إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. عبد المحسن العباد
  4. سلسلة شرح سنن النسائي
  5. كتاب الصلاة
  6. شرح سنن النسائي - كتاب الإمامة - (باب من وصل صفاً) إلى (باب المكان الذي يستحب من الصف)

شرح سنن النسائي - كتاب الإمامة - (باب من وصل صفاً) إلى (باب المكان الذي يستحب من الصف)للشيخ : عبد المحسن العباد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الصلاة من أعظم العبادات التي لها دلالات تربوية في حياة المسلم؛ ففيها الأمر بالتسوية والاعتدال وعدم الاختلاف وإتمام الصف وتسويته، ليسود هذا النظام شتى مجالات الحياة. ولقد حث النبي صلى الله عليه وسلم على المسابقة إليها، وذكر أن خير صفوف الرجال أولها لما لها من فضل السبق، وشرها آخرها لقربها من النساء والفتنة، وكذلك صفوف النساء خيرها ما كان بعيداً عن الفتنة. كما نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة بين السواري، وحث على الصلاة في ميامن الصفوف.

    1.   

    من وصل صفاً

    شرح حديث: (من وصل صفاً وصله الله ...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [من وصل صفاً:

    أخبرنا عيسى بن إبراهيم بن مثرود حدثنا عبد الله بن وهب عن معاوية بن صالح عن أبي الزاهرية عن كثير بن مرة عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنه قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من وصل صفاً وصله الله، ومن قطع صفاً قطعه الله عز وجل)].

    يقول النسائي رحمه الله: باب: من وصل صفاً، أي: ثوابه وجزاؤه، وأن له أجر عظيم عند الله عز وجل، وقد أورد النسائي في حديث عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (من وصل صفاً وصله الله، ومن قطع صفاً قطعه الله عز وجل)، والحديث يدل على فضل وصل الصفوف، وعلى عظم الأجر في ذلك، ويدل أيضاً على الوجوب؛ لأن وصل الصفوف واجب، واتصالها والتراص فيها، وتقاربها؛ تقارب المأمومين بعضهم من بعض، هذا مما جاءت فيه السنة عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، وقد مر بنا جملة من الأحاديث المتعلقة بذلك، وفيها الوعيد بأن يحصل لمن لم يحصل منه ذلك المخالفة بين القلوب؛ لأنه قال: (لتسوون صفوفكم، أو ليخالفن الله بين وجوهكم)، وفي بعض الروايات: (قلوبكم)، وجاء: (ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم)، وهنا يقول: (من وصل صفاً وصله الله)، ففيه: الترغيب والحث على وصل الصفوف، وبيان أن فيه الأجر العظيم من الله عز وجل.

    وفي هذا دليل على أن الجزاء من جنس العمل؛ لأن من وصل وصله الله، ويقابل ذلك: من قطع قطعه الله، فهذا ترغيب، وهذا ترهيب، وفي الحديث الجمع بين الترغيب والترهيب، وكثيراً ما يأتي في الكتاب والسنة الجمع بين الترغيب والترهيب، يرغب في الخير، ويرهب من الشر، يرغب في أمر من الأمور، ويرهب من خلافه، وقد اعتنى العلماء قديماً بجمع الأحاديث التي فيها الترغيب والترهيب، ومن أحسن ما كتب فيها وأجمعه كتاب: الترغيب والترهيب للمنذري، الذي يجمع مثل هذه الأحاديث التي فيها ترغيب في شيء، وتحذير من شيء، والحديث جمع فيه بين الترغيب والترهيب، ترغيب في وصل الصفوف، وترهيب من قطع الصفوف، والحديث كما ذكرت: فيه دليل على أن الجزاء من جنس العمل؛ لأن الحديث: (من وصل صفاً وصله الله، ومن قطع صفاً قطعه الله)، وقد جاء في أحاديث كثيرة مثل هذا المعنى الذي هو ذكر الجزاء من جنس العمل؛ وذلك مثل قوله: (من نفس عن مسلم كربة من كرب الدنيا، نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة)، فتلك الجزاء فيها من جنس العمل، وكثيراً ما تأتي النصوص من هذا القبيل، فيها بيان أن الجزاء من جنس العمل، وقطع الصفوف يكون بالجلوس فيها بدون صلاة، بأن يجلس بين الصف، فيكون الصف مقطوعاً وهو جالس فيه لا يصلي، فإن هذا داخل في قطع الصفوف، ويدخل في ذلك أيضاً كونه يحول دون أحد أن يصل الصف، وأن يمنعه من ذلك، فإن هذا أيضاً فيه قطع للصفوف، وقد قال عليه الصلاة والسلام: (من قطع صفاً قطعه الله).

