إسلام ويب

عقود الأنكحة وتطبيقاتها المعاصرة [3]للشيخ : عبد الله بن ناصر السلمي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • شرع الله النكاح لمقاصد، فإذا وجد ما ينافي مقاصده، كوجود عيب في أحد الزوجين يمنع به من حصول أهم مقصد من مقاصده وهو الاستمتاع، فيثبت فيه الخيار بالفسخ. وقد أوجب الله نفقة الزوجة على الزوج ولو خرجت للعمل إذا كانت قد اشترطت ذلك في العقد.

    1.   

    أثر الأمراض المعدية في خيار فسخ عقد النكاح

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وسلم تسليماً كثيراً، اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، ولا تجعله ملتبساً علينا فنضل.

    أما بعد:

    كنا قد ذكرنا سابقاً مسائل تتعلق بشروط عقد النكاح، والشروط في العقد، وهنا سوف نتحدث عن بعض المسائل:

    المسألة الأولى: أثر الأمراض المعدية في إثبات الخيار بين الزوجين في فسخ النكاح أو عدمه، وهي لها علاقة بمسألة شروط العقد، والشروط في العقد، وهي موجودة في زماننا اليوم، ومع الأسف الشديد كل يوم تزداد بازدياد الانفتاح على العالم الخارجي.

    إن أعظم مقصد من مقاصد النكاح هو الألفة والسكن والاستمتاع، وبسبب وجود خلل في هذا المقصد وجد خلاف بين أهل العلم، وسبب الاختلاف اعتبار العلماء للمناسبات والقياس والعلل من عدمه، فمن رأى الأخذ بالعلل والأقيسة والمناسبات والحكم قال بها، وهم الأئمة الأربعة، ومن أخذ بالقياس، فإنه نفى ذلك وبالتالي لا يوجب الخيار بين الزوجين إذا ربطاه برابطة وثيقة، كما قال صلى الله عليه وسلم: ( واستحللتم فروجهن بكلمة الله )، وهذا هو مذهب الظاهرية، ولأجل هذا اختلف العلماء في حكم فسخ النكاح بالعيوب من عدمه.

    القائلون بعدم ثبوت خيار الفسخ بالعيب وأدلتهم

    المذهب الأول: قالوا: لا يثبت حق الفسخ للزوجة من زوجها إذا وجد به عيب، بل يجب عليها أن تصبر، وتسأل ربها الخلاص، أو تخالع. وأما الرجل فليس أمامه إلا أن يطلق أو يبقي! وهذا هو مذهب ابن حزم.

    واستدل بأدلة -وهو كعادته رحمه الله يأخذ بالعمومات- فقال: النكاح حصل بين الزوجين بكلمة الله، ومن فرق بين الزوجين من غير نص من الكتاب أو السنة، فهو داخل في عموم قول الله تعالى: فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ [البقرة:102]!

    ويمكن أن يناقش هذا الدليل بأن يقال: أما قولكم: إن النكاح حصل بكلمة الله فمسلم، وأما قولكم: إن التفريق لا بد أن ينص عليه صراحة من الكتاب أو السنة، فهذا على القول بعدم الأخذ بالقياس، ونحن نخالف الظاهرية في ذلك، وعلى هذا فيثبت الحكم الشرعي بدلالة الإيماء أو بدلالة الالتزام، أو بدلالة فحوى الخطاب، أو بدلالة دليل الخطاب، أو بغير ذلك من الدلالات التي تكلم فيها الفقهاء رحمهم الله في كتب أصول الفقه، وعلى هذا فإن التفريق حصل بشرع الله، علمه من علمه، وجهله من جهله.

    واستدل أبو محمد بن حزم بحديث امرأة رفاعة القرظي كما في حديث عائشة : ( أن امرأة رفاعة أتت النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت: يا رسول الله! إني تزوجت رفاعة وإنه طلقني فبت طلاقي، وإني تزوجت بعده عبد الرحمن بن الزبير ، وإنه والله ما معه إلا مثل الهدبة! فأخذت بهدبة من جلبابها فضحك النبي صلى الله عليه وسلم، وقال: لعلك تريدين أن ترجعي إلى رفاعة ؟! لا حتى يذوق عسيلتك وتذوقي عسيلته ).

    قالوا: وجه الدلالة أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقبل شكايتها، بل قال لها: لا، فلو كان هناك فسخ للعنة، أو لعدم استمتاع أحد الزوجين لبين النبي صلى الله عليه وسلم ذلك؛ لأنها قالت: ( وإنه والله ما معه إلا مثل الهدبة )، يعني: لا ينتشر ذكره.

    أما الجمهور فردوا على هذا الدليل، فقالوا: إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقبل شكايتها بمعنى: لا يجوز لها أن ترجع إلى زوجها الأول حتى يذوق الزوج الثاني عسيلتها، ولم يكن صلى الله عليه وسلم يناقشها عن عبد الرحمن بن الزبير هل لها أن تفسخ أم لا؟ ولكن قال: (لعلك تريدين أن ترجعي إلى رفاعة ) ، فلو فرض أن عبد الرحمن بن الزبير عنين، فإنه ليس لها حق أن ترجع إلى رفاعة ، ولو جاز لها أن تفسخ من عبد الرحمن بن الزبير فلا بد أن تتزوج زوجاً ثالثاً، هذا وجه الدلالة.

    إذاً الرسول صلى الله عليه وسلم إنما أشار إلى أن رجوعها إلى الزوج الأول مشروط بحصول الوطء من الزوج الثاني أو الثالث أو الرابع.

    واستدلوا كذلك بما رواه الشعبي عن علي أنه قال: أيما رجل تزوج امرأة فوجدها مجنونة أو مجذومة أو برصاء فهي امرأته إن شاء طلق، وإن شاء أمسك.

    وجه الدلالة: أن علياً رضي الله عنه لم يثبت الفسخ للزوج إذا وجد بامرأته عيباً يمنع من الاستمتاع بها، وهذا الأثر معناه صحيح في المسألة لكن الشعبي وهو عامر الشعبي لم يسمع من علي بن أبي طالب ، فهو ضعيف، ولأجل ذلك ضعف الحديث أبو عمر بن عبد البر و ابن عبد الهادي و ابن حجر و ابن حزم وغير واحد من أهل العلم.

