إسلام ويب

مختصر صحيح مسلم - كتاب الصلاة [9]للشيخ : عبد الله بن ناصر السلمي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • جاءت شريعة الإسلام بالتخفيف على الناس رحمة بهم، من ذلك الجمع والقصر في السفر إن كانت مسافة قصر، وكذلك الجمع في الحضر بعذر كالمطر أو المرض ونحوه، أو من غير عذر ما لم يتخذ عادة. وتبدأ أحكام السفر من حين مفارقة البنيان.

    1.   

    باب قصر صلاة المسافر في الأمن

    جاءت شريعة الإسلام بالتخفيف على الناس رحمة بهم، ومن التخفيف مشروعية الجمع والقصر في السفر إن كانت مسافة قصر، وتبدأ أحكامه من مفارقة البنيان، وكذلك الجمع في الحضر بعذر كالمطر أو المرض ونحوه، أو من غير عذر ما لم يتخذ عادة.

    العمل بالزيادة الثابتة في السنة على ظاهر النص القرآني

    المسألة الأولى: أنه يجوز الزيادة على ظاهر النص القرآني بالسنة الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم، سواء كانت السنة الثابتة من المتواتر أم من الآحاد؛ وذلك لأن في القرآن أن الله سبحانه جوز القصر في الرباعية إلى ثنائية إذا خاف الإنسان، كما قال تعالى: فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا [النساء:101]، فمفهوم المخالفة: إن لم يفتنكم الذين كفروا ولم تخافوا فلا تقصروا؛ لكن السنة أثبتت جواز القصر حتى مع الأمن فصارت صدقة، فدل ذلك على أنه يجوز أن تنسخ السنة عموم القرآن خلافاً للحنفية الذين قالوا: إن الزيادة على النص نسخ، والنسخ لا يكون في المتواتر إلا بمتواتر.

    حكم القصر في الصلاة للمسافر

    المسألة الثانية: أن قوله صلى الله عليه وسلم: ( صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته ) دلالة على مذهب الجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة -خلافاً للحنيفة و ابن حزم - أنه يستحب القصر ولا يجب، ولا ينبغي للإنسان ألا يقبل صدقة ربه. أما أبو حنيفة و ابن حزم فيرون وجوب القصر.

    واستدل المالكية ورواية عند الإمام أحمد على أن الإتمام وإن كان جائزاً إلا أنه مكروه؛ وذلك لأنه خالف المأمور، وأقل مخالفة المأمور الوقوع في غير المستحب. وهل يلزم من الوقوع في غير المستحب الوقوع في المكروه؟ هذه مسألة أصولية، الذي يظهر: أنه لا يلزم، لكن دوام فعله صلى الله عليه وسلم مع أمره بالقصر دلالة على أن ترك القصر مكروه، والله أعلم.

    قال المؤلف رحمه الله: [ عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ( فرض الله الصلاة على لسان نبيكم صلى الله عليه وسلم: في الحضر أربعاً، وفي السفر ركعتين، وفي الخوف ركعة ) ].

    هذا الحديث رواه مسلم في صحيحه من حديث ابن عباس ، وجاء نحوه عن عمر .

    هذا الحديث استدل به الحنفية و ابن حزم على وجوب القصر؛ لأن الله فرض الصلاة في الحضر أربعاً، فإذا كان لا يجوز للإنسان في الحضر أن يزيد أو ينقص عن أربع، فكذلك في السفر لا يجوز له أن يزيد أو أن ينقص عن ركعتين، بل ذهب ابن حزم إلى أبعد من الحنفية، فقال: لو صلى المسافر خلف مقيم وجب أن يقصر، وأما أبو حنيفة فإنه ذهب إلى ما ذهب إليه الجمهور من أن المسافر يتم متابعة لإمامه؛ لقوله: ( إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا... ) الحديث.