    تراجم رجال إسناد حديث: (من وصل صفاً وصله الله ...)

    قوله: [أخبرنا عيسى بن إبراهيم بن مثرود].

    وهو عيسى بن إبراهيم بن مثرود، وهو المصري، وهو ثقة، خرج حديثه أبو داود، والنسائي.

    [حدثنا عبد الله بن وهب].

    وهو عبد الله بن وهب، وهو المصري، وهو: ثقة، ثبت، محدث، فقيه، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    [عن معاوية بن صالح].

    وهو معاوية بن صالح بن حدير الدمشقي، وهو صدوق، له أوهام، أخرج حديثه البخاري في جزء القراءة، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.

    [عن أبي الزاهرية].

    وهو حدير بن كريب الحمصي، خرج حديثه البخاري في جزء القراءة ومسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، ما خرج له البخاري في الصحيح، ولا الترمذي في الجامع.

    [عن كثير بن مرة].

    وهو كثير بن مرة الحمصي، وهو: ثقة، خرج له البخاري في جزء القراءة، وأصحاب السنن الأربعة.

    [عن عبد الله بن عمر].

    وهو عبد الله بن عمر صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، أحد العبادلة الأربعة في الصحابة، الذين هم من صغار الصحابة، وهم: عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما، وعبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما، وعبد الله بن الزبير رضي الله عنهما، وعبد الله بن عباس رضي الله عنهما، صحابة أبناء صحابة، وهم من صغار الصحابة، ابن عمر يوم أحد عمره أربع عشرة سنة، وابن عباس في حجة الوداع ناهز الاحتلام، وابن الزبير ولد في أول الهجرة، وهو أول مولود ولد بعد هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم، ولدته أمه وهي في قباء قبل أن يصلوا إلى المدينة، من حين ما وصلوا إلى قباء، وعبد الله بن عمرو أيضاً كذلك هو من صغار الصحابة رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وهؤلاء الأربعة الذين من صغار الصحابة -وهم العبادلة- في سن متقارب، وأدركهم الكثير من التابعين ورووا عنهم، وليس فيهم عبد الله بن مسعود؛ لأن عبد الله بن مسعود متقدم الوفاة، توفي سنة: (32هـ)، وهو من كبار الصحابة، وليس من صغارهم، وهو من المهاجرين رضي الله تعالى عنه وأرضاه.

    وعبد الله بن عمر أحد السبعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذين عرفوا بكثرة الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهم الذين جمعهم السيوطي في الألفية بقوله:

    والمكثرون في رواية الأثر أبو هريرة يليه ابن عمر

    وأنس والبحر كالخدري وجابر وزوجة النبي

    فهؤلاء سبعة من أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام هم الذين تميزوا على غيرهم بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    ذكر خير صفوف النساء وشر صفوف الرجال

    شرح حديث: (خير صفوف الرجال أولها وشرها آخرها ...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ذكر خير صفوف النساء وشر صفوف الرجال.

    أخبرنا إسحاق بن إبراهيم أخبرنا جرير عن سهيل عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (خير صفوف الرجال أولها، وشرها آخرها، وخير صفوف النساء آخرها، وشرها أولها)].

    أورد النسائي هذه الترجمة وهي: ذكر خير صفوف النساء، وخير صفوف الرجال.

