرفنا أن علم التجويد أصوله عربية، وفيه مقدار زائد، وهذا المقدار الزائد فيه اجتهاد من جهة تقدير الحركات، نكون قد انتهينا من حل هذه الإشكالية عند الكثير.

    المقصود بالتحريرات في علم التجويد والقراءات

    ثم ننتقل إلى قضية أخرى داخلة في الاجتهاد أيضاً، وهي ما يسمى في علم القراءات بالتحريرات، فما هي التحريرات؟ المقصود بالتحريرات الأوجه بين السور فمثلاً:

    إذا انتهى القارئ من الفاتحة فإنه يبدأ بالبقرة، ومعروف أن الفاتحة تنتهي بقوله تعالى: (( وَلا الضَّالِّينَ ))، ثم يبدأ بـ: (بسم الله الرحمن الرحيم) ثم الم [البقرة:1]، فهل يقطع الجميع، أو يصل الجميع أو غيرها؟ هذه ما تسمى بالتحريرات، التي هي الأوجه، وهذه التحريرات في الرواية الواحدة قليلة، فرواية حفص عن عاصم التحريرات فيها قليلة عنده، فليس فيها شيء كثير، لكن أوجه رواية عاصم، فيها التحريرات تزيد عنده، وكذلك نافع ، وهكذا السبعة كلهم فإنها تزيد، ولهذا هناك كتاب اسمه: المحرر فيما تواتر من القراءات وتكرر، وهذا كتاب خاص بتحرير الأوجه، إذا فتحت أول صفحة منه تستغرب من الأرقام، مائة وعشرين وجهاً بين الفاتحة والبقرة، فهل الرسول صلى الله عليه وسلم علم الصحابة مائة وعشرين وجهاً بين الفاتحة والبقرة؟ نقول له: لا! هذه اجتهادية، هذه قياس، ضرب مسائل رياضية، واحد زايد واحد يساوي اثنين، فإذا جمعنا هذه الأوجه على بعضها خرجنا بهذه المجموعة من الأوجه.

    إذاً: فهذه الأوجه المجموعة قياسية اجتهادية.

    إذاً: باب التقديرات اجتهادي، وباب التحريرات اجتهادي؛ لأنه قياس، مجرد ضرب أرقام، حتى إن الشيخ عبد العزيز قاري يقول: إنها تكون أرقام فلكية في التحريرات. يعني من كثرة الأوجه للقراء، وحساب هذه الأوجه يكون بأن ينظر عدد الأوجه الجائزة عند فلان من القراء، وعدد الأوجه الجائزة عند فلان من القراء أيضاً ثم يضربها ببعضها وتخرج نتيجة رياضية هي هذه التحريرات.

    الزيادة في مخارج الحروف وصفاتها

    وهناك موطن خامس من مواطن الاجتهاد، وهو موطن مهم جداً؛ لأن فيه خلافاً، وهو تحديد بعض مواضع مخارج الحروف، وبعض صفات الحروف، بمعنى أن حرفاً من الأحرف وقع فيه خلاف، من أين يخرج؟ أو حرفاً من الأحرف ذكر أن له صفة من الصفات، وآخر يقول: لا ليست له هذه الصفة، فيحصل اختلاف في تحديد بعض المخارج، وفي إضافة بعض الصفات لبعض الحروف، فكيف يمكن تحديد بعض المخارج؟

    من يقرأ في كتب التجويد يجد أن المجوِّدين وقع عندهم خلاف في عدد المخارج، فبعضهم قال: عدد المخارج سبعة عشر، وبعضهم قال: عدد المخارج ستة عشر، وبعضهم قال: عدد المخارج أربعة عشر.