    والأثر الآخر ما رواه البيهقي من قول ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: الحرة لا ترد بعيب، وهذا الأثر يرويه إبراهيم النخعي عن عبد الله بن مسعود ، و إبراهيم النخعي لم يسمع من عبد الله بن مسعود ؛ لأن إبراهيم النخعي قال كما روى عطاء عنه: أتظنون أننا نحدث عن الصحابة من غير إسناد؟ ما حدثتكم عن رجل عن عبد الله بن مسعود فهو ما حدثتكم عنه، يعني: ما سمعت إلا من هذا الرجل، وهم أصحاب ابن مسعود ، كـعلقمة و الأسود و أبي وائل وغير ذلك، وما حدثتكم عن عبد الله بن مسعود فقد سمعته عن أكثر من واحد من أصحاب ابن مسعود ، فإذا قال إبراهيم النخعي : عن الأسود عن ابن مسعود ، فهذا أقوى من أن يقول: عن ابن مسعود ؛ لأنه أخبرنا أنه لا يحدث عن عبد الله بن مسعود إلا وقد سمعه عن أكثر من اثنين من أصحاب ابن مسعود ، وأصحاب ابن مسعود ثقات.

    وهذا النوع وهو رواية النخعي عن عبد الله بن مسعود يسميه علماء الحديث مبهماً، وقد ذكر بعض المتأخرين أن الجهالة هي الإبهام، والصحيح خلاف ذلك، فإن المصحح ربما صحح الحديث لعلمه أن الراوي عن هذا الرجل هو أحد ثقتين، ولكنه لا يستطيع أن يجزم أيهما، فيقول: إنه مبهم، والله أعلم.

    ولهذا إذا قيل: مجاهيل الصحابة، فإن هذا خطأ لأنه لا يقال: مجاهيل لرجال الصحابة؛ لأن الصحابي لا يسمى مجهولاً، ولا يطلق كلمة مجهول إلا من كان مجهول العين أو مجهول الحال، ونحن نعلم أن كل الصحابة ثقات عدول، وقد تكلم العلماء على الحافظ البيهقي حينما يروي عن كل صحابي لا يعرف، فيقول: إنه مجهول، فتكلم فيه الحافظ ابن حجر وغيره رحمهم الله.

    وعلى كل حال: فحديث ابن مسعود هذا معارض بأقوال صحابة غيره، فهو معارض بقول عمر وقول معاوية وقول ابن عباس وغير واحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.

    القائلون بثبوت خيار الفسخ بالعيب وأدلتهم

    القول الثاني: هو ثبوت الخيار لأحد الزوجين إذا وجد بصاحبه عيباً يمنعه من الاستمتاع، أو إن شئت فقل: إذا وجد بصاحبه عيباً من العيوب التي ذكروها كما سوف يأتي بيانه، هذا قول الأئمة الأربعة، وهو قول عمر و ابن عباس و معاوية و سعد بن أبي وقاص وغير واحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وهو اختيار أبي العباس بن تيمية و ابن القيم.

    وهذا هو الحق، وذلك لأن الأصل حرمة كتمان العيب، فإذا حرم كتمان العيب في السلعة التي ربما يكون مقصوده منها ثمنها، فكتمان عيب الزوجة الذي يكون المقصود منها هو الاستمتاع بها من باب أولى كما قال ابن القيم ، ولما روي عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- أنه قال: أيما رجل تزوج امرأة فوجدها برصاء أو مجنونة أو مجذومة فلها المهر بما استحل من فرجها، وله الرجوع على من غره بها، يعني: إذا استمتع بها فلها المهر، ولكن إذا كانت هي التي غرته رجع عليها بالمهر، وإن كان الذي غره وليها رجع على الولي بالمهر، وإن كان الذي غره الخطاب أو الخطابة فله أن يرجع عليهما، والله أعلم.

    واستدلوا بأحاديث لكنها لا تثبت، من ذلك ما رواه جميل بن زيد عن كعب بن عجرة : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوج امرأة من بني غفار فوجد في كشحها بياضاً، فقال: الحقي بأهلك )، وفي رواية: ( دلستم عليّ )، وهذا الحديث مشهور في كتب الفقه، ولكنه حديث ضعيف، وذلك لأن الراوي له جميل بن زيد مع ضعفه اضطرب، فمرة يرويه عن ابن عمر ، ومرة يرويه عن كعب بن عجرة ، فهو حديث ضعيف.

    أقوال العلماء في حصر العيوب التي يفسخ بها النكاح

    إذا ثبت هذا وهو أن العيب يجوز الفسخ به من أحد الزوجين، إن هؤلاء الأئمة الأربعة اختلفوا، هل العيوب محصورة أم معللة؟

    القول الأول: المسألة فيها قولان: ذهب جمهور الفقهاء وهو المشهور عن الأئمة الأربعة إلى أن العيوب محصورة، قالوا: لأن الأصل وجوب إبقاء عقد النكاح، ولا يثبت العيب إلا بدليل، وقد ثبت الدليل الشرعي. واستدلوا بحديث: ( فوجد في كشحها بياضاً )، قالوا: فيدخل فيه كل ما كان مثله أو دونه كما قال ذلك ابن رشد في كتابه (بداية المجتهد)، ولهذا بعضهم جعل العيوب أربعة، وبعضهم جعل العيوب سبعة، وبعضهم جعل العيوب تسعة، وهي: البرص، والجذام، والقرع، والجنون، والفتق، والرتق، والبخر، وغير ذلك من العلل والعيوب.

