إسلام ويب

الروض المربع - كتاب الصلاة [72]للشيخ : عبد الله بن ناصر السلمي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • صلاة الرجل للتطوع في البيت أفضل من صلاته في المسجد، وصلاته للفريضة في البيت لا تجوز إلا لحاجة، أما المرأة فصلاتها في بيتها أفضل لها، ويجوز لها أن تصلي بالنساء جماعة، ولا يجوز لها أن تصلي بالرجال ولو كانوا محارم لها.

    1.   

    صلاة الرجل في البيت

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

    اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، ولا تجعله ملتبساً علينا فنضل، وبعد:

    فأسأل الله سبحانه وتعالى أن يرزقنا وإياكم الفقه في الدين، وأن يمنحنا وإياكم رضاه والعمل بسنة نبينا صلى الله عليه وسلم والتقوى.

    كنا قد بدأنا في صلاة الجماعة، وذكرنا خلاف أهل العلم في حكم صلاة الجماعة، وقلنا: إن العلماء رحمهم الله اختلفوا في هذه المسألة على ثلاثة أقوال: فرض عين وهو مذهب الحنابلة، وفرض كفاية وهو مذهب الشافعية، وسنة وهو قول المالكية، وبينا أن السنة عند المالكية هي التي يعاقب تاركها وليست مثل المستحب، كما ذكر ذلك غير واحد من علماء المالكية، وهناك أبيات ذكرها صاحب مراقي السعود رحمه الله في أصول الفقه، فبين أن السنة عند إطلاقها هي التي ثبت وجوبها والإلزام بها بدليل ظني، وهذه أمثلتها كثيرة، منها مسائل في الحج كالمبيت بمنى وغير ذلك.

    وقلنا: إن صلاة الجماعة الحديث فيها على مسائل: المسألة الأولى: حكم صلاة الجماعة من حيث هي، والثاني: حكمها في المسجد، والثالث: حكمها في المسجد في السفر وقد ذكرنا المسألة الأولى، والمسألة الثانية: وهي صلاة الجماعة في المساجد، وسوف يذكرها المؤلف إن شاء الله في نفس المتن، وكذلك في السفر.

    قال المؤلف رحمه الله: [وله فعلها أي الجماعة في بيته، لعموم حديث: ( جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً )، وفعلها في المسجد هو السنة، وتسن لنساء منفردات عن الرجال، ويكره لحسناء حضورها مع رجال ويباح لغيرها، ومجالس الوعظ كذلك وأولى].

    المؤلف رحمه الله حينما ذكر وجوب صلاة الجماعة وأنها فرض عين، لم يجعل وجوبها مقتصراً على المسجد، بل رأى أن الجماعة تثبت سواء صلاها في المسجد أو خارج المسجد، إلا أن صلاته في المسجد سنة، وهو أفضل، ولهذا قال: (وله فعلها أي الجماعة في بيته) يعني: جماعة.

    من أدلة استحباب صلاة النافلة في البيت

    أما الصلاة في البيت فهي على مراتب:

    المرتبة الأولى: الصلاة في البيت من حيث التطوعات، كالسنن الرواتب وغيرها، ولا شك أن السنن الرواتب أداؤها في البيت أفضل من المسجد، والأدلة في هذا الباب كثيرة منها:

    الدليل الأول: ما ثبت في الصحيحين من حديث زيد بن ثابت رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( فإن صلاة أحدكم في بيته أفضل إلا المكتوبة )، وهذا الحديث فيه دلالة على أن الصلاة في البيت أفضل.

    الدليل الثاني: ما رواه مسلم في صحيحه من حديث جابر بن عبد الله قال: قال صلى الله عليه وسلم: ( إذا قضى أحدكم صلاته في المسجد، فليجعل لبيته نصيباً من صلاته فإن الله جاعل في بيته من صلاته خيراً ).

    الدليل الثالث: وقد روى مسلم في صحيحه من حديث جرير بن عبد الله البجلي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لا تجعلوا بيوتكم قبوراً ).