    والمعمول به عند المتأخرين من بعد ابن الجزري هو السبعة عشر؛ لأنه لما نظم منظومته قال:

    مخارج الحروف سبعة عشر على الذي يختاره من اختبر

    واستمر الناس على أنها سبعة عشر، ولو تأملنا الذي عدها أربعة عشر، والذي عدها ستة عشر، والذي عدها سبعة عشر، نجد أن الأحرف ما زادت عندهم، فالأحرف هي الأحرف، ثمانية وعشرين حرفاً، متفق عليها، واتفقوا في المخارج على ثلاثة عشر، فالذين عدوها سبعة عشر مخرجاً جعلوا للجوف مخرجاً، وجعلوا للراء والنون واللام مخرجاً، يعني أن المخارج الأربعة الزائدة عند أهل المخارج السبعة عشر هي:

    الجوف، ومخرج اللام، ومخرج النون، ومخرج الراء.

    إذاً المتفق عليه عند المجودين كلهم ثلاثة عشر، وخلافهم في هذه المنطقة، فالذي جعلها ستة عشر أسقط مخرج الجوف، وهذا رأي سيبويه ، حيث جعل أول المخارج عنده أقصى الحلق، وأسقط الجوف.

    و الفراء و قطرب و الجرمي و ابن كيسان جعلوا هذه الأحرف الثلاثة وهي: اللام، والنون، والراء من مخرج واحد، فسقط السادس عشر، وعندنا الثلاثة عشر زاد عليها واحد فقط، فصارت أربعة عشر مخرجاً؛ لأن اللام والنون والراء في مخرج واحد، إذاً نلاحظ أن الخلاف في تحديد المخرج فقط.

    أما الحروف فلم تنقص ولم تزد عندهم جميعهم ولم يختلفوا فيها.

    إذاً: الاجتهاد وقع فقط في موضع المخارج هل مخرج الحرف هذا أو هذا؟

    اختلاف علماء التجويد في صفات الحروف

    أما من ناحية الصفات، فننظر في هذا النص الموجود عند مكي ، حيث يقول: (ولم أزل أتتبع ألقاب الحروف التسعة والعشرين -طبعاً يدخل معها الألف- وصفاتها وعللها، يعني علل الاتصاف بتلك الصفات حتى وجدت من ذلك أربعة وأربعين لقباً، صفات لها وصفت بذلك، على معانٍ وعللٍ ظاهرة فيها).

    إذاً: هو وقف على أربعة وأربعين صفة، والصفات في منظومة ابن الجزري التي عليها الاعتماد، ثمان عشرة صفة، خمس لها ضد، مع زيادة صفة البينية (التوسط) تصير إحدى عشرة، وسبع صفات ليس لها ضد، فصارت ثمان عشرة صفة، واستقر الوضع بعد ابن الجزري على دراسة هذه الصفات.

    إذاً: وقع خلاف في عدد الصفات، ويعتبر هذا اجتهاداً أيضاً.

    وكذلك وقع خلاف في وصف بعض الحروف ببعض الصفات، فعلى سبيل المثال، في كتاب جهد المقل، تكلم عن حروف التفشي، ومعروف أن حرف التفشي عندنا هو الشين، حيث يقول: (وقد ألحق المتقدمون الثاء المثلثة بالشين في التفشي، كما في الرعاية لـمكي يقول وقد قيل: إن في الفاء تفشياً).

    وقد ذكر بعض العلماء الضاد المعجمة مع الشين (فقالوا: الشين تتفشى في الفم حتى تتصل بمخرج الظاء، والضاد تتفشى حتى تتصل بمخرج اللام. انتهى من الرعاية.

    وقال قوم: إن في الصاد والسين المهملتين والراء تفشياً كذلك. ذكره في التمهيد).