    القول الثاني في المسألة: أن العيوب ليست محصورة، وهذا رواية عند الإمام أحمد اختارها أبو العباس بن تيمية رحمه الله و ابن القيم، وقالوا: إن كل ما يمنع أحد الزوجين من الاستمتاع بالآخر فإنه يثبت معه الخيار؛ لأن الله يقول: هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ [البقرة:187]، فإذا حصل بهذا العيب نفور من أحد الزوجين فإنه يمنع من أعظم مقصود من مقاصد النكاح وهو الاستمتاع، وهذا هو الراجح والله أعلم.

    مدى ثبوت حق الخيار في الفسخ عند وجود العيب في الزوجين معاً

    هنا مسألة ثانية: إذا كان كلا الزوجين مصاباً بهذا العيب فهل لأحدهما أن يطلب الفسخ؟ ولنفرض أن كلا الزوجين مصاباً بالجذام، وكان أحدهما لا يريد الآخر، فهنا اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:

    القول الأول وهو قول عند الشافعية وعند الحنابلة، قالوا: إنما يثبت الخيار إذا كان لأحد الزوجين عيب مما ليس في الآخر، وأما إذا كان فيهما العيب نفسه فلا يثبت لهما الخيار، قالوا: لأن الأصل إبقاء النكاح، وطلب الفسخ ممن هو فيه نفس العيب غير صحيح.

    القول الثاني وهو رواية عند الإمام أحمد ، وهو اختيار ابن تيمية فيما أحفظ، قالوا: إنه يثبت الخيار لأحد الزوجين على الآخر، ولو كان فيهما ذلك العيب لأمور:

    الأمر الأول: أن وجود العيب من كلا الزوجين ربما يؤثر ذلك على الأولاد سلباً، فإذا كان في أحدهما وليس في الآخر ربما قلل ذلك على الأولاد، أما إذا كان في كليهما هذا المرض، فإن تحققه في الأولاد يكون بإذن الله لا محالة.

    الأمر الثاني: أن النفوس في العادة تستقذر الشيء في الغير ما لا تستقذره في نفسها، يقولون: كالمخاط والبصاق، ربما تشين نفسه إذا كان من الغير، لكن إذا كان منه فلا، وهذا القول أرجح والله أعلم؛ لقوله تعالى: وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا [الروم:21]، وهذا السكن لا يتأتى لمن وجد نفوراً من صاحبه.

    1.   

    من أحكام نفقة الزوج على زوجته

    المسألة الأخرى: أثر عمل الزوجة خارج المنزل في وجوب نفقتها.

    اليوم قل أن تجد منزلاً إلا وفيه امرأة قد ذهبت للعمل، واليوم أصبح عمل المرأة إما مرغباً في الزواج بها، وإما منغصاً بالزواج بها، فهذا العمل إما أن يكون سبباً في وجود رغبة عند بعض الأزواج في أن يتقدم لها، وفي المقابل فإن بعض الأزواج ربما يكون نقمة عليه؛ لأنه يأتي من العمل وقد ألقى على نفسه الجهد والضنك والتعب، فيجد زوجته مثله، فيضطرا إلى أن يأكلا خارج المنزل، وربما صاما نهارهما بسبب ذلك، فإذا قال الزوج لها: أعطني غدائي أنا تعبان، قالت: وأنا تعبانة.

    ولا شك أن عمل المرأة الأصل هو قوامتها على أولادها وعلى أسرتها، وعلى تربية النشء، هذا هو الأصل، وإن من اختلال الموازين أن تخرج المرأة وتضع لها خادمة تعطيها راتباً لتعمل، ولهذا أعجبتني كلمة لأحد نساء الكونجرس الأمريكي قالت: لو أن نساءنا بقين في بيوتهن يعلمن أبناءنا لكان خيراً لهن من أن يخرجن للعمل، وكان ذلك زيادة في الإنتاج القومي، فالنظرة هنا نظرة تجارية لا دينية، تقول: زيادة في الإنتاج القومي؛ لأن الرجل يجد نفسه مرتاحاً ولا يضطر إلى أن يشتري بحيث ترهق ميزانية الأسرة عليه، فبالتالي يكون عنده فائض، وهذا الفائض سوف يستثمره في الصالح العام وليس في الكماليات، فصار هناك إنتاج قومي.

    شروط جواز عمل المرأة خارج المنزل

    يجوز للمرأة أن تعمل خارج المنزل بشروط:

    الأول: أن يكون خروجها بعفة وحشمة.

    الثاني: أن يكون ذلك بإذن وليها من زوج أو أب.

    الثالث: أن يكون العمل محتشماً ليس فيه خلطة ولا اختلاط ولا محادثة للرجال.

    الرابع: ألا يترتب عليه ترك للواجبات التي عليها مثل عدم تربيتها لأولادها وإهمالها لذلك.

    هذه الشروط الأربعة التي هي معلومة ومعروفة عند العلماء.

    النفقة على الزوجة

    فإذا ثبت ذلك فإن المرأة إذا خرجت قد يكلف الزوج شيئاً كثيراً، فهل للزوج أن يطالبها بأن تنفق على أسرتها، أو على بيت الزوج؟

    أولاً: للحديث في هذه المسألة لا بد من تقرير مسائل قبل ذلك:

    المسألة الأولى: حكم النفقة على الزوجة، اتفق الفقهاء رحمهم الله وأجمعوا على وجوب نفقة الزوجة على زوجها الحر الحاضر، وهذا ثابت بالكتاب والسنة وإجماع العلماء كما نقل ذلك ابن المنذر و ابن مفلح في (المبدع) وغير واحد من أهل العلم.

    والدليل على ذلك قوله تعالى: وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ [البقرة:233]، وقوله تعالى: أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ [الطلاق:6]، وقال تعالى: لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ [الطلاق:7].

    وأما من السنة فلما رواه مسلم في صحيحه من حديث جابر بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في خطبة حجة الوداع: ( فاتقوا الله في النساء؛ فإنهن عوان عندكم، أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف )، ولما جاء في الصحيحين من حديث عائشة (أن هند بنت عتبة أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله! إن أبا سفيان رجل شحيح وليس يعطيني وولدي ما يكفيني. قال: خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف)، وقد نقل الإجماع -كما قلت- ابن المنذر و ابن مفلح في كتاب (المبدع)، وكتاب المبدع من أفضل شروح الحنابلة، وقل من يرجع له من الباحثين، ففيه تقييدات وتنبيهات لا يستغني عنها طالب العلم.