    الدليل الرابع: من أدلة استحباب الصلاة في البيت: ما ثبت في الصحيح عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي قبل الظهر أربعاً في بيته، فإذا صلى في المسجد دخل فصلى بعد الظهر ركعتين )، ثم ذكرت السنن الرواتب وأنه يصليها في بيته، وكذلك ما رواه البخاري و مسلم من حديث ابن عمر ، فهذه الأحاديث تدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحرص على الصلاة في البيت.

    حكم صلاة الرجل للفريضة في البيت

    المرتبة الثانية: صلاة الفريضة في البيت: فذهب الأئمة الأربعة في المشهور عنهم: إلى أن الصلاة في المسجد سنة، فإذا قلنا: إن الأئمة الأربعة يرون أنها سنة بهذا اللفظ، فنقول: إن المالكية يرون أنه يأثم إذا تركها؛ لأنهم يرون أنها سنة، وهذه رواية عند الإمام أحمد وهو القول الثاني، وهو أن تارك الصلاة في المسجد آثم، وهذا هو اختيار ابن تيمية و ابن القيم و ابن سعدي وشيخنا عبد العزيز بن باز وشيخنا محمد بن عثيمين .

    وهذا القول هو الذي تؤيده الأدلة، أعني وجوب الصلاة في المسجد، وذلك لأمور:

    الأول: أن ما ذكره المؤلف دليل على صحة الصلاة لا على جوازها، فثمة فرق بين الصحة من حيث الإجزاء والصحة من حيث الجواز، ففرق بين أن يقول: يجزئ، وبين أن يقول: يجوز، فالمؤلف ذكر أدلة الإجزاء، فنحن نقول: إن من صلى في بيته تصح صلاته، خلافاً لمن قال بالشرطية.

    الثاني: أن النبي صلى الله عليه وسلم بين أن تارك الصلاة في المسجد معاقب، ولهذا قال عبد الله بن مسعود كما في صحيح مسلم : ( ولقد رأيتنا وما يتخلف عن الصلاة إلا منافق قد علم نفاقه أو مريض، ولقد علمنا رسولنا صلى الله عليه وسلم سنن الهدى، وإن من سنن الهدى الصلاة في المسجد الذي تقام فيه الصلاة، ولو أنكم تركتم سنة نبيكم لضللتم )، وهذا الضلال لا يكون إلا لترك واجب.

    الثالث: صح عن ابن عباس رضي الله عنه ولا يصح مرفوعاً، وقد صححه الألباني مرفوعاً، والصواب أنه لا يصح مرفوعاً: ( من سمع النداء فلم يجب فلا صلاة له إلا من عذر )، وهذا الحديث رواه ابن ماجه و الدارقطني و الحاكم و البيهقي ولا يصح رفعه، وإن كان الحافظ ابن حجر في التلخيص أشار إلى صحة رفعه، ولكن في الرفع نكارة.

    ومما يدل على وجوب الصلاة في المسجد، أن النبي صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين قال: ( ولقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام )، أي في المسجد ( ثم أنطلق مع رجال معهم حزم من حطب إلى قوم لا يشهدون الصلاة )، والشهود شيء والوجود شيء آخر، يعني كونك تشهد الشيء دليل على أنك تظهر، ولا يكون هذا في البيت إنما يكون في المسجد، هذا الذي يظهر، والله أعلم.

    ثم إني أقول: إنه يجوز تركها أحياناً لحاجة، وهذه الحاجة تقدر بقدرها، يعني إذا لم يكن هذه عادة الإنسان في الترك أو الغالب عليه الترك؛ فلا حرج، ومما يدل على هذا أمور:

    الأمر الأول: ما ثبت في الصحيحين من حديث أنس أنه قال: ( جحش النبي صلى الله عليه وسلم فسقط من فرسه )، جحش يعني: أصيب وجرح ( فذهبنا نعوده، فحضرت الصلاة فأقيمت، فأمنا وهو جالس، فذهبنا لنقوم فأشار إلينا أن اجلسوا، ثم قال: إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا صلى جالساً فصلوا جلوساً أجمعين )، فهذا يفيد أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بأصحابه في البيت، وهذا يدل على أنه يجوز للحاجة؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم وقع عليه حاجة، والأمر الثاني: فعل الصحابة.

