إسلام ويب

الروض المربع - كتاب الصلاة [29]للشيخ : عبد الله بن ناصر السلمي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • استقبال القبلة شرط من شروط الصلاة لا تصح إلا به، ومن لم يكن يعرف القبلة وهو من أهل الاجتهاد وجب عليه أن يجتهد في معرفتها، وإلا قلد غيره ولا إعادة عليه، ومن شروط الصلاة أيضاً النية، هكذا كيّفها بعض أهل العلم، وخالفهم آخرون فقالوا بركنيتها.

    1.   

    أحوال استقبال القبلة من حيث الاجتهاد والتقليد

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وبارك على نبينا محمد وعلى آله وسلم تسليماً كثيراً.

    اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، ولا تجعله ملتبساً علينا فنضل، وبعد:

    فقد قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ومن صلى بغير اجتهاد إن كان يحسنه، ولا تقليد إن لم يحسن الاجتهاد قضى، ولو أصاب إن وجد من يقلده، فإن لم يجد أعمى أو جاهل من يقلده فتحريا وصليا فلا إعادة، وإن صلى بصير حضراً فأخطأ أو صلى أعمى بلا دليل من لمس محراباً أو نحوه أو خبر ثقة أعاد].

    المؤلف رحمه الله حينما ذكر أن استقبال القبلة شرط، وأنه يجب على من لم يعلم القبلة أن يجتهد أو يقلد، والمجتهد هو من يعلم القبلة ودلالاتها، وأما المقلد فهو من لم يحسن معرفة القبلة ولا دلالاتها.

    وعلى هذا: فإذا صلى من يحسن الاجتهاد بلا اجتهاد، أو صلى من لا يحسن الاجتهاد بلا تقليد.

    فعندنا شخصان: شخص يحسن الاجتهاد فصلى من غير اجتهاد، والثاني: شخص لا يحسن الاجتهاد فهو يحسن التقليد، فصلى من غير تقليد مع وجود من يقلده.

    فهؤلاء إن صلوا فلا تخلو صلاتهم من ثلاث حالات:

    الحالة الأولى: أن يصلوا فيخطئوا القبلة، فعلى كلام المؤلف: يجب عليهم أن يعيدوا؛ لأنهم أخطئوا من وجهين:

    الوجه الأول: لأنهم لم يفعلوا ما أمروا به شرعاً، فالمجتهد لم يجتهد، فخالف ما أمر به، والمقلد كالأعمى والجاهل لم يفعل ما أمره الله به قال الله: فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [النحل:43].

    الوجه الثاني: أنهم أخطئوا في القبلة فوجب عليهم الإعادة. هذه هي الحالة الأولى.

    الحالة الثانية: أن يصلوا ولم يعلموا هل أصابوا أم أخطئوا، فهنا أيضاً على كلام المؤلف يجب عليهم الإعادة؛ لأنهم لم يأتوا بما أمروا به.

    الحالة الثالثة: أن يصيبوا القبلة، ولكنهم أخطئوا ما أمروا به، فالمذهب يرى أنه يجب عليهم الإعادة؛ لأنهم لم يفعلوا ما أمروا به، وما ترتب على غير المأذون ففيه الضمان، فهذا غير مأذون به، فيجب عليهم أن يعيدوا الصلاة، وهذا القول الأول.

    والقول الثاني في المسألة: أنهم إن أصابوا القبلة فلا يجب عليهم الإعادة، وإن كانوا وقعوا في التفريط فيما أمروا به فثمة أمران: وهو خطاب وضعي وخطاب تكليفي.

    فالخطاب التكليفي: هو البحث أو التقليد، والخطاب الوضعي هو استقبال القبلة، فمتى وجد الخطاب الوضعي صحت الصلاة، وهذا القول أظهر.