    أسباب وجوب النفقة على الزوجة

    المسألة الثانية: اختلف العلماء في سبب وجوب نفقة الزوج على زوجته، على ثلاثة أقوال:

    القول الأول: ذهب المالكية و الشافعي في الجديد وهو مذهب الحنابلة، إلى أن سبب وجوب النفقة هو التمكين والتسليم بعد العقد الصحيح، والتمكين معناه هو تمكين الزوجة زوجها من نفسها بعد عقد صحيح، وعليه فلو قالت الزوجة: تزوجني بشرط ألا تدخل بي إلا في نهاية العطلة، وعقدا النكاح اليوم، ففي هذه المدة لا يجب عليه النفقة عليها؛ لأنهم اشترطوا في وجوب النفقة أن تمكن المرأة زوجها من نفسها بعد العقد الصحيح، والدليل على هذا هو قوله تعالى: الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ [النساء:34]، قالوا: فالله أوجب القوامة للرجل على الزوجة بما أوجب الله عليه من النفقة، والنفقة لا تتم إلا بنكاح صحيح، ويستلزم النكاح التمكين من الاستمتاع.

    القول الثاني: ذهب الحنفية إلى أن سبب وجوب النفقة هو العقد الصحيح، بشرط وجود الاحتباس والاستعداد له، قالوا: فإذا عقد الرجل على المرأة وهو قادر أن يستمتع بها، ولو اشترطت على ألا يدخل بها، فيجب عليه النفقة، أما لو تزوج البنت الصغيرة التي مثلها لا توطأ فإنه لا يجب النكاح، وعليه فلا تجب النفقة؛ لأنه ليس مثلها تحتبس.

    القول الثالث: ذهب الشافعي في القديم إلى أنها تجب بالعقد وتستقر بالتمكين، يعني: أنه بمجرد العقد تجب النفقة، فلها أن تطالب بنفقتها.

    والراجح -والله أعلم- هو مذهب الجمهور وهو القول الأول، وقولنا: تمكين الاستمتاع بمعنى أن المرأة تذهب إلى زوجها، وليس معناه أن الرجل إذا عجز عن الاستمتاع بالمرأة فإنه لا يجب عليه أن ينفق عليها، مثل: أن تكون نفاساً أو حائضاً، فيقول: أنا لا أقدر على الاستمتاع بها، فلا يجب علي أن أنفق عليها، نقول: لا، لأسباب:

    الأول: أن الحائض والنفساء يمكن لاستمتاع بها من غير الوطء، لقوله صلى الله عليه وسلم كما في صحيح مسلم من حديث أنس : ( اصنعوا كل شيء إلا النكاح ).

    الثاني: لو قيل بذلك للزم أن المرأة الكبيرة التي لا تشتهى لا يجب على زوجها أن ينفق عليها، وهذا بلا شك ظلم، وعلى هذا فالراجح أن معنى التمكين: أن تبقى المرأة في بيت زوجها ويستطيع أن يبيت معها.

    مقدار نفقة الزوجة

    المسألة الثالثة: هل النفقة مقدرة أم محددة؟ يعني: هل النفقة مقدرة بتقدير على حسب الزمان والأحوال والأشخاص، أم محددة بكذا صاع أو بكذا رطل من التمر، أو بكذا مبلغ من النقد؟

    ذهب جماهير أهل العلم من الحنفية والمالكية والحنابلة وهو قول عند الشافعية إلى أنها غير مقدرة، وأنها بقدر الكفاية، وأن ذلك يختلف بحسب الأزمنة والأمكنة والأحوال، ولذا تجد عند بعض طلبة العلم إذا حدث بينه وبين زوجته شيء، يقول: ليس لها إلا الكسوة يوم العيد، هكذا يقول الفقهاء، أي: لا يعطيها إلا ثوباً واحداً يوم العيد، والباقي تأكل مثلما يأكل وتشرب مثلما يشرب، وهذا غير صحيح؛ لأن هذا كان في عرفهم في السابق، وليس معناه التقدير.

    وعلى هذا فالراجح -والله أعلم- أنه يجب على الرجل أن ينفق على زوجته على حسب قدرته؛ فإن كان يساراً وهي يسار فيجب عليه، وإن كان معسراً وهي معسرة فيجب عليه بقدر ذلك، هذا هو الراجح؛ لقوله تعالى: وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ [البقرة:233]، وقوله صلى الله عليه وسلم لـهند : ( خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف ).

    الأمور التي يجب مراعاتها حال إيجاب النفقة على الزوج

    المسألة الرابعة: من الذي يجب مراعاته حال النفقة، هل يراعى الزوج أم تراعى الزوجة، أم يراعى حالهما؟

    صورة المسألة: إذا أراد الرجل أن ينفق على الزوجة ينظر إلى حالها هل هي امرأة غنية، أو أهلها أغنياء فيعطيها على حسب حالها قبل الزواج، وإذا كانت المرأة فقيرة فقراً مدقعاً فيعطيها على حسب حالها، كما يقول الكاساني في (بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع): ولو كان الرجل من أشد الناس يساراً ويأكل لحم الحبارى والحجل والدجاج، والمرأة من أشدهم فقراً وتأكل خبز الشعير لوجب عليه أن ينفق عليها بالمتوسط.

    إذاً فالجمهور على أنه يقدر حالهما جميعاً، فإن كان غنياً وهي غنية أنفق عليهما بمثل ذلك، وإن كان فقيراً وهي فقيرة أنفق عليها بقدر ذلك، وإن كان غنياً وهي فقيرة فإنه ينفق عليها بالمتوسط؛ لقوله تعالى: لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ [الطلاق:7]، وقوله تعالى: وَلا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ [الطلاق:6]، وقوله تعالى: وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ [البقرة:233]، فمرة في الآيات قدر ذلك بحال الرجل، ومرة قدر ذلك بحال المرأة مما يدل على أن ذلك يختلف على حسب الأزمنة والأمكنة والأحوال.