    ومثال الحاجة: لو أن إنساناً عنده وليمة في رمضان، فجاء وقت الإفطار والناس يفطرون، فلا حرج أن يصلوا أحياناً في البيت؛ لأن هذه حاجة، فلم يكن الترك تركاً مطلقاً، وإنما ترك لحاجة، وأنا أقول: إن هذه الحاجة ليست بالضرورة أن تكون مثل حاجة الوجوب الأول، الذي هو لابد فيه أن يكون حاجة لترك هذا الشيء، لا، أي: حاجة للترك وليس حاجة لرفع الوجوب.

    وروى ابن مسعود رضي الله عنه الحديث الذي مر معنا: ( ولقد علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم سنن الهدى )، وقد جاء في صحيح مسلم أن الأسود و علقمة دخلا عليه، فقال: أصليتم العصر؟ فقلنا: إنما انصرفنا الساعة من الظهر. قال: قوموا فأصلي بكم، فصلى بنا من غير أذان ولا إقامة، فذهبنا لنقوم خلفه، فأخذ بيدنا وجعل أحدنا عن يمينه والآخر عن شماله. الشاهد من ذلك: أن ابن مسعود صلى بأصحابه في البيت صلاة العصر.

    كذلك أيضاً ما رواه مسلم في صحيحه من حديث العلاء بن عبد الرحمن قال: صلينا الظهر ثم دخلنا على أنس بن مالك وكان داره بجانب المسجد فقال: صليتم العصر؟ قال: فقلنا: إنما انصرفنا الساعة من الظهر، قال: قوموا فأصلي بكم، فصلى بنا صلاة العصر. فهذه قضايا أعيان تدل على أنها للحاجة.

    فمثلاً: لو أن شخصاً قام من النوم فعلم أنه لو توضأ لم يلحق الإمام إلا وقد أنهى صلاته، فلو جمع أهله وذويه وصلى بهم لا حرج، لكن ينبغي ألا يكون هذا ديدنه، فإن مثل هذه مزلة قدم، وقد ذكر أبو العباس ابن تيمية رحمه الله: أنهم اتفقوا على أن تارك الصلاة في المسجد مطلقاً آثم، وهذا يدل على أنهم رحمهم الله حينما يذكرون فرض كفاية أو استحباباً، لا يقصدون به الاستحباب المعروف، إنما يقصدون به أن يتركها أحياناً، ولو لم يكن من غير حاجة أعني الجمهور، أما نحن فنقول: الراجح أنها واجبة، ولكن إذا كان هناك حاجة للإنسان فلا حرج.

    أما الأعذار فتختلف، فهناك فرق بين العذر لرفع الوجوب وبين العذر للترك، فأحياناً تعذر للترك لكنك ما رفعت الإثم، فهل انتظار رفقة يكون عذراً يبيح ترك الجماعة؟ بعضهم لا يرى ذلك إلا الحنابلة؛ لأنهم إنما نظروا إلى قوة وجوب الأمر مع وجود هذه الحاجة، أما نحن فنقول في هذه الصورة: مجرد وجود الحاجة ولو كانت هذه الحاجة لا ترفع أصل الوجوب لكنها ترفع وجود الحاجة، ففرق بين حاجة ترفع الوجوب، وحاجة تجيز الترك، بمعنى أنه وجد حاجة فليس من باب الترك المطلق للتكاسل، كمن يقول: أنا والله! كسلان ولا أصلي في المسجد.

    فهذا ترك سببه الكسل، فلا بد أن يكون هناك حاجة للترك وإلا لم يقبل، هذا هو القصد، ومثل الدوائر الحكومية وطلاب المدارس، إذا وجد المصلي حاجة للترك، وهذه الحاجة هي أن الأطفال ربما يتغيبون، والموظفون ربما يتسيبون، لكن لو نظرت إليها من حيث الوجوب ربما لا ترى أن هذا وجوب؛ لأنه يأثم ويعاقب على ترك تأخير العمل.

    1.   

    صلاة الجماعة بالنسبة للمرأة

    قال المؤلف رحمه الله: (وتسن لنساء منفردات)، يعني: أن الصلاة جماعة سنة في حق النساء، ولهذا ذكر ابن هبيرة أن هذه مسألة خلافية، قال: واختلفوا هل يستحب للنساء إذا اجتمعن أن يصلين فرائضهن جماعة؟ وهذا يدل على أن مسألة الجماعة للنساء مسألة خلافية، فذهب الحنابلة إلى استحباب ذلك، وهذا هو مذهب الشافعي مع أحمد .