    ثم إنهم قالوا: إن الذي صلى إلى جهة لم يصل إلا إلى جهة يطمئن إليها، وغلب على ظنه صحة ما ذهب إليه، وغالب الأحكام الشرعية مناطة بغلبة الظن، ويكتفى بغلبة الظن في غالب مسائل الدين، كما ذكر ابن تيمية ؛ ولهذا قال صلى الله عليه وسلم في الصحيحين من حديث ابن مسعود : ( فليتحر الصواب وليبن عليه )، فدل ذلك على أن صلاته صحيحة.

    قال المؤلف رحمه الله: (قضى ولو أصاب)، وهذه الحالة الثالثة إن وجد من يقلده، هذا الذي لا يحسن الاجتهاد فواجب عليه أن يقلد، فإن لم يقلد ولم يجد من يقلده، فإن صلاته غير صحيحة على المذهب.

    والقول الثاني: أن صلاته صحيحة حتى ولو علم بعد ذلك أنه أخطأ؛ لأنه إنما فعل ما أمر به شرعاً، وهو أن يصلي كيفما اتفق، فإذا كان لا يحسن الاجتهاد، ولم يجد من يقلده، وفعل ما أمر به؛ فإن الله لم يأمرنا بعد ذلك أن نصلي الصلاة مرتين، كما جاء ذلك عند أبي داود وغيره.

    وتبقى مسألة من صلى باجتهاد؛ لكنه ليس اجتهاداً تاماً، أو أنه لم يخطر على باله أنه يمكن أن يخطئ، وهذا يحصل كثيراً في الذين يأتون إلى الشقق المفروشة أو إلى بيوتهم، فيظنون أن الغرفة الغربية مثل الغرفة الشمالية، فتجد أنهم يصلون في هذه الشقق، ولا يخطر على بالهم أصلاً أنهم يمكن أن يخطئوا.

    وإذا كان لا يحسن الاجتهاد، أو رجل أعمى فلم يجد من يقلده فهذا لا إشكال في أن صلاته صحيحة؛ لأنه فعل ما أمر به، ولو أخطأ فلا إعادة عليه إذا تحريا وصليا.

    اجتهاد البصير في معرفة القبلة

    قال المؤلف رحمه الله: (وإن صلى بصير) البصير لو صلى حضراً فأخطأ، أو صلى باجتهاد ولكن ليس باجتهاد تام، أو لم يغلب على ظنه أنه يمكن أن يخطئ، فإنه إن صلى بغير اجتهاد تام، أو غلب على ظنه صحة ما ذهب إليه، فالمذهب يفرقون بين الحضر والسفر، فإن كان في الحضر فإن صلاته لا تصح إذا أخطأ؛ لأن الحضر ليس محلاً للاجتهاد، ثم إنه إن صلى فأخطأ القبلة مع إمكانية وسهولة معرفتها، دل ذلك على أن اجتهاده كان ناقصاً فيلزمه الإعادة، هذا مذهب الحنابلة.

    إذاً: البصير الحضري لو صلى فأخطأ فالمذهب يلزمه الإعادة؛ لأن الحضر ليس محلاً للاجتهاد، لأن خطأه مع إمكانية معرفة القبلة وسهولتها دليل على أن اجتهاده كان ناقصاً، وعلى هذا أمروه بالإعادة، أما إن أصاب فلا يلزمه الإعادة فهو قادر على معرفة القبلة بالمحاريب وسؤال من يثق به والبحث.

    وهذا يتفرع عنه ما قلناه: من أنه إن صلى بغير اجتهاد تام، أو لم يغلب على ظنه أنه أخطأ فهذه مثلها أو تتفرع عنها عند الحنابلة، وهذا مثل من يسكن في بيته في الحضر، فتجده يصلي أحياناً سنة كاملة، وقد سئلت أن أناساً صلوا في بيوتهم سنتين، وكان النساء يصلين ولم يعلمن بخطأ استقبالهن إلا بعد سنتين كاملتين! فعلى كلام المؤلف: يلزمهم الإعادة.