    فأورد النسائي حديث: أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (خير صفوف الرجال أولها، وشرها آخرها، وخير صفوف النساء آخرها، وشرها أولها)، وهذا الحديث يدل على هذا التفاوت بالنسبة للرجال مطلقاً، سواء كان معهم نساء أو ليس معهم نساء، فخير صفوف الرجال أولها وشرها آخرها، سواء كان معهم نساء أو ليس معهم نساء، وأما النساء فإن خير صفوف النساء آخرها، وشرها أولها فيما إذا كن مع الرجال، أما لو كن وحدهن فالذي يظهر أن خير صفوفهن أولها، وإنما هذه الخيرية بالنسبة للآخر إذا كن مع الرجال؛ وذلك ليكن بعيدات، وليكن حذرات من أن يقعن، بأن يحصل منهن الفتنة لهن أو لغيرهن، يعني: يفتتن بالقرب من الرجال، وأيضاً كذلك الرجال يفتتنون بهن، فهذه الخيرية لصفوف النساء فيما إذا كن مع الرجال، أما الرجال فإنهم مطلقاً، سواء كان معهم نساء أو ليس معهم نساء، وإنما كان خير صفوف الرجال أولها؛ لأن الصف الأول فيه التبكير إلى الصلاة، التبكير للمسجد، والإنسان إذا دخل المسجد وجلس فيه، فهو في صلاة مادام ينتظر الصلاة، ثم أيضاً القرب من الإمام، وتحصيل فضل الصف الأول الذي يقول فيه الرسول صلى الله عليه وسلم: (لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول، ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا عليه).

    ثم أيضاً فيه: القرب من الإمام وسماع قراءته، لا سيما في الأماكن التي لا يوجد فيها مكبرات صوت، تذهب وتصل إلى الصفوف كلها، ففيه ميزات يتميز بها على غيره، وشر صفوف الرجال آخرها وأقلها أجراً؛ وذلك أن من جاء إليها إنما جاء متأخراً، وقد فاته خير كثير، وإن كان هو على خير؛ لأنه جاء لصلاة الجماعة، وأدرك صلاة الجماعة، لكن فاته ما حصله الذين بادروا، وحصل منهم السبق إلى الإتيان إلى المساجد، وتحصيل الصفوف الأول الأول فالذي يليه؛ لأن كل صف فهو أفضل من الذي يليه، وأعظم أجراً، وآخر الصفوف أصحابها أقل المصلين أجراً؛ وذلك لتأخرهم؛ ولأنه لم يحصل منهم ما حصل ممن بادروا، فجلسوا ينتظرون الصلاة، وهم على خير، وكذلك أيضاً قربوا من الإمام.

    ثم أيضاً كلمة: (خير) و(شر) في الحديث، هما أفعل تفضيل، حذفت منهما الهمزة، وتحذف الهمزة في هذين الاثنين -يعني: هذين اللفظين- فيقال: خير وشر، كما في هذا الحديث، ويأتي هذان اللفظان باسمين، وليس أفعل تفضيل، متقابلان، الشر والخير، ومن ذلك قول الله عز وجل: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه [الزلزلة:7-8]، فإن هذان اسمان متقابلان ليس أفعل تفضيل، ولكن هنا: (خير صفوف الرجال أولها، وشرها آخرها، وخير صفوف النساء آخرها، وشرها أولها)، هذان أفعل تفضيل حذفت منهما الهمزة، وقد جمع بين هذين اللفظين، أو هذين المعنيين الذي هو أفعل تفضيل، واسم بمعنى يقابل الشر، في قول الله عز وجل: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الأَسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ [الأنفال:70] (إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا)، هي بمعنى مقابل الشر، خير اسم، (يُؤْتِكُمْ خَيْرًا)، يعني: أفضل مما فاتكم، ومما أخذ منكم.

    والحديث فيه الجمع بين الترغيب والترهيب، كالذي تقدم: (من وصل صفاً وصله الله، ومن قطع صفاً قطعه الله)، ففيه: ترغيب في أول الصفوف، وتحذير من التأخر حتى لا يكون له إلا أن يكون في آخرها، وكذلك بالنسبة للنساء مع الرجال ترغيبهن في أن يكن في آخر الصفوف، وترهيبهن أو تحذيرهن من أن يكن في أول الصفوف؛ لما في ذلك من القرب من الرجال، والتعرض للفتنة في أنفسهن، وكذلك فتنتهن لغيرهن.

    ومن المعلوم: أن المرأة كلما كانت حذرة، بعيدة من أن تعرض نفسها للفتنة، أو تعرض غيرها للفتنة، أن ذلك خير لها ولغيرها، وقد قال عليه الصلاة والسلام في الحديث الذي رواه البخاري في صحيحه: (ما تركت بعدي فتنة هي أضر على الرجال من النساء).