    وأما مناقشة الجمهور لهذا الحديث فإنهم قالوا: إن قوله صلى الله عليه وسلم: ( فرض الله الصلاة على لسان نبيه )، يعني: أن الفرض يطلق على التشريع، ولا يلزم من التشريع الوجوب، فقوله صلى الله عليه وسلم: ( فرض الله الصلاة على لسان نبيه ) يعني: شرع، والتشريع هو بيان مشروعية الحكم أو الفعل في الجملة، وأما أن يكون واجباً من عدمه فهذه مسألة أخرى، بدليل أنه قال: ( وفي الخوف ركعة )، مع العلم أنه صلى الله عليه وسلم كان يصلي صلاة الخوف أكثر من ذلك، بل لم يحفظ عنه صلى الله عليه وسلم في السنة الثابتة الصحيحة أنه صلى أقل من ركعتين، وإنما التخفيف في الخوف هو تخفيف أركان لا تخفيف أعداد، وتخفيف الأركان، يعني: أن يترك الطمأنينة، وأن يترك الركوع، كما قال الله تعالى: حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ * فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا [البقرة:238-239]، وعلى هذا فكما أنه لا يسوغ أن يصلي في الخوف ركعة، فكذلك يجوز أن يتم في القصر في السفر.

    أقل ما يجزئ في صلاة الخوف

    المسألة الثالثة: بعض العلماء قال: إن قوله: ( وفي الخوف ركعة ) دلالة على أن أقل ما يصلي في صلاة الخوف ركعة، باعتبار أن الجماعة الذين يصلون مع النبي صلى الله عليه وسلم إذا كان هناك جماعتان يصلون قبل العدو، فتأتي جماعة فتصلي مع الإمام ركعة ثم ترجع فتصلي وحدها ركعة، فصارت ركعة مع الإمام، وركعة لوحدها، فصارت هذه بمثابة الركعة الواحدة، هذا هو مذهب جمهور العلماء. وبعضهم يقول: يجوز الصلاة ركعة واحدة، ولا يظهر لي جواز هذا على الإطلاق، وإنما هو -كما قلت- تخفيف أداء ركن وليس عدداً، والله أعلم.

    وذلك لما ثبت في جامع الترمذي من حديث أنس بن مالك الكعبي أنه قال: ( إن الله وضع عن المسافر شطر الصلاة والصوم، وعن الحامل والمرضع )، وجه الدلالة: أنه لا يصح أن تصلى الصلاة إلا إتماماً إلا إذا كان في ذلك سفر، وما عدا الأمرين فلا يسوغ القصر، والله أعلم.

    والجمهور -كما قلنا- يقولون: الصلاة ركعة باعتبار الجماعة؛ فهؤلاء يصلون ركعة مع الإمام، ثم يرجعون فيصلون ركعة لوحدهم، فليس المقصود أن يصلوا ركعة فقط، فلم يحفظ عن النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة الخوف -التي قيل: إنها خمس- أنه صلى ركعة واحدة، فمعنى صلى صلاة الخوف ركعة على اعتبار أمرين: على اعتبار الجماعة، وعلى اعتبار أنه لا يركع، فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا [البقرة:239] هذا الاعتبار، وأما أن يصلي ركعة واحدة فهذا لم يحفظ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه فعله، والله أعلم.

    وبعضهم يقولون: إذا كان مسافراً وصلى صلاة الخوف فتكون الركعتين بمثابة ركعة واحدة؛ لأن الأربع في السفر تكون ركعتين، والركعتان في الخوف تكون ركعة، فتكون إذا كان في الخوف وهو مقيم ركعتين، وهذا بعيد.

    1.   

    باب ما تقصر فيه الصلاة من السفر

    قال المؤلف رحمه الله: [ باب: ما تقصر فيه الصلاة من السفر.

    عن أنس بن مالك قال: ( صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهر بالمدينة أربعاً، وصليت معه العصر بذي الحليفة ركعتين ) ].

    هذا الحديث متفق عليه.