    واستدلوا بما رواه عبد الرزاق أن عائشة كانت تؤم نسائها وتقوم وسطهن، وروي عن أم سلمة كما رواه البيهقي .

    واستدلوا أيضاً بما رواه أبو داود ( أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أم ورقة أن تؤم أهل دارها )، وهذا الحديث رواه أبو داود و الإمام أحمد ، وقد تكلم فيه العلماء، ورأوا أن الوليد بن جميع تفرد به، وهو ليس بذاك، ثم إن ليلى الراوية عن أم ورقة ليست بمعروفة، ومثل هذه الأحاديث كما قلنا إما أن تحمل على أنها تؤم أهل دارها، بمعنى أنها تصلي بنسائها، أو أننا نضعفها، أما أن نقول: إن المرأة تؤم الرجال بهذا الحديث فهذا منكر، بمعنى أن الحديث منكر لم يعرف في الأحاديث الصحيحة ما يؤيده.

    ولهذا قلنا: إن صلاة المرأة بالرجال ولو كانوا محارماً لا تصح.

    وذهب أبو حنيفة إلى كراهة أن تصلي النساء جماعة قال: لأن المعهود والمعروف عن النساء الصحابيات أنهن يصلين فرادى، وقال صلى الله عليه وسلم: ( وصلاة المرأة في بيتها أفضل )، وهذا دليل على أن السنة في حق المرأة أن تصلي فرادى، والذي يظهر أن صلاة الجماعة في حق النساء جائز، والسنة في حقهن الإفراد، لقوله صلى الله عليه وسلم: ( لا تمنعوا إماء الله مساجد الله، وبيوتهن خير لهن ).

    ولابد أن تقارن بين صلاة الجماعة مع الرجال وصلاة الجماعة مع النساء، فإذا جاز للمرأة أن تصلي جماعة مع الرجال التي ثبت مشروعيتها وهي جائزة، وفضل الصلاة وحدها أفضل من صلاة الجماعة، فدل ذلك على أن صلاة الجماعة مع النساء أولى بالجواز من صلاة الجماعة الثابتة شرعاً، فهذا يدل على أن صلاة الجماعة في حق النساء جائزة، وأما فعل عائشة و أم سلمة فهذا يدل على الجواز لا يدل على الاستحباب، ففعل الصحابي يدل على الجواز ولا يلزم منه أن يدل على الاستحباب إلا إذا كان فعلاً دائماً، والمعروف في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم أن النساء يصلين وحدهن، ففعل الصحابيات لأمر قد اعتيد على خلافه يدل على الجواز ولا يدل على الاستحباب، ولعل هذا القول أظهر، وهو رواية عن الإمام أحمد وعلى المذهب أنها سنة، والذي يظهر أن الصلاة جماعة في حق النساء جائزة، لقوله صلى الله عليه وسلم : ( وبيوتهن خير لهن )، ومن المعلوم أن صلاة المرأة في بيتها أفضل من أن تصلي جماعة مع الرجال مع أن الجماعة ثابتة ومشروعة، فدل ذلك على أن الصلاة جماعة في حقهن جائزة وليست بمستحبة.

    صلاة المرأة الحسناء مع الرجال

    قال المؤلف رحمه الله: (ويكره لحسناء حضورها مع رجال)، وذلك خشية الافتتان بها، وقوله: (حسناء) يقصد بها الشابات، لقول أم عطية كما في الصحيحين: ( وكان صلى الله عليه وسلم في صلاة العيد يخرج العواتق والحيض وذوات الخدور )، وهذا دليل على أن ذوات الخدور وهن البنات الشابات لا يخرجن إلا في العيد، وعلى أن الأفضل عدم خروجهن، وقوله: (يكره)، الكراهة حكم شرعي كما لا يخفى، فنقول: إن صلاة الحسناوات مع الجماعة إن كان يخشى منها الافتتان؛ فإنها ممنوعة، ولهذا قالت عائشة : لو رأى الرسول صلى الله عليه وسلم ما أحدث النساء بعد لمنعهن المساجد.