    إذا كان هذا الحديث فيه: الإرشاد للذين يأتون إلى المساجد من الرجال والنساء، على أن يكون الرجال بعيدين عن النساء، والنساء بعيدات عن الرجال، مع أن الغالب أن الذين يأتون إلى المساجد فيهم خير، ومع ذلك حصل التنبيه والإرشاد إلى التباعد بعضهم من بعض، فمن باب أولى أن يكون ذلك في غير المساجد، يعني: من حيث بعد الرجال عن النساء، وبعد النساء عن الرجال، والحذر من الاختلاط الذي يؤدي إلى الفتن، ويؤدي إلى الفواحش، ويؤدي إلى فساد الأنساب، ويؤدي إلى أمور كثيرة وخطيرة، فالواجب هو الحذر، والأخذ بما جاءت به التعاليم الشرعية عن رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.

    تراجم رجال إسناد حديث: (خير صفوف الرجال أولها وشرها آخرها ...)

    قوله: [أخبرنا إسحاق بن إبراهيم].

    وهو: ابن مخلد المشهور بـابن راهويه، وهو: محدث، فقيه، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وهو لقب رفيع، لم يظفر به إلا النادر القليل من المحدثين، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه فإنه لم يخرج له شيئاً، وقد ذكرت مراراً: أن عدم الإخراج لشخص أنه لا يدل على تضعيفه، ولا على الكلام فيه؛ لأن من الثقات الكثير والكثير ممن لم يخرج له البخاري، ومسلم، وليس معنى ذلك أن ذلك لقدح فيهم، وإنما البخاري، ومسلم لم يلتزما إخراج كل حديث صحيح، ولم يلتزما الإخراج لكل ثقة، ولو التزما أن يخرجا كل حديث صحيح، لأتيا على الكثير من الثقات، لكنهما ما التزما أن يخرجا كل صحيح، وكذلك أيضاً لم يلتزما أن يخرجا لكل ثقة، فكم من ثقة هو في الجلالة والعظمة وقوة الحفظ والإتقان، ومع ذلك ليس موجوداً في الصحيحين، وذكرت أن من هؤلاء: أبو عبيد القاسم بن سلام، هذا إمام، محدث، مصنف؛ له مصنفات، ومع ذلك ما خرج له في الكتب الستة؛ لأن أصحاب الصحيح لم يقصدوا الاستيعاب للأحاديث الصحيحة، ولا الرواية أو التخريج عن كل ثقة، ولذلك لا يعني أن عدم تخريجه له أن فيه شيء، لا، أبداً، كم من ثقة لم يخرج له في الكتب، بل لم يخرج له البخاري، ومسلم في كتابيهما، وما أكثرهم، وذكرت أن أبا عبيد القاسم بن سلام جاء ذكره في البخاري في تفسير بعض الكلمات الغريبة، ولم يأتِ ذكره في الأسانيد.

    [أخبرنا جرير].

    وهو ابن عبد الحميد الكوفي، وهو: ثقة، صحيح الكتاب، وتغير حفظه بآخره، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    [عن سهيل].

    وهو سهيل بن أبي صالح، وأبوه أبو صالح مشهور بكنيته، وهو: ذكوان السمان، سهيل بن أبي صالح ذكوان السمان، وهو: صدوق، خرج له أصحاب الكتب الستة، إلا أن البخاري خرج له مقروناً، وتعليقاً، وخرج له حديثاً واحداً في الجهاد مقروناً بغيره، يعني: ليس مستقلاً، قرنه بآخر، وخرج له تعليقاً، وأورد له حديثاً جاء في صحيح مسلم من طريق سهيل بن أبي صالح عن أبيه، وأورده في ترجمة باب، أي: جعله البخاري ترجمة باب؛ لأن سهيلاً ليس على شرط البخاري، فمن أجل ذلك أورد الحديث في ترجمة، فقال: باب: قول النبي صلى الله عليه وسلم: (الدين النصيحة، قالوا: لمن يا رسول الله؟ قال: لله، ولرسوله، ولكتابه، ولأئمة المسلمين، وعامتهم)، ثم أورد تحته حديث جرير بن عبد الله الذي هو دال على معناه: (بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم على إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة والنصح، لكل مسلم)، والإتيان به في الترجمة يدل على أنه صالح للاحتجاج، ولكنه لم يذكره في الصحيح؛ لأن سهيلاً ليس على شرطه. ورمز له الحافظ ابن حجر بالجماعة، لكن إخراج البخاري له مقرون.