    وقال بعضهم: إن المقدر هو باعتبار حال الزوج؛ لقوله تعالى: لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ [الطلاق:7]، وهذا قول بعض الحنفية وبعض الشافعية، والراجح هو مراعاة حالهما.

    ولأجل هذا اختلف العلماء، لو كان لرجل زوجتان إحداهما عائلتها غنية والأخرى عائلتها فقيرة، فهل له أن ينفق عليهما بالعدل، أم يعطي كل واحدة على حسب حالها وكبرها وصغرها، فأحياناً البنت الصغيرة يكلف شراء الثوب لها حال الفرح ألف أو ألفان أو خمسة أو ستة، والمرأة الكبيرة ربما يكفيها كسوة بألف ريال، فهل يجب عليه أن يعدل؟

    فالحنابلة يقولون: لا يجب العدل، فينفق على هذه بقدر حالها، وينفق على هذه بقدر حالها، و ابن تيمية يقول: يجب العدل بينهما، فإذا أعطى هذه ستة آلاف تكاليف كسوتها فيجب عليه أن يعطي هذه الأخرى ستة آلاف ولو ادخرت الباقي.

    والذي يظهر لي -والله أعلم- أنه يختلف إن كان من باب النفقة فينفق عليهما بقدر إرادتهما، فيعطى كل واحد على قدر ما يريد، وأما ما زاد على ذلك فيجب العدل، فإذا كان عند الأولى عشرة أولاد، وعند الثانية ولداً أو لم يكن لها ولد فليس من المعقول أن يشتري لها فيلا مثل ما للأولى؛ لأن الأولى عندها أولاد، فكان شراء منزل لها من باب نفقتها، ومقدرتها على العيش، أما الأخرى فيكفيها شقة أو دور، لكن إذا أراد أن يشتري لهذه استراحة مثلاً لتخرج لها كل أربعاء وخميس وجمعة، فلا بد أن يعطي الثانية؛ لأن هذا نوع من الزيادة والترف، ولا مانع إذا كانت إحدى الزوجتين عند أمه تخدمه وتخدمها، أو تخدم والده أن يزيد لها في النفقة؛ لأنها لا يجب عليها أن تخدم والدته، ولا تخدم والده، فإذا أعطاها من المال جزاء عنايتها بوالديه، ولم يعطِ الأخرى لم يكن ظالماً والله أعلم.

    وإذا كان عند إحدى الزوجتين عندها الولائم واجتماعاته عندها، وهي التي تطبخ له، والثانية جالسة لا تحسن أن تطبخ، فله أن يكرم التي تصنع له الطعام من باب جزاءً وفاقاً، ولا يعد هذا من المحاباة.

    وإذا كانت إحدى الزوجات تراعي أولاده، وتدرسهم، وتعتني بهم، وقال: من اعتنى بأولادي من كل الزوجات فسوف أكرمها، فلا حرج؛ لأنه حينئذٍ يكرم بالوصف، ولم يكرم بالشخص، والله أعلم.

    حالات عمل المرأة خارج المنزل وأثره على الحكم بوجوب النفقة عليها

    إذا ثبت هذا، فهل لعمل المرأة أثر على وجوب نفقتها؟

    وللجواب لا بد فيه من بيان أحوال:

    الحال الأولى: إذا أذن الزوج لزوجته أن تخرج للعمل كمدرسة، كمشرفة، كطبيبة، أذن لها، أو إذا اشترطت الزوجة على زوجها أن تكمل دراستها، أو أن تعمل، فإذا قبل أو أذن فلا يجوز له أن يطالب زوجته بالنفقة؛ لأنها اشترطت عليه ذلك في العقد، ولا شك أن مال المرأة هو ملكها ولها الحق الكامل المطلق بالتصرف فيه، ولا يسوغ لزوجها أن يتدخل في شيء من مالها، ويعد ذلك نوعاً من الإكراه والغصب.

    وأما ما جاء في حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: ( لا يحل للمرأة عطية في مالها إلا بإذن زوجها )، فهو حديث منكر، إذ أن الراوي عمرو بن شعيب في روايته عن أبيه عن جده ضعف.

    والصحيح أن المرأة لها أن تتصرف بمالها من غير إذن زوجها، ودليله ما جاء في صحيح مسلم من حديث ميمونة ( أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل عليها فوجدها قد أعتقت وليدة لها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لو أعطيتها أخوالك كان أعظم لأجرك ). وجه الدلالة:

    الأول: أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يمنعها من ذلك.

    الثاني: أن تصرفها لم يكن بمستحسن عند الرسول لكنه لم ينكر عليها، فقال: ( لو أعطيتها أخوالك كان أعظم لأجرك )، مما يدل على أن المرأة لها الحق المطلق في التصرف بمالها، وعلى هذا فلا يجوز للزوج إذا اشترطت المرأة عليه أن تعمل أن يأخذ منها شيئاً.

    الحال الثانية: إذا عملت المرأة بلا إذن الزوج، بعض الأزواج ليس عنده هيبة، فإذا قالت المرأة: لا أريد أن أعمل، فقال: لا، فقالت: أنا أريد أن أعمل وأنا أقدر، فذهبت إلى وزارة الداخلية وشكته لهم فطلبوا منه أن يأذن لها، فلم يستطع أن يخرج من هذا الطلب، فصار مكرهاً، فهل يجب عليه أن ينفق على زوجته وهي قد خرجت بلا إذنه؟

    ذكر ابن قدامة في (المغني) أن المرأة متى ما امتنعت من فراش زوجها أو خرجت من غير إذنه، أو امتنعت من السفر معه من غير شرط، فلا يجب عليه أن ينفق عليها في قول عامة أهل العلم؛ لأنها ناشز، وأما إذا خرجت بإذنه فلا يجوز له أن يأخذ من مالها.

