إسلام ويب

عمدة الفقه - كتاب الجهاد [4]للشيخ : عبد الله بن ناصر السلمي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الأنفال هي ما زاد على السهم المستحق من الغنائم، وهي أنواع منها: ما يكون أسلاباً للمقتول من ملبوس وسلاح ومركوب وغيره وهذا يكون لمن قتله، ومنها: ما ينفله الأمير لمن أغنى عن المسلمين، وفيها ما يكون مستحقاً بشرط الأمير في مقابل تنفيذ مهمة.

    1.   

    المقصود بالأنفال

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، ولا تجعله ملتبساً علينا فنضل، اللهم إنا نعوذ بك أن نضل أو نضل، أو نزل أو نزل، أو أن نظلم أو نظلم، أو أن نجهل أو يجهل علينا، وبعد:

    فقد قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب الأنفال:

    وهي الزيادة على السهم المستحق، وهي ثلاثة أضرب: أحدها: سلب المقتول غير مخموس لقاتله؛ لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( من قتل قتيلاً فله سلبه )، وهو ما عليه من لباس وحلي وسلاح وفرسه بآلتها، وإنما يستحقه من قتله حال قيام الحرب غير مثخن ولا ممتنع من القتال.

    الثاني: أن ينفل الأمير من أغنى عن المسلمين غناءً من غير شرط، كما أعطى النبي صلى الله عليه وسلم سلمة بن الأكوع يوم ذي قرد سهم فارس وراجل، ونفله أبو بكر رضي الله عنه ليلة جاءه بأهل تسعة أبيات امرأةً منهم.

    الثالث: ما يستحق بالشرط وهو نوعان:

    أحدهما: أن يقول الأمير: من دخل النقب أو صعد السور فله كذا، ومن جاء بعشر من البقر أو غيرها فله واحد منها، فيستحق ما جعل له.

    الثاني: أن يبعث الأمير في البداءة سرية ويجعل لها الربع، وفي الرجعة أخرى ويجعل لها الثلث، فما جاءت به أخرج خمسه، ثم أعطى السرية ما جعل لها، وقسم الباقي في الجيش والسرية معاً].

    قول المؤلف رحمه الله: (باب الأنفال)، الأنفال: هي النفل وهي الزيادة على السهم المستحق، أي: هي العطية أو السهم التي يعطاها المجاهد غير قسم الغنيمة.

    1.   

    أنواع الأنفال

    قول المؤلف رحمه الله: (وهي ثلاثة أضرب) يعني ثلاثة أنواع:

    النوع الأول: سلب المقتول

    النوع الأول: سلب المقتول غير مخموس لقاتله، يعني من قتل أحد الكفار فإن كان الكافر يمشي راجلاً فكل ما معه فإنه يكون غنيمة للقاتل، يشمل بذلك قول المؤلف: (من لباس وحلي وسلاح وفرس بآلتها)، يعني لو كان الكافر امرأة تلبس ذهباً له ذلك، وإذا كان الفارس الكافر لابساً ذهباً خاتم وغيره فللمسلم ذلك.

    المؤلف قيد هذه الأشياء فقال: (وهو ما عليه من لباس وحلي وسلاح وفرسه بآلتها)، فلو كان معه نقود فإن هذا النقد حسب كلام المؤلف يعود للغنيمة، واستدلوا على ذلك، فقالوا: لأن المفهوم من السلب هو اللباس، والسلاح يعد لباساً، وما يجلس عليه يعد لباساً، كما قال أنس : ( فقمت إلى حصير لنا قد اسود من طول ما لبس ) يعني: من طول ما جلس عليه.

    والقول الثاني: أنه يستحق القاتل كل ما عند المقتول، حتى ولو كان المقتول يملك نقوداً وهذا القول الأول. لقوله صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين حينما جاء إليه رجل الذي كان معه ناقة عظيمة، وكان عيناً وجاسوساً فدخل على النبي صلى الله عليه وسلم كأنه يريد أن يسلم نظر إلى أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يريد أن يعرف ما هم، فوجد فيهم رقة وضعفاً حتى إذا وجد غرةً من المسلمين انطلق فركب بعيره حتى أسرع، فلحقه أحد الصحابة على بعيره فلم يستطع، فعلم سلمة بن الأكوع وكان يسبق الخيل، فخرط سيفه من غمده، ثم انطلق حتى كان عند ورك ناقة الصحابي، ثم انطلق حتى وصل إلى ناقة الجاسوس فأخذ بخطامها فأنزلها حتى إذا بركت خرط سيفه وقتل هذا الكافر، فجاء سلمة رضي الله عنه بالجاسوس ومعه ناقته مليئة بكل خير فيها، ففرح الصحابة رضي الله عنهم بذلك وحسدوا سلمة يعني غبطوه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ( من قاتل ذاك؟ قالوا: سلمة قال: له سلبه أجمع ).