    [عن أبيه].

    وهو أبو صالح ذكوان السمان، ويقال له: الزيات، يعني: أنه كان يجلب الزيت، فقيل له: الزيات، ويقال له: السمان، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [عن أبي هريرة].

    وهو صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل هو أكثر الصحابة على الإطلاق.

    1.   

    الصف بين السواري

    شرح حديث أنس: (في ترك الصف بين السواري)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [الصف بين السواري.

    أخبرنا عمرو بن منصور حدثنا أبو نعيم عن سفيان عن يحيى بن هانئ عن عبد الحميد بن محمود، أنه قال: (كنا مع أنس رضي الله عنه، فصلينا مع أمير من الأمراء، فدفعونا حتى قمنا وصلينا بين الساريتين، فجعل أنس يتأخر، وقال: قد كنا نتقي هذا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم)].

    أورد النسائي هذه الترجمة، وهي: الصف بين السواري، يعني: المنع من ذلك، وترك ذلك؛ وذلك لأنها تقطع الصفوف؛ لأن سواري الصف يكون فيه قطع للصفوف، وهذا بالنسبة للمأمومين، أما كون الإنسان يصلي نافلة، فله أن يصلي بين السواري، لكن كونه يصلي إلى سترة، ويكون إلى عمود، هذا هو الذي ينبغي، وهو الأولى، لكن لو صلى بين عمودين نافلة، فإنه لا مانع من ذلك، وإنما المحذور هو في صلاة الجماعة، المأمومون يصلون بين السواري، معناه: يكون الصف الذي بين السواري متقطع، والسارية والعمود تقطع الصف، والسواري المتعددة تقطع الصف، فمن أجل ذلك جاء الرغبة عنها وتركها، وأنهم كانوا يتقون ذلك في زمنه عليه الصلاة والسلام؛ لأنها تقطع الصفوف، والنصوص جاءت في وصل الصفوف، والحث عليها، والترغيب في ذلك، وهذا هو أحسن ما قيل في تعليل النهي عن الصف بين السواري، أي: بالنسبة للمأمومين، وأما بالنسبة للمنفرد، أو الذي يصلي نافلة، فلا بأس بذلك، والنبي صلى الله عليه وسلم لما دخل الكعبة صلى بين العمودين اليمانيين، لأنه كان يتنفل في الكعبة، فالمنع إنما هو في حق المأمومين، فإنهم لا يصلون بين السواري؛ وذلك لقطعها الصفوف.

    وقد أورد النسائي حديث: أنس بن مالك رضي الله عنه، عن عبد الحميد بن محمود أنه قال: (صلينا مع أنس بن مالك مع أمير من الأمراء فدفعونا)، يعني: من كثرة الزحام، وحصل دفع حتى صاروا بين عمودين، (فصار أنس يتأخر)، يعني: يتأخر عن أن يصلي بين العمودين، وقال: (كنا نتقي ذلك)، يعني: بعدما فرغ من الصلاة، قال: (كنا نتقي ذلك على عهد رسول الله عليه الصلاة والسلام)، يعني: كنا نتجنب ذلك؛ الذي هو الصلاة بين السواري، وبين الأعمدة، والسبب في هذا كما هو واضح، هو كونها تقطع الصفوف.

    تراجم رجال إسناد حديث أنس في ترك الصف بين السواري

    قوله: [أخبرنا عمرو بن منصور].

    وهو عمرو بن منصور، وهو النسائي، أي: من بلد النسائي، وهو: ثقة، ثبت، خرج حديثه النسائي وحده.

    [حدثنا أبو نعيم].