    الحال الثالثة: حكم إلزام الزوجة العاملة بالإنفاق على الأسرة، فإن كانت المرأة قد اشترطت على زوجها في العقد أن تعمل وقبل بذلك من غير شرط عليها، فلا يجوز له أن يلزمها بأن تنفق على أهله، بل إن الإمام أحمد قال: إذا أنفقت المرأة على زوجها خوفاً من أن يتزوج عليها، فتزوج عليها، فلها أن ترجع بما أنفقت عليه، ولها أن تقول: أتذكر يوم أن سافرنا إلى تركيا أو ماليزيا أو دبي فقد أنفقت خمسين ألف ريال فأت بها، فقال الإمام أحمد : لأنها إنما أعطته لأجل ترغيبها في نفسها فكانت هبة الثواب، فهذا من الفقه.

    أحياناً المرأة تعطي زوجها من راتبها ألفين أو ثلاثة آلاف فيقوم بتجميعها ثم يتزوج عليها، ففي هذه الحالة لها أن ترجع فيما أنفقت عليه، ولا شك أن هذا نوع من عدم المروءة، بل فيها نوع من النذالة، وقد بلغني أن أحد الأزواج ممن لا خلاق لهم ذهب إلى الخارج ورأى امرأة تعجبه فاتصل على زوجته، فقال لها: أرجوك أريد عشرين ألفاً، عندي صفقة لا أريد أن تذهب فحولي بالمبلغ، فظنت المسكينة أنها صفقة تجارية سينتفعان بها، فحولت له المال، فتزوج عليها بهذا المال، ولا شك أن هذا نوع من الخيانة، والله سبحانه وتعالى لا يقبل الخيانة حتى مع الكفار، وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ [الأنفال:58].

    الحال الرابعة: إذا اشترط الزوج على زوجته أن يأذن لها في أن تعمل، ولكن بشرط أن تنفق على أسرتها، وقبل ذكر هذه الحال نذكر حكم اشتراط المرأة على زوجها في أن يأذن لها أن تعمل، هذه المسألة سبقت وقلنا: إن اشتراط أحد الزوجين على الآخر فيما فيه منفعة لأحدهما اختلف العلماء فيها على قولين: فجمهور أهل العلم من الحنفية والمالكية والشافعية والظاهرية قالوا: إن الشرط باطل، والحنابلة قالوا: إن الشرط صحيح والعقد صحيح، وهو اختيار أبي العباس بن تيمية، فإذا اشترطت المرأة ألا يسافر بها أو أن تعمل، أو أن تكمل دراستها هذه كلها شروط صحيحة على الراجح.

    لكن إذا اشترطت على زوجها أن تعمل فقال: بشرط أن تنفقي على الأسرة، فهل يصح شرطه؟

    هذا المسألة على ثلاثة أقوال:

    القول الأول: لا يصح بناءً على بطلان الشروط.

    القول الثاني: لا يصح هذا الشرط وهو شرط باطل؛ لأنه يعود على مقتضى العقد؛ ولأن من مقتضى العقد أن الذي ينفق هو الزوج، فقالوا: إن هذا شرط يعود على مقتضى العقد، وهذا القول هو رواية عند الحنابلة.

    القول الثالث وهو اختيار ابن تيمية : أن الشرط إنما يكون باطلاً إذا خالف مقصود العقد ولا يخالف هذا الشرط مقصود العقد؛ لأن لها أن تبذل النفقة كما مر معنا، وهذا هو الراجح، وهو اختيار شيخنا ابن باز قال: إذا اشترط الزوج على زوجته أن تنفق على الأسرة فلا حرج، وذهب المجمع الفقهي إلى أن الأولى ترك ذلك، والراجح جواز ذلك؛ لأن المسلمين على شروطهم، فإذا شرطت وقبل وشرط هو وقبلت، فلا بد من النفقة عليها والله تبارك وتعالى أعلم.

    1.   

    الأسئلة

    عمليات الإجهاض للجنين

    السؤال: ما حكم عمليات الإجهاض؟

    الجواب: الإجهاض: هو إسقاط ما في بطن المرأة من حمل، هذا أحسن شيء في تعريفه؛ لأنه يصدق عليه أن تسقط ما فيه سواء كان نطفة أو علقة أو مضغة مخلقة أو غير مخلقة، نفخ فيها الروح أو لم ينفخ فيها الروح، تدخل هذه الأمور كلها في هذا التعريف.

    وقد اختلف العلماء رحمهم الله متى تنفخ الروح في الحمل؟

    فالقول الأول: جمهور أهل العلم قالوا: إن نفخ الروح إنما يكون بعد مائة وعشرين يوماً، كما في حديث عبد الله بن مسعود في الصحيحين: ( إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك ) فهذه ثمانون، ( ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يؤمر فيه الملك فينفخ فيه الروح )، وجه الدلالة أن نفخ الروح يكون بعد مائة وعشرين يوماً، وإذا نفخ فيه الروح فهو إنسان.

    القول الثاني: ذهب بعض العلماء رحمهم الله إلى أن الروح إنما ينفخ فيها بعد اثنين وأربعين يوماً كما في حديث حذيفة بن أسيد ، وقد اختلفوا في اسمه، هل هو حذيفة بن أسيد ، أم حذيفة بن أسيد ، والذي يظهر أنه حذيفة بن أسيد ، فأسيد اثنان من أصحاب النبي عتاب بن أسيد و حذيفة بن أسيد ، كما في صحيح مسلم ( إذا مر بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة بعث الله ملكاً فيؤمر بكتب رزقه وشقي أو سعيد ).

    وقد اختلف العلماء في معنى هذين الحديثين فـأبو العباس ابن تيمية يقول: المعول على حديث ابن مسعود ؛ لأنه في الصحيحين، فإن أمكن حمل حديث حذيفة بن أسيد على حديث ابن مسعود وإلا فالمعول على حديث ابن مسعود ، يعني: إن أمكن جمع حديث حذيفة بما لا يخالف حديث ابن مسعود فنعمّا هي، وإلا فالأصل أنه على حديث ابن مسعود .