    والمقصود من ذكر هذا أنك لو سمعت أحدهم يقول: إن الضاد فيها تفشي، فإنك تستغرب؛ لأنك درست مذهباً واحداً، وهو أن التفشي في الشين فقط، والمسألة فيها خلاف لكنك لم تعرفه، وبالتالي فإن مسألة صفات الحروف داخلة في الاجتهاد، بعضها متفق عليه ما أحد يخالف، وبعضها يقع فيه الخلاف، وقد تحرر كما تعلمون عندنا في النهاية على أن التفشي صفة للشين، أما كل هذه الأحرف التي ذكرت فإنه غير معمول بأن من صفتها التفشي، إذاً: يضاف هذا إلى مواطن الاجتهاد التي ذكرناها، فيصير عندنا خمسة مواطن هي: التسمية، التقسيمات، التقديرات، التحريرات، ثم تحديد بعض مواضع مخارج الحرف، أو بعض صفات الحرف أيضاً.

    هذا ما يتعلق بقضية التجويد، أو المقدار الزائد، أو ما وقع فيه الاجتهاد عند علماء التجويد.

    1.   

    الأسئلة

    أفضل الكتب التي تتحدث عن أصول علم التجويد

    السؤال: ما هي أفضل الكتب التي تتكلم عن أصول علم التجويد وتاريخه، إقراءً واستنباطاً.

    الجواب: أفضل كتاب في هذا هو كتاب الدكتور غانم قدوري ، الذي هو الدراسات الصوتية عند علماء التجويد، وأيضاً كتاب للدكتور عبد العزيز قاري، الذي هو سنن القراء ومناهج المجوِّدين، فيه بعض اللفتات واللمحات عن هذا الموضوع.

    علاقة علم التجويد بعلم الصوتيات

    السؤال: ما علاقة علم التجويد بعلم الألسنيات أو الصوتيات؟

    الجواب: علم التجويد يسمى علم الصوتيات، ولهذا لا أحد يدرس الصوتيات إلا ويدرس علم التجويد، يعني لا أحد يمر على علم الصوتيات إلا ولا بد أن يتكلم عن علم التجويد وكلام العلماء فيه، فهو أصل من أصول الصوتيات، إلا أن بعض الذين درسوا علم الصوتيات على الأسلوب الغربي، خطئوا علماء التجويد، وخطئوا علماء اللغة مثل: الخليل بن أحمد و سيبويه وغيره، ولم يكونوا على صواب في تخطئتهم لأمور يمكن أن تراجع في بعض الكتب المهمة التي ذكرت ذلك ككتاب لـغانم قدوري ، وكتاب لـعبد العزيز الصيغ .

    حكم التجويد

    السؤال: هل يمكن التفصيل في حكم تطبيق التجويد الشرعي، وذكر الخلاف عند المتقدمين والمتأخرين؛ لأن التجويد ينقسم إلى أمور تتعلق بمبنى اللفظ والمعنى، وأمور محسنة ومكملة؟

    الجواب: الحقيقة أن العلماء المتقدمين كانوا ينصحون ويأمرون أمراً مجملاً بالتجويد، فعندما نقرأ للداني أو غيره أو من قبله، نجد الأمر عاماً بتحسين القراءات؛ لأن القرآن نزل مجوداً، لكن الإشكال وقع في الحقيقة في كلام ابن الجزري لما قال:

    والأخذ بالتجويد حتم لازم من لم يجود القرآن آثم

    لأنه به الإله أنزلا وهكذا منه إلينا وصلا

    فهذا الشطر من البيت أحدث لبساً وإشكالاً معروفاً، ولا زال الخلاف إلى اليوم في فهم كلام ابن الجزري نفسه، لكن يمكن أن يرجع إلى كلام ابن الجزري في كتابه النشر، فقد فصل هذا، وعموماً فإن قضية المقادير وضبطها، أمر غير ممكن على كل الأمة، فتأثيم الأمة بهذا ليس بصحيح؛ لأن أهم قضية عند قراءة القرآن إقامة عربية القرآن بالدرجة الأولى، أما موضوع اللحن الخفي فهذا لا يمكن أن تأثم به الأمة، فعلى سبيل المثال لو جاء شخص يقرأ: (الْهَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)، نقول له: غلط؛ لأن الكلمة ليست عربية، قل: (الْحَمْدُ) لأنه خالف اللفظ العربي، وتوجد أشياء قد تخالف اللفظ العربي، لكن لا تؤثر على بنية الكلمة، مثل قضية ترقيق المفخّم، أو تفخيم المرقق، أو ترك الإدغام فيما يدغم، أو الإدغام فيما لا يدغم، قد يقع فيها إشكال، فيعلم الإنسان هذا، لكن ما يؤثم، أو يجرم بمثل هذا الموضوع.