    وأما إذا كانت المرأة تخرج تفلة، كما قالت عائشة : وكان نساء المؤمنين يخرجن إلى الصلاة تفلات لا يعرفهن أحد من الليل، فكان أكثر خروجهن في الليل، وتفلات، فلا تلبس عباية فرنسة ولا عباية مخصرة، وتقول: أنا أريد أن أعتمر، وهذا هو الفرق الذي صار بين جيل الرعيل الأول وجيل هذا الزمان، والله المستعان.

    قال المؤلف رحمه الله: (ويباح لغيرها)، يعني المرأة الكبيرة وليست الحسناء يباح لها صلاة الجماعة؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: ( لا تمنعوا إماء الله مساجد الله، وبيوتهن خير لهن ).

    حضور المرأة مجالس الوعظ

    قال المؤلف رحمه الله: (ومجالس الوعظ كذلك وأولى)، أي: أن حكم شهوة النساء لمجالس الوعظ مثل حكم شهودهن المساجد، إن كانت حسناء يكره، وإن كانت ليست بحسناء أبيح، أو يسن، ولهذا قال: (أولى)؛ لأن حضورهن الوعظ فيه منفعة لهن من حيث الدين والعلم، وأما الصلاة فإنهن يحصلن على هذه الصلاة في البيت وربما كان أفضل.

    ومن المعلوم أن خروج المرأة لا بد فيه من إذن وليها، واليوم أصبح العالم والمفتي وطالب العلم يحتاط لمثل هذه الفتاوى بسبب ضغط الواقع، حتى أنه إذا أراد أن يفتي بوجوب سفر المرأة بمحرم أقبل وأدبر ودخل وخرج، ويخاف الويل والثبور، وأصبح العالم الذي يطبق سنة النبي صلى الله عليه وسلم في الأحاديث متشدداً، والله المستعان.

    في مرة من المرات ذكرت حكماً شرعياً، فقال لي أحد الدكاترة: أنت متشدد، قلت: لست أنا المتشدد، الرسول متشدد، قال: أستعفر الله، قلت: لا تستغفر ربك، فالمشكلة الآن في وصف بعض طلاب العلم للمسائل التي فيها أدلة بأن فيها تشدداً، فالمتشدد الرسول صلى الله عليه وسلم، ونعما هي فخذها بقوة، فليس التشدد مطلقاً مذموم، فالتمسك بالسنة مطلب، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: ( عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور )، اليوم لو أردت أن تتمسك بالسنة لقيل: يا رجل، هذه سنة! يا رجل هذه سنة! يعني: يريدك أن تتخلى عنه. قال مالك رحمه الله: ما كانوا يسألون: أهذا حرام أم هذا مكروه؟ بل كان إذا جاء النهي تركوه، وإذا جاء الأمر فعلوه، والله المستعان وعليه التكلان.

    1.   

    الأسئلة

    حكم خروج المرأة إلى السوق

    السؤال: ما حكم خروج المرأة إلى السوق؟

    الجواب: عندما طلب عمر من الرسول صلى الله عليه وسلم ألا يخرجن أبداً فقال كما في الصحيحين من حديث عائشة : ( إن الله أذن لكن أن تخرجن لحاجتكن )، والحاجة مثل أن تذهب المرأة إلى السوق ونحو ذلك، فالأصل فيه الجواز وأهم شيء أن تكون متسترة، ولا تكثر من الخروج، ولا تخضع بالقول، وتحتاط في دخول صاحب الدكان، وإذا كان لا يوجد أحد سواه يجوز. والله أعلم.

    رؤية تفصيلية عن المجامع الفقهية

    السؤال: ما رأي فضيلتكم في المجامع الفقهية؟

    الجواب: المجامع الفقهية جيدة من حيث البحوث وغيرها، لكن لا بد من انتقاء البحوث، يعني هناك قضايا ما يصلح أن يصدر فيها قرار، مثل إجارة السيولة في المصارف الإسلامية، هذه المشاكل تريد فتوى، يعني هذه قضية ما ينفع أن يطرح فيها فتوى؛ لأن هذه مشكلة وتريد كيفية حلها، وهناك بعض المسائل ليست مهمة وليس لها داعي، وهي المسائل النادرة جداً، فلا ينبغي أن تتصدر المجامع الفقهية لهذه القضايا الجزئية.