    وفيه مسائل: ‏

    وقت شروع المسافر في أحكام السفر

    المسألة الأولى: قد استدل به العلماء على أنه إذا أراد المسافر أن يسافر سفراً يقصر لمثله الصلاة -وهو أربعة برد- فإنه إذا فارق عامر قريته جاز أن يشرع في أحكام السفر، وقد ذكر ابن قدامة رحمه الله: أن ذلك بغير خلاف يعلمه، وهذا في الجملة، وإلا فإن ابن حزم يقول: العبرة بأن يفارق بلدته بمقدار ميل، والميل كيلو وستمائة، يعني كيلوين إلا، فيبدأ يقصر، ولا اعتبار عنده بالمفارقة مطلقاً.

    والصحيح: أنه إذا فارق عامر قريته، كما هو مذهب الأئمة الأربعة والسلف؛ لحديث أبي بصرة الغفاري : ( حينما ركب من الفسطاط فلما لم يجاوز البيوت -وفي رواية: وهم يرون البيوت- فقال: هلم إلى الغداة وقال: كل، قال: أولست ترى البيوت؟ قال: أترغب عن سنة أبي القاسم صلى الله عليه وسلم )، والحديث رواه الإمام أحمد و الدارقطني، وإسناده جيد.

    القصر في الصلاة لمن دخل عليه الوقت وهو مقيم ثم سافر أو العكس

    المسألة الثانية: استدل العلماء بهذا الحديث على مسألة وهي: إذا دخل عليه الوقت ثم سافر فهل يقصر بناء على أن العبرة هو حال أداء العبادة، حاله هو؟ هل هو مسافر أم مقيم -كما هو مذهب الجمهور من الأئمة الثلاثة، ونقل ابن المنذر الإجماع على جواز القصر- أم أن العبرة هو إدراك جزء من الوقت متماً فيجب عليه أن يتم ولو أداها في السفر كما هو مذهب الحنابلة؟

    الراجح والله أعلم: هو مذهب السلف والخلف خلافاً للمذهب عند الحنابلة، وهو أنه يجوز أن يقصر ولو أدرك جزءًا من الوقت وهو مقيم، بمعنى: أذن الظهر وهو في البلد ثم سافر، فإنه إذا أداها بعد أن فارق عامر قريته فله أن يقصر؛ وذلك لأن أنساً يقول: ( صليت الظهر مع النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة أربعاً، والعصر بذي الحليفة ركعتين )، وليس فيه ما يدل على أنه خرج بعد الظهر أو خرج بعد العصر، أدرك الوقت أو لم يدرك، فترك الاستفصال في مقام الاحتمال ينزل منزلة العموم في المقال.

    أما إذا كان العكس بأن دخل عليه الوقت وهو مسافر ثم أقام فإنه يأثم إن قصر؛ لأن الحنابلة يبالغون في الوقت، يقولون: أدرك مقيماً، والجمهور يقولون: العبرة بحال أداء العبادة، فيؤديها متماً.

    1.   

    باب قصر الصلاة في الحج

    قال المؤلف رحمه الله: [ باب: قصر الصلاة في الحج.

    عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: ( خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة إلى مكة فصلى ركعتين ركعتين حتى رجع، قلت: كم أقام بمكة؟ قال: عشراً ). وفي رواية: ( خرجنا من المدينة إلى الحج ) ].

    هذا الحديث متفق عليه، لكن قوله: وفي رواية: ( خرجنا من المدينة إلى الحج ) هذه رواها مسلم.

    وقد استدل به العلماء على مسائل:

    مدة القصر في السفر

    المسألة الأولى: استدل به بعض السلف على أن الأصل أنه إذا سافر الإنسان فإنه يقصر ما لم يجمع إقامة، وهذا قول لبعض السلف، اختارها أبو العباس بن تيمية رحمه الله: أنه يقصر ما لم يجمع إقامة، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم ما سافر سفراً إلا وقد قصر، ولا عبرة بالأربعة أيام أو غيرها.