    أما ابن القيم فيقول: إن حياة الإنسان حياتان: حياة حيوانية وحياة نباتية، فالحياة الحيوانية هي نفخ الروح فيه بعد مائة وعشرين يوماً، وأما الحياة النباتية فهي أن النطفة تنبت مثل نبات الزرع، ولهذا فإن هذه الحياة كما يقول الأطباء ليست حياة روحية، ولكنها حياة نباتية.

    وأما ما يذكر في الحديث أنه يؤمر الملك (بكتب رزقه وأجله)، فإن ذلك يكون بعد الاثنين وأربعين يوماً من حين التخلق، لأنه بعد اثنين وأربعين يوماً يحصل التخلق غير الكامل، وبعد مائة وعشرين يحصل تخلق التخلق المضغة كما قال تعالى: مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ [الحج:5]، يعني: كاملة بأوصافها يدان ورجلان وكل شيء، أما بعد اثنين وأربعين فيسميها العلماء تخطيطاً غير ظاهر، فيظهر جزء من التخطيط يد أو رجل أو رأس، وبعد الأربعين الثانية وهي العلقة، أي: بعد ثمانين يوماً، ولهذا إذا أسقطت المرأة بعد ثمانين يوماً فإنها تجد يداً أو رجلاً أو رأساً أو أذناً أو غير ذلك، فحينئذٍ نجزم أنه حمل، وعلى هذا تكون المرأة نفاساً، وهذا هو الذي يظهر -والله أعلم- أن النفخ إنما يكون بعد مائة وعشرين يوماً، وأما بعد اثنين وأربعين فهو تخطيط غير ظاهر.

    أما حكم إسقاط الجنين؟

    أقول: إن إسقاط الجنين له حالتان منها:

    الحال الأولى: إن كان إسقاط الجنين إبقاءً لحياة أمه؛ بأن يثبت فريق من الأطباء أن الجنين يشكل خطراً على حياة الأم، فبعض الأطباء الآن يقول: إن زوجتك فيها كذا فلا بد أن نسقط الجنين، أو لا بد أن نجري عملية، أو ذلك، فحينئذ فلابد أن يطالب بتقرير من الفريق الطبي؛ لأن الفريق الطبي يجتمع فيه ثلاثة أو أربعة بجميع تخصصاتهم، وعلى ذلك إذا أصدروا قراراً فإنما يصدرونه عن علم دون اجتهادات بعض الأطباء التي أحياناً يجزمون من غير تثبت، ولهذا مثل هذا الذي يخالف الظاهر فلا بد فيه من ثلاثة أطباء، وإذا كان إسقاط الجنين إبقاءً لسلامة أمه كأن يقولوا: إن الأم متضررة بهذا الحمل، ويؤدي إلى وفاتها، فعندها يقال كما ذكر ذلك في المجمع الفقهي: إذا تحقق أن بقاء الجنين سبباً لوفاة أمه بعد بذل جميع الوسائل للخلاص من هذا جاز إسقاط الجنين، ولا بد أن يكون هذا قبل المائة وعشرين يوماً أي: قبل أن ينفخ فيه الروح.

    وأما بعد أن ينفخ فيه الروح فلا ينبغي التعجل فيه، وقد اختلف العلماء في هذا فقالوا: أيهم أولى بالحياة هل هو الجنين أم الأم أم كليهما؟ فقالوا: إن كان الجنين متشوهاً وإبقاؤه يؤدي إلى وفاة الأم جاز إسقاطه مع بذل كافة السبل لتجنب ذلك، وأما مع سلامة الجنين فالمسألة حقيقة مشكلة، وأنا متوقف في هذه المسألة، هذا عند سلامة الجنين وخوفاً من وفاة أمه.

    وهنا لا بد من التنبه لأمر مهم وهو أنه يشترط أن يكون التشوه شديداً، كأن يكون أحياناً ليس له عين، أو أحياناً ليس له أنف، وأحياناً يكون تشوه توحد وغير ذلك من التشوهات.

    أما إذا كان الجنين سليماً لكنه خطر على المرأة، مثل أن تكون المرأة فيها شرايين القلب وقد نفخ فيه الروح، فبعض العلماء يقولون: إذا أمكن إنفاذ جميع الوسائل ولم يكن إلا بوفاة الجنين جاز إسقاطه، وبعضهم يقول: لا؛ لعدم وفاة أحدهما للإبقاء لحياة الآخر يعني: لا يجوز للإنسان أن يقتل غيره ليأكله؛ لأن إبقاء حياتك ليس هو أولى من إبقاء حياته، ولهذا لا يجوز. وأنا والله حقيقة هذه المسألة مشكلة عندي، وليس لي فيها رأي، والله أعلم.

    الحال الثانية: إذا كان إسقاط الجنين ليس خوفاً على حياة الأم، ولكن لأجل مصالح أخرى، مثل: أن يكون خوفاً اجتماعياً أو شرعياً أو غير ذلك، فهذا على خلاف:

    القول الأول: ذهب الحنفية والحنابلة في المشهور عندهم إلى أنه يجوز شرب دواء لإسقاط النطفة في حال الأربعين يوماً الأولى، فلو علمت المرأة أن عادتها تأخرت فإنه يجوز لها أن تشرب دواء لإسقاط هذه النطفة، إذا كان له أربعون يوماً فما دون. قالوا: لأن هذا دم وليس حملاً وإسقاط الدم جائز.

    القول الثاني: مذهب جمهور أهل العلم من المالكية ورواية عند الحنابلة، ومذهب الشافعية في قول، وقرار المجمع الفقهي في رابطة العالم الإسلامي، وهو عدم جواز إسقاط النطفة إلا لمصلحة شرعية. قالوا: لأنه إذا ارتبطت النطفة بالبويضة فقد أصبح حملاً، وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا [المائدة:32]، ولا يجوز إسقاط الحمل إلا بدليل شرعي ولا دليل.

    وقالوا: إن المقصود الشرعي هو أن تكون المرأة مغتصبة، أو زنت وتابت، أو إنه يشوه تشويه؛ لأن أولادها ثلاثة أو أربعة فيهم مرض، فإذا كان هناك مصلحة شرعية أو حسية جاز.