    وهذا معنى من النبي صلى الله عليه وسلم يدل على أن له كل ما يملك، فلم يقل عليه الصلاة والسلام إلا كذا أو كذا، فترك الاستفصال في مقام الاحتمال ينزل منزلة العموم في المقال، وهذا السلب الذي يأخذه القاتل لا يؤخذ منه الخمس الذي هو: فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ [الأنفال:41]، فلا يؤخذ منه الخمس ويكون كله للقاتل.

    بعض الفقهاء ذكروا شروطاً، فقال بعضهم: إنه لا يستحق القاتل إلا إذا قال الإمام ( من قتل قتيلاً فله سلبه )، وأما إذا لم يقل الإمام في المعركة فليس له ذلك، فلو أن حربياً قاتل المسلمين ومعه دبابة وجاء أحد المسلمين من خلف ودخل عليه من أعلى ورماه وركب الدبابة فإن الدبابة تكون للمسلم الذي قتله، سواء قال الإمام: ( من قتل له قتيلاً فله سلبه ) أو لم يقل، فهذا حكم وليس عطية بإذن الإمام بالشرط، وعلى هذا فالإنسان إذا قتل هذا الكافر يكون له, سواء قال الإمام أو لم يقل، والدليل أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( له سلبه أجمع )، ولم يقل: الرسول صلى الله عليه وسلم قبل ذلك: ( من قتل قتيلاً فله سلبه )، وإنما قال: ( من قتل هذا الرجل؟ قالوا: سلمة قال: له السلب أجمع )، يعني كله له، حينما استكثر الصحابة هذا، قال: ( له السلب أجمع )، وهذا الراجح، واشترط بعضهم شروطاً.

    قول المؤلف رحمه الله: (وإنما يستحقه من قتله حال قيام الحرب) فإذا قتله بعد انقضائها فلا سلب له؛ لأن العلماء أجمعوا على أن من قتل أسيراً أو امرأة أو شيخاً فإنه لا يستحق سلبه، هذا الشرط الأول، والأولى ألا يقال: أن يقتله حال قيام الحرب، الأولى أن يقول: أن يقتل غير أسير ومن لا يجوز قتاله، وبعد ذلك قلت شرطاً آخر وهو: من أهل المقاتلة، فالمؤلف يقول: (حال قيام الحرب), يفهم منه أن الحرب إذا ذهب المسلمون عسكرهم انتهى, وليس الأمر كذلك، فإن هذا الرجل العين الذي دخل على المسلمين, لحقه سلمة وأخذ سلبه والحرب لم تقم، ولهذا الأولى أن يقال: أن يقتل غير أسير ومن لا يجوز قتاله، فلا يجوز أن يقتل أسيراً ولا امرأة ولا شيخاً، فهؤلاء ليس له أن يأخذ سلبهم، بل إنما يجوز له إذا قتل أهل المقاتلة وقت قيام الحرب يعني يكون حرباً لا يكون أماناً، هذا الشرط الأول: أن يقتل غير أسير ومن لا يجوز قتاله من أهل الحرب.

    الشرط الثاني: ألا يكون مثخناً، فإن كان مثخناً بالجراح لم يستحق سلبه، فلو أن مسلماً وجد كافراً يتشحط بدمه، فحز رأسه أو أجهز عليه فقال: أنا قتلته فلا يأخذ سلبه، استدل العلماء على هذا الشرط بقصة معاذ بن عفراء و معاذ بن عمرو بن الجموح ، فإن عبد الله بن مسعود هو الذي حز رأس أبي جهل ، وأعطى النبي صلى الله عليه وسلم سلبه لـمعاذ بن عمرو بن الجموح ، أرى والله أعلم أن الكفاية في هذين الشرطين, وما ذكره في الشرح أن يغرر بنفسه في قتله أو أنه مقبل على قتال هذا يحتاج إلى نظر، والله أعلم.

    النوع الثاني: نفل الأمير لمن أغنى المسلمين

    النوع الثاني من الأنفال: (أن ينفل الأمير من أغنى عن المسلمين غناءً من غير شرط)، يعني أحد المسلمين أبلى بلاءً حسناً، فإن للإمام أن ينفله شيئاً، كما أعطى النبي صلى الله عليه وسلم سلمة بن الأكوع يوم غزوة ذي قرد سهم فارس وراجل، فـسلمة ليس عنده خيل، وهو مجاهد فأعطي سهم الفارس، يعني أن سلمة بسرعته كأنه فارس؛ لأنه يكر ويفر مثل الفارس أو أشد، وغزوة ذي قرد شيقة لو قرأها الإنسان يعرف قوة سلمة : (خير رجالتنا سلمة وخير فرساننا أبو قتادة ) قاله الرسول صلى الله عليه وسلم، فقال رجل عندما قفلوا إلى المدينة: من يسبقني إلى المدينة قال سلمة : ألا تستحي ألا تقول: إلا رسول الله من باب الأدب، فقال: إلا رسول الله، قال: فقلت له: تقدم، فتقدم هذا الرجل الأنصاري، فجلس سلمة ثم أسرع حتى سبقه.