    وذهب الجمهور إلى خلاف ذلك، وذهب ابن المنذر و إسحاق إلى أنه يقصر ما لم يبلغ تسعة عشر يوماً؛ لقول ابن عباس : ( أقام النبي صلى الله عليه وسلم بمكة تسعة عشر يوماً يصلي ركعتين ) قالوا: ولم يحفظ أنه جلس أكثر من ذلك، وهذا قول ابن المنذر و إسحاق وقواه ابن رشد في بداية المجتهد، وهذا القول له وجه على اعتبار أن الأصل في الصلاة الإتمام، ولم يحفظ عنه صلى الله عليه وسلم أنه قصر أكثر من ذلك، فنبقى على الأصل، وعندي أن هذا القول أقوى من قول من قال: أربعة أيام، وأقوى مما رواه عبيد الله عن نافع عن ابن عمر : ( أنه كان يقصر الصلاة ما لم يجمع إقامة ) وهذا اختيار ابن تيمية ، ومعنى (يجمع إقامة) يعني: يعمل عملاً، وحال المقيم بأن يؤثث بيته، أو أن يعمل مثل ما يعمله المقيم، مثل أن يكون طالباً يدرس، أو موظفاً يعمل وعمله عمل المقيم، أما الانتداب فهذا ليس عمله إنما عمل مقيم، إنما هو كراكب استظل تحت ظل شجرة ثم قام فتركها، وهذا غير، أما الذي يتوظف أو يدرس فهذا حاله حال المقيم، فإنه يكون قد أجمع إقامة، فحينئذٍ يجب عليه الإتمام، والله أعلم.

    قصر المكي الصلاة في الحج

    المسألة الثانية: استدل بعض العلماء بهذا الحديث -وهم: الحنفية والمالكية في تفصيل عندهم- على أنه في الحج يقصر الناس، فيقصر الناس بمنى سواء كانوا من أهل مكة أم من غير أهل مكة؛ وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم خرج إلى مكة يقصر، ولم يحفظ أن قوماً منهم أتموا، ولا شك أن هذا الاستدلال فيه عموم كثير، وذلك لأننا نقول للذين قالوا يقصرون بمنى ومزدلفة وعرفة سواء أكان من الآفاق أو مكي: ما دليلكم على ذلك؟ قالوا: لم يحفظ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أمرهم أن يتموا، قلنا: أرأيتم صلاته صلى الله عليه وسلم بمكة ألم يحفظ أنه صلى بمكة في الحج؟ قالوا: نعم، فقد صلى الظهر يوم النحر وصلى يوم النفر، هذا أمر محفوظ، وصلى عندما أدى العمرة، ولم يحفظ عنه صلى الله عليه وسلم أنه أمر من خلفه أن يتموا، فإذا قلتم: بمنى وعرفة ومزدلفة أنه لم يحفظ فإنه لم يحفظ أيضاً أنه قال ذلك في مكة، وإذا قلتم: يقصروا بمنى وعرفة ومزدلفة بحجة عدم الأمر فيلزمكم أن تقولوا: يقصروا بمكة أهل مكة مع أنه لم يحفظ عنه صلى الله عليه وسلم أنه أمرهم بذلك، فدل على أن الاستدلال بالأمر من عدمه محل نظر، فنبحث عن دليل آخر، وهذا القول قوي جداً؛ وذلك لأن الحديث الوارد عن النبي صلى الله عليه وسلم: ( أتموا صلاتكم فإنا قوم سفر ) هذا الحديث يرويه عمران بن حصين ولا يصح، وأصح شيء في الباب ما رواه مالك في الموطأ: عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: ( يا أهل مكة! أتموا صلاتكم فإنا قوم سفر ).

    والقول الثاني في المسألة، وهو مذهب الحنابلة والشافعية: إن المكي يتم صلاته في مكة وفي منى وفي عرفة وفي مزدلفة؛ لأنه لم يسافر فلم يقصر الصلاة؛ وذلك لأن القصر لا تكون إلا في السفر وليس هو مسافر، وذلك لحديث أنس بن مالك الكعبي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إن الله وضع عن المسافر شطر الصلاة والصوم )، فدل على أن غير المسافر لا تشطر صلاته.