    والقول الآخر في المسألة: أنهم لم يصلوا إلا إلى جهة اطمئنوا إليها، وغلب على ظنهم صحة ما ذهبوا إليه، والأحكام التكليفية في مسائل الشريعة مناطة بغلبة الظن؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: ( فليتحر الصواب وليبن عليه )، فلا يلزمهم الإعادة، وإن كانوا ربما يقع عليهم اللوم في بعض تفريطهم.

    إذاً الراجح: أن الحضر محل للاجتهاد، والله تبارك وتعالى أعلم.

    قال المؤلف رحمه الله: (أو صلى أعمى بلا دليل من لمس محراب أو نحوه)، الأعمى إذا كان يعلم جهة الشمال من جهة الغرب، فصلى من غير سؤال ولا بحث -إذا كان يحسن الاجتهاد- أو خبر ثقة أعاد.

    والذي يظهر والله أعلم: أنه إن توجه إلى جهة يغلب على ظنه صحة ما ذهب إليه، أو لم يقع في خلده خطأ ما ذهب إليه؛ فإن الصلاة صحيحة، وإن كنا نقول: يجب على الناس رجالاً ونساءً أن يتقوا الله سبحانه وتعالى في صلاتهم، وأن يتحروا جهة القبلة، والمسألة الآن يسيرة ولله الحمد، فمجرد وجود بوصلة، أو معرفة القبلة عن طريق الإنترنت في المنزل أمر ميسور وسهل، والناس أصبحت التكنولوجيا ميسورةً عندهم حتى إن الصبيان والصبايا يعرفون ذلك معرفة جيدة، فلو طلب منهم أو منهن معرفة القبلة عن طريق الإنترنت لاستطاعوا بدقة ولله الحمد، والآن يوجد برامج يعرف بها جهة القبلة، والحمد لله.

    وبالمناسبة: لو أن الإخوة في البلديات يجعلون المخططات متجهةً إلى القبلة، بحيث تكون البنايات ميلانها بميلان الشارع، وهذا يوجد في بعض المخططات وهي كثيرة ولله الحمد، لكن ثمة بعض المخططات لا تقع بهذه الطريقة، وهذا هو السر حينما تجدون بعض المخططات فيها ميلان، والسبب هو استقبال جهة الغرب مثلاً، والله أعلم.

    الاجتهاد لكل صلاة في معرفة القبلة

    قال المؤلف رحمه الله: [ويجتهد العارف بأدلة القبلة لكل صلاة؛ لأنها واقعة متجددة فتستدعي طلباً جديداً، ويصلي بالاجتهاد الثاني لأنه ترجح في ظنه ولو كان في صلاة ويبني].

    قول المؤلف: (ويجتهد العارف بأدلة القبلة لكل صلاة)، مثل لو ذهبنا إلى خارج بنيان الرياض فيجب علينا في كل صلاة أن نجتهد في البحث عن القبلة؛ لأنها -أي: الصلاة الثانية- واقعة متجددة؛ فتستدعي طلباً جديداً؛ كالحاكم إذا اجتهد في حادثة ثم حدث مثلها وجب عليه الاجتهاد، هذا هو مذهب الحنابلة وكذا الشافعية، وكذلك عادم الماء في باب التيمم يجب عليه البحث عن الماء في كل صلاة، والصواب أنه إذا غلب على ظنه عدم وجود الماء؛ فإنه لا يلزمه الاجتهاد لأنه تحصيل حاصل، ما لم يقع في نفسه أو يخبره ثقة خطأ ما ذهب إليه، فلا بد أن يجتهد مرةً ثانية.

    وعلى هذا فالصواب أنه لا يلزمه أن يجتهد لكل صلاة، ما لم يكن هناك سبب يقتضي الاجتهاد، مثل أن يخبره ثقة بخطأ اجتهاده، أو يغلب على ظنه اجتهاد آخر فلا بد أن يجتهد مرة ثانية.