    ولهذا سماحة المفتي جزاه الله خيراً قال: أنا أرى أن يختصر الحكم على فصل التوائم وحكم الإجهاض، وهل هما جنس واحد أو جنسان، فهذا الرأي صحيح، أما أن ندخل في التفاصيل فغير صحيح، فلا بد من الانتقاء، وكذلك لا بد من الطرح، فالاجتماع للمجمع أسبوع واحد وكل يوم بحث، فالمناقشات تكون قليلة، ولا بد فيها من مناقشات قوية، وبعض الناس يكون خاوي الوفاض، يعني: ما عنده تصور دقيق، خاصة في المعاملات المالية المعاصرة، ربما تكون فقيهاً في المسائل القديمة، أما المسائل العصرية في الاقتصاد أو في المعاملات المالية المعاصرة لابد أن يكون عندك أمران:

    الأمر الأول: فهم التأصيل العلمي، والأمر الثاني: فهم الواقع أو حقيقة المسألة، فإذا كان عندك فهم لحقيقة المسألة وليس عندك تأصيل سوف يشتط بك الأمر، أو عندك تأصيل علمي لكن ليس عندك تصور دقيق في المسألة سوف يشتط بك الأمر، وأحياناً بعض الذين يتحدثون، وخاصةً الاقتصاديين الذين ما دخلوا في السوق، يتحدثون عن واقع بعيد جداً جداً، ويتصورون أن المصارف الإسلامية تستطيع أن تستقل بنفسها، وينبغي على المصارف الإسلامية أن يكون لها طريق، وينبغي على المسلمين أن يوجد لهم سوق مالي مستقل، فلا يستطيع المسلم أن يعيش خارج السرب وكما يقولون: يغرد خارج السرب؛ لأن السوق فيه مخالفات شرعية.

    فالرسول صلى الله عليه وسلم عندما جاء للناس هل قال لهم: عندي لكم معاملة غير المعاملة التي كنتم تتعاملون بها؟ هل أوجد الرسول صلى الله عليه وسلم اقتراضاً ومضاربة ومشاركة؟ فأنا أستغرب حينما ننقد المصارف الإسلامية بأن الهيكل نفس الهيكل التقليدي، فلا مانع عندي، لكن الإشكال أن المعاملات الشرعية تجعل حيلة إلى القرض الربوي أو حيلة إلى الربا؛ لأن هذا محرم، أما أن توجد معاملة قريبة من الضمان الذي يكون على القرض الربوي فلا مانع فيه، لأنني أحاول أن أخفف من عملية المرابحة.

    وهناك من يطرح بعض الأطروحات فيقول: يجب على المصارف الإسلامية أن تعمل بعملية السلم وعملية الاستصناع، وكما تعلمون فإن البنك لا يستطيع أن يوجد صكوكاً؛ لأن السلم دين على المسلم، وهذا الدين ما يجوز بيعه لغير من هو عليه، إلا على قول مالك إذا لم يكن طعام، فكيف يصدر البنك صكوك سلم ثم يطلب من الناس تداولها؟ إذاً وجود المجامع الفقهية حقيقة مهم جداً جداً، يعني: بذل المال لمثل هذه اللقاءات العلمية ليس يعني بالأمر الهين والسهل، بل هو من أوجب الضروريات، لاجتماع علماء المسلمين، فتتنوع المعارف، فأحياناً أعرف العالم بكتبه، لكن ما أعرف نضج العقل وقوة الطرح إلا باللقاءت، فهذه -والله- مفيدة جداً جداً.

    لكن في الجملة القرارات واضح فيها هذا، لأن القرارات لها لجنة الصياغة داخل المجمع لا بأس بها، يعني المجمع الفقهي الخاص في رابطة العالم الإسلامي ما شفت عنده فتوى خارجة عن الواقع، أنا كنت خشيت في الطرح لما جئت ورأيتهم تكلموا عن سوق المال، وطلبوا أن الدخول في سوق المال حرام، هنا وضعت يدي على قلبي، لكن ما شاء الله سماحة المفتي والشيخ عبد الله تركي عندهم تصور للمسائل هذه.

    والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3002176420

    عدد مرات الحفظ

    718488470