    الدليل الثاني: أن أبا العباس بن تيمية إنما جوز للمكي أن يقصر؛ لأنه يراه مسافراً، فلو افترضنا أن ذلك كان في عهده فاليوم أصبحت منى حياً من أحياء مكة، فإن القول بأنه مسافر لا يصح، ثم إن الذين يذهبون اليوم إلى عرفة لا يحملون الزاد والراحلة، فعلى رأي ابن تيمية يجب الإتمام، والذين يذهبون إلى مزدلفة لا يحملون الزاد والراحلة، والذين يذهبون إلى منى لا يحملون الزاد والراحلة، فيلزم على ذلك حتى على رأي ابن تيمية أن يتم المكي، إلا إذا كان من أهل جدة فهذا شأن آخر، والذي يظهر والله أعلم أن المكي يتم الصلاة.

    وأما من قال: يقصر للنسك فهذا يلزمه أن يقول: إن المكي من حين أن يشرع في الإحرام يقصر ولو في بيته، أقول: ولا قائل به كما قال أبو العباس بن تيمية رحمه الله.

    1.   

    باب قصر الصلاة بمنى

    قال المؤلف رحمه الله: [ باب: قصر الصلاة بمنى.

    عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: ( صلى النبي صلى الله عليه وسلم بمنى صلاة المسافر و أبو بكر و عمر و عثمان ثماني سنين، أو قال: ست سنين )، قال حفص ، يعني: ابن عاصم : وكان ابن عمر يصلي بمنى ركعتين ثم يأتي فراشه، فقلت: أي عم! لو صليت بعدها ركعتين، قال: لو فعلت لأتممت الصلاة ].

    هذا الحديث رواه البخاري و مسلم دون قوله: (قال حفص ، يعني: ابن عاصم ) فإن هذا من رواية مسلم.

    سبب إتمام عثمان الصلاة في منى

    قوله: ( أن الرسول صلى بمنى صلاة المسافر و أبو بكر و عمر و عثمان ثماني سنين، أو قال: ست سنين )، دلالة على أن عثمان بعد الثمان أتم الصلاة، أقول: وإتمام عثمان رضي الله عنه في الحج دلالة على أن المكي لا يقصر، وجهه: أن عثمان رضي الله عنه خشي أن يقصر المكي مع أن الأصل ألا يقصر، فأتم خشية أن يتابع الإمام القصر، والله أعلم.

    صلاة السنن الرواتب في السفر

    قول حفص بن عاصم : (وكان ابن عمر يصلي بمنى ركعتين ثم يأتي فراشه، فقلت: أي عم! لو صليت بعدها ركعتين، قال: لو فعلت لأتممت صلاتي). قوله: (لو فعلت لأتممت صلاتي)، استدل بعض الفقهاء وأهل الحديث: على أن المسافر لو أتم صلى السنن الرواتب، وهذا الفهم أظنه بعيداً؛ وذلك لأن قول ابن عمر : (لو فعلت لأتممت صلاتي)، وفي رواية: (لو كنت مسبحاً لأتممت صلاتي)، معناه: بدلاً من أن أصلي ركعتين تطوعاً لأتممت الفرض من باب أن الركعتين في الفرض أفضل من الركعتين خارج الفرض، فهذا قصده.

    واستدل أبو العباس بن تيمية بهذا الحديث على أن السنة في السفر ترك السنن الرواتب.

    إذاً: السنة الترك.

    وذهب الحنابلة إلى أن السنن الرواتب من شاء ترك ومن شاء فعل، وهذا هو مذهب مالك ، وقد ذكر أبو عمر بن عبد البر : أن هذا هو مذهب جمهور السلف؛ أنه إن شاء صلى وإن شاء ترك.

    وذهب أبو حنيفة و الشافعي ورواية عند الإمام أحمد : أنه يسن له أن يصلي السنن الرواتب.