    قوله: (ويصلي بالاجتهاد الثاني؛ لأنه ترجح في ظنه ولو كان في صلاة ويبني)، الآن لو أنه صلى الظهر باجتهاد، فلما حضرت العصر اجتهد، فبان له خطأ اجتهاده، أو قلنا: إنه وقع في نفسه أنه أخطأ فاجتهده، فبان خطأ اجتهاد، فيقول المؤلف: يصلي بالاجتهاد الثاني الصلاة الثانية، ولا يلزمه أن يعيد الصلاة الأولى بالاجتهاد الثاني؛ لأن الاجتهاد لا ينقض بمثله، فليس الاجتهاد الثاني بأصح خبراً من الاجتهاد الأول، وإن كان هو أصح في نظر المجتهد نفسه؛ لكن ربما لا يكون أصح في واقع الحال.

    انحراف المصلي إلى القبلة أثناء الصلاة إن عرف خطأ اجتهاده

    قال المؤلف رحمه الله: (لأنه ترجح في ظنه، ولو كان في صلاة ويبني)، يعني: لو أنني صليت الظهر إلى جهة مثلاً الشرق، فواجب علي أن أتجه إلى جهة الغرب، كذلك لو صليت الظهر إلى جهة الشرق وكان ثمة غيم، فلما صليت العصر فركعت الأولى ثم الثانية، ثم طلعت الشمس فعلمت أن جهة القبلة خطأ، يقول المؤلف: ولا يقضي ما صلى بالاجتهاد الأول، أي: أكمل صلاته بالاجتهاد الثاني وبنى على ما مضى، فنتجه ونحن في الصلاة إلى القبلة، ولا يلزمنا أن نعيد، لأننا صلينا باجتهاد، فلا يلزمنا أن نعيد.

    قالوا: دليل ذلك ما ثبت في الصحيحين من حديث ابن عمر ( أن أهل قباء حين جاءهم الخبر فقال الرجل: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أنزل عليه الليلة قرآن، وإنه أمر أن يتوجه إلى الكعبة، قال: فاستداروا وهم على صلاتهم إلى جهة القبلة )، فهم صلوا أول الأمر باجتهاد، ثم علموا خطأ اجتهادهم بالاجتهاد الثاني أو بالخبر الثاني فانحرفوا إلى القبلة وبنوا على صلاتهم.

    قال المؤلف رحمه الله: [ولا يقضي ما صلى بالاجتهاد الأول؛ لأن الاجتهاد لا ينقض الاجتهاد. ومن أخبر فيها بالخطأ يقيناً لزمه قبوله].

    قول المؤلف: (ومن أخبر بالخطأ يقيناً لزم قبوله)، مثل أن يقال: أنتم صليتم إلى غير القبلة، وهذا جهاز يخبر بذلك، أو صلوا في الشقة فيقال لهم: هذا خطأ اجتهادكم، انظروا إلى جهة القبلة من أعلى السقف، فهذا خبر ثقة فيجب قبول خبره.

    ما يلزم من لم تظهر له جهة القبلة

    قال المؤلف رحمه الله: [وإن لم يظهر لمجتهد جهة في السفر صلى على حسب حاله].

    قول المؤلف رحمه الله: (وإن لم يظهر لمجتهد جهة في السفر)، هم يقولون السفر محل للاجتهاد، وإذا أخبر شخص شخصاً عن القبلة، وكان المخبر مستور الحال هل يقبل خبره أم لا؟ على المذهب لا يقبل خبره؛ لأنهم قالوا: لا بد أن يخبره ثقة عدل ظاهراً وباطناً، والراجح أنه يكفي مستور الحال، كالراعي في البراري مستور الحال لا نعلمه، هل تعلمون عنه؟ لا نعلم عنه، فلو أخبرنا وغلب على ظننا صحة ما ذهب إليه؛ جاز والله تبارك وتعالى أعلم.