    وهو الفضل بن دكين، شيخ البخاري، والنسائي يروي عنه بواسطة، وهو من كبار شيوخ البخاري، أبو نعيم الفضل بن دكين، مشهور بكنيته، ويماثله في الشهرة بـأبي نعيم شخص متأخر، مؤلف ومصنف صاحب الحلية وغيرها من الكتب المتوفى سنة: (430هـ)، صاحب حلية الأولياء وغيرها من الكتب، فذاك متأخر، وهو مشهور بكنيته، وأما هذا فشيخ البخاري، وهو متقدم، واسمه: الفضل بن دكين الكوفي الملائي، وهو ثقة، ثبت، وتكلم فيه من أجل التشيع، وقيل: إنه يتشيع، والحافظ لما ذكره في مقدمة الفتح؛ حين ذكر الذين تكلم فيهم في مقدمة الفتح، ودافع عنهم، وأجاب عن الكلام فيهم، وكان من جملة ما قاله في الجواب على أبي نعيم في مقدمة الفتح، أنه قال: تكلم فيه في التشيع، ثم قال: وقد ثبت عنه أنه قال: ما كتبت علي الحفظة أنني سببت معاوية. ومن المعلوم: أن الرافضة من أسهل الأشياء عندهم سب معاوية، بل سب معاوية هو المدخل إلى سب أصحاب الرسول عليه الصلاة والسلام؛ لأن من اجترأ على معاوية اجترأ على غيره، وأبو نعيم -الذي قيل عنه: أنه يتشيع- كان يقول هذه الكلمة، وهذا يدل على سلامته من أن يكون في نفسه شيء على الصحابة، وإذا كان هذا كلامه في معاوية، إذاً: معناه أنه سليم؛ لأن الكلام في معاوية عند الرافضة من أسهل الأشياء، ومن أقرب الأشياء أن يتكلموا في معاوية، الذين لا يتكلمون في الشيخين، يتكلمون في معاوية، أو من الذين لا يتكلمون في الشيخين يتكلمون عن معاوية، وأما الرافضة فإنهم يتكلمون في الشيخين وفي غير الشيخين، يتكلمون في الشيخين أبي بكر، وعمر وغيرهما من الصحابة رضي الله تعالى عن الجميع، لكن سب معاوية، والقدح في معاوية، والكلام في معاوية، يتكلم فيه من لا يتكلم في الشيخين. فلسانه نزيه، ونظيف من أن يتكلم في معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه بسوء، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    [عن سفيان].

    وهو سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري، وهو ثقة، ثبت، إمام، حجة، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وهذا من أعلى صيغ التعديل، وأرفع صيغ التعديل، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.

    [عن يحيى بن هانئ].

    وهو يحيى بن هانئ، وهو -أيضاً- ثقة، خرج حديثه أبو داود، والترمذي، والنسائي.

    [عن عبد الحميد بن محمود].

    وهو عبد الحميد بن محمود، هو: ثقة، وخرج له أبو داود، والترمذي، والنسائي، وليس له عندهم إلا هذا الحديث الواحد في الصف بين السواري، ليس له في الكتب الثلاثة التي هي: سنن النسائي، وسنن الترمذي، وسنن أبي داود، ليس فيها إلا هذا الحديث الواحد، وهو في الصف بين السواري، في قصة كونه مع أنس بن مالك يصلون مع أمير من الأمراء، وأنه حصل زحام، وأنهم دفعوا حتى كانوا بين ساريتين، فكان أنس يتأخر، ولما فرغ من الصلاة قال: كنا نتقي ذلك على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، أي: نتجنب الصف بين السواري.

    [عن أنس].

    وهو أنس بن مالك رضي الله عنه صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وخادمه، وأحد السبعة المكثرين من رواية حديث رسول الله عليه الصلاة والسلام، وقد دعا له الرسول صلى الله عليه وسلم بأن يكثر الله ولده، وأن يكثر ماله، وأن يطيل في عمره، وقد حصل له ذلك، وأدركه الكثير من التابعين، بل أدركه صغار التابعين، وروى عنه الكبار والمتوسطون، والصغار من التابعين رضي الله تعالى عنه وأرضاه.

    1.   

    المكان الذي يستحب من الصف

    شرح حديث البراء بن عازب: (كنا إذا صلينا خلف رسول الله أحببت أن أكون عن يمينه)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [المكان الذي يستحب من الصف.

    أخبرنا سويد بن نصر أخبرنا عبد الله عن مسعر عن ثابت بن عبيد عن ابن البراء عن البراء رضي الله عنه أنه قال: (كنا إذا صلينا خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم أحببت أن أكون عن يمينه)].