    أقول: إن قول مالك و أحمد قول قوي، وأما قول أبي العباس بن تيمية فالحقيقة أني لم أجد له سلفاً، إلا قول ابن عمر وليس ظاهراً، يعني: أن السنة الترك، هذا والله لم أجده؛ لأن المعروف عن الصحابة أنهم كانوا يتطوعون في السفر، وإذا قلنا: السنة الترك فإن السنة ألا تصلي، وهذا فيه ما فيه.

    ثم اعلم رعاك ربي أننا لو قلنا: إن شاء صلى وإن شاء لم يصل إنما هو في السنن الرواتب خاصة ما عدا الفجر، وأما ما عدا ذلك من التطوعات فإنها مشروعة في الحضر والسفر، ومن ذلك: سنة الفجر، وسنة الضحى، وصلاة الليل، وبين كل أذانين صلاة، والصلاة ما بين المغرب والعشاء؛ لما روى حذيفة قال: ( صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم المغرب، قال: ثم أخذ ناحية من المسجد فلم يزل يصلي حتى أذن العشاء )، وهذا يدل على أنه يستحب أن يحيي ما بين المغرب والعشاء كما هو مذهب الحنابلة، وذكر ابن قدامة في المغني تفسير قوله: تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ [السجدة:16] قال الحسن : هو الصلاة ما بين المغرب والعشاء.

    وعليه: فإن ابن عمر الذي قال روى أبو داود ( أنه كان يصلي بعد الجمعة ست ركعات إذا كان بمكة )، وهذا يدل على أنه لا يترك التطوع مطلقاً خلافاً لما يفعله الآن بعض طلبة العلم، وبعض الناس تجد أنهم إذا سافر أحدهم لا يصلي إلا الفرائض، وهذا خلاف المشروع، والله أعلم.

    قول أحمد و مالك هو قول الجمهور الثلاث صح، يقول: إن شاء صلى وإن شاء ترك، يعني: أنه لا يؤمر بالسنن الرواتب في الإقامة، لكنه مأمور في الجملة، هذا القصد، يعني: أنه مشروع، لكن لا يعاتب على الترك مثلما يعاتب في السنن الرواتب، وإلا فلو صلى فإنها محمدة والله أعلم.

    وأما من قال: إن الرسول عليه الصلاة والسلام لم يكن يتطوع فهذا بعيد بعيد بعيد، وذلك أنه صلى الله عليه وسلم من حرصه على الصلاة: ( كان إذا سافر يصلي على راحلته ) كما في الصحيحين من حديث ابن عمر ، وكما رواه أهل السنن من حديث أنس ، فإذا كان يصلي على راحلته فيبعد أن يبقى في مكة أو في غيرها لا يصلي، ومما يدل على ذلك أنه كان يتطوع ثمان ركعات كما في فتح مكة، كما في حديث أم هانئ ، والله أعلم.

    فإذا قلت: لم يصل السنن الرواتب فالسنة أنه بعد الفريضة لا يصلي، والواقع أن له أن يصلي، سماها راتبة أو لم يسمها، فإن المشروع أن يصلي الإنسان بعد الفرض، وبعد الأذان مشروع للإنسان يصلي، أما إذا قلنا بهذا فإن معنى ذلك أن السنة ألا يصلي بعد الفرض، وهذا خلاف المشروع، إذا قلت: السنة ألا يصلي سواء كان راتبة أم غيرها فهذا محل نظر.

    ابن تيمية المحفوظ عنه أنه يرى أن السنة الترك، وهذا رأي الشيخ محمد بن عثيمين ، وهذا العمل السائد عند أكثر طلبة العلم، أما الفعل فقد نقل أبو عمر بن عبد البر : أنه مشروع للإنسان أن يصلي، وإن ترك فجائز؛ لكن الترك هنا لا يعاتب مثلما يعاتب على الترك في السنن الرواتب، أما أبو حنيفة و الشافعي فيقولون: يعاتب، هذا الفرق.

    1.   

    باب الجمع بين الصلاتين في السفر

    قال المؤلف رحمه الله: [ باب: الجمع بين الصلاتين في السفر.