    وفي قصة عبد الرحمن بن عيينة حينما أخذ إبل النبي صلى الله عليه وسلم فنادى النجدة من المسلمين النجدة النجدة، فخرج المسلمون، فإذا سلمة بن الأكوع قد سبقهم، وكان رضي الله عنه يسبقهم ثم يصعد على الجبل حتى إذا كانوا قريباً من الجبل، قذف عليهم الحصى، فيتركون بعضاً من الإبل فيأخذها ثم يبقيها، ثم يخرج معهم، حتى جاء الصحابة وقد تركوا كل ما أخذوه رضي الله عنه.

    قال المؤلف رحمه الله: [ونفله أبو بكر رضي الله عنه ليلة جاءه بأهل تسعة أبيات امرأةً منهم]، كما قلنا في قصة فزارة.

    النوع الثالث: ما يستحق بالشرط

    النوع الثالث من الأنفال: ما يستحق بالشرط، واستحقاق الشرط نوعان:

    أحدهما: أن يقول الأمير: من جاءني برأس فلان فله كذا، ومن فتح هذا الحصن فله كذا، ومن كشف شفرة الصواريخ الذكية فله كذا، وغير ذلك من الأشياء التي فيها منفعة وإعلاء قوة المسلمين على الكفار، فللإمام أن يعطيهم.

    الثاني: أن يبعث الأمير في البداءة سرية والبداءة أن يخرج الجيش من بلده فإذا عسكروا في مكان، وأراد الأمير أن يبعث السرية من جهة اليمين أو الشمال أو الجنوب، والسرية تصل أحياناً إلى ثلاثمائة جندي تقريباً -فيبعث هذه السرية، فإن غنمت هذه السرية نظرت فإن كان الإمام أو القائد قد بعثهم وقت البداءة يعني وقت خروجهم فلهم الربع، أما إن كان قد بعثهم وقت الرجعة أعطاهم الثلث؛ لأنه أعطاهم الربع وقت البداءة؛ ولأنهم ما زالوا أشداء أقوياء لم تنهكهم الحروب، أما وقت الرجعة ففيهم من الضعف وقلت اللياقة ما لا يخفى، فلذا زيد لهم في الأجر؛ لما روى ابن عمر ( أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان ينفل بعض من يبعث من السرايا ) متفق عليه، فينفل بعض من يبعث من السرايا لأنفسهم خاصة سوى قسم عامة الجيش، والخمس في هذا واجب كله.

    الذي يظهر والله أعلم أن ابن قدامة أو أن بهاء الدين لم يحفظ البخاري و مسلماً ؛ لأنه يكثر أحياناً ذكر ما رواه أبو داود ويُقلَّ الرواية عن البخاري و مسلم والسبب في ذلك وهنا فائدة: إذا أردت أن تبحث في كتب المسانيد عن دليل للحنابلة فابحثه عند أبي داود في السنن، وإذا أرد أن تبحث دليلاً للشافعية فابحثه في السنن الكبرى للبيهقي وقد قيل: كل شافعي وللشافعي عليه منة إلا البيهقي ، فإن له منة على الشافعي ؛ لأنه حاول أن يجمع كل الأدلة التي قال فيها الشافعي فتوى بناءً على قياس أو رأي، مثل معرفة السنن والآثار، وإذا أردت أن تعرف دليلاً للحنفية فابحثه في كتاب إعلاء السنن وشرحه، وإذا أردت أن تبحث عن دليل للمالكية فابحثه في كتاب الموطأ.

    يقول المؤلف: فما جاءت به هذه السرية في البداءة أو في الرجعة أخذ منه الخمس، فيبقى أربعة أخماس، يعطون منها الربع وقت البداءة، والثلث وقت الرجعة، وما بقي فإنه يقسم للجيش وللسرية بالسوية.

    الآن سرية خرجت بأمر من صاحب الجيش فغنمت الإبل والغنم وقيمتها مليون، يقول المؤلف: (أخرج خمسه)، وعلى قول ابن عمر : والخمس في هذا واجب كله، فيكون خمس المليون مائتي ألف، وتكون لمن ذكر الله بقوله تعالى: فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ [الأنفال:41]، هذا واحد, يبقى ثمانمائة، إن كان في البداءة قلنا: ربع الثمانمائة وهي مائتين فتعطى للسرية, وبقى ستمائة، فالسرية ثلاثمائة والجيش عددهم ألفاً وثلاثمائة، اقسم ستمائة ألف قسمة ألف وثلاثمائة، فيأخذ من كان في السرية سهماً للغنيمة وسهماً آخر من ربع الغنيمة بعد أخذ الخمس على أنه نفل لهم.

    قول المؤلف رحمه الله: (ثم أعطى السرية ما جعل لها وقسم الباقي في الجيش والسرية معاً)، يعني ما جعل لها إن كانوا في البداءة فأخذوا الربع، وإن كانوا في غير البداءة كالرجعة أخذوا الثلث.

    نكتفي بهذا والله أعلم، وصلى الله على النبي محمد.

    مواد ذات صلة

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    2985505332

    عدد مرات الحفظ

    715125019