    ومعنى (على حسب حاله) يعني: على غلبة ظنه، مثل أن يكون استوت عنده الأمارات فيصلي فيما يغلب على ظنه صحة ما ذهب إليه ولا إعادة عليه؛ لأنه أتى ما أمر به، والله أعلم.

    1.   

    النية في الصلاة

    قال المؤلف رحمه الله: [ومنها أي: من شروط الصلاة: النية وبها تمت الشروط.

    وهي لغة: القصد، وهو عزم القلب على الشيء، وشرعاً: العزم على فعل العبادة تقرباً إلى الله تعالى، ومحلها القلب، والتلفظ بها ليس بشرط؛ إذ الغرض جعل العبادة لله تعالى].

    اشتراط النية في الصلاة

    قال المؤلف رحمه لله: (ومنها، أي: من شروط الصلاة النية، وبها تمت الشروط)، إذاً شروط الصلاة تسعة على كلام المؤلف، والنية شرط من شروط الصلاة، وقد أجمع العلماء على أن الصلاة لا تصح إلا بنية؛ كما قال الله تعالى: وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ [البينة:5]، ولما جاء في الصحيحين من حديث عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إنما الأعمال بالنيات )، وفي رواية: ( بالنية، وإنما لكل امرئ ما نوى )، وقد نقل الإجماع غير واحد من أهل العلم كـالنووي و ابن المنذر و ابن قدامة رحمة الله تعالى على الجميع.

    والمؤلف ذكر: أن شروط الصلاة تسعة، نجملها كالتالي:

    الإسلام، العقل، الطهارة، اجتناب النجاسة، ستر العورة، دخول الوقت، استقبال القبلة، النية، التمييز، هذه تسعة شروط، وقلنا: إن اجتناب النجاسة الراجح -والله أعلم- أن ذلك واجب، إلا إذا قلنا: إن الشروط يتجوز في تسميتها شروطاً، كما ذكر ذلك ابن تيمية ، والله تبارك وتعالى أعلم.

    النية من شروط الصلاة، وهذا قول جماهير أهل العلم، وذهب بعض أهل العلم إلى أن النية ركن في الصلاة، وهذا قول أكثر الشافعية ورواية عند الإمام أحمد ؛ قالوا: لأن الإنسان يجب عليه أن ينوي الصلاة فرضاً هي أم نفلاً، ظهراً هي أم غيرها، ولا يتأتى ذلك إلا في الصلاة، والذي يظهر والله أعلم أن سبب الخلاف هو أن الشرط هل يعتبر داخلاً في ماهية العبادة أم هو خارجها؟ وقلنا: إن الراجح أن الماهية داخل العبادة، وأن الشرط خارج الماهية.

    وإن كانت هي شرطاً في صحة الصلاة، فهي أيضاً ركن؛ لأن الإنسان يصح أن ينوي قبل أن يكبر، وإن كانت النية مع التكبير أولى، والله تبارك وتعالى أعلم.

    تعريف النية وحكم التلفظ بها

    قال المؤلف رحمه الله: (لغة القصد)، أي: الاعتماد، وهو عزم القلب على فعل الشيء، أو العزم على الشيء.

    وأما شرعاً: فهي عزم القلب على فعل العبادة تقرباً إلى الله تعالى.

    قال المؤلف رحمه الله: (ومحلها القلب)، النية محلها القلب، (والتلفظ بها ليس بشرط)، وهذا بإجماع أهل العلم أن التلفظ بها ليس بشرط. وهل يستحب رفع الصوت بها -بأن يجهر- في الصلاة؟

    أجمع أهل العلم: على أن الجهر بالنية في الصلاة ليس بمشروع، وأن الجهر بها لم يكن قولاً معروفاً عند المتقدمين، لا الأئمة الأربعة ولا غيرهم، وحكم الحنابلة بأن الجهر بها مكروه، وحكم ابن تيمية أن الجهر بها بدعة، وقال ابن تيمية : إن هذا هو منصوص أحمد .