    عن أنس رضي الله عنه: عن النبي صلى الله عليه وسلم: ( إذا عجل عليه السفر يؤخر الظهر إلى أول وقت العصر فيجمع بينهما، ويؤخر المغرب حتى يجمع بينها وبين العشاء حين يغيب الشفق ) ].

    هذا الحديث رواه مسلم وروى البخاري بعضه.

    هذا الحديث يفيد أنه إذا جد به السير فإنه يجمع جمع تأخير، وأما إن أدرك الزوال صلى الظهر ثم ركب.

    واستدل العلماء بهذا الحديث على أنه لا يشرع الجمع للمسافر الذي أقام، وإنما الجمع لمن جد به السفر أي: لمن كان يمشي، وأما الذي يبقى فإن الواجب في حقه أن يصلي الصلوات بأوقاتها، وهذا مذهب مالك وهو مذهب أبي حنيفة.

    وذهب أحمد و الشافعي وهو قول عند بعض المالكية: إلى أنه يجوز للمسافر الذي مكث أن يصلي الظهر والعصر جمعاً، والمغرب والعشاء جمعاً، إلا أن الأفضل أن يصلي الصلاة بأوقاتها، وأحسن ما يستدل به على الجواز هو فعله صلى الله عليه وسلم بعرفة وبمزدلفة، ولا يصح حديث مرفوع أن النبي صلى الله عليه وسلم مكث فجمع، وأما حديث معاذ الذي رواه مسلم : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك جمع الظهر والعصر ثم دخل، ثم صلى المغرب والعشاء ثم دخل ) فهذا الحديث تكلم فيه الحفاظ، فأشار البخاري و أحمد و النسائي وغيرهم إلى ضعف هذا الحديث، والله أعلم.

    1.   

    باب الجمع بين الصلاتين في الحضر

    قال المؤلف رحمه الله: [ باب: الجمع بين الصلاتين في الحضر.

    عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ( جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء بالمدينة في غير خوف ولا مطر ). وفي حديث وكيع قال: قلت لـابن عباس : لم فعل ذلك؟ قال: كي لا يحرج أمته. وفي حديث أبي معاوية : قيل لـابن عباس : ما أراد إلى ذلك؟ قال: أراد ألا يحرج أمته ].

    هذا الحديث رواه مسلم ، وهذا الحديث يرويه حبيب بن أبي ثابت عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ، وقد تكلم العلماء رحمهم الله: أنه جاء في رواية: ( من غير خوف ولا مطر ) وفي رواية: ( من غير خوف ولا سفر ) فـحبيب بن أبي ثابت يروي: ( من غير خوف ولا مطر )، و محمد بن مسلم بن تدرس المكي المعروف بـأبي الزبير المكي يروي: ( من غير خوف ولا سفر )، وقد رجح البيهقي رحمه الله رواية: ( سفر )، وخطأ حبيب بن أبي ثابت .

    وبعضهم يصحح رواية حبيب؛ لأنه قوله سفر وهو بالمدينة لا معنى له، ( من غير خوف ولا سفر )، وهو في المدينة لا معنى له فيرجح هذا بالمعنى.

    والبخاري روى الحديث بمعناه، وقد رواه البخاري : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بالمدينة ثمانياً وسبعاً ) ثمانياً يعني: الظهر والعصر، وسبعاً المغرب والعشاء، إذن الرسول عليه الصلاة والسلام جمع في الإقامة؛ أي: وهو مقيم، أما في السفر فإنه لم يحفظ عنه إلا في ما جد به السير كما مر معنا.

    وهذه المسألة مسألة طويلة، الخلاف فيها كثير، بل بعضهم رأى أنه لا يعمل بهذا الحديث على إطلاقه، وأحسن ما يقال في هذا الحديث أن يقال: أنه إذا وقع الناس في حرج وضيق لوجود حاجة أنه يجوز أن يجمعوا بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء بشرط عدم الاعتياد، وهذا رواية عند الإمام أحمد وهو مذهب محمد بن سيرين و أبي علي بن أبي هريرة و القسام من الشافعية و الخطابي وكأن النووي قواه، وهو اختيار أبي العباس بن تيمية : أنه إذا احتاج الإنسان وشق عليه ترك الجمع في الحضر أنه يجوز له بشرط عدم الاعتياد.