    علاقة المقادير بزمان نطق الحروف

    السؤال: هناك من قسم الحروف ووصفها بصفة الرخاوة والشدة والتوسط، أي قسمها ثلاثة أقسام: حروف رخوة، حروف بينية، حروف شديدة، وقال: بأن الحروف الرخوة زمانها أطول، والبينية زمانها أقل من حروف الرخوة، والشديدة ليس لها زمن، فهل تدخل في المقادير أو لا؟

    الجواب: لا يدخل هذا؛ لأنه من بنية الحرف العربي، فعلى سبيل المثال حرف الصاد مثلاً من الحروف الرخوة، لأنه قال:

    مهموسها فحثه شخص سكت شديدها لفظ أجد قط بكت

    وبين رخو والشديد لن عمر

    فإذا كانت (أجد قط بكت) حروف شدة، و(لن عمر) حروف توسط، وما عداها فهو من الرخوة فحرف الصاد مثلاً، عندما أقف عليه في قوله تعالى: (مَحِيصٍ)، نلاحظ أن حرف الصاد لو مددنا الصوت فيه فإنه قابل للجريان ويمتد حتى ينقطع النفس، إذاً لما قالوا: إنه رخو، لأنهم قالوا: امتداد الصوت فيه ممكن، لكن ليس معنى امتداد الصوت أن يمد الصوت به حتى ينقطع النفس، بل معناه أنه قابل للامتداد، وهذه قاعدة: إن الصفة على مقدار الزمن الذي يقع فيه الحرف.

    ونضرب مثالاً للفرق الزمني بين الحروف، فعندما نقول: (السَّمَاءِ)، ما يمكن نقول: (السَّمَاءِ) إلى أن ينقطع الصوت؛ لأنه لا يمكن أن يمتد الصوت بالهمزة، أما (مَحِيصٍ) فنجد المقدار الزمني لحرف الصاد غير المقدار الزمني لحرف الهمزة، فيوجد فرق.

    فإذاً: كل حرف له مقدار زمني محدد، وهذا النطق العربي له، ومعنى قولهم: إنه رخو، أي: أنه قابل للامتداد، برخو مثل: (السَّمَاءِ) لا يمكن أن يمتد، ولنأخذ مثالاً أوضح التاء مثلاً، لا يمكن أن نقول: (فَمَا بَكَتْ) بمد الهمس؛ لأن هذا المد للهمس وليس للتاء، فنجد أنه عند قولنا: (فَمَا بَكَتْ) ينقطع الصوت عند التاء، ولا يمكن لصوت التاء أن يمتد، بخلاف صوت الصاد مثلاً، أو السين أو غيرها، أو الشين ..إلخ.

    أما حروف التوسط فبلا شك أن زمنها بين هذه وهذه، يعني فيها قابلية للاثنين، فمثلاً: (عمل) بمد اللام، نجد أنه قابل لهذا ولهذا.

    فإذاً: هذا ليس داخلاً ضمن المقادير التي تكلمنا عنها؛ لأن هذا من بنية الحرف، فلو انعدمت الصفة لانعدم الحرف.

    نكتفي بهذا القدر، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا وإياكم لما يحب ويرضى.

    مكتبتك الصوتية

    أو الدخول بحساب

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3086718663

    عدد مرات الحفظ

    756083572