    أما الشافعية فاستحبوا التلفظ بها، وأما الحنابلة فقالوا: إن الجهر شيء والتلفظ بها شيء آخر، فأما الجهر فمكروه، بأن يقول: اللهم إني نويت، ويجهر، وأما أن يسمع نفسه، فهذا استحبه الشافعية، وكان الإمام الشافعي يصنعه بأن يقول: اللهم إني نويت أن أصلي الظهر أربع ركعات، ثم يكبر، وذكر ابن تيمية أن التلفظ لم يعرف عن الشافعي ولا غيره، وإنما أخطأ الشافعية في نسبة هذا القول إلى الإمام الشافعي ، والواقع أن الشافعية لم يخطئوا، فقد ذكر ابن الأعرابي في معجمه قال: حدثنا محمد بن إسحاق بن خزيمة ، قال: حدثنا الربيع بن سليمان أنه كان يرى الشافعي وهو يصلي فيقول: اللهم إني نويت أن أصلي كذا، وهذا إسناد كالشمس عند الشافعية.

    وعلى هذا: فهذا قول الشافعي رحمه الله، وإن كان الراجح والله أعلم أنه لا يشرع التلفظ بها، ولأجل هذا حكم ابن تيمية رحمه الله أن التلفظ بالنية بدعة في جميع العبادات، وفيما ذهب إليه محل نظر؛ وذلك لأن أحمد نص على أن التلفظ بالنية في الصلاة غير مشروع، وأباح التلفظ بالنية في الحج، وهو غير التلفظ بالنسك، فعند أحمد يجوز أن تقول: اللهم إني نويت أن أحج لله تعالى.

    وهذا دليل على دقة الإمام أحمد رحمه الله ومعرفته بالآثار، فإنه أجاز في الحج ولم يجز في الصلاة؛ لأنه لم ينقل في الصلاة عن الصحابة قولاً، وأما في الحج فقد نقل، فقد روى الإمام الشافعي في مسنده قال: حدثنا سفيان بن عيينة عن هشام بن عروة عن أبيه أن عائشة قالت له: [ هل أهللت بالحج واشترطت؟ قال: وما أقول يا أم المؤمنين؟! قالت: قل: اللهم الحج أردت ولك عمدت، فإن كان الحج فاللهم وإلا فمحلي حيث حبستني ]، هذا لفظ عائشة ، وهذا يدل على جواز التلفظ به.

    وقد قال ابن تيمية : إنه لا يمكن أن يقول الصحابي في عهد الخلفاء الأربعة قولاً ويكون بدعة، هذا تقرير ابن تيمية رحمه الله، وأذكر أنه في منهاج السنة، وذكره ابن ضويان في منار السبيل.

    إذاً الراجح: أن الجهر بالنية أو التلفظ بها في الصلاة غير مشروع، والاستمرار عليه بدعة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يقول قبل التكبير شيئاً، وقد نقل خمسة عشر صحابياً صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم، فلم يذكر واحد منهم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ذلك.

    فائدة النية

    اعلم أن فائدة النية أمور:

    أولاً: التمييز بين العادات والعبادات، فالإنسان يغتسل إما للتبرد وإما لرفع الحدث الأكبر، وهذا لا يتأتى إلا بالنية.

    الثاني: تمييز العبادات فيما بينها، فهو يخرج من بيته ناوياً صلاة الظهر ويخرج من بيته وهو ناو صلاة العصر، وإذا فاتته الصلاتان فإنه يصلي الأولى بنية فرض، والثانية بنية فرض آخر، والله أعلم.

    وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.

    مواد ذات صلة

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    2994712347

    عدد مرات الحفظ

    717598275