    ومثل هذا الطلاب الآن الذين يدخلون في الامتحان الساعة الثالثة قبل الأذان، وقد لا يخرجون إلا عند اصفرار الشمس في العصر أو بعد غروب الشمس، فحينئذٍ يجوز لهم أن يجمعوا الظهر والعصر؛ لأنه ليست فترة مستمرة، ومثل ذلك ما قاله ابن تيمية: الخباز الذي يشعل النار فربما خسر بإشعال النار فيبدأ يخبز وربما خرج عليه الوقت فيصلي جمع تقديم لأجل ألا يضيع ماله سدى، وفي الماضي لم يكن مثلنا قاز أو غاز ما عندهم إلا الحطب إذا قام خلاص، فهذا القول قول قوي.

    وأوسع المذاهب في الجمع هم الحنابلة، والحنابلة لا يرون الجمع من باب الصفة ولكنهم يرونه من باب العدد، ثم بعد ذلك الشافعية ثم بعد ذلك المالكية ثم الحنفية، فالحنفية لا يرون الجمع إلا الجمع الصوري، وأما مالك فيرى الجمع لكنه ضيق فيه، فيرى الجمع في المطر، ويرى الجمع في السفر، ويرى الجمع في عرفة ومزدلفة ومنى، ويرى الجمع في المستحاضة، لكنه لا يرى الجمع في المرض، وعلى هذا فلا يرى الجمع أيضاً في البرد الشديد، ولا في الريح الشديدة، لكنه يرى الوحل قريباً من المطر، والله أعلم.

    أما الحنابلة فيرون الأعذار ثمانية تقريباً أو تسعة، أما ابن تيمية فيقول: العبرة بأن الأعذار موصوفة وليست محصورة. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.

    1.   

    الأسئلة

    المقصود بالبنيان الذي بمجاوزته تبدأ أحكام السفر

    السؤال: ما المقصود بالبنيان الذي بمجاوزته تبدأ أحكام السفر؟

    الجواب: العبرة بالبنيان وليست الحوائط والبساتين، والعبرة بالبنيان وليست العمارات، يعني: لو أنا خرجنا الآن مسافرين عن طريق المطار، وحاجزين بوردينج وكل شيء فلا نقول: إن المطار فيه مدارس، المطار مستقل، ما يقال: إن المطار متعلق بالرياض، هذه أمور مجتمع مدني تغير عن حياة الصحابة، العبرة بالبنيان، مسألة أنه يوجد مدرسة هناك وأن أناساً يدرسون عيالهم هناك، هذا بعيد؛ لكن بين المطار وبين الرياض تفاوت فلا عبرة.

    على كل حال، في المدن الكبرى الأمر مختلف، مثل بومباي أكبر مدينة من مدن الهند، هم المدينة عندهم مثل الولاية، ومثل ساو باولو في البرازيل من أكبر مدن العالم، ساو باولو، بومباي، هذه مدن نحن نسميها إقليماً، مثل: منطقة الرياض غير مدينة الرياض، وهم لضيقها متواصلة ليس عندهم مثلنا، يعني: بعض مدن أوربا تخرج من دولة إلى دولة والبنيان متصل، من دولة إلى دولة ليس من مدينة إلى مدينة، أنا ما ذهبت لكن الإخوة يقولون: وأنت ماشي من دولة إلى أخرى تجد بوابة وتدخل مدينة ثانية على طول، دولة ثانية، هذا لا عبرة، العبرة في أمرين: أن تكون هي دولة أو مدينة، واتصلت فيها الصفوف، أما المنطقة مثل بومباي فهذه غير.

    نكتفي بهذا، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    2966297375

    عدد مرات الحفظ

    711237085