    وأما ما عدا ذلك كأن تقول: أنا لا أريد أن أربي، وأنا مدرسة لا أقدر على الحمل وغير ذلك من هذه الأشياء فلا يجوز إسقاطه، وهذا هو الراجح؛ لأنه لا يجوز إلا لمصلحة شرعية، وليس من المصلحة الشرعية أنها تقول: أنا لا أريد أن أكثر أولادي، أو نحن فقراء وليس عندنا، فهذا ليس من المقاصد الشرعية.

    الحال الثالثة: إذا كان علقة، فذهب جماهير الفقهاء من الحنفية والمالكية والحنابلة والشافعية في رواية أنه لا يجوز إسقاطها؛ لأنه قد تخلق بعد الأربعين يوماً الثانية.

    وذهب ابن حزم و الشافعي في المعتمد كما يقول صاحب (بداية المجتهد) إلى أنه يجوز إذا كان لحاجة، وهو قول ابن عقيل الحنبلي، ولا شك أن ذلك مدعاة إلى أن يكون الإجهاض لعبة بين الأطباء وبين البنات، ولا شك بحرمة ذلك والله أعلم.

    وأما إذا نفخ فيه الروح وهو بعد مائة وعشرين يوماً فلا يجوز إسقاطه إلا إذا كان مشوهاً، ويؤدي إبقاؤه إلى وفاة الأم حينئذٍ وقد سبق ذكر هذا. وأما إذا لم يكن مشوهاً ولا شيء فيه، ولكن يمكن أن يكون ولد زنا -والعياذ بالله- فإذا نفخ فيه الروح فلا يجوز إسقاطه أبداً، وهذا قول عامة أهل العلم، بل حكي الإجماع في هذه المسألة -والله أعلم- وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.

    حكم تغيير بعض الملامح في الوجه من خلال البرنامج الفوتوغرافي

    السؤال: ما حكم من يغير في الصور الفوتوغرافية الوجه من حيث صفاء لونه وحجم الأنف وغير ذلك من خلال برنامج الفوتوغرافي؟

    الجواب: برنامج الفوتوشوب الذين يقومون بتغيير صورة الإنسان من خلاله إذا كان أنفه صغيراً جعله كبيراً أو كان كبيراً فيجعله صغيراً أنا لا أرى جواز هذا، أما البشرة فلا بأس بذلك، لكن تغيير خلقة الإنسان لا يجوز -والله أعلم- لأن هذا من تغيير خلق الله.

    تواطؤ الولي مع الزوج الثاني لتحليل المرأة للأول وأثر ذلك على العقد

    السؤال: هل نية الولي من دون التواطؤ مع الزوج الثاني تأثر في صحة العقد؟

    الجواب: في مسألة نكاح التحليل إذا علم الولي بذلك فبعض العلماء يجوز ذلك، وهم بعض الشافعية، وبعض المالكية، والذي يظهر لي -والله أعلم- حرمة ذلك؛ لأن الولي تواطأ مع الزوج الثاني، وقد قلنا: إن الزوج الثاني إذا نوى من غير تصريح فإنه لا يجوز، ومع ذلك ابن تيمية يمنع.

    وأما إذا تواطأ هو والولي فلا يجوز رجوعه وتزويجه أي تزويج الولي الزوج الأول؛ لأن هذا نوع من التواطؤ ولا يصح هذا العقد.

    زكاة المهر المؤجل

    السؤال: هل المهر المؤجل عليه زكاة؟

    الجواب: المهر المؤجل عند الحنابلة فيه زكاة؛ لأنهم يرون أن الزكاة تجب على المعجل والمؤجل، والراجح قول جماهير أهل العلم من المالكية والحنفية وهو رواية عند الإمام أحمد اختارها أبو العباس بن تيمية أن الصداق المؤخر لا يجب فيه الزكاة؛ لأنه لم يملكه بعد -والله أعلم- لأن من شروط الزكاة تمام الملك، ولهذا لو بلغ الربح للمضارب عشرين ألفاً من هذه المرابحة، لكن لم يثبت بسبب عدم التصفية، فهنا يشترط العلماء فيه تمام الملك حتى يجب فيه الزكاة والله أعلم.

    المطالبة بالتعويض من شركة التأمين عند تحقق الضرر

    السؤال: أعمل في شركة فأصابتني الرافعة التي أعمل بها، فهل يجوز لي أخذ التعويض من الشركة؟ وبنفس الوقت هل أطالب بالتعويض من شركة التأمين التي تؤمن هذه الرافعة؟

    الجواب: إذا كنت محتاجاً إلى ذلك فلا بأس، بشرط أن يكون التأمين تأميناً تكافلياً شرعياً، وأما إذا كان التأمين تجارياً وقد احتجت إلى ذلك فلا حرج أن تأخذ، ويكون ذلك بمثابة التبرع، وإذا قدرت بعد ذلك على أن تخرجه فواجب عليك أن تخرجه، فيكون نوعاً من القرض لك.

    إخفاء الطبيب بعض الأمراض عند الفحص الطبي

    السؤال: المدمنون للمخدرات -نسأل الله العافية- يطلب منهم تحاليل مفاجئة، فيذهبون إلى بعض المراكز الطبية لإخفاء آثار المخدر من الدم، فما حكم الطبيب الذي يعالجهم زاعماً أن عليه العلاج وليس له علاقة بعملهم؟

    الجواب: إذا كان هذا التحليل مدعاة إلى الخيانة، مثل أن يطلب من الزوج وهو مخمور أو صاحب مخدرات لأجل إرضاء الزوجة فلا شك أنه محرم عليه وعلى الطبيب؛ لأنهم قد غدروا بالبنت المسكينة المكلومة التي ظنت أن هذا هو فارس أحلامها، فلا شك بحرمة ذلك، وأما إذا كان عملاً لا يؤثر فهو كاذب، وعليه أن يستغفر الله ويتوب إليه. والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    2985361798

    عدد مرات الحفظ

    714952872