    أورد النسائي هذه الترجمة، وهي: المكان الذي يستحب من الصف، يعني: وهو أن يكون على يمين الإمام، يعني: ميامن الصفوف أفضل من مياسرها، وقد أورد النسائي فيه حديث: البراء بن عازب رضي الله عنه قال: (كنا إذا صلينا خلف رسول الله عليه الصلاة والسلام أحببت أن أكون على يمينه)، يعني: في أيمن الصف، وهو دال على ما ترجم له المصنف من جهة أن أيمن الصف مرغوب فيه، وأن الصحابة كانوا يفعلون ذلك، وجاء أيضاً حديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام: (إن الله وملائكته يصلون على ميامن الصفوف).

    تراجم رجال إسناد حديث البراء بن عازب: (كنا إذا صلينا خلف رسول الله أحببت أن أكون عن يمينه)

    قوله: [أخبرنا سويد بن نصر].

    وهو المروزي، وهو ثقة، حافظ، خرج حديثه الترمذي، والنسائي.

    [أخبرنا عبد الله].

    وهو عبد الله بن المبارك المروزي، وهو ثقة، ثبت، عابد، مجاهد، جواد، ذكر الحافظ ابن حجر في التقريب جملة من صفاته، وعقبها بقوله: جمعت فيه خصال الخير، وقال فيه بعض العلماء: هو أجل من أن يقال فيه: ثقة، معناه: قمة في الثقة والعدالة رحمة الله عليه، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    [عن مسعر].

    وهو مسعر بن كدام الكوفي، وهو ثقة، ثبت، فاضل، يروي عن ثابت بن عبيد الأنصاري مولى زيد بن ثابت رضي الله تعالى عنه، وحديثه أخرجه البخاري في الأدب المفرد، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.

    [عن ابن البراء].

    وهو عبيد بن البراء بن عازب، ثقة، أخرج له مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، ما خرج له البخاري، ولا الترمذي.

    [عن البراء بن عازب]

    وهو صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهو صحابي ابن صحابي، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.

    والله تعالى أعلم.

    1.   

    الأسئلة

    حكم إمامة المتنفل بالمفترض

    السؤال: إذا أردت أن أتصدق على إنسان بالصلاة معه، فهل يجوز أن أكون له إماماً؟

    الجواب: نعم، يجوز، يعني: المتنفل يجوز أن يكون إماماً للمفترض، والعكس، المفترض يكون إماماً للمتنفل، والدليل على هذا فعل معاذ بن جبل رضي الله عنه حيث كان يصلي مع رسول الله عليه الصلاة والسلام، ثم يرجع إلى قومه فيصلي بهم، هو إمام، وهم مأمومون، وهو متنفل، وهم مفترضون.

    سفر الابن للنزهة بغير رضا الأم وإذنها

    السؤال: هل يحل للابن البالغ أن يسافر للنزهة في يوم أو يومين، مع أن أمه غير راضية عن سفره، وهي غير محتاجة إليه؛ لوجود إخوة غيره؟

    الجواب: الذي ينبغي له أن يسترضيها، وأن يحرص على إرضائها، وأن يكون ذلك عن رضاها، وعن موافقتها، يعني: إذا كان مجرد نزهة، هذا ليس بلازم، فعليه أن يصبر، ويستميلها، ويطلب منها، فإن رضيت وإلا فلا يذهب؛ لأن هذا ليس أمراً مهماً.

    حكم حديث: (أمرت أن أقاتل بهذا -أي: السيف- من يخرج عن هذا -أي: المصحف-)

    السؤال: فضيلة الشيخ! السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

    ورد هذا الحديث في فتاوى شيخ الإسلام في المجلد الخامس والثلاثون وذكر الصفحة: عن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أمرت أن أقاتل بهذا -أي: السيف- من يخرج عن هذا -أي: المصحف-)، ولكني بحثت عن هذا الحديث في كتب السنة فما عثرت عليه، وهل لفضيلتكم علم لمدى صحة هذا الحديث؟

    الجواب: لا أعلم عنه شيئاً، أولاً: المصحف ما كان موجوداً في زمنه عليه الصلاة والسلام، وإنما المصحف جمع بعد ذلك، أول من جمعه أبو بكر رضي الله عنه، فكان فيه صحف، ثم بعد ذلك جمع الجمعة الأخيرة في عهد عثمان، والمصحف هو الموجود بين أيدينا، فالمصحف ليس موجوداً